ذَكَرَ المُؤَرِّخُون أَنَّ أَبَا الوَليْدِ تَوَلَّى قَضَاءَ طَلْبِيْرَةَ، و"طَلْبِيْرَةَ": مَدِيْنَةٌ في أَقْصَى ثُغُور الأنْدَلُسِ، وَقَلْعَتُهَا أَرْفَعُ القِلاع حِصْنًا، وَمَدِيْنَتُهَا أَشْرَفُ البِلادِ حُسْنًا، بَيْنَهَا وَبَيْنَ طُلَيْطُلَةَ سَبْعُونَ مِيْلًا، وَ"طُلَيْطُلَةُ" مِنْ أَعْظَمِ بِلادِ الأنْدَلُسِ وَأَكْبَرِهَا، وَهِيَ دَارُ المُلْكِ بالأنْدَلُسِ، حِيْنَ دَخَلَهَا طَارِقُ بنُ زِيَادٍ ﵀. وَقَاضِي طُلَيْطُلَة رَئيْسٌ لِقُضَاةِ نَوَاحِيْهَا والبُلْدَان التَّابِعَة لَهَا بِمَا فِيْهَا طَلْبِيْرَة، إذًا فـ "طَلْبِيْرَةُ" المَذْكُوْرَةُ هُنَا مِنْ أَعْمَالِها وَنَوَاحِيْهَا، جَاءَ في تَرْجَمَةِ أَحْمَدَ بنِ يَحْيَى بْنِ سُمَيْقٍ (ت ٤٥١ هـ) (١): "وقَصَدَ طُلَيْطُلَةَ فَسَكَنَهَا، وَوَلَّاه أَبُو مُحَمَّدِ بنِ الحَذَّاءِ أيَّام قَضَائِهِ بِهَا أَحْكَامَ القَضَاءَ بِطَلْبِيْرَةَ، فَسَارَ بِهِمْ بِأحسَنِ سِيْرَةٍ، وَأَقُوْمِ طَرِيْقَةٍ، وعَدَلَ في القَضِيّة". وَأَبُو مُحَمَّدٍ المَذْكُوْرُ هو نَفْسُهُ أبُو عُمَرَ الحَذَّاء، شَيْخُ الوَقَشِيِّ السَّالِفِ الذِّكْرِ في مَبْحَثِ شُيُوْخِهِ.
وَمَمْلَكَةُ طُلَيْطُلَةَ في زَمَنِ أَبِي الوَليْدِ تَحْتَ حُكْمِ الأمِيْرِ المَأْمُوْن يَحْيَى بنِ الظَّافِرِ بن ذِي النُّوْنِ (٤٢٩ - ٤٦٧ هـ) (٢) أَحَدُ مُلُوْك الطَّوَائِفِ بالأنْدَلُسِ، وَكَانَ
_________________
(١) الصِّلة (٥٧).
(٢) اسمُهُ يَحْيَى بنُ إِسْمَاعِيْلَ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَن بنِ عَامِرِ بنِ ذي النُّوْن الهَوَارِيُّ. أخباره في: =
[ مقدمة / ٣٥ ]
أَبُو الوَليْدِ يَتَرَدَّدُ إِلَى مَجَالِسِهِ (١)، وَكَانَ الأمِيْرُ المَذْكُوْرُ يَصِفُهُ بِـ"القَاضِي".
وَقَدْ وَلِيَ قَضَاءَ طُلَيْطُلَةَ في زَمَنِ الأمِيْرِ المَذْكُوْرِ عَدَد مِنَ العُلَمَاءِ (٢) مِنْهُمْ:
- أبُو عُمَرَ أحْمَدُ بن مُحَمَّد بن يَحْيَى الحَذَّاءُ (ت ٤٦٧ هـ) (٣).
- ثُمَّ وَلِيَ بَعْدَهُ: أحْمَدُ بنُ عَبْدِ الرَّحمن بنِ مُحَمَّدِ بنِ صَاعِدِ بنِ وَثيقٍ التَّغْلِبِيُّ (ت ٤٤٩ هـ) قَاضِيًا. قَال ابنُ بَشْكوال: "اسْتقْضَاهُ المَأْمُونُ يَحْيَى بنُ ذِي النُّوْن بطُلَيْطُلة بَعْدَ أَبِي عُمَرَ الحَذاءِ".
- ثُمَّ أبُو الوَلِيْد صَاعِدُ بنُ أَحْمَدَ بن عَبْد الرَّحْمَن التَّغْلِبيُّ (ت ٤٦٢ هـ) وَتُوفِيَ وَهُوَ قَاضِيهَا (٤).
- ثُمَّ وَلِيَ القَضَاءَ بَعْدَهُ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ مُحَمَّد بن عِيْسَى، يُعْرَفُ بـ "الحَشَّاء" (ت ٤٧٣ هـ). قَال ابنُ بَشكوال (٥): "اسْتَقْضَاهُ المَأْمُوْنُ يَحْيَى بنُ ذِي النُّونِ بِطُلَيْطُلَةَ بَعْدَ أَبِي الوَليْدِ صَاعِدٍ في الخَمْسِيْن وَأَرْبعمائة ثمَّ صُرِفَ عَنْهَا سَنَةَ سِتِّينَ "وَيَبْدُو أنَّ القَاضِي أبَا الوَليْدِ صَاعِدًا عَادَ إِلَى القَضَاءِ سَنَةَ سِتيْن حَتَّى وَفَاتِهِ
_________________
(١) = المغرب في حلى المغرب (٢/ ١٢)، وسير أعلام النبلاء (١٨/ ٢٢٠)، وأزهار الرِّياض (٢/ ٢٠٨)، ونفح الطيب (١/ ٤٤٠) وغيرها.
(٢) نفح الطيب (٤/ ١٣٨).
(٣) جَمَعَ الشَّيْخُ أَحْمَدُ بنُ عبد الرَّحمن بن مُطَاهر الأنْصَارِيُّ الطُّلَيْطُلِي (ت ٤٨٩ هـ) تاريخًا حافلًا في فُقَهَاءِ وَقُضَاةِ طُلَيْطُلَةَ حَتى زَمَنِهِ، اعْتَمَدَ عَلَيْهِ ابنُ بشكوال في كتاب "الصِّلة" فذكره في مُقَدِّمَتِهِ، وفي ترجمة مؤلِّفه. يُراجع: الصِّلة (٣، ٧٠).
(٤) الصِّلة (٥٦).
(٥) المصدر نفسه (٤٥٠) ويظهر أنَّه ابنُ سابقه.
(٦) الصلة (٣٤٠).
[ مقدمة / ٣٦ ]
سَنَةَ (٦٢ هـ) عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
- ويظهر أيضًا أنَّه وَلِيَهَا بَعْدَهُمَا القَاضِي: الفَرَجُ بنُ أبِي الفَرَج بنِ يعلَى التُّجَيْبِيُّ (ت ٤٧٠ هـ) (١).
- وَوَلِيَ قَضَاءَهَا أَيْضًا: أحْمَدُ بنُ يُوْسُف بنِ أَصْبغَ بنِ خَضِرٍ الأنْصَارِيُّ (ت ٤٨٠ هـ) (٢).
- وَآخرُ قُضَاتِهَا زَمَنِ الأمِيْرِ المَذْكُوْرِ هُوَ سَعِيْدُ بنُ يَحْيَى بنِ سَعِيْدٍ الحَدِيْدِيُّ التُّجَيْبِيُّ (ت ٤٧٢ هـ) قَال ابْنُ بشكوال (٣): "وَتَوَلَّى القَضَاءَ بطُلَيْطُلَةَ بتَقْدِيْمِ المَأْمُون يَحْيَى بنِ ذِي النُّوْنِ، وَكَانَ حَسَنَ السِّيْرَةِ، جَمِيْلَ الأخْلاقِ لَمْ يَزَلْ يَتَوَلَّاهَا مُدَّةَ المَأْمُوْنِ إِلَى أَنْ تُوُفِيَ" أَيْ: تُوُفِيَ المَأْمُوْن.
وَأَمَّا "طَلْبِيْرَةُ فَتَوَلَّى قَضَاءَهَا عدَدٌ مِنَ العُلَمَاءِ في زَمَنِ الأمِيْرِ المَذْكُوْرِ مِنْهُمْ صَاحِبُنَا أَبُو الوَليْدِ الوَقَّشِيُّ.
- وَمِنْهُم أحْمَدُ بنُ يَحْيَى بنِ سُمَيقٍ (ت ٤٥١ هـ) (٤).
- وَعُثْمَانُ بنُ عِيْسَى المَعْرُوفُ بـ "ارفع رأسه" (٥).
- وَمُحَمَّدُ بنُ أَحْمَدَ بنِ حَزْمٍ الأنْصَارِيُّ (ت ٤٧٨ هـ) (٦) مِنْ مُعَاصِرِي أَبِي الوَليْدِ.
_________________
(١) المصدر نفسه (٤٦٢).
(٢) المصدر نفسه (٦٩).
(٣) المصدر نفسه (٢٢٣).
(٤) المصدر نفسه (٥٧).
(٥) المصدر نفسه (٤٠٥).
(٦) الصلة (٥٥٤).
[ مقدمة / ٣٧ ]
- وأمَّا عَبْدُ اللهِ بنُ فَرَجِ بنِ غَزْلُوُن اليَحْصُبِي المَعْرُوْفُ بـ"الغَسَّالِ" فَهُوَ مِنْ مُعَاصِرِي أَبِي الوَليْدِ أَيْضًا وَأَقْرَانِهِ. وَذَكَرَ ابنُ بشكوال (١) "أَنّه استَقْضَى بطَلْبِيْرَةَ بَعْدَ أَبِي الوَليْدِ الوَقَّشِيِّ قَدِيْمًا". كذا قَال.
هَؤلاءِ هُم الَّذِيْن عَرَفْتَهم ممن تَوَلَّى قَضَاءَ طَلْبِيْرَةَ في زَمَنِ الأمِيْرِ المَذْكُوْرِ، وَلَا أَعْرِفُ تَرتيْبهم الزَّمَنِي وإنْ كُنْتُ أظن أَنْ أَقْدَمَهُم ابنُ سُمَيْقٍ؛ لأنَّهُ كَانَ في فَتْرَةِ قَضَاءِ أَبِي عُمَرَ الحَذَّاءِ (ت ٤٦٧ هـ)، وَهُوَ أَقْدَمُ مَنْ تَوَلَّى قَضاءَهَا زَمَنَ الأمِيْرِ المَأْمُوْن، وَيَلِيْهِ الشَّيْخُ أَبُو الوَليْدِ الوَقَّشِيُّ الَّذِي تَوَلَّى القَضَاءَ زَمَن أَبِي عُمَرَ أَيْضًا سَنَةَ (٤٣٨ هـ) حَيْثُ لَقِيَهُ صَاعِدُ بنُ أَحْمَدَ بطُلَيْطُلَةَ وَهُوَ مُتَقَلَّدٌ القَضَاءَ بَيْنَ أَهْلِ طَلْبِيْرَةَ في السَّنَةِ المَذْكُوْرَةِ.