قَوْلُهُ: "ثَائِرُ الرَّأْسِ" [٩٤]. أَي: قَائِمُ الشَّعْرِ غَيرُ مَتَرَجَّلٍ، يُقَالُ: ثَارَ شَعْرُهُ. وَلَيسَ لِطَلْحَةَ بنِ عُبَيدِ الله في "المُوَطَّأ" غَير حَدِيثِ [هَذَا] الثَّائِرِ، وَهُوَ ضِمَامُ بنُ ثَعْلَبَةَ، أَحَدُ بَنِي سَعْدِ بنِ بَكْرٍ (١).
- وَقَوْلُهُ: "يَسْألُ عَنِ الإسْلامِ". أَرَادَ: عَنْ فَرَائضِ الإسْلامِ فَحَذَفَ
_________________
(١) هو ضِمَامُ بنُ ثَعْلَبَةَ السَّعْدِيُّ، من بَنِي سَعْدِ بنِ بَكْرِ، قَال الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ في "الإصابة": "وَزَعَمَ الوَاقِدِيُّ أَنَّ قُدُوْمَهُ كَانَ سَنَةَ خَمْسٍ، وفيه نظرٌ. وَذَكَرَ ابنُ هِشِامٍ عن أَبِي عُبَيدَةَ أَنَّ قُدُوْمَهُ كَانَ سَنَةَ تِسْعٍ، وهَذَا عِنْدِي أَرْجَحُ. وَقَال الحَافِظُ أَبُو عُمَرَ بنُ عَبْدِ البَرِّ في "الاسْتِيعَابِ" ويُقَالُ التَّمِيمِيُّ، ولَيسَ بِشَيءٍ. ونَقَلَ الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ عن ابنِ مَنْدَه وأَبِي سَعِيدٍ النَّيسَابُوْرِيِّ عن رَجُلٍ من بَنِي تَمِيمٍ يُقَالُ لَهُ: ضِمَامُ بنُ ثَعْلَبَةَ ". أقُوْلُ: الصَّحِيحُ أَنَّ ضِمَامًا هَذَا سَعْدِيُّ بَكْرِيُّ قَيسِيُّ، لَا سَعْدِيٌّ تَمِيمِيُّ. قَال الرُّشَاطِيُّ في الأنْسَابِ "مُخْتَصَرِ عَبْدِ الحَقِّ الأشْبِيليِّ": "السَّعْدِيُّ" في قَبَائِلَ، فَفِي فَيسِ عَيلان: سَعْدُ بنُ بَكرِ بنِ هَوَازِن بن مَنْصُوْرِ بنِ عِكْرِمَةَ بنِ خَصَفَةَ بنِ قَيسِ عَيلان، ويُقَالُ لَهَا: سَعْدُ الحُضَنَةُ، منهم: حَلِيمَةُ بنتُ أَبِي ذُؤَيبٍ ومنهم: ضِمَامُ بنُ ثَعْلَبَةَ، وَفَدَ عَلَى الرَّسُوْلِ - ﷺ - ". أَخْبَارُهُ في: الاستيعاب (٢/ ٣٠٤)، وأُسْد الغابة (٣/ ٥٧)، والإصابة (٣/ ٤٨٦)، ويُراجع: الطَّبقات الكُبْرَى (١/ ٢٩٩)، وتاريخ البُخاري الكَبير (٤/ ٣٤٠)، والجَرح والتَّعديل (٤/ ٤٦٩)، وصفة الصَّفوة (١/ ٦٠٤).
[ ١ / ٢٠٥ ]
المُضَافَ وأَقَامَ المُضَافَ إِلَيهِ مَقَامَهُ، دَلِيلُ ذلِكَ قَوْلُهُ فِي الجَوَابِ: "خَمْسُ صَلَواتٍ" وَلَيسَ هَذَا جَوَابُ مَنْ قَال مَا الإسْلامُ؟ إِنَّمَا هُوَ جَوابُ مَنْ قَال: مَا فَرَائِضُ الإسْلامِ؟ .
ويُرْوَى: "إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ" بِتَخْفِيفِ الطَّاءِ وَ"تَطَّوَّعَ" بتَشْدِيدِهَا، والأَصْلُ: تَتَطَوَّعُ. فَمَنْ خَفَّفَ حَذَفَ إِحْدَى التَّاءَينِ، ومَنْ شَدَّدَ ادْغَمَ التَّاءَ في الطَّاءِ، وَمِنْهُ [قَوْلُهُ تَعَالى] (١): ﴿الْمُطَّوّعِينَ﴾ وأَصْلُهُ: المُتَطَوِّعِينَ.
- وَقَوْلُهُ: "أفْلَحَ": فَازَ بِالبَقَاءِ.
- قَوْلُهُ: "قَافِيَةُ الرَّأسِ" [٩٥]: مُؤَخِّرَهُ، سُمِّيَتْ بِذلِكَ؛ لأنَّها تَقْفُو الإنْسَانَ، أي: تَتْبَعُهُ، وَمِنْهُ قَافِيَةُ الشِّعْرِ؛ لأنَّهَا آخِرُ البَيتِ. وأَكْثَرُ العُلَمَاءِ يَتَحَاشَى الكَلامَ في هَذَا الحَدِيثِ، ويَرَى التَّسْلِيمَ لَهُ، ومَجَازُهُ في كَلامِ العَرَبِ أَنَّ العَرَبَ تُسَمِّي الحَبْسَ عَنِ الأمْرِ وَالالْتِوَاءَ تَعْقِيدًا، وكُلُّ شَيءٍ لَوَيتَهُ وخَلَطْتَهُ فَقَدْ عَقَدْتَهُ، وَمِنه عُقَدُ السَّاحِرِ لِمَنْ يَسْحَرَهُ إِنَّمَا هُوَ تَحْبِيسُهُ إِيَّاهُ، وصَرْفُهُ عَمَّا كَانَ يَفْعَلُهُ، وَمِنْهُ تَعْقِيدُ الأيمَانِ، إِنَّمَا هُوَ تَأْكِيدُهَا حَتَّى لَا يَجِدُ الحَالِفُ مِنْهَا مَخْرَجًا إِلَّا بِالكَفَّارةِ. فَمَعْنَى قَوْلهِ: يَعْقِدُ الشَّيطَانُ أَي: يُثَبِّطُهُ ويَحْبِسُهُ، وخَصَّ الثَّلاثَ؛ لأنَّه يَعْقِدُهُ عَنْ ذِكْرِ اللهِ، وَعَنِ الوَضُوْءِ، وَعَنِ الصَّلاةِ؛ وَلأنَّ الثَّلاثَ تُسْتَعْمَلُ كَثِيرًا في تأْكِيدِ الشَّيءِ وإِثْبَاتِهِ؛ وخَصَّ مُؤَخِّرِ الرَّأْسِ؛ لأنَّه يَكُوْنُ مَوْضِعَ الفِكْرِ وفي [] (٢) يَكُوْنُ [] (٢) النِّسْيَان؛ لِأَنَّ الدِّمَاغَ -فِيمَا ذَكَرَ الحُكَمَاءُ-
_________________
(١) سورة التوبة، الآية: ٧٩: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾.
(٢) بياض بقدر كلمة في كل موضع منهما.
[ ١ / ٢٠٦ ]
مَقْسُوْمٌ ثَلاثَةً فَمُقَدَّمُهُ لِلْقُوَّةِ المُتَخَيِّلَةِ، وأَوْسَطُهُ لِلْقُوَّةِ المُفكِّرَةِ، وآخِرُهُ لِلْقُوَّةِ الذَّاكِرَةِ، ونَظِيرُ هَذَا في المَجَازِ قَوْلُهُ - ﷺ -: "ذَاكَ رَجُلٌ بَال الشَّيطَانُ فِي أُذُنِهِ" ولَيسَ هُنَاكَ بَوْلٌ في الحَقِيقَةِ، ولَكِنْ لَمَّا أَفْسَدَ عَلَيهِ أَمْرَهُ شَبَّه ذلِكَ بالبَوْلِ الَّذِي يَقَعُ في الشَّيءِ فَيُفْسِدَهُ، وخَصَّ الأُذُنَ؛ لأنَّهُ المَوْضِعُ الَّذي يُنَاجَى مِنْهُ الإنْسَانَ حَتَّى يُخْدَعَ عَمَّا يَعْتَقِدُهُ، والعَرَبُ تَسْتَعْمِلُ البَولَ بِمَعْنَى الفَسَادِ، قَال الرَّاجِزُ (١):
إِذَا رَأَيتَ أَنْجُمًا مِنَ الأسَدْ
جَبْهَتَهُ أَو الخَرَاةَ والكَتَدْ
بَال سُهَيلٌ فِي الفَضِيخِ فَفَسَدْ
وَطَابَ أَلْبَانُ اللَّقَاحِ فَبَرَدْ
الفَضِيخُ: شَرَابٌ يُصْنَعُ مِنَ التَّمْرِ (٢)، ويَفْسُدُ عِنْدَ طُلُوْعِ سُهَيلٍ، فَلَمَّا كَانَ سُهَيلٌ يُفْسِدُهُ بِطُلُوعِهِ جَعَلَهُ كَأَنَّهُ قَدْ بَال فِيهِ، وَعَلَى هَذَا المَعْنَى يَتَوَجَّهُ قَوْلُ الفَرَزْدقِ
_________________
(١) الأبياتُ في اللِّسان (كَتَدَ) عن ثَعْلَبٍ. والأخير فيه (فَضَخَ).
(٢) يُراجع: "تنبِيهُ البَصَائِرِ في أَسْمَاءِ أُمِّ الكَبَائِرِ" لابنِ دِحْيَةَ، و"الجَلِيسُ الأَنِيسُ في أَسْمَاءِ الخَنْدَرِيسِ" للفَيرُوزآبادِيِّ. قَال ابنُ دِحْيةَ: "ثَبَتَ في الضَحِيحَينِ عن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ أَن الخَمْرَ لَمَّا حُرِّمَتْ كَانَت "الفَضِيخ" لَمْ يَكُنْ لَهُمْ شَرَابٌ غَيرَهَا، والفَضِيخُ: بُسْرٌ يُشْدَخُ أي: يُفْضَخُ ويُنْبَذُ حَتَّى يُسْكِرَ في سُرْعَةٍ مِنْ غَيرِ أَنْ تَمَسَّه النَّارُ، وَقَدْ ذَكَرْنَا ذلِكَ في صَحِيحِ الآثَارِ، ورِوَايَةِ عُلَمَاءِ الأمْصَارِ في كِتَابِ "وَهْجِ الجَمْرِ في تَحْرِيمِ الخَمْرِ" والكِتَابُ المَذْكُوْرُ اطَّلعتُ عليه وهو عِنْدِي ولله المِنَّةُ. وقَال الفَيرُوزآبَادِيُّ: "قَال الجَوْهَرِيُّ: الفَضِيخُ شَرَابٌ يُتَّخَذُ مِنَ البُسْرِ والفَضِيخُ أَيضًا من اللَّبَنِ وَهُوَ الَّذِي غَلَبَ عليه المَاءُ، حَكَاهُ الصَّغَانِيُّ". يُراجع: الصِّحَاح، وتكمِلة الصَّحاح للصَّغَاني (فَضَخَ) وزَادَ الصَّغَانِيُّ ﵀: "والفَضُوْخُ: الشَّرَابُ الَّذِي يُفْضَخُ شَارِبَهُ أَي: يُسْكِرُهُ ويَكْسُرُهُ".
[ ١ / ٢٠٧ ]
-فِي بَعْضِ الأقْوَالِ- (١):
وإِنَّ الَّذي يَسْعَى لِيُفْسِدَ زَوْجَتِي البيت
أي يَسْعَى في إِدْخَالِ الفَسَادِ عَلَيهَا. وقِيلَ: مَعْنَاهُ: يَطْلُبُ أَخْذَ بَوْلِهَا، وهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ؛ لأنَّ بَوْلَ الأسَدِ يُصْرَفُ في بَعْضِ العِلاجَاتِ؛ لأَنَّ بَعْدَهُ مِنَ الشِّعْرِ مَا يَدُلُّ عَلَيهِ وَهُوَ:
وَمِنْ دُوْنِ أَبْوَالِ الأُسُوْدِ بَسَالةٌ وَبَسْطَةُ أَيدٍ يَمْنَعُ الضَّيمَ طُوْلُهَا
_________________
(١) دِيوَانُ الفَرَزْدَقِ (٢/ ٦١)، وللشَّاهدِ قِصَّةٌ طَرِيفَةٌ مَذْكُوْرَةٌ في ديوانه فلتُراجع، والشَّاهد في اللِّسان (بول) والبَيتُ بِتَمَامِهِ في الدِّيوان: وإِنَّ امْرَءًا يَسْعَى لِيُفْسِدَ زَوْجَتِي كَسَاعٍ إِلَى أُسْدِ الشَّرَى يَسْتَبِيلُهَا
[ ١ / ٢٠٨ ]