- وقوله: "يتعاقبون فِيكُمْ مَلائِكَة" [٨٢]. كَذَا يَرْويهِ المُحَدِّثُوْنَ (١)، وَهِيَ لُغَةٌ لِبَعْضِ العَرَبِ، يُلْحِقُوْنَ الفِعْلَ عَلامَةَ التَّثْنِيّةِ وَالجَمْعِ إِذَا تَقَدَّمَ عَلَى الفَاعِلِ كَمَا يُلْحِقُوْنَهُ عَلامَةَ التّأنِيثِ، واللُّغَةُ الفَصِيحَةُ الإفْرَادُ. وَقَدْ تَأَوَّلَ بَعْضُ العُلَمَاءِ قَوْلَهُ تَعَالى (٢): ﴿وَأَسَرُّوْا النَّجْوَى [الذِينَ ظَلمُوا]﴾ عَلَى هَذهِ اللُّغَةِ، وأَنْشَدُوا: عَلَى ذلِكَ (٣):
_________________
(١) كَذَا رَوَاهُ الإمامُ البُخَارِيُّ في صحيحه (١/ ١٣٩) في كتاب مَوَاقيت الصَّلاة، باب فضل صَلاةِ العَصْرِ، ولفظه: "يتَعَاقَبُوْنَ فِيكُمْ مَلائِكَةٌ باللَّيلِ ومَلائِكَةٌ بالنَّهَار" وفي كتاب بدء الخليقة باب ذكر الملائكة صلوات الله عليهم (٤/ ٩١)، بلفظ: "المَلائِكَةُ يتَعَاقَبُون ملائكة باللَّيلِ وَمَلائِكَةٌ بالنَّهارِ" وأخرجه مسلم في صحيحه (١/ ٤٣٩)، والنَّسائي في سُنَنه (١/ ٣٤٠) وغيرهم.
(٢) سورة الأنبياء، الآية: ٣.
(٣) أَنْشَدَهُ الفَرَّاءُ في مَعَانِي القُرآن (١/ ٣١٦) وغيره، وهو لأحَيحَة بن الجُلَّاجِ الأوْسِيُّ، سَيِّدُ الأوْسِ في الجَاهِلِيَّةِ، تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، لَه دِيوانٌ جَمَعَهُ أُسْتاذنا حسن بن محمد باجودة، وطُبع في النَّادِي الأدَبِي في الطَّائف سنة (١٣٩٩ هـ). والبَيتُ فيه ص (٧١) من أَبْيَاتٍ رَوَاهَا البَغْدَادِيُّ في شَرْحِ أَبْيَاتِ المُغْنِي، عَنْ أَبِي حَنِيفَة الدِّينَوَرِيِّ في كِتَابِ "النَّبَاتِ" لَهُ عن الأصْمَعِيِّ وَهِيَ -بَعْدَ البَيتِ المَذْكُوْرِ-: وَأَهْلُ الَّذي بَاعَ يَلْحَونَهُ كَمَا لُحِيَ البَائِعُ الأوَّلُ هِيَ الظِّلُّ في الحَرِّ حَقَّ الظَّلِيـ ـلِ والمَنْظَرُ الأحْسَنُ الأجْمَلُ تَعَشَّى أَسَافِلَهَا بالجُبُوْبِ وَتأْتِي حَلُوْبَتُهَا مِنْ عَلُ =
[ ١ / ٢٠١ ]
يَلُوْمُوْنَنِي في اشْتِرَاءِ النَّخِـ ـيلِ أَهْلِي وَكُلُّهمُ يَعْذِلُ
والتَّعَاقبُ والمُعَاقَبَةُ: المُدَاوَلَةُ.
-[مُرُوا أَبَا بكرٍ فَلْيُصَلِّ للنَّاسِ] [٨٣]. وَقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في هَذِهِ اللَّامِ الَّتي في قَوْلهِ: "فَلْيُصَلِّ للنَّاسِ".
- وَقَوْلُهُ: "بمنَ ظَهْرَانَي" [٨٤]. هَذَا الكَلامُ أَكْثَرُ مَا تَسْتَعْمِلُهُ العَرَبُ بالتَّثْنِيَةِ فَيَقُوْلُوْنَ: فُلانٌ بَينَ ظَهْرِي النَّاسِ وبَينَ ظَهْرَانَيهِمْ بِنُوْنٍ مَفْتُوْحَةٍ، وإِنَّمَا خَصُّوا الظَّهْرَ دُوْنَ البَطْنِ؛ لأنَّ الظَّهْرَ: المَعُوْنَةَ، يُقَالُ: فُلانٌ يَأْوي إِلَى ظَهْرٍ أَي: إِلَى أَعْوَانٍ وأَنْصَارٍ؛ لأنَّ المَعُوْنَةَ تَكُوْنُ بالنُّفُوْسِ والأمْوَالِ.
-[اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبري وَثَنًا يُعْبدَ] [٨٥]. الوَثَنُ: الصَنَمُ، والجَمْعُ: أَوْثَانٌ، [وَوُثُنٌ] وَوُثْنٌ كَأَسَدٍ وآسَادَ [وأُسُدٍ] وأُسْدٍ، وتهْمَزُ الوَاوُ أَيضًا؛ لانْضِمَامِهَا فَيُقَالُ: أُثُنٌ، قَرَأ بَعْضُ القُرَّاءِ (١): ﴿إِنْ يَعْبُدُوْنَ مِنْ دُونِ اللهِ إِلَّا أُثُنًا﴾.
_________________
(١) = وتُصْبِحِ حَيثُ يَبِيتُ الرُّعَاءُ وَإِنْ ضَيَّعُوْهَا وإِنْ أَهْمَلُوا فَعَمٌّ لَعِمِّكُمُ نَافِعٌ وَطِفْلٌ لِطِفْلِكُمُ يُؤْمَلُ
(٢) سُورة النِّساءِ، الآية: ١١٧. وَهِيَ قِرَاءَةُ أُمِّ المُؤمِنِينَ عَائِشَةَ ﵂، وبِهَا قَرَأَ ابنُ عَبَّاسٍ، وابنُ عُمَرَ، وابنُ المُسيِّبِ، ومُسلمُ بنُ جُنْدُب، وَعَطَاءٌ، وأَبُو العَالية، وأَبُو نُهَيكِ، وأَبُو حَيوَةَ، ومُعَاذٌ القَارِئُ، والقراءة في تفسير الطَّبَرِيِّ (٩/ ٢٠٩، ٢١٠)، ومعاني القُرآن وإعرابه للزَّجَّاج (٢/ ١٠٨)، والمحتسب (١/ ١٩٨)، والمُحَرَّر الوَجيز (٤/ ٢٢٩)، والكشَّاف (١/ ٢٩٩)، وزادَ المسير (٢/ ٢٠٢)، وتفسيرِ القُرطبي (٥/ ٣٨٧)، والبَحر المُحيط (٣/ ٣٥٢)، والدُّرِّ المَصُوْن (٢/ ٩١). وذكرها الأزْهريُّ في تهذيب اللُّغة (١٥/ ٤٤)، وعنه في اللِّسان (وثن) و(أثن) و(أنث). وفي المُحرَّرِ الوَجِيزِ: "وقرَأَ النَّبي - ﷺ - ﴿إلا أناثًا﴾ بتقديم النُّون، وهو جَمْعُ أَنِيثٍ كغَدِيرٍ وغُدُرٍ ونحو ذلك. وحَكَى الطَّبَرِيُّ أَنّه جَمْعُ إِنَاثٍ كثِمَارٍ وثُمُرٍ، وَحَكَى هَذِهِ =
[ ١ / ٢٠٢ ]
- وَقَوْلُهُ: "رَأَى رَسُوْلُ الله - ﷺ - مُستلْقِيًا في المَسْجِدِ" [٨٧]. كَذَا رَوَاهُ أَهْلُ الحَدِيثِ، وأَنْكرَهُ بَعْضُ النَّحْويِّينَ، وَقَال: إِنَّمَا يُقَال: اسْنَلْقَى إِذَا رَقَدَ عَلَى قَفَاه، وَلَا يُقَالُ: اسْتَلْقَى، ومَنْ قَالهُ فَالوَجْهُ فيه أَنْ يَكُوْنَ بِمَعْنَى أَلْقَى، ومَجِيءُ اسْتَفْعَلِ بِمَعْنَى أَفْعَلَ عَزِيزٌ لَمْ يَرِدْ إِلَّا في أَلْفَاظٍ نَادِرَةٍ مِنْهَا قَوْلُهُ (١): ﴿استَوْقَدَ نَارًا﴾، وَمِنْهَا قَوْلُ كَعْبٍ الغَنَويِّ (٢):
* وَدَاعٍ دَعَا البيت *
أَرَادَ: فَلَمْ يُجِبْهُ.
_________________
(١) = القِرَاءَةِ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ وَقَال: قَرَأَ بِهَا ابنُ عَبَّاس، وأَبُو حَيوَةَ، والحَسَنُ".
(٢) سورة البقرة، الآية: ١٧.
(٣) كَعْبُ بنُ سَعْدِ بنِ عَمْرٍو الغَنَويُّ من بَنِي سَالِمِ بنِ غُنْمِ بن غُنَيِّ بن أَعْصُرَ، شَاعِرٌ إِسْلاميٌّ، تَابِعِيٌّ، يُلَقَّبُ: كَعْبَ الأمْثَالِ لِكَثرَةِ مَا فِىِ شِعْرِهِ من الأمْثَالِ. أَخْبَارُهُ في: مُعْجَم الشُّعَراء (٢٢٨)، واللآلي لأبي عُبَيدٍ البَكْرِيِّ (٧٧١)، والبيتُ بتمامه: وَدَاعٍ دَعَا يَا مَنْ يُجِيبُ إِلَى النِّدَى فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذَاكَ مُجِيبُ فَقُلْتُ ادْعُ أُخْرَى وَارْفَعِ الصَّوْتَ جَهْرَةً لَعَلَّ أَبِي المِغْوَارِ مِنْكَ قَرِيبُ مِنْ قَصِيدَة جَيِّدَة في رِثَاءِ إِخْوَاتِهِ ويَخُصُّ أبا المِغْوَارِ، واسمُهُ هَرِمٌ، وقيل: شَبِيبٌ، وقيل: مَأرِبُ بنُ سَعْدٍ، قَال الأصْمَعِيُّ: "لَيسَ في الدُّنْيَا مِثْلُهَا"، وَقَال أبو هِلالٍ العَسْكَرِيُّ: "قَالُوا: لَيسَ لِلْعَرَبِ مَرْثِيَّةٌ أَجْوَدَ مِنْ قَصِيدَةِ كَعْبٍ". يُراجع: المُوشَّح (٨١)، وديوان المعاني (٢/ ١٧٨). والقَصِيدَةُ كَامِلَةٌ في الأصْمَعِيَّات (٩٣)، الاختِيَارين (٧٥٠)، والتَّعازي والمراثي للمُبَرِّد (٢٤٠)، ومُنْتَهَى الطلَبِ (٢/ ٢٠٢) "مخطوط"، وأَمَالي القالي (٢/ ١٤٧)، واللآلي للبكري (٧٧١) وغيرها. وأولها: تَقُوْلُ سُلَيمَى مَا لِجِسْمِكَ شَاحِبٌ كَأَنَّكَ يَحْمِيكَ الشَّرَابَ طَبِيبُ والشَّاهد في مُشكل القرآن (٢٣٠)، والأمَالِي الشَّجَرِيَّة (١/ ٩٥).
[ ١ / ٢٠٣ ]
- قَوْلُهُ: "يُبَدُّوْنَ [فيهِ أهْوَاءَهُمْ قَبلَ] أَعْمَالِهِمْ" [٨٨]. كَذَا الرِّوَايَةُ بِغَيرِ هَمْزٍ، والقِيَاسُ: يُبَدِّؤُونَ -بالهَمْزِ- ولكِنَّهُ جَاءَ عَلَى لُغَةِ مَنْ يُبْدِلُ الهَمْزَةَ يَاءً مَحْضَةً، فَيَقُوْلُوْنَ في قَرَأْتُ: قَرَيتُ، وَفِي أَخْطَأتُ: أَخْطَيتُ، وكَثيرٌ مَا يَجِيءُ ذلِكَ في الشِّعْرِ، كَمَا قَال زُهَيرُ (١):
جَرِيءٌ مَتَى يُظْلَمْ يُعَاقِبْ بِظُلْمِهِ سَرِيعًا وإِلَّا يُبْدَ بالظُّلْمِ يَظْلِمِ
-[وَقَوْلُهُ]: "تُرَوْنَ ذلِكَ يُبْقِي" [٩١]. بِضَمِّ التَّاءِ من "تُرَوْنَ" والرِّوَايَةُ: "يُبْقِي" باليَاءِ باثْنَتينِ أَي: يَتْرَكَ ويُرْوَى: "يَبْقَى" بِفَتْحِ اليَاءِ.
-[وَقَوْلُهُ: كَمَثَلِ نَهْرِ غَمْرٍ عَذْبٍ]. الغَمْرُ: المَاءُ الكَثِيرُ الَّذِي يَغْمُرُ مَنْ دَخَلَ فِيهِ، أَي يُغَطِّيهِ.
- و"الدَّرَنُ": الوَسَخُ.
-[وَقَوْلُهُ: مَنْ كَانَ يُرِيدُ أنْ يَلْغَطَ] [٩٣]. اللَّغْطُ واللَّغَطُ: الكَلامُ المُخْتَلِطُ. يُقَال: لَغَطَ القَوْمُ وأَلْغَطُوا (٢). ومِنْ كَلامِهِم (٣): "الغَلَطُ تَحْتَ اللَّغَطِ" وَهُوَ مأخُوْذٌ مِن قَوْلهِمْ: لَغَطَ القَطَا وألْغَطَ: إِذَا صَاحَ وجَلَبَ، قَال الرَّاجِزُ (٤):
وَمَنْهَلٍ وَرَدْتُهُ التِقَاطَا
لَمْ أَلْقَ إِذْ وَرَدْتُهُ فُرَّاطا
_________________
(١) شرح ديوان زهير (٢٤).
(٢) فعلت وأفعلت للزَّجَّاج (٨٤).
(٣) لم يذكره المؤلِّفون في الأمثال.
(٤) هو نَقَّادَةُ الأَسَدِيُّ، اللِّسان (فَرَطَ) و(لغَط).
[ ١ / ٢٠٤ ]
إِلَّا الحَمَامَ الوُرْقَ والغَطَاطَا
فَهُنَّ يُلْغَطْنَ بِهِ إِلْغَاطَا
وَمَعْنَى التِقَاطًا: فُجَاءَةٌ. والفُرَّاطُ: القَوْمُ الَّذِينَ يَتَقَدَّمُونَ إِلَى المَاءِ. والوُرْقُ: الغُبْرُ الألْوَانِ. والغَطَاطُ: ضَرْبٌ مِنَ القَطَا.