-[قَوْلُهُ]: "وُتِرَ أهْلَهُ وَمَالهُ" [٢١]. الصَّوَابُ: نَصْبُ الأهْلِ وَالمَالِ، وَهكَذَا رَوَيْنَاهُ في "المُوَطَّأ" وغَيْرِهِ، ومَنْ رَفَعَهُ فَقَدْ غَلِطَ؛ لأنَّ مَعْنَاهُ: أُصِيْبَ بِمَالِهِ وَأَهْلِهِ (١)، وسُلِبَ أَهْلَهُ وَمَالهُ، فَفِي "وُتِرَ" ضَمِيْرٌ مَرْفُوعٌ عَلَى أَنّه اسْمُ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، وَ"أَهْلَه" مَنْصُوْبٌ؛ لأنَّهُ مَفْعُوْلٌ ثَانٍ. وَ"وُتِرَ" استُعْمِلَ مُتَعَدِّيًا إلَى مَفعُوْلٍ وَاحِدٍ، وإِلَى مَفْعُوْلَيْنِ، فَمِنَ المُتَعَدِّي إلى مَفْعُوْلَيْنِ قَوْلُهُ تَعَالى: (٢) ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالكُمْ (٣٥)﴾ وهَذَا هُوَ المَذْكُوْرُ في الحَدِيْثِ، وَالمُتَعَدِّي إلى مَفْعُوْلٍ وَاحِدٍ قَوْلُهُم: وَتَرْتُ الرَّجُلَ: إِذَا أَصَبْتَهُ بِوتْرٍ؛ وذلِكَ أَنْ تَقْتلَ لَهُ حَمِيْمًا يَطْلُبُكَ بِهِ، ومِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ (٣):
_________________
(١) في (س): "بأهله وماله".
(٢) سُورة مُحَمَّد - ﷺ -.
(٣) أنشده الحَافِظُ أبو عُمَرَ بنِ عَبْدِ البَرِّ في "بهجة المجالس" (٢/ ٦٩٠، ٧٠٠) وأَنْشَدَ بَعْدَهُ في المَوضِعَيْنِ: إِنَّ العَدُو وإنْ أَبْدَى بَشَاشَتَهُ إِذَا رَأَى مِنْكَ يَوْمًا فُرْصَةً وَثَبَا وهُمَا في التمْثيلِ والمُحَاضَرَةِ (٧٨)، وكتاب الآداب (١١٢)، ونهاية الأرب (٣/ ٧٩) وغيرها لصالح بن عَبْدِ القُدُّوس، شَاعرٌ عَباسيٌّ، حَكِيْمٌ، وَاعِظٌ، بَصْرِيٌّ، اتُّهِمَ بالزَّنْدَقَةِ فَقَتَلَهُ المَهْدِيُّ الخَلِيْفَةُ العَباسِيُّ بها سنة (١٦٠ هـ). يُراجع: تاريخ بغداد (٩/ ٣٠٣)، ولسان الميزان =
[ ١ / ٣٢ ]
إِذَا وَتَرْتَ امْرَءًا فاحْذَرْ عَدَاوَاتَهُ مَنْ يَزْرَعِ الشَّوْكَ لَا يَحْصُدْ بِهِ عِنبَا
وَلَو قَال قَائِلٌ: إِنَّ قَوْلَهُ: "وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَاله" مِنَ المُتَعدِّي إِلَى وَاحِدٍ، وإنَّه مِنْ بَابِ قَوْلهِمْ: سَفِهَ نَفْسَهُ وَغَبِنَ رَأْيَهُ مَا كَانَ بَعِيْدًا؛ لأنَّ الوترَ يُسْتَعْمَلُ في جَمِيع أَنْوَاعِ الظُّلْمِ وإِنْ كَانَ أَصْلُهُ القَتْلَ.
وأَهْلُ البَصْرَةِ يَنْصِبُوْنَ هَذَا عَلَى تَقْدِيْرِ سُقُوْطِ حَرْفِ الجَرِّ كَأَنَّه قَال: سَفِهَ فِي نَفْسِهِ، وغَبِنَ فِي رَأْيِهِ، فَيَكُوْنُ التقدِيْرُ عَلَى هَذَا: فَكَأَنَّمَا وُتِرَ في أَهْلِهِ وَمَالِهِ.
وَالكُوْفِيُّوْنَ يَنْصِبُوْنَ عَلَى التَّمْيِيزِ، والتَّمْيِيزُ عِنْد البَصْرِيِّيْنَ لا يَكُوْنُ مَعْرِفَة.
وَالوَجْهُ الَّذي بَدَأْتُ بِهِ أَحْسَنُ عِنْدِي. وفَسَّرَ أَبُو عُبَيْدٍ هَذَا الحَدِيْثِ في "غَرِيْبِهِ" فَقَال (١): قَال الكِسَائيُّ: هُوَ مِنَ الوترِ، وَهُوَ: أَنْ يَجْنِيَ الرَّجُلُ عَلَى الرَّجُلِ جِنَايَةً، يَقْتل لَه قتِيْلًا، أَوْ يَذْهَبُ بِمَالِهِ وأَهْلِهِ، فَيُقَالُ: قَدْ وَتَرَ فُلانٌ فُلانًا أَهْلَهُ ومَالهُ.
[قَال أَبُو عُبَيْدٍ]: يَقُوْلُ: فَهَذَا الَّذِي فَاتَتْهُ صَلاةُ العَصْرِ بِمَنْزِلَةِ الَّذِي قَدْ وترَ فَذُهِبَ بأَهْلِهِ وَمَالِهِ. قَال أَبُو عُبَيْدٍ: وَقَال غَيْرُ الكِسَائِيِّ: وترَ أَهْلَهُ وَمَالهُ، يَقُوْلُ:
_________________
(١) = (٣/ ١٧٢)، وهو القَائِلُ: لا يَبْلُغُ الأعْدَاءُ مِنْ جَاهِلٍ مَا يَبْلُغُ الجَاهِلُ مِنْ نَفْسِهِ ونُسِبَتِ القَصِيْدَةُ التي منها البَيْتَانِ في المُختار من شِعْرِ بَشَّارٍ (٢٧٩)، إلى عَبْدِ الله بن المُبَارَكِ، ونَسَبَهَا القَالِي لابن قَنْبَرٍ، وَلَمْ أَجِدْهَا في دِيْوَانِ عَبْدِ اللهِ بن المُبَارَكِ. والله تَعَالى أَعْلَمُ بحَقِيْقَة الحَالِ. والبَيْتُ المُسْتَشْهَدُ به نَظْمٌ لِقَولِ الحَكِيْمِ أَكْثَمِ بنِ صَيْفِيِّ: "إِنَّكَ لا تَجْنِي مِنَ الشَّوْكِ العِنَبَ" يُراجع: أَمْثَال أَبي عُبَيْدٍ (٢٦٤، ٢٧٠)، وشَرْحُهُ فَصْل المقال (٣٧٩)، وجَمهرة الأمثال (١/ ١٠٥)، ومَجمع الأمثال (١/ ٨٦)، والمُسْتَقصى (١/ ٤١٦)، واللِّسان (جنى) وَأَنْشَدُوا بَيْتَ صَالح بنِ عَبْدِ القُدُّوْسِ ما عدا الميداني.
(٢) غريب الحديث (١/ ٣٠٦).
[ ١ / ٣٣ ]
نُقِصَ أَهْلُهُ وَمَالهُ وبَقِيَ فَرْدًا، وَذَهَبَ إِلَى قَوْلِ اللهِ تَعَالى (١): ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالكُمْ (٣٥)﴾ أَي: لَنْ يَنْقُصَكُمْ، يُقَالُ: وَتَرْتُهُ حَقَّهُ إِذَا نَقَصْتُهُ، قَال: وَأَحَدُ القَوْلَيْنِ قَرِيْبٌ مِنَ الآخَرِ.
- وَفِي رِوَايَةِ ابنِ بُكَيْرٍ: "فَلَقِيَ رَجُلًا عِنْدَ خَاتَمَةِ البلاطِ": يُرِيْدُ: الطَّرِيْقَ المُبَلَّطَ بِالحِجَارَةِ، وَهُوَ المَفْرُوْشُ بِهَا، وَهُوَ نَاحِيَةُ الزَّوْرَاءِ (٢). ويُقَالُ لِلْحِجَارَةِ المَفْرُوْشَةِ بِلاطٌ، وَالبِلاطُ: الأرْضُ المَلْسَاءُ، قَال ذُو الرُّمَّةِ (٣):
يئنُّ إلى مَسِّ البَلاطِ كَأنَّمَا يَرَاهُ الحَشَايَا فِي ذَوَاتِ الزخَارِفِ
- و"التَّطْفِيف" -فِي لِسَانِ العَرَبِ-: الزِّيَادَةُ عَلَى العَدْلِ والنُّقْصَانُ مِنْهُ، وقَوْلُ مَالِكٍ: وَيُقَالُ: لِكُلِّ شَيْءٍ وَفَاءٌ وتَطْفِيْفٌ، يُرِيْدُ إِنَّ هَذِهِ تَدْخُلُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مَذْمُوْمٍ زِيَادَة ونُقْصَانًا، وَهَذَا قَوْلُ مَنْ يَذْهَبُ إِلَى أنَّ التَّطْفِيْفَ يَكُوْنُ بِمَعْنَى الزِّيَادَةِ، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيْثِ عَبْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ (٤): "سَابَقَ رَسُوْلُ اللهِ [- ﷺ -] بمنَ الخَيْلِ وَكُنْتُ يَوْمَئِذٍ فَارِسًا فَسَبقتُ الناسَ وَطَفَّفَ بِي الفَرَسُ مَسْجِدَ بنَي زُرَيْقٍ" تَوَهَّمُوْهُ بِمَعْنَى جَاوَزَ، ولَيْسَ يَلْزَمُ مَا قَالُوْهُ، وإِنَّمَا أَرَادَ: إِنَّ الفَرَسَ وَثَبَ بِهِ حَتَّى كَادَ يُسَاوي المَسْجِدَ، والمَشْهُوْرُ مِنَ التَّطْفِيْفِ إِنَمَا هُوَ النُقْصَانُ. قَال أَبُو عُبَيْدٍ (٥):
_________________
(١) سورة محمد - ﷺ -.
(٢) الزَّوْرَاءُ: سوقُ المدينة الشريفة، على ساكنها أفضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ. يُراجع: مُعجم البُلدان (٣/ ١٨٧٥)، والمَغَانم المُطابة (١٧٣)، ووَفَاء الوَفَاء (١٢٢٨). ويجوز فتح الباء وكسرها في (البلاط).
(٣) ديوانه (١٦٣٣).
(٤) غريب الحديث لأبي عبيد (٤/ ٢٧٢)، والفائق (٢/ ٣٦٤)، والعباب: (طفف).
(٥) غريب أبي عُبَيْد (٣/ ١٠٦).
[ ١ / ٣٤ ]
الطَّفُّ: أَنْ يَقْرُبَ الإنَاءُ مِنَ الامْتِلاءِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَمْتَلأَ، يُقَالُ: هُذَا طَفُّ المِكْيَالِ، وطِفَافُهُ: إِذَا كَادَ يَمْتَلأَ، ومِنْهُ التَّطْفِيْفُ في الكَيْلِ إِنَّمَا هُوَ نُقْصَانُهُ إِذَا لَمْ يَمْلأْهُ إِلَى شَفَتِهِ. وَقَال الكِسَائيُّ: إِنَاءٌ طَفَّانٌ هُوَ الَّذِي لَمْ يَبْلُغِ الكَيْلُ طِفَافَهُ، وأَطْفَفْتُ الإنَاءَ. وَقَال أَبُو زَيْدٍ: طَفَفُهُ وطِفَافُهُ سَوَاء (١)، وَعَطَاءٌ طَفِيْفٌ أَيْ: نَزْرٌ، وَفِي حَدِيْثِ سَلْمَانَ: "الصَّدَقَةُ مِكْيَالٌ فَمَنْ وَفَّى وُفِّيَ لَهُ، ومَنْ طَفَّفَ فَقَدْ سَمِعْتُمْ ما قَال اللهُ في المُطَفِّفِيْنَ" وفي الحَدِيْثِ (٢) أَيْضًا: "كلكُمْ بنُو آدَمَ طَفُّوا الصَّاعِ لا تَمْلَؤُوهُ، لَيْسَ لأَحَدٍ فَضْلٌ عَلَى أحَدْ إلَّا [بالتَّقْوَى] ".
فَإِنْ قَال قَائِلٌ: إِنَّ قَوْلَهُ [تَعَالى (٣)]: ﴿وَيلٌ للمُطَفِّفِينَ (١) ﴾ إِلَى آخِرِ الآيَةِ، قَدْ دَلَّ عَلَى مَا قُلْنَاهُ؛ لأنَّهُ سَمَّاهُم مُطَفِّفِيْنَ، ثُمَّ وَصَفَهُمْ بأَنَّهُمْ يَأخُذُوْنَ بالزِّيَادَةَ ويُعْطُوْنَ بالنُّقْصَانِ، فَمِنْ أَيْنَ أَنكرْتَ أَنْ يَكُوْنَ التَّطْفِيْفُ زِيَادَة ونُقْصَانًا، ويَكُوْنُ مَحْصُولُ مَعْنَاهُ الخُرُوْجَ عَنِ الاعْتِدَالِ؟
فَالجَوَابُ عَنْ هَذَا مِنْ وَجْهَيْنِ:
أحَدُهُمَا: أَنَّ جَمِيع مَا قَدَّمْنَاهُ إِنَّمَا هُوَ بمَعْنَى النُّقْصَانِ.
والثَّانِي: أَنَّ الزّيَادَةَ الَّتِي يَأْخُذُوْنَهَا لأَنْفُسِهُم تَرْجِعُ بالنُّقْصَانِ عَلَى مَنْ يُعَامِلُهُم، فَقَدْ صَارَ الجَمِيع يَعُوْدُ إِلَى مَعْنَى النُّقْصَانِ.
- أمَّا قَوْلُهُ: "مَنْ أخَّرَ الصَّلاةَ نَاسِيًا أو سَاهِيًا" [٢٣]، فَقَدْ فَرَّقَ قَوْمٌ بينَ
_________________
(١) في العُباب: طَفَفُهُ وطَفَافُهُ وطِفَافُهُ -بالفَتْحِ والكَسْرِ- مَا مَلأَ أَصْبَارَهُ" وَلَمْ يَحْكِهَا عن أَبِي زَيْدٍ. وفي (س): "كَرَبَ يَمْتَلأُ".
(٢) الفائق (٢/ ٣٦٤)، والعباب: (طفف). وفي الأصل: "طفّ".
(٣) سورة المُطفِّفين.
[ ١ / ٣٥ ]
السَّهْو والنِّسْيَانِ، وعَلَى هَذَا بَنَى مَالِكٌ كَلامَهُ، فَقَالُوا: النِّسْيَانُ عَدَمُ الذِّكْرِ.
والسَّهْوُ: الغَلَطُ والغَفْلَةُ. وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أنَّهُمَا سَوَاءٌ، والقَوْلُ الأوَّلُ أَظْهَرُ.
- ويقَال: غُمِيَ عَلَى الرَّجُلِ وأُغْمِيَ عَلَيْهِ، لُغَتَانِ مَشْهُوْرَتَانِ.