رَدَّ أبو الوَليْدِ على مجموعة من العلماء بعد أن استَعرضَ أقوالهم، فكان من رُدُوْدِهِ ردُّه على الإمام مالك: قال (٢/ ٢٧٥): "وما ذكره مالك في مُوَطَّئِهِ عن سعيدٍ غلَطٌ لا يَصحُّ إِذا حُمِلَ علَى ظاهره؛ لأنه لم يذكر الأسنان، إنما ذكر
[ مقدمة / ٨٤ ]
الأضراس " ثم قال: "فهذا يُبَيِّنُ لك أنَّ ما ذكره مالكٌ غَلَطٌ ". وردُّهُ على ابنِ وَهْبٍ، قال في (٢/ ١١٩، ١٢٠): "وقال ابنُ وَهْب: السِّقاية التي باعها معاوية كانت قلادة فيها خَرَزٌ وذَهَبٌ وَوَرِقٍ، وأنَّه باع ما فيها من الذَّهَبِ بالذَّهَبِ، ومن الوَرِقِ بالوَرِقِ، وهَذَا غَلَطٌ، والقِلادَةُ لا يُقَالُ لها سقايةٌ في اللُّغةِ".
- وَرَدَّ على الإمام الشَّافِعِيِّ (١/ ٥١، ٥٢) فقال: "قَوْلُ الشَّافِعِيِّ: إنَّ الباء عنده للتَّبعيض، فقال: هَذَا خطأٌ، وإنَّما هي للإلْصَاقِ، وما قاله الشَّافعِيُّ غيرُ مَعْرُوفٍ في كَلامِ العَرَبِ ".
- وَرَدَّ على أبي عُبَيْدٍ القاسم بن سَلَّامٍ (٢/ ٣٨١) فقال: "قال أَبُو عُبَيْدٍ: والأسِنَّةُ جَمْعُ أَسْنَانٍ، والأسْنانُ جمعُ سِنٍّ، وما قَالهُ غيرُ صَحِيْحٍ؛ لأنَّ الجمعَ إنَّما جُمِعَ ليُكَثَّرَ، و(أَفْعِلَةُ) جمعٌ لأقلِّ العَدَدِ، فلا يجوزُ أن يكثرَ به؛ ولأنَّ (أَفْعَالًا) لا تُجْمَعُ على أفعلةٍ، إنَّما تُجْمَعُ إذا أُرِيْدَ تكثيرها على (أَفَاعِيْلَ) ".
- ورَدَّ على أبي عُمَرَ المُطَرِّز (١/ ١٨٩) فقال: "وَذَكرَ المُطَرِّزُ أنَّ الزَّعْمَ قد يُستَعْمَل بمعنَى الحقِّ، وأنشد لأميَّة بن أبي الصَّلْت ثمَّ قال: ولم يُرِدْ أُمَيَّةُ ما ذَهَبَ إليه المُطَرِّزُ .. " وغلَّطَ رواية المُطَرِّزِ للشِّعر في موضعين (٢/ ٨٩، ١٠٧).
- وردَّ على أبي حَاتِمٍ السِّجِسْتَانِيِّ ويَعقُوبَ بنِ السِّكيت (١/ ٣٨٧) فقال: "قال أبو حَاتِمٍ: وَلَا يُقَالُ: مِقْرَاضٌ ولا جَلَمٌ ولا مِقَصٌّ وَتَابَعَهُ على ذلك يعقوبُ، وليس ذلك بِصَحِيْحٍ؛ لأنَّ هَذه الألفاظ وردت مثنَّاةً ومفردةً في فصيحِ النَّثرِ والنَّظْمِ".
ويَظْهَرُ أنَّ أبَا الوليدِ مَعنيًّا بالردِّ على الفُقَهَاءِ خاصَّة، وَتَغْلِيْطِهِم، وتفْنِيْدِ آرَائِهِمْ، قال (١/ ٣١٥): "والفُقَهَاءُ تَسْتَعْمِلُ ألفاظًا كثيرة لا تجوزُ عنْدَ أَهْلِ
[ مقدمة / ٨٥ ]
اللُّغَةِ" وربَّما قرنهم بالعَامَّة (١/ ٨٨) قال: "وكثيرٌ من الفُقَهَاءِ والعَامَّة يَقُوْلُوْنَ: غُسْلٌ ويريدون به فِعْلَ الغَاسِلِ، ولا أَعْرِفُ أَحَدًا من أَهْلِ اللُّغَةِ قاله".
- وقال (١/ ٩٦، ٩٧): "ومَعْنَى (تَرِبَتْ) عندَ قَوْمٍ من الفُقَهَاءِ استَغْنَتْ وهَذَا خَطَأٌ عند أهلِ اللُّغَةِ وقال: وإنَّمَا ذَهَبَ الفُقَهَاءُ إِلَى هَذَا فِرَارًا مِنْ أَنْ يَقُوْلُوا: دُعَاءٌ عليه وهَذَا خَطأٌ من وجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا في اللُّغَةِ، والآخَرُ في التَّأويل ".
- وقَال (١/ ٢٢٤): "والفُقَهَاءُ يروونَهُ: "الغَشِيَّ" بكسرِ الشِّين وتَشديدِ اليَاءِ وَلَا أَحْفَظُهُ إلَّا ساكنَ الشِّيْنِ".
- وقال (١/ ٢٣٢): "ولا يَعْرِفُ اللُّغَويُّون (غُدَيْقَةٌ) بضمِّ الغَيْنِ وفَتح الدَّال، والفُقَهَاءُ يَرْوُوْنَهُ كَذلِكَ".
- وقال (١/ ٣٥٢): "قَوْمٌ مِنَ الفُقَهَاء يَرْوُوْنَهُ: (عَمْرُو بنُ الجَمُوْعِ) بالعين، وليس ذلِكَ بمَعْرُوْفٍ عندَ أَهْلِ النَّسَبِ".
- وقال (١/ ٣٩٤) وذَكَرَ القَصْوَاءَ: "والفُقَهَاءُ يَرْوُونَهُ بالقَصْرِ وهو خطَأٌ".
- وقَال (٢/ ٥١): "وَرَوَى بَعْضُ الفُقَهَاءِ: قَنَاةً، وتَوَهَّمُوْهُ قَنَاةً مَن القَنَواتِ، وذلِكَ غَلَطٌ".
- وقال (٢/ ١٥١): "وَرَوَى بعضُ الفُقَهَاء: لا تَصُرُّوا الإبل، أي: لا تَشُدُّوا ضُرُوعَهَا لئلَّا يُرْضَعَ لَبَنُهَا أو تُحْلَبَ، وكَذلِكَ يَفْعَلُوْنَ بالإبِلِ -بفتح التَّاء وضمِّ الصَّادِ- وذلِكَ خَطَأ ".
- وَقَال (٢/ ٢٠٠): "الفُقَهَاءُ يَقُوْلُوْنَ: فأُهْرِيْقَتْ عَلَيْهِ الدِّمَاءُ فحش
[ مقدمة / ٨٦ ]
والصَّوَابُ فأَهْرَاقت عليه وَحُشَّ؛ لأنَّ "أَهْرَاقَ" لا يَتَعَدَّى إلى مَفْعُوْلين، وإنَّمَا يَتَعَدَّى إلى واحدٍ يُقَال: أَرَاقَ الرَّجُلُ المَاءَ، وهَرَاقَهُ، وَأَهْرَاقَهُ ثَلاثُ لُغَاتٍ ".
- وَقَال (٢/ ٢٣٤) - في قَوْلهِ: "لعلَّكَ أَنْ تُخَلَّفَ": "وَالوَجْهُ إِسْقَاطُ "أن" ولكِنَّ الفُقَهَاءَ رَوَوْهُ بزِيَادَةِ "أَنْ" وأكثرُ ما يُستعمل هَذَا في الشَّعْرِ ".
- وَقَال (٢/ ٣٥٠): "والفُقَهَاءُ يَرْوُونَهُ: "يَحْيَى النَّاس من أوَّلِ ما يَحْيَوْنَ -بفتح اليَاءَيْنِ- والوجه ما ذكرناه".
وإنَّما ذَكَرْتُ نَمَاذجَ كَثِيْرَةً لأُدَلِّلَ على ما قُلْتُهُ من أنَّه كانَ حَرِيصًا على تَتَبُّع زَلَّاتِ الفُقَهَاءِ وَأَخْطَائِهِمْ؛ لَعَلَّ ذلك لأنَّ قَدْرَهُم أَعْلَى فَخَطَأَهُمْ أَكْبَرُ، فأراد التَّنْبِيْهِ عليها لِيَتَلافَاهَا القَوْمُ، أو ليُدَلِّلَ على أنَّ من الفُقَهَاءِ مَنْ يَدَّعِي العِلْمَ والفقهَ، وليس بذَاك، فَأَرَادَ أن يَكْشِفَ عن أَخْطَائِهم لِيَعْرِفَ كلٌّ منهم قَدْرَهُ وَمَنْزِلَتَهُ، فَلَا يَتَطَاوَلُ، أَوْ لِيُدَلِّلَ عَلَى أَنَّ بَعْضَ الفُقَهَاءِ لَا تَمَكُّنَ عِنْدَهُم في مَبَاحِث اللُّغَةِ وَالإِعْرَابِ؟ !