سار أبو الوليد الوقَّشي في تأليف كتابه هَذَا على منهج نَحى فيه مَنْحى التَّصحِيْحُ والضَّبْطُ لِكِتَابِ "المُوَطأ"، وَشَرَحَ ما أُبْهِمَ من الألْفَاظِ والتَّراكيبِ
[ مقدمة / ٨٠ ]
والمَعَانِي بشكلٍ مُخْتَصَرٍ مُوجز، فهو تقريراتٌ وإشاراتٌ إلى مواضع مشكلة من "المُوَطَّأ"، فَيَشْرَحُ لَفْظَةً، ويُقَيِّدُ ضَبْطَ عَلَمٍ، ويُزِيْلُ إِبْهَامَ مُبْهَمٍ، ويُوَجِّهُ إعرابَ مُشْكِلٍ، ناقلًا كلَّ ذلِكَ من المصَادر، ومُقَيِّدًا عن الشُّيوخ، ومُسْتَشْهِدًا على ما يقول بالآياتِ القُرْآنيَّةِ، والأحاديثِ النَّبويةِ، والشَّواهدِ الشِّعْرِيَّةِ، وأمثالِ العربِ وأقوالِهَا، فَجَاءَ الكتابُ تأليفًا حافلًا مُفِيْدًا.
ولمَّا كان التَصِحِيْحُ والضَّبْطُ من أهمِّ أَهدافِ تَأْلِيْفِ الكتابِ كَانَ لِزَامًا عليه أن يُقارنَ بينَ رِوَايَات المُوَطَّأ المُختلفة ما أمكنه، ذلِكَ في المواضع الَّتي يقعُ فيها إِشْكَالٌ في الألْفَاظِ أو التَّراكيب، فانتقد أبو الوليد أولًا بعض الاستعمالات التي جاءت في "المُوَطَّأ" دون ذكر رواية بعينها. ومن ذلِكَ:
- قوله (٢/ ٧٤): "كَذَا الرِّواية لم تَخْتَلِفْ في ذلك النُّسَخُ، وَالأَشْهَرُ .. ".
- وقوله (٢/ ٢٧٥): " وما ذكره مالكٌ في "مُوَطَّئِهِ" عن سعيد غَلَطٌ لا يصحُّ إذا حُمِلَ على ظاهره؛ لأنَّه لم يذكر الأسنان، إنَّما ذَكَرَ الأضْرَاسَ، وإنَّمَا يَصحُّ على ما قدَّمْنَا ذكره، وقد جَاءَ ما ذكره مُفسَّرًا في روايةِ ابنِ عُيَيْنَةَ انظُرْه في "الطُّرَّةِ" فَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ مَالِكٌ غَلَطٌ ".
- وقال (١/ ٣٤١) في قَوْلهِ: "لَا هَاء اللهُ إذَا": "كَذَا الرِّوايةُ، وهو خَطَأٌ، لا وجه لِدُخُوْل "إذا" هَاهُنَا، والصَّوابُ: "لا هَاء الله ذَا" دون ألف في "إذا" والمعنى: ذا مَا أُقْسِمُ به ".
- وقال (٢/ ٣١٥). "وقوله: "وكُل أَحَدٍ دَخَلَ في نافلة " كَذَا الرِّوايةُ، وليس يُجيزُ سِيْبَويْه وأصحابه وقوعَ "أَحَدٍ" الَّذي يُراد به العُمُوْمِ في
[ مقدمة / ٨١ ]
الإيجاب، وإنَّمَا هو عندهم من الألفاظِ الَّتي خُصَّ بها النَّفْيُ ".
- وقوله (١/ ٢٠٥): "روى بَعْضُهُم نَفْعُ بئرٍ وهو تَصْحِيْفٌ".
- وقال (١/ ٣٥٥): "قوله: "إلَّا أَحَدٌ لَا يَجِدُ نَعْلَيْنِ" وقع في بعض النُّسخ: "إلَّا أَحَدٌ" وفي بعضها: "إلَّا أحَدًا" وهو لَفْظٌ مُسْتنكَرٌ في كلتا الرِّوايتين ".
- وقال (١/ ٢٥٤): "قوله: فأخرج بجنازتها" كذا جاءت الرِّواية وكان الوجه فخرج؛ لأنَّ النَّحويين لا يجيزون اجتماع الهمزة والباء في نقل الفعل ". ويُراجع (١/ ١٣، ١١٧، ١٢٤، ١٤٦، ١٤٩، ٢٠٤، ٣١٣، ٣٧٦، ٢/ ١٢، ٢٥، ٨١، ٨٤، ٩٣، ١١٦، ١١٧، ١٦٤، ١٦٨، ١٧٢، ١٨١، ١٨٥، ١٨٦، ٢٣١، ٢٣٢، ٢٣٤، ٢٦٧، ٢٦٨، ٣٥٥، ٣٩٣، ٤٠٤، ٤٠٥ وغيرها.
وربما عَلَّل الخطأ الوارد في "الموطَّأ" إلى تَحْرِيْفِ النَّاسِخِ أو وَهْمِ الرَّاوي، قال (٢/ ١٢): "قوله: "مُنْكَشِفًا" الرِّواية بكسر الشِّين وكان الوَجْهُ أن يكون مُنْكَشِفًا عنها ثَوْبُهَا، وأظنُّه نُقْصَانًا وقع في الخَطِّ".
- وقال في (٢/ ١٨): "ووقع في رواية يَحْيَى: "ثمَّ رَجَعَ" ولا معنى لذكر الرُّجُوع هاهُنَا، وَرَوَى غَيْرُهُ "خرج" وأظنُّه (زحف) فصحَّفَهُ الرَّاوي".
- وقال في (٢/ ٧٨): "وأظنُّه تَصْحِيْفًا وَقَعَ في الرِّواية أو لعلَّه كان: "حتَّى يَتَبَيَّنَ أَمْرُ المالِ الغائبِ" فسقطت الألف من "أمر".
- وقال في (٢/ ٢٨٩): "وقوله: "اقْعُدِي لُكَعُ" وهمٌ من الرَّاوي إنَّمَا هُو لَكَاعِ".
- وقال في (٢/ ٣٦٢): "كَانَ يَكْرَهُ الإخْصَاءُ" (الإخْصَاءُ) كَذَا وَقَعَ في الرِّواية وهو خَطَأٌ من الرَّاوي، وَصَوَابُهُ: (الخَصَا) وفعله خَصَيْتُ".
[ مقدمة / ٨٢ ]
- أمَّا الضَّبْطُ والتَّقْيِيْدُ اللُّغَويُّ فهو مادةُ الكتابِ ومُعْظَمُ مَبَاحِثِهِ، وقد وُفِّقَ المُؤلِّفُ -﵀- في نَقْلُ اللُّغةِ عن مَصَادِرِهَا مستفيدًا من آراء المتقدمين من جلة علمائها، فنقل آراءهم واحْتَجَّ لها، وربَّمَا انتَقَدَ وردَّ بعض الآراء، ونوضح ذلك في مبحث (مصادر الكتاب).
- وأولى المؤلِّف ضَبْطُ أسماء الرِّجاء عنايةً خاصَّةً. يُراجع: (١/ ٦٤، ٦٥٨، ٩٦، ٣٤١، ٣٤٧، ٣٥٢، ٣٩٩، ٤٠٠، ٢/ ٣٧، ٤٠، ٧٢، ٧٣، ١٠٨، ١٤٤، ١٩٨، ٣٥١).
- وممَّا يُؤخَذُ على المؤلِّف -﵀- عدم العناية بالمواضع، فلم يَضْبُطْ، ولم يقيِّدْ، ولم يُحدِّدْ، بل إنَّه يَجْهَلُ كثيرًا منها في شيءٍ لا يُعْذَرُ بجَهْلِهِ، كقوله في "ثنيَّة الوداع" (١/ ٣٥٠): "وهي هُنَا موضع بمكَّةَ، دخل منها رسول الله - ﷺ - عام الفتح". وقوله (١/ ٣٥٣): "الأبواء: موضعٌ بجهة مكة" والمعروف أنَّ ثنيَّة الوداع بالمدينة، وأنَّ النَّبي - ﷺ - دخل منها عام الهجرة، والأبواء بجهة المدينة، وقوله (٢/ ٣٥٩): "رُكْبَةُ: موضع بين مكة والطائف، وقيل: موضع بشق اليَمَنِ". وقوله: "ذات الجيش موضع بمكة" وهي بالمدينة، وذكر مواضع وأخطأ في تحديدها، أو لم يضبطها، هي بحاجة إلى ضبطٍ، أو شرح معناها اللُّغوي، ولم ينصّ على أنَّها موضعٌ بعينه. يُراجع: (١/ ٩٩، ٢٦٠، ٢٧٥، ٢٧٦، ٣٠٦، ٣٠٧، ٣٥٠، ٣٥٨، ٣٦٣، ٣٦٥، ٣٧٠، ٤٠٧، ٢/ ٢٠٧).
وتظهرُ شخصيَّة المؤلِّف واضحَةً جليَّةً في مباحثه اللُّغوية وغير اللُّغوية، عند عرضه لآراء العلماء وأقوالهم، فيُوازن بين الأقوال والآراء، ويُصَحِّحُ
[ مقدمة / ٨٣ ]
ويُفَنِّدُ، ويُرَجِّحُ، ويُضَعِّف، ويستدلُّ على ترجيحاته وأحكامه التي يُصدرها بالشَّواهدِ من كلام العربِ، ويعضد ذلِكَ بأقوال المشاهير من عُلَمَاء النَّحو واللُّغة.
- فقد يذكرُ الرِّوايتين أو الرِّوايات المختلفة، فلا يُرجِّحُ واحدة على الأخرى، فيُرسل الخلاف فيها كما في (١/ ١٩٤، ١٩٥، ٣٨٠، ٣٨٤، ٣٨٥، ٢/ ٢٠٦، ٢٥٧، ٢٦٨، ٢٩٢، ٣٢٤).
- وقد تستوي الرِّوايتان أو الرِّوايات فلا يرجِّحُ واحدة على الأخرى ويحكم بصحة الجميع، كقوله (١/ ٣، ١٦، ٣٠): "وكلاهما صحيح" أو: "وهما لُغَتَان جيِّدتان" أو "المَعنى وَاحِدٌ" وقوله (١/ ١٨١): "وهما لغتان"، وقوله (١/ ٣٥٧): "وكلاهما جَيِّدٌ"، وقوله (٢/ ٥، ٢٣٢): "وإثبات النُّون جَائِزٌ"، (٢/ ٧٧، ١٤٥، ١٦٥)، وقوله (٢/ ١٧١، ٣٩٥): "كلاهما صَحِيْحٌ"، وقوله (٢/ ٢٤٨): "روايتان جيِّدتان" (٢/ ٢٨٥)، وقوله (٢/ ٣٦٣): "يجوز فتح "إن" وكسرها، وبالوجهين جاءت الرِّوايتين".
- وقد يذكر الخِلافَ ثم يأتي برأيه الشَّخْصِيّ كقوله (١/ ٢٤): "وهَذَا عندي هو الصَّحيحُ" وقوله (١/ ١٣٦): "والقَوْلُ الثَّالِثُ هو الَّذي نَخْتَارُهُ" ومثلهما كثيرٌ.