لم يَكُنْ أَبُو الوَليْدِ الوَقَّشِيُّ مُكْثِرًا من استعمال المصادر في كتابه، وجُلَّ أَفْكَارِهِ وآرائِهِ، تَعُوْدُ -في نَظَرِي- إلى سَلامَةِ الحِسِّ اللُّغوي عنده، وثقافته اللُّغويَّة الجَيِّدةِ، مع كثرةِ محفوظِهِ من كلامِ العربِ وأشعارِها وَأَخْبَارِها ولغاتها المختلفة، فكأنَّه هَضَمَ المَصَادِرَ السَّابقةَ وحصَّلَ ما فيها من العلم واختَزَنَهُ في ذَاكرته، فلما كَتَبَ هذه التَّعليقات بدأ يجودُ بما فيها من علمٍ جَمّ، لكنَّه يرجع بينَ الفينةِ والأُخرَى إلى مَصَادِرِهِ، فينقل ويُحَقِّقُ، ويُصَحِّحُ ويُوثِّقُ، ولعَلَّ أَهمَّ مَصَادره، ومدار بَحْثِهِ على كتاب "غَرِيْبِ الحَدِيْثِ" لأبي عُبَيْدٍ القَاسِمِ بنِ سَلَّامٍ، فهو جُمْهور مادة بَحْثِهِ، وَمَرْجِعُ أهمِّ نُصُوصه، وَرُجُوْعِهِ إليه كثيرٌ جِدًّا، ولا يجدُ الباحثُ عَنَاءً في تَعَرُّفِ النُّصوصِ المَنْقُوْلَةِ عنه، سَوَاءً أشار المُؤَلِّفُ إلَى أَبي عُبَيْدٍ وَصَرَّحَ بالنَّقْلِ عنه أو لم يَفْعَلْ، صرَّحَ بالنَّقْلِ عن أبي عُبَيْدٍ في واحدٍ وعشرين مَوْضِعًا، ونقله عنه أكثر من ذلك بكثيرٍ، وصَرَّح بنقله عن "غَرِيْبِ الحَدِيْثِ" في مَوْضِعٍ وَاحِدٍ.
كَمَا رَجَعَ المُؤَلِّفُ إلى كِتَابِ "الدَّلائِلِ في غَرِيْبِ الحَدِيْثِ" وهو من أهمِّ المُؤَلِّفات الَّتي أُلِّفَتْ في مادة بحثِهِ "غَرِيْبِ الحَدِيْثِ" لا أقول في بلادِ الأندلس بل بعَامَّةٍ، وَذَكَرَ مُؤَلِّفُهُ قاسِمُ بنُ ثَابِتٍ السَّرَقُسْطِيُّ في مَوْضِعين ولم يكثرْ من النَّقْل عَنْهُ، رُبَّمَا اكتِفَاءً بما نَقَلَهُ عن أَبي عُبَيْدٍ فَمَوْضُوعِ الكتابين وَاحِدٌ.
وَرَجَعَ إلى كتابِ "الاستِذْكَارِ" وهو كِتَابٌ عَظِيْمٌ، غَزِيْرُ الفَائِدَةِ مِنْ تأليفِ
[ مقدمة / ٨٩ ]
الإمَامِ العَلَّامةِ أَبِي عُمَرَ يُوْسُفَ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ عَبْدِ البَرِّ النَّمَرِيِّ الأنْدَلُسِيِّ (ت ٤٦٣ هـ) وهو في صَمِيْمِ بَحْثِهِ، وصُلْب تَخَصُّصه شرْحٌ على "الموطَّأ"، وأولى الإمام ابن عبد البرّ اللُّغة والإعراب عنايةً ظاهرةً في كتابه هذَا مما جَعَلَ استفادَةَ المُؤَلِّف منه مُحَقَّقَةً في مَبَاحِثِ اللُّغةِ وغيرها، وذكر العلَّامةَ ابنَ عَبْدِ البَرِّ في ثَمَانِ مواضع وَرَوَى عنه [يظهر أنَّه مباشرة دون واسطة] وَرَجَعَ إلى نُسْخَتِهِ من "الموطَّأ" وَصَحَّحَ عنها، ويذكرها بـ"كتاب أَبِي عُمَرَ" كما في (٢/ ٢٥، ٧٨، ٢٠٧).
وَلَعَلَّ مِنْ أَهَمِّ مَصَادِرِهِ المُعْجَمِيّةِ كتاب "العَيْنِ" ولم يَنْسِبْهُ إلى الخَلِيْلِ ولا إلى اللَّيْثِ صَرَّح بذكره في أكثر من خَمْسَةَ عَشَرَ موضعًا، ولكنَّهُ ينقل عنه أحيانًا بعبارة "صاحب العين" في ستة مواضع أُخْرَى، وربَّمَا نَقَلَ عن الخَلِيْلِ وَمَقْصُوْده ما جاء في كتاب "العين" وربما نَقَلَ عن اللَّيْثِ للهَدَفِ نَفْسِهِ فكأنِّي بالمُؤَلِّفِ مُتَرَدِّدٌ بينَ نسبتِهِ إلى الخَلِيْلِ وعَدَم نِسْبَتِهِ إليه، وكثيْرًا ما يَنْقُلُ المؤلِّفُ عن مختصره لأبي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بنِ الحَسَنِ الزُّبَيْدِيِّ وَيَنْسِبُهُ إِلَى "العين" أو إِلى الخَلِيْلِ؟ ! وَلَمْ يُصَرِّحْ بذكرِ الزُّبَيْدِيِّ أبدًا. ويأتي في مُقدمة مَصَادِره اللُّغَويَّةِ مؤلفاتُ أبي إسحاق يَعقُوبَ بنِ السِّكِّيْتِ (ت ٢٤٤ هـ) صرَّح بِذِكْرِهِ في سَبْعَة عَشَر موضعًا مُصَرِّحًا بالرُّجوع إلى كتابه "الألفاظ" في مَوْضِعٍ واحدٍ، ويبدو أنه رَجَعَ إلى "إصلاح المنطق" له، وإلى كتابه "الإبدال" وغيرهما من تصانيفه.
ومن مصادره كتابُ "البَارعُ في اللُّغة" وكتابُ "المَقْصُور والمَمْدُود" وهما من تأليف أبي عَلِيٍّ القالي (ت ٣٥٦ هـ)، ومن مصادره أيضًا كتابُ "المسائل والأجوبة" لأبي مُحَمَّدٍ عبدِ الله بن مُسْلِمِ بنِ قُتيبَةَ الدِّيْنَوَرِيِّ (ت ٢٧٩ هـ) وَنَقَلَ
[ مقدمة / ٩٠ ]
عن ابنِ قُتيبَةَ في أرْبَعَةَ عَشَرَ مَوْضِعًا ويَبْدُو أنَّه رَجَعَ إلى كتاب "أدب الكاتب" وكتاب "غريب الحديث" وغيرهما من مؤلفاته. ورَجَعَ إلى كتاب "اليَوَاقِيْتِ" لأبي عُمَرَ الزَّاهدِ المِطرِّزِ المَعْرُوفِ بـ"غُلامِ ثَعْلَبٍ" (ت ٣٤٥ هـ) وَذَكَرَ أبو عُمَرَ في ستَهِ مَوَاضِعَ. ورَجَعَ إلى كِتَابِ "الزِّيْنَةِ" لأبي حاتِمٍ الرَّازِيِّ في موضعٍ واحدٍ. كَمَا رَجَعَ إلى "الكامل" للمُبَرِّدِ في موضع واحدٍ، وذكر المبرِّدُ في ثمانية مواضع. وَرَجَعَ إلى كتاب "النَّاسِخِ وَالمَنْسُوخِ" لأبي جَعْفَرٍ النَّحَّاس في موضعٍ واحدٍ.
وَصَرَّح بأسماء عددٍ كبيرٍ من عُلَمَاء اللُّغة والنَّحو وغيرهم مما يغلبُ على الظَّنِّ أنه رَجَعَ إلى مُؤلَّفاتِ بَعْضِهِمْ، أو أَغْلَبِهِم إنْ شِئْتَ، منهم:
- إمامُ النُّحاةِ سيبويهِ ذكره في ثلاثٍ وثلاثين موضعًا.
- والأصْمَعِيُّ وَذَكَرَهُ في اثنين وثلاثين موضعًا.
- وَأبُو عُبَيْدَة (مَعْمَرُ بنُ المثنَّى) في اثني عشر موضعًا.
- الأخْفَشُ (أبو الحَسَنِ سَعِيْدُ بنُ مَسْعَدَةَ) في أحد عشر موضعًا.
- وابنُ الأعْرَابِيِّ (مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ) في عشرة مواضع.
- والكِسَائِيُّ (عَلِيُّ بنُ حَمْزَةَ) في عشرة مواضع.
- وتلْمِيْذُهُ الفَرَّاءُ (أبُو زكريا يَحْيَى بنُ زِيَادٍ) في عشرة مواضع.
- وأبو زَيْدٍ الأنْصَارِيُّ (سَعِيْدُ بنُ أَوْسٍ) في عشرة مواضع.
- وَأَبُو حَنِيْفَةَ الدِّيْنَوَرِيُّ في خمسةِ مواضع.
- وَأَبُو حَاتِمٍ السِّجِسْتَانِيُّ (سَهْلُ بنُ مُحَمَّدٍ) في أربعة مواضع.
- وابنُ دُرَيْدٍ (أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّد بنُ الحَسَنِ) في خمسة مواضع.
[ مقدمة / ٩١ ]
- وَأبُو عَلِيٍّ الفَارِسِيُّ (الحَسَنُ بنُ أَحْمَدَ) في أربعة مواضع.
- وَتَلْمِيْذُهُ أَبُو الفَتْحِ عُثمانُ بنُ جِنِّي في ثلاثة مواضع.
- والخَطَّابيُّ (حَمْدُ بن سُلَيمان) في أربعة مواضع.
- والزَّجَّاجُ (أبو إسْحاق إبراهيمُ بنُ السَّرِيِّ) في ثلاثة مواضع.
- وأبُو عَمْرٍو الشَّيْبَانِيُّ في موضعين.
- وابنُ دُرُسْتَوَيْهِ (عبدُ الله بنُ جَعْفَرٍ) في موضعين.
- وابنُ الأنْبَارِيِّ (أبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بنُ القَاسِمِ) في موضعين.
- والأزْهَرِيُّ صاحبُ (التَّهذيب) في موضع واحدٍ.
وغيرُ هَؤُلاءِ كالنَّضِرِ بن شُمَيْلٍ، والسُّكَّرِيِّ، والحَرْبِيِّ، والطُّوْسِيِّ، وأبي عَمْرِو بنِ العَلاء وَغَيْرِهِمْ.
ومن غَيْرِ عُلَمَاء اللُّغة رَجَعَ المُؤَلِّفُ إلى أَقْوَالِ أَئِمَّةِ المَذَاهِبِ الأربعة أبو حَنِيْفَةَ، وَمَالِكٍ، والشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَذَكَرَ البُخاريَّ ومُسلمَ والتِّرمذيَّ وإبراهيمَ النَّخَعِيَّ، وَسَعِيْدَ بن المُسَيَّبِ، والطَّبَرِيَّ، والطَّحَاويَّ وغَيْرِهِم.