كَانَ أَبُو الوَليْدِ صَاحِبَ مُلَحٍ وَطُرفٍ ودُعَابَةٍ، خَفِيْفَ الرُّوْحِ، مَرِحًا عَلَى جَلالةِ قَدْرِهِ وَعِلْمِهِ، وَعُلُوِّ مَنْزِلَتِهِ، وَرُبَّمَا أَزْرَى بِهِ ذلِكَ عِنْدَ بَعْضِ طَلَبَةِ الحَدِيْثِ، فَعَدُّوا ذلِكَ خُرُوْجًا عَنِ الوَقَارِ وَالسَّمْتِ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَتَحَلَّى بِهِ العُلَمَاءُ وَطَلَبَةُ العِلْمِ؛ لِذَا لَمَّا لَقِيَهُ القَاضِي أَبُو عَلِيٍّ بِبَلَنْسِيَةِ اسْتَجَازَهْ وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ، وَقَال: لَمْ يُعْجِبْنِي سَمْتُهُ، قَال القَاضِي عِيَاضٌ: وَلَا أَعْلَمُ أَنَّ القَاضِي حَدَّثَ عَنْهُ بِشَيْءٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّه اسْتَجَازَهُ رِوَايَتَهُ. وَاسْتِجَازَتُهُ الرِّوَايَةَ عَنْهُ دَرَجَةٌ أَضْعَفَ مِنْ السَّمَاعِ بِلا شَكّ لكِنَّ القَاضِيَ أَبَا عَلِيٍّ رَضِيَ بِهَا؛ لأنَّهَا لَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَحْضُرُ مَجَالِسَهُ الَّتِي رُبَّمَا خَرَجَ بِهَا عَنِ الوَقَارِ كَمَا أَسْلَفْنَا.
وَمنْ نَوَادِرِهِ: مَا رُويَ أنَّه اجْتَمَعَ هُوَ وَأَبُو مَرْوَان عَبْدُ المَلِكِ بنِ سِرَاجٍ القُرْطُبِيُّ (ت ٤٨٩ هـ) وَكَانَا فَرِيْدَيْ عَصْرِهِمَا حِفْظًا وَتَقدُّمًا، فَتَعَارَفَا وَتَسَاءَلا، ثُمَّ بَادَرَ أَبُو الوَليْدِ بِالسُّؤَالِ وَقَال: كَيْفَ يَكُوْنُ قَوْلُ القَائِلِ:
_________________
(١) المصدر نفسه (٤/ ٣٠٦).
(٢) المصدر نفسه (٤/ ١٦٢).
(٣) المصدر نفسه (٤/ ١٣٨).
[ مقدمة / ٦٣ ]
وَلَوْ أَنَّ مَا بِي بالحَصَا فَعَلَ الحَصَا وَبالرِّيْحِ لَمْ يُسْمَعْ لَهُنَّ هَبُوْبُ
وَمَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُوْنَ مَكَانَ "فَعَل الحَصَى"؟ فَقَال أَبُو مَروان: "فَلَقَ الحَصا" فَقَال: وَهِمْتَ، إنَّمَا يَكُوْنُ: "قَلِقَ الحَصَا" لِيَكُوْنَ مُطَابِقًا لِقَوْلهِ: "لَمْ يُسْمَعْ لَهُنَّ هِبُوْبُ" يُرِيْدُ: أَنَّ مَا بِهِ يُحَرِّكُ مَا شَأْنُهُ السُّكُوْنُ وَيُسَكِّنُ مَا شَأْنُهُ الحَرَكَةُ فَقَال أَبُو مَرَوَانَ: مَا يُرِيْدُ الشَّاعِرُ بقَوْله:
وَرَاكِعَةٍ في ظِلِّ غُصْنٍ مَنُوْطَةٍ بِلُولُؤَةٍ نِيْطَتْ بِمُنْقَارِ طَائِرِ
وَكَانَ اجْتِمَاعُهُمَا فِي مَسْجِدٍ فَأُقِيْمَتِ الصَّلاةُ إِثْرَ فَرَاغِ ابنِ السَّرَّاجِ مِنْ إِنْشَادِهِ لِلْبَيْتِ فَلَمَّا انْقَضَتِ الصَّلاةُ قَال لَهُ الوَقَّشِيُّ: أَلْغَزَ الشَّاعِرُ باسْمِ أَحْمَدَ فَالرَّاكِعَةُ الحَاءُ، والغُصنُ: كِنَايَةٌ عَنِ الأَلِفِ، وَمِنْقَارُ الطَّائِرِ: الدَّالُ. فَقَال لَهُ ابنُ السَّرَّاجِ: يَنْبَغِي أَنْ تُعِيْدَ الصَّلاةَ؛ لِشغْلِ خَاطِرِكَ بهَذَا اللُّغْزِ، فَقَال لَهُ الوَقَّشِيُّ: بَيْنَ الإقَامَةِ وَتَكْبِيْرَةِ الإحْرَامِ فَكَكْتُهُ (١).
- وَمنْ طَرَائفِهِ مَا رُويَ أيضًا: أَنَّهُ حَضَرَ يَوْمًا مَجْلِسَ ابنِ ذِي النُّوْنِ فَقُدِّمَ نَوعٌ مِنَ الحَلْوَى يُعْرَفُ بِـ"آذَانِ القَاضِي" فَتَهَافَتَتْ جَمَاعَةٌ مِنْ خَوَاصِّهِ عَلَيْهَا يَقْصِدُوْنَ التَّنْدِيْرَ فِيْهِ، وَجَعَلُوا يُكْثِرُوْنَ مِنْ أَكْلِهَا، وَكَانَ فِيْمَا قُدِّمَ مِنَ الفَاكِهَةِ طَبَقٌ فِيْه نَوعٌ يُسَمَّى عُيُوْنَ البَقَرِ، فَقَال المَأْمُوْن [بنُ ذِي النُّوْنِ] يَا قَاضِي إنَّ هَؤُلاءِ يَأْكُلُوْنَ آذَانَكَ، فَقَال: وَأَنَا أَيْضًا آكُلُ عُيُوْنَهُم، وَكَشَفَ عَنِ الطَّبَقِ وَجَعَلَ يَأْكُلُ، وَكَانَ هَذَا من الاتِّفَاقِ الغَرِيْبِ (٢).
_________________
(١) نفح الطِّيب (٤/ ١٦٢).
(٢) المصدر نفسه (٤/ ١٣٨).
[ مقدمة / ٦٤ ]
- وَمنْ طَرَائفِهِ مَا رُويَ أَنَّهُ "اخْتَصَمَ رَجُلانِ، فَقَال أَحَدُهُمَا: يَا فَقِيْهُ اشْتَرَيْتُ مِنْ هَذَا اثْنَى عَشَرَ تَيْسًا حَاشَاكَ! فَقَال لَهُ: قُلْ: أَحَدَ عَشَرَ (١).
هَذَا مَا وَقَفْتَ عَلَيْهِ مِمَّا نُقِلَ مِن نَوَادِرَهُ وَطَرَائِفِهِ، وَهِيَ أُمُوْرٌ لا تُخِلُّ بِالمُرُوْءَةِ، وَلَا تَذْهَب بِالوَقَارِ، وَلَا تَقْدَحُ فِي عَدَالةِ الرَّجُلِ، وَإِنْ كَانَ لِكُلِّ أَهْلِ زَمَنٍ عُرْفُهُمُ السَّائِدُ، وَتَقَالِيْدُهُمُ المَرْعِيَّة.
- وَمنْ طَرَائفِهِ: قَال القَاضِي عِيَاضٌ (٢): "سَمِعْتُ شَيْخَنَا سُفْيَانَ بنَ العَاصِي الأَسَدِيَّ يَحْكِي عن شَيْخِهِ القَاضِي أَبِي الوَليْدِ الكِنَانِيِّ -فيما يَغْلُبُ عَلَى ظَنِّي-: أَنَّه كَانَ إِذَا أَعَارَ كِتَابًا لأحَدٍ إِنَّمَا يَتْرُكْهُ عِنْدَهُ بعَدَدِ وَرَقَاتِهِ أَيَّامًا ثُمَّ لَا يُسَامِحُهُ بَعْدُ وَيَقُوْلْ: هَذِهِ الغَايَةُ إِنْ كُنْتَ أَخَذْتَهُ للدَّرْسِ والقِرَاءَةِ فَلَنْ يَغْلِبَ أَحَدًا حِفْظَ وَرَقَةٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ، وَإِنْ أَرَدْتَهُ للنَّسْخِ فَكَذلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هَذَا وَلَا هَذَا فَأَنَا أَحْوَطُ بِكِتَابِي، وَأَوْلَى بِرَفْعِهِ مِنْكَ".