وَفِي "أُفٍّ" [٨٤]. ثَمَانُ لُغَاتٍ: أُفُّ، وأُفَّ، وأُفِّ (٣)، والتَّنوينُ في كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا، وأُفْ، وأُفَّى مِثْلُ حُبْلَى، وَقَدْ حُكِيَ: أُفَّة وتُفَّة، وأَفَّةً وتَفَّة.
وَ"أفٍّ" -عِنْدَ النَّحْويِّينَ- اسمُ لِلْفِعْلِ بِمَنْزِلَةِ "صَهْ" وَ"مَهْ" والتَّنْوينُ فِيهِ -عِنْدَهُم-: عَلَمُ التَّنْكِيرِ، وعَدَمُهُ: عَلَمُ التَّعْرِيفِ، والتَّنْوينُ فِيهِ لَيسَ كَهُوَ في زَيدٍ وعَمْرٍو وَرَجُلٍ؛ لأنَّه مُبَنِيٌّ في حَالِ تَنْوينهِ كَبِنَائِهِ في حَالِ عَدَم التَّنْوينِ، قَال اللهُ تَعَالى (٤): ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾. وأَصْلُ الأُفِّ -في اللَّغَةِ- وَسَخُ الأُذُنِ، والتُّفُ: وَسَخُ الأظْفَارِ، وقِيلَ: هُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ، ثُمَّ ضُرِبَا مَثَلًا في كُلِّ شَيءٍ مُسْتَرْذَلٍ مُسْتَقْبَحٍ مُتبَرَّمٍ بِهِ، وإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ وَسَخٌ، أَي: إِنَّ ذلِكَ قَدْ حَلَّ مَحَلَّ الاسْتِقْذَارِ.
- وَمَعْنَى "تَرِبَتْ" -عِنْدَ قَوْمٍ مِنَ الفُقَهَاءِ-: اسْتَغْنَتْ، وَهَذَا كَمَا يُقَالُ للرَّجُلِ الجَاهِلِ: أَمَّا أَنْتَ فَقَدْ اسْتَغْنَيتَ عَنِ السُّؤَالِ لِعِلْمِكَ بالأُمُوْرِ، والمَرَادُ
_________________
(١) زُيَيْدٌ تصغيرُ زَيْدٍ، وهو زُييد بنُ الصَّلْتِ المَدَنِيُّ. يُراجع: الإصابة (٣/ ٤٤٤).
(٢) في (س): "ثييب" ويُصلِحُهُ ما بعده.
(٣) الزَّاهر لابن الأنباري (١/ ٢٨١)، والنهاية (١/ ٥٥)، واللسان: (أفف) وحكى في (أُفٍّ) عشر لُغات.
(٤) سورة الإسراء، الآية: ٢٣.
[ ١ / ٩٦ ]
بِضدِّ ذلِكَ، وَهُوَ عِنْدَهُمْ إِخْبَارٌ لَا دُعَاءٌ، وَهَذَا خَطَأٌ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ؛ لأنَّه إِنَّمَا يُقَالُ في الغَنِيِّ: أَتْرَبَ، وأَمَّا تَرِبَ فَلَا تُقَالُ إلَّا في الفَقْرِ.
وإِنَّمَا ذَهَبَ الفُقَهَاءُ إلى هَذَا فِرَارًا مَنْ أَنْ يَقُوْلُوا: دُعَاءٌ عَلَيهِ، وَكَأَنَّهُم اعتَقَدُوا أَنه إِذَا دَعَا عَلَى أَحَدٍ بِمَكْرُوْهٍ أَصَابَ ذلِكَ المَكْرُوْهُ، وهَذَا خَطَأٌ مِنْ وَجْهَينِ؛ أَحَدُهُمَا في اللُّغَةِ، والآخَرُ في التَّأْويلِ.
أَمَّا اللُّغَةُ فَلأنَّ العَرَبَ قَدْ تَسْتَعْمِلُ الدُّعَاءَ عَلَى الإِنْسَانِ وَلَا يُرِيدُوْنَ وُقُوْعَهُ بِهِ فَيَقُوْلُوْنَ: "أَخْزَاهُ اللهُ مَا أَشْعَرَهُ" و"قَاتَلَهُ اللهُ مَا أَفْصَحَهُ" وَيَقُوْلُوْنَ: "لَا أَبَ لَكَ" وَ"لَا أُمَّ لَكَ" و"لَا أَرْضَ لَكَ" و[لَا] يُرِيدُوْنَ نَفْيَ ذلِكَ عَنْهُ. قَال ابْنُ جِنِّي: نَظَرَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى ثَوْبٍ فَقَال: مَا لَهُ مَحَقَهُ اللهُ، فَقُلْتُ لَهُ: لِمَ؟ فَقَال: إِنَّا إِذَا اسْتَحْسَنَّا شَيئًا دَعَوْنَا عَلَيهِ.
وأَمَّا التَّأويلُ: فَلأنهُ لَيسَ جَمِيع دُعَائِهِ - ﷺ - وقَعَ بالمَدْعُوِّ عَلَيهِ، بِدَلِيلِ قَوْلهِ ﵇: "اللَهُمَّ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ فَمَنْ دَعَوْتُ عَلَيهِ بِدَعْوَةٍ فَاجْعَلْ دَعْوَتِي عَلَيهِ رَحْمَةً لَهُ" وأَمَّا قَوْلُهُ [- ﷺ -]: "فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ" (١). فَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُوْنَ مِنْ هَذَا البَابِ، وَقَدْ يَجُوْزُ أَنْ يَكُوْنَ دُعَاءً بالمَكْرُوْهِ، وَكَأَنَّهُ خَاطَبَ بِذلِكَ مَنْ آثَرَ ذَوَاتِ المَالِ والحَسَبِ والجَمَالِ عَلَى ذَاتِ الدِّينِ. وَمِنَ العُلَمَاءِ مَنْ يَحْمِلُهُ عَلَى أَنَّ في الكَلَامِ حَذْفًا، كَأَنَّهُ قَال: تَرِبَتْ يَدَاكَ إِنْ فَاتَكَ مَا أَمَرْتُكَ بِهِ، ويَجْعَلُهُ خَبَرًا لَا دُعَاءً.
- ويُقَالُ: "شِبْهٌ" و"شَبَهٌ".
-[قَوْلُهُ: "يَغْتَسِلُ بِفَضْلِ امْرَأَتِهِ" [٨٦]. المَشْهُوْرُ في البَقِيَّةِ مِنَ المَاءِ وغَيرِهِ أَنْ يُقَال: فَضْلَةٌ، وأَمَّا قَوْلُهُم: فيه فَضْلٌ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُوْنَ اسْمًا لِلشْيءِ
_________________
(١) في الأصل: "يدك".
[ ١ / ٩٧ ]
الفَاضِلِ؛ كأَنَّه مُصَدْرٌ أُجْرِيَ مُجْرَى الأسْمَاءِ، كَمَا قَالُوا لِلْعَينِ: طَرْفٌ، ولِلأُذُنِ: سَمْعٌ، وهُمَا في الأَصْلِ مَصْدَرَانِ .. ويُحْتَملُ أَنْ يَكُوْنَ الفَضْلُ جَمْعُ فَضْلَةٍ كَمَا قَالُوا: تَوْبَةٌ وتَوْبٌ، قَال اللهُ تَعَالى (١): ﴿وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ وأَكْثَرُ مَا يَجِيئُ هَذَا الجعُ الَّذِي [تُفَرِّقُ] بَينَهُ وبَينَ واحِدِهِ الهَاءُ في الأَسْمَاءِ الَّتِي لَيسَتْ بِمَصَادِرَ كَنَخْلَةٍ ونَخْلٍ، قَالتْ: عِشْرِقَةُ المُحَارِبِيَّةُ (٢):
ولَا شَرِبُوأ كَأْسًا مِنَ الحُبِّ حُلْوَةً وَلَا مُرَّة إِلَّا شَرَابُهُمُ فَضْلِ
ويُقَالُ: أَفْضَلْتُ الشَّيءَ إِفْضَالًا: إِذَا تَرَكْتُ مِنْهُ فَضْلَةً، فَإِن نَسَبْتَ الفعْلَ إِلَى الشَّيءِ الفَاضِلِ قُلْتَ: فَضَلَ يَفْضُلُ، وفَضِلَ يَفْضَلُ، وفَضِلَ يَفْضُلُ، وهَذِهِ لُغَةٌ شَاذَّةٌ، والأوْلَى أَفْصْحَهُنَّ (٣).
_________________
(١) سورة غافر، الآية: ٣.
(٢) قال أبُو عَلِيٍّ القَالِي ﵀ في الأمَالي (١/ ٢٨): "وأَنْشَدَنَا أَبُو بَكْرٍ ﵀ أَنْشَدَنَا عَبْدُ الرَّحَمن عن عَمِّهِ قَال: أَنْشَدَتْنِي عِشْرِقَةُ المُحَارِبِيَّةُ -وهي عَجُوْزٌ، حَيزَبُونٌ، زَوْلَةٌ-: جَرَيتُ مَعَ العُشَّاقِ فِي حَلْبَةِ الهَوَى فَفُتُّهُمُ سَبْقًا وَجَئْتُ عَلَى رِسْلِي فَمَا لَبِسَ العُشَّاقُ مِنْ حُلَلِ الهَوَى وَلَا خَلَعُوا إِلّا الثِّيَابَ الَّتِي أُبَلِى وَلَا شَرِبُوا كَأَسًا البيت وَزَادَ البَكْرِي ﵀ في اللآلي شَرْحِ الأمَالِي (١/ ١٣١): تَسَربَلْتُ ثَوْبَ الحُبِّ مُذْ أَنَا يَافِعٌ وَمُتِّعْتُ مِنْهُ بالصُّدُودِ وبالوَصْلِ ويُراجع: شَرح دِيوَان المُتَنَبِّي المَنسوب إلى العُكْبَرِيِّ (١/ ٤٢٣)، والمُخْتَار من شِعْرِ بشَّارِ (١٧٥)، ومَجْمُوعة المَعَانِي (٥٠٩).
(٣) جَاءَ في اللِّسان (فَضَلَ): "أبُو عُبَيدَةَ: فَضَلَ منه شَيءٌ قَلِيلٌ، فَإِذَا قَالُوا: يَفْضُلُ ضَمُّوا الضَّادَ فَأَعَادُوهَا إِلَى الأصْلِ، ولَيسَ في الكَلَامِ حَرْفٌ من السَّالِمِ يُشْبِهُ هَذَا، قَال: وَزَعَمَ بَعْضُ النَّحْويِّين أَنَّه يُقَالُ: حَضَرَ القَاضِيَ امرأةٌ ثُمَّ يَقُوْلُوْنَ: تَحْضُرُ".
[ ١ / ٩٨ ]
- و"الخُمْرَةُ" [٨٨]. شَيءٌ كَانَ يُنْسَجُ مِنْ سَعَف النَّخْلِ يُسْجُدُ عَلَيهِ الرَّجُلُ، وَلا تُسَمَّى خُمْرَةً حَتَّى يَكُوْنَ بِقَدْرِ مَا يَضَعُ عَلَيهِ المُصَلِّي جَبْهَتَهُ وَيَدَيهِ وإِنْ عَظُم حَتَّى يَعُمَّ جَسَدَهُ كُلَّهُ قِيلَ لَهُ: حَصِيرٌ (١).