- وَذَكَرَ قَوْلَهُ: "قَائِم يُصَلِّي" [١٥]. قَال وَيُحتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بالصَّلاةِ: الدُّعَاءَ، ويُحتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بالقِيَامِ المُوَاظَبَةَ عَلَيهِ، مِنْ قَوْلهِم: فُلانٌ يَقُوْمُ بأمرِ فُلانٍ وحَوَائِجِهِ، أَي: يَسْعَى في ذلِكَ ويَنْظُرُ فِيهِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ [تَعَالى] (١): ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. ومِنْهُ قَوْلُ الأعشَى (٢):
يَقُوْمُ عَلَى الوَغْمِ في قَوْمِهِ فَيَعْفُوَ إِذَا شَاءَ أَوْ يَنْتَقم
- قَوْلُهُ: "وأشَارَ [- ﵁ -] بِيدهِ يُقَلِّلُها" [١٥]. أي: يُصَغَّرُ مَدَّتها. والقِلَّةُ تَتَصرَّفُ في كَلامِ العَرَبِ عَلَى أَربَعَةِ مَعَانٍ:
أحَدُها: ضِدُّ الكَثيرِ كَقَوْلهِ [تَعَالى] (٣): ﴿فِئَةِ قَلِيلَةٍ﴾.
والثَّانِي: بِمعنَى الحَقَارَةِ والصِّغَرِ. وتكُوْنُ للكَثرةِ بِمَعنَى الجَلالةِ
_________________
(١) = الجِنَّ يُراجع تَفْصِيل ذلِكَ في حَمَاسَةِ أَبِي تمَام "رواية الجواليقي" (٣١٢)، وطَبقَات فُحُوْلِ الشُعراء لابنِ سَلَّام (١٣٣)، وَالأغَاني لأبي الفرج (٨/ ١٠٢)، والعقد الفريد (٣/ ٢٨٤) وغيرها. وقد فصَّل الدُكتور صَلاح الدين الهادي في مُلحقات ديوان الشَّماح القَوْلَ هي نسبة الأبيات، وذكر المَزِيدَ من القَوْلِ من مصادر مختلفة فليرجع إليه من أراد.
(٢) سورة النساء، الآية: ٧٤.
(٣) ديوانه "الصُّبح المنير" (٣١)، من قصيدته التي أولها: أتَهْجُرُ غَانِيَة أَمْ تَلُمْ أَمْ الحَبْلُ وَاهٍ بِها مُنْجَذم
(٤) سورة البقرة، الآية: ٢٤٩.
[ ١ / ١٦١ ]
والعِظَمِ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّعبِيِّ (١) لِعَبْدِ المَلِكِ بنِ مَروَانَ -وَهُوَ يَعنِي مَلِكِ الرُّوْمِ-: "إِنَّمَا كَثُرَتْ في عَينهِ؛ لأنَّه لَمْ يَرَكَ" ومِنْهُ قَولُ العبَّاسِ بنِ مردَاس (٢):
فَإِنْ أَكُ فِي شِرَارِكُمُ قَلِيلًا فَإنِّي في خِيَارِكُمُ كَثيرُ
وَالثَّالِثُ: أَنْ تكُوْنَ بِمَعْنَى الفَقْرِ [تَقُولُ]: فُلانٌ يَشْكُو القِلَّةَ.
وَالرَّابعُ: أَنْ تكوْنَ بِمَعْنَى النَّفْيِ، يُقَالُ: قَلَّ رَجُلٌ يَقُوْلُ ذلِكَ إِلَّا زَيدًا، أَي: مَا يَقُوْلُ ذلِكَ إلَّا زَيدا.
- وَقَوْلُهُ: "وَمَا مِنْ دَابة إلا وَهِيَ مُصِيخَةٌ" [١٦]. أَي: مُسْتَمِعَةٌ، وهذِه مَسْألةٌ مِنَ العَرَبِيّة فِيها إِشْكَالٌ؛ لأنَّ قَوْلَهُ: "مِنْ دَابَّةِ" مَجْرُوْرٌ في مَوْضع رَفْعٍ بالابْتِدَاءِ، فَإِنْ جَعَلْتَ قَوْلَهُ: "وَهِيَ مُصِيخَةٌ" في مَوْضِعِ خَبَرِهِ كَانَ خَطَأ؛ لأنَّ
_________________
(١) هو عامُرُ بنُ شَرَاحِيلِ بنِ عَبْدِ بن ذِي كِبَار، وذُو كِبَارٍ، قَيل من أَقْيَالِ اليَمَنِ، أَبُو عَمرٍو الهمدَانِي، ثُمَّ الشَّعبِي، من كبارِ التَّابِعِين. رَوَى عَنْهُ أَنّه قَال: أَدْرَكْتُ خَمسَمَائَةِ من أصحَابِ النَّبيِّ - ﷺ -. قَال ابنُ عُيَينَةَ: "عُلَمَاءُ النَاسِ ثَلاثَةُ: ابنُ عبّاسٍ في زَمَانِهِ، والشعبي في زَمَانِهِ، والثورِي في زَمَانِهِ" (ت ١٠٥ هـ). أخْبَارُهُ في: طبقَات ابن سعد (٦/ ٢٤٦)، وتاريخ البُخَاري (٦/ ٤٥٠)، وأخبارُ القُضاة (٢/ ٤١٣)، وسير أعلام النُّبلاء (٤/ ٢٩٤)، والشَّذَرَات (١/ ١٢٦). وَرَوَى الحَافِظُ الذَّهبي في سير أعلام النّبلاء عن ابنِ عَائِشَة: وَجَّه عَبدُ المَلِكِ بنِ مَروَان الشعبِي إلى مَلِكِ الرُّوْمِ -يَعني رَسُوْلا- فلَمَّا انْصَرَفَ من عِندهِ قَال: يَا شعبي أتَدرِي مَا كَتَبَ بِهِ إلى مَلِكَ الرُّوْم؟ قَال: وَمَا كَتَبَ بِهِ يَا أَمِيرَ المُؤمِنِين؟ قَال: كُنْتُ أتعَجبُ لأهْلِ دِيَانَتِكَ كَيفَ لَمْ يَسْتَخْلِفُوا عَلَيهِم رَسُوْلَكَ، قُلْتُ: يَا أَمِيرَ المُؤمِنِين: لأنَّه رَآني وَلَم يَرَكَ. أَوْرَدَها الأصمَعي وفيها: قال: يَا شعبي إِنَّمَا أَرَادَ أَن يُغْريني بِقَتْلِكَ، فَبَلَغَ ذلِكَ مَلِكُ الرُّوْمِ فَقَال: للهِ أَبُوْهُ واللهِ مَا أَردتُ إلَّا ذَاكَ".
(٢) ديوانه (٦٠).
[ ١ / ١٦٢ ]
الجُمَلَ الوَاقِعَةَ مَوْقعَ الخَبَرِ لَا يَجُوْزُ دُخُوْلُ الوَاو عَلَيها، فَإِنْ جَعَلْتَها جملَةً في مَوْضِعِ نَصبٍ عَلَى الحَال بَقِيَ المُبْتَدَأُ بِلا خَبَر، وَلَم يَكُنْ في الكَلامِ عَامِل يَعمَلُ في هذهِ الحَال، وألا يَصحّ أَنْ يُقَال: إِنها حَال سَدَّتْ مَسَدَّ الخَبَرِ؛ لأنَّ الأحوَال لَا تَسُدّ مَسَدَّ الأخْبَارِ إِلَّا إِذَا كَانَ المُبْتَدَأُ مَصدَرًا أَوْ فِي تَأْويلِ المَصدَرِ؛ لأنَّه لَيسَ ههنَا عَامِل يَعمَلُ في الحَال؟ ! .
والوَجْهُ -في ذلِكَ- أَنْ يُجْعَلَ خَبَرُ المُبْتَدَأ مَحْذُوْفًا، وَالجُملَةُ الَّتِي بعدَ "إِلَّا" في مَوْضِعِ نَصب عَلَى الحَال، مِنَ الضَّمِيرِ الَّذِي في الخَبَرِ، وَيَكُوْنُ الخَبَرُ المُقَدَّرُ هُوَ العَامِلُ في هذهِ الحَالِ فَكَأَنَّهُ قَال: مَا دَابَّة مَوْجُوْدة إلَّا وَهِيَ مُصِيخة. وَإِنْ جَعَلْتَ الوَاوَ زَائِدَةً -عَلَى مَذْهبِ من يُجِيزُ زِيَادَتَها- كَانَتِ الجُملَةُ في مَوْضِعِ خَبَرٍ المُبْتَدَأ. و"الشَّفَقُ" [١٦] الإشْفَاقُ، قَال أَبُو شَجَرَةَ (١):
مَا زَال يَضْرِبُني حَتَّى خَذَيتُ لَهُ وَحَال مِنْ دُوْنِ بَعضِ الرَّغْبَةِ الشَّفَقُ
- و"التَّوْرَاة": فَوْعَلَة، وأصلُها وَوْرَيَةٌ، مِنْ وَرَى الزَّنْدُ يَرِي: إِذَا خَرَجَتْ مِنْهُ النَّارُ عِنْدَ القَدحِ، سُمِّيَتْ بِذلِكَ؛ لأنَّها نُوْر وَهُدًى، كَمَا قَال تَعَالى (٢): ﴿هُدًى وَنورٌ﴾ وَوَزنُها عِنْدَ الكُوْفِيِّينَ تَفْعِلَة وأَصلُها تَوْرِيَة، والتَّاءِ عِنْدَهُم زَائِدَ،
_________________
(١) هو أبو شَجَرَةَ عمرو بن عبد العُزَّى السَّلَمِي الشَّاعرُ ابنُ الخَنْسَاء (الإصابة: ٤/ ٦٥٧). البيتُ لَهُ من أبياتٍ في الكَامِل للمُبَرِّد (٥٠٤)، وَمَعْنَى خَذَيتُ: خَضَعْتُ: وفي اللِّسَانِ: (خَذَا): "اسْتَخْذَيتُ-: خَضَعتُ، وَقَد يُهْمَزُ وقِيلَ لأعرَابِي في مَجْلِسِ أَبِي زَيدٍ: كَيفَ استَخْذَأْتَ؟ لِيُتَعَرَّفَ مِنْهُ الهمزُ- فَقَال: العَرَبُ لا تَسْتَخْذيءُ فَهمَزَ".
(٢) سُورة المائدة، الآية: ٤٤، والآية: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا ﴾.
[ ١ / ١٦٣ ]
وَالألِفُ مُنْقَلِبَةٌ من يَاءٍ.
- قَوْلُهُ: "لَا تُعمَلُ المُطِي". أَي: لَا يُسَافَرُ عَلَيها، يُقَالُ: أَعلَمتُ النَّاقَةَ: إِذَا صرَفْتَها في العَمَلِ، وتُسَمَّى يَعمُلَة، والذَّكر يَعمُلٌ، قَال الشَّاعِرُ:
إِذْ لَا أَزَالُ عَلَى أَقْتَادِ نَاجِيَةٍ وَجْنَاءَ يَعمُلَةِ أَوْ يَعمُلٍ جَمَلُ
وسُمِّيَتْ مَطِيَّةً؛ لأنَّه مِنْ [المَطْو؛ لأنَّ مَطَاها] (١) وَهُوَ ظَهْرها يُركَبُ، وقِيلَ: سُمِّيت مَطِيَّةً؛ لأنَّها يُمْطَى بِها في السَّيرِ أَي: يُمَدُّ، قَال أَبُو كَبْشَةَ (٢):
* مَطَوْتُ بِهِم *
- و"إِيلِيَاءُ": اسْمُ بَيتِ المَقْدِسِ (٣).
- وَقَوْلُهُ: "كَذَبَ كعب" الكَذِبُ على أَربَعةِ أَوجُهٍ:
أحَدُها: ضدُّ الصِّدقِ المَنْهِيِّ عَنْه إِلَّا لِمَعَارِضِ إِبَاحَةٍ.
وَالثَّانِي: بمَعنَى الغَلَطِ والخَطَأ، ومِنْهُ قَوْلُهُ: كَذَبَ كَعبٌ، وكَذَبَ أَبُو مُحَمَّدٍ، وَقْوْلُ سَعْدِ بنِ حَسَنٍ في طَلاق العَبْدِ: كَذَبَ جَابِرُ بنُ زَيد ومِنْهُ قَوْلُ
_________________
(١) في (س).
(٢) هو: امرُؤُ القيس، وسَبَقَ التعلِيقُ عَلَى ذلِكَ، وتَمَامُ البَيتِ في ديوانه (٩٣): مَطَوْتُ بِهم حَتَّى تَكِلَّ مَطِيُّهُم وَحَتَّى الجِيَادُ مَا يُقَدنَ بِأَرسَانِ من قصيدته التي أولها: قِفَا بَنْكِ من ذِكْرَى حَبِيب وعِرفَان وَرَسْمٍ عَفَتْ آياتُهُ مُنْذُ أَزْمَانِ
(٣) يُراجع: مُعجم البُلدان (١/ ٣٤٨)، والرَّوْض المعطار (٦٨)، وقصد السَّبيل (١/ ٢١٠)، وهي غير إيلة التي على البَحرِ الأحمر المذكورة في مُعجم ما استعجم (١/ ٢١٦) وغيره، وهي التي تُعرف الآن بـ "إيلات" وَجاء في بعض التفاسير أنَّها هي القرية التي كانت حاضرةَ البحرِ المذكورة في القرآن في سورة الأعرَافِ، الآية: ١٦٣.
[ ١ / ١٦٤ ]
أَبِي طَالِبٍ (١):
* كَذَبْتم وبَيتِ الله يُبْزَى مُحَمَّدٌ *
أي: أَخْطَأتم، ويُبْزَى: يُقْهرُ ويُغْلَبُ، وَمِنْهُ قَوْلُ معنِ بنِ أَوْسٍ (٢):
وإنِّي أَخُوْكَ الدَّائِمُ العَهْدَ لم أَحُلْ إِن ابْزَاكَ خَصمٌ أَوْ نَبَا بِكَ مَنْزِلُ
والثَّالثُ: الرُّجُوع عَنِ القِرنِ في الحَربِ، يُقَال: حَمَلَ عَلَى قِربهِ فَكَذَبَ.
إِذَا رَجَعَ وَلم يَصدُقُ الحَملَةَ، وَحَمَلَ فصَدَقَ: إِذَا لَمْ يَرْجِع.
والرَّابعُ: بِمَعنَى الإغْرَاءِ بالشَّيءِ والإيجَاب لَهُ، تَقُوْلُ العَرَبُ: كَذَبَكَ الحَجَّ؛ أي: عَلَيكَ الحَجَّ، وكَذَبَكَ الحَج؛ أَي: أمكَنَكَ وتَهيأَ لَك ولَم يَغِبْكَ، وفي الحَدِيثِ: "كذَبَكُم قَتَادَةَ"، وَقَال عَنْتَرَةُ (٣):
كَذَبَ العَتِيقُ وَمَاءَ شَنٍّ بَارِدا إِنْ كُنْتَ سَائِلَتِي غَبُوْقا فاذْهبِي ويُروَى: "العَتِيق" مَرفُوْعًا ومَنْصُوْبا.