- قَوْلُ أسْمَاء: "فَقُلْتُ: آيةٌ؟ " [٤]. الرِّوَايَةُ بالرَّفْعِ عَلَى خَبَرِ مُبْتَدَأٍ مُضْمَرٍ كَأَنَّهُ قَال: هَذِهِ آيةٌ، وبالنَّصْبِ عَلَى مَعْنَى أَرَى آيةً، لَوْ رُويَ.
- وَقَوْلُهَا (٢): "أنْ نَعَمْ" [٤]. "أَنَّ" هَذَا هِيَ الَّتِي تُسَمَّى العَبَّارَةَ (٣)، تُفَسِّرُ مَا قَبْلَهَا وتُعَبِّرُ عَنِ المَعْنَى الَّذِي قُصِدَ بِهِ كَقَوْلهِ تَعَالى (٤): ﴿أَنِ امْشُوا﴾ وَلَا تَقَعُ "أَنْ" هَذِهِ إلَّا بَعْدَ كَلامٍ مَعْنَاهُ كَمَعْنَى القَوْلِ؛ لأنَّ إِشَارَتَها بِرَأسِهَا بِمَنْزِلَةِ قَوْلهَا: نَعَمْ، وَكَذلِكَ انْطِلاقِهِمْ فِيهِ بمَعْنَى أَنَّهُمْ قَال بَعْضُهُم لِبَعْضٍ: امْشُوا، وأَهْلُ الكُوْفَةِ لَا يَعْرِفُوْنَ "أَنْ" هَذِهِ ويُقَدِّرُونَ مَعَهَا حَرْف جَرٍّ كَأَنَّه قَال: بِأَنْ امْشُوا، وبِأَنْ نَعَمْ، وَلَا مَوْضِعَ لَهَا عِنْدَ البَصْرِيِّينَ.
وَ[قَوْلُهَا: "حَتَّى تَجَلَّانِي الغَشْيُ "]. أصْلُ "تَجَلَّانِي" تَجَلَّلَنِي بِثَلاثِ
_________________
(١) جاء في هامش الأصل بعد تمام الفقرة: "في الأصل هنا بياض".
(٢) في الأصل: "قوله".
(٣) قال المُرادِيُّ في الجَنَى الدَّانِي (٢٣٩) (ط) بغداد، بعدَ أن ذَكَرَ مَعَانِي "أَنْ "المُفَسِّرَةِ"وهي التي يَحْسُنُ في موضعها "أَي" وَعَلامَتُهَا أن تقع بعد جُمْلَةٍ فيها مَعْنَى القَوْلِ دُوْنَ حُرُوْفِهِ نحو ﴿فَأَوْحَينَا إِلَيهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ﴾ ولا تَقَعُ بعدَ صَرِيحِ القَولِ خِلافًا لبَعْضِهِمْ ثُمَّ قَال: وَمَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ أَنَّ "أَنْ" المُفَسَّرَةِ قِسْمٌ ثَالِثٌ، وَنَقَلَ عن الكُوفِيِّين أنَّها عِنْدَهُم المَصْدَرِيَّة". ويُراجع: مُغني اللبيب (١/ ٢٩)، وجواهر الأدب (١٠٩).
(٤) سورة ص، الآية: ٦.
[ ١ / ٢٢٣ ]
لامَات فَاسْتُثْقِلَ اجْتِمَاعُهُنَّ فَأبْدَلَ من اللَّامِ الثَّالِثةِ يَاءً وانْقَلَبَتْ أَلِفًا لِتَحَرُّكِهَا وانْفِتَاحِ مَا قَبْلَهَا كَتَظَنّى وتَسَنَّى، والأصْلُ: تَضَنَّنَ وتَسَنَّنَ.
و"الغَشْيُ" سَاكِنُ الشّينِ، مَصْدَرُ غُشِيَ عَلَيهِ، وَكَانَ قِيَاسُ هَذِهِ الكَلِمَةِ: غَشْوٌ؛ لأنَّ أَصْلَ اليَاءِ في غَشِيَ واوٌ فَأُبْدِلَتْ لانْكِسَارِ مَا قَبْلَهَا فَكَانَ يَنْبَغِي لَمَّا ذَهَبَتِ العِلَّةُ أَنْ تُرَدَّ إلى أَصْلِهِ كَمَا تَقُوْلُ: غُزِيَ غَزْوًا، غَيرَ أَنَّهُمْ جَعَلُوْهُ مِنَ البَدَلِ اللَّازِمِ مَعَ ذَهَابِ العِلَّةِ المُوْجِبَةِ لَهُ كَقَوْلهِم: عِيدٌ وأَعْيَادٌ، ورِيحٌ أَرْياحٌ في لُغةِ بني أَسَدٍ، والفُقَهَاءُ يَرْوُوْنَهُ: الغَشِيَّ بِكَسرِ الشِّينِ وتَشْدِيدِ اليَاءِ؛ فإِنْ كَانَ مَحْفُوْظًا مِن وَجْهٍ صَحِيحٍ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُوْنَ مَصْدَرًا جَاءَ عَلى فَعِيلٍ كَالنَّذِيرِ والنَّكِيرِ، وأَكْثَرُ مَا يَأْتِي هَذَا النَّوعُ مِنَ المَصَادِرِ في الأَصْوَاتِ كَالنَّهِيقِ والصَّهِيلِ، ويُحْتَمَلُ أَنْ يَكُوْنَ فَعِيلًا بِمَعْنَى فَاعِلٍ كَعَلِيمٍ بِمَعْنَى عَالِمٍ، كَأَنَّها أَرَادَتْ بالغَشْيِ الغَاشِي، ولا أَحْفَظُهُ إلَّا سَاكنَ الشِّينِ.
- وَقَوْلُهَا: "فَحَمِدَ اللهَ رَسُوْلُ اللهِ - ﷺ -". تُرِيدُ: حِينَ فَرَغَ مِنَ الصَّلاةِ لكِنَّهَا حَذَفَتْ مَا لَا يَتِمُّ الكَلامُ إِلَّا بِهِ، وَذلِكَ جَائِزٌ إِذَا كَانَ فِيمَا بَقِيَ دَلِيلٌ علَى مَا حُذِفَ.
- وَقَوْلُهَا: "مِثْلَ أو قَرِيبًا". التَّقْدِيرُ: مِثْلُ فِتنةِ الدَّجَالِ أَوْ قَرِيبًا مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ فَحَذَفَ المُضَافَ إِلَيهِ، وَلِذلِكَ لَمْ يُنَوِّنْ مِثْلًا، ونَحْوُهُ مَا حَكَاهُ الفَرَّاءُ (١) مِنْ قَوْلِ العَرَبِ: قَطَعَ اللهُ يَدَ وَرِجْلَ مَنْ قَالهُ، أَي. يَدَ مَنْ قَالهُ وَرِجْلَ مَنْ قَالهُ،
_________________
(١) في معاني القرآن له (٢/ ٣٢٢)، وعبارتُهُ: "سمعتُ أبا ثَروان العُكْلِيَّ يقُوْلُ: قَطَعَ اللهُ الغَداةَ يَدَ وَرِجْلَ مَنْ قَالهُ". ويُراجع: الخصائص (٢/ ٤٠٧)، وسر صناعة الإعراب (١/ ٢٩٨)، والمُغني (٢/ ٦٤٤)، والخِزَانة (٦/ ٥٠٠) وغيرها.
[ ١ / ٢٢٤ ]
وَعَلَى هَذَا كَانَ يَحْمِلُ المُبَرَّدُ قَوْلَهُمْ: يَا زَيدُ زَيدُ عَمْرٍو؛ إِلَّا أَنَّه مُخَالِفٌ لِهَذَا مِنْ بَعْضِ الجِهَاتِ.
و"الدَّجَّالُ": الكَذَّابُ، المُمَوِّهُ، المُحَسِّنُ للبَاطِلِ، ويُقَالُ لِمَا يُذَهَّبُ بِهِ السُّيُوفَ أَوْ يُفَضَّضُ دَجَّالٌ، وَبِهِ سُمِّيَ الدَّجَّالُ؛ كَأَنَّه يَمَوِّهُ البَاطِلَ ويحَسِّنُهُ حَتَّى يُظَنَّ أَنّهُ حَقٌّ، ويُقَالُ: دَجَلَ يَدْجُلُ، واشْتِقَاقُهُ مِنْ دَجَلْتُ الشَّيءَ: إِذَا سَتَرْتُهُ وَغَطَّيتُهُ، قَال ابنُ دُرَيدٍ (١): وَمِنْهُ سُمِّيَتْ دِجْلَةَ كَأَنَّهَا حِينَ فَاضَتْ عَلَى الأرْضِ سَتَرَتْ مَكَانَهَا مِنْهَا، وقِيلَ: هُوَ مِنْ دَجَلْتُ في الأرْضِ: [إِذَا] ضَرَبَتُ فِيهَا وطَبَّقْتُهَا.
وقِيلَ: هُوَ مِنْ دَجَلْتُ البَعِيرَ إذَا طَلَيتُهُ بالقَطِرَانِ (٢) كَأَنَّهُ يُنَفِّرُ النَّاسَ بِشَرِّهِ.
- وَقَوْلُهُ: "وَإنْ كُنْتَ لمُؤْمِنًا". قَدْ مَضَت فِي قَوْلِ عَائِشَة: "إِنْ كَانَ لَيُصَلِّي الصُّبْحَ". جَمِيع العَرَبِ تَقُوْلُ: أَلا يَأْلُو: إِذَا قَصَّرَ، إِلَّا هُذَيلا فَإِنَّهَا تَجْعَلُهَا بِمَعْنَى الاستِطَاعَةِ (٣).
_________________
(١) الجمهرة (١/ ٤٤٩).
(٢) وأنشد ابن دُرَيدٍ: * والنَّغْضُ مِثْلَ الأجْرَبِ المُدَجَّلِ *
(٣) جاء في اللِّسان (ألا): "أَبُو الهَيثَمِ: الألْوُ من الأَضْدَادِ، يُقَالُ: أَلا يَأْلُو: إِذَا فَتَرَ وضَعُفَ، وكَذلِكَ الَّى وأتَلَى، قال: وَأَلا وأَلَّى وتَأَلَّى: إِذَا اجتَهَدَ، وأنشد: * ونَحْنُ جيَاعٌ أَيَّ أَلْوٍ تأَلَّتِ * مَعْنَاهُ: أَيَّ جَهْدٍ جَهَدَتْ، أَبُو عُبَيدٍ عن أبي عَمْرٍو: أَليتُ: أَي: أَبْطَأْتُ، قَال: وسَأَلَنِي القَاسِمُ بنُ مَعْنٍ عَنْ بَيتِ الرَّبيعِ بن ضُبع الفَزَارِيّ: * وَمَا أَلَّى بَنِيَّ وَمَا أَسَاؤُوا * فَقُلْتُ: أَبْطَؤُوا، فَقَال: مَا تَدْعُ شَيئًا، وهو فَعَلْتُ مِنْ أَلَّوتُ، أي: أَبْطَأتُ. قَال أَبُو مَنْصُوْرٍ [الأزْهَرِيُّ] هو مِنَ الألُوِّ وهو التَّقْصِيرُ، وأنشَدَ ابنُ جِنِّي في أَلوتُ بمعنى استَطَعْتُ =
[ ١ / ٢٢٥ ]
رُويَ عَن جَعْفَرِ بنِ مُحَمَّدٍ (١) أَنَّه قَال: هُمَا لِلْكَافِرِ مُنْكرٌ ونَكِيرٌ؛ لإنْكَارِهِ مَا يَسْأَلانِهِ عَنْهُ ولِلْمُؤْمِنِ مُبَشِّرٌ وبَشِيرٌ، وسُمِّيا مُنكَرًا ونَكِيرًا؛ لأنَّ العَبْدَ يُنْكِر مَا يَسْأَلانِهِ عَنْهُ، ويُنكرُ المَلَكَانِ عَلَيهِ مَا يَقُولُهُ، فَنكِيرٌ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مُفْعِلٌ كَألَيمٌ وَوَجِيعٌ؛ لأنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ السَّائِلِ والمَسْؤُولِ فَاعِلٌ ومَفْعُوْلٌ.
_________________
(١) = لأبِي العِيَالِ الهُذَلِيِّ: جَهْرَاء لا تألو إِذَا هي أَظْهَرَتْ بَصَرًا ولا مِنْ عَيلَةِ تُغْنِينِي أي: لا تُطِيقُ، يُقَالُ: هُوَ يَألو هَذَا الأمر، أي يُطِيقُهُ، ويَقْوَى عَليه ". ويُراجع: كتاب الأضداد للصَّغاني (٧٧٩)، ونص اللِّسان في غالبه من تهذيب اللُّغة للأزهري (١٥/ ٤٣١)، ولم أجد من نصَّ على أنَّها لغة هذليَّة، وَبَيت أَبِي العِيَالِ الهُذَلِيِّ يُرشحُ ذلِك. ويُراجع: شَرْح أَشْعَار الهُذَلِيِّين (١/ ٤١٥)، وفيه: "لا تأْلُو: لَا تَسْتَطِيعُ" والله ﷾ أعلم.
(٢) جَعْفَرُ بنُ مُحَمَّدٍ هَذا هو المَعْرُوْفُ بـ "جَعْفَرِ الصَّادِقِ" وهو جَعْفَرُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ عَلي بن الحُسين بن علي بن أبي طالب - ﵁ -، مُحَدِّثٌ، ثِقةٌ، تابعيٌّ من آل عليٍّ - ﵁ - وأمُّه وجَدَّتُهُ من آل أبي بَكْرِ -﵁- فهو مَحْبُوْكُ الطَّرَفَينِ، كَرِيمُ الجَدَّينِ. مولده سنة (٨٠ هـ) ووفاته سنة (١٤٨ هـ). أَخْبَارُهُ في: تاريخ البُخاري (٢/ ١٩٨)، والجرح والتعديل (٢/ ٤٨٧)، ومشاهير علماء الأمصار (١٢٧)، وتهذيب التهذيب (٢/ ١٠٣)، والشَّذرات (١/ ٢٠).
[ ١ / ٢٢٦ ]