اتَّفق المُؤَرِّخُون عَلَى أَنَّ أبا الوَليدِ الوَقَّشِيَّ وُلِدَ سَنَةَ (٤٠٨ هـ) ولا أَعْلَمُ خِلافًا في ذلِكَ، ولم تُفْصِح المَصَادِرُ العَرَبِيّهُ القَدِيْمَةُ الَّتِي وقفتُ عليها عن مكان مولده (٣)، فمن الخَطَأ الظَّنُّ والتَّخمينُ في شيءٍ لا يمكنُ أن يُفصحَ عنه إلَّا نَصٌّ صَرِيْحٌ مَنْقولٌ يَصحُّ أنْ يُعَوَّلَ عليه ويُستندَ إليه. وَقَد تَحَرَّفَتْ سنةُ ميلادِهِ في كتابِ "رَوْضَاتِ الجَنَّات" (٤) للخَوانْسَارِيِّ بسُقوط الصِّفرِ بينَ الرَّقمين أربعة وثمانية، فغلَّطه الأُسْتاذُ ظُهُوْرُ أَحْمَد مُحَقِّقُ "طُرَرِ الكَامِلِ" واحْتَجَّ عليه بأَنَّ العَرَبَ لم يَدْخُلُوا الأنْدَلُسَ قَبْلَ سَنَةِ (٩٢ هـ) وَجَعَلَ من الأمْرِ الهَيِّن قَضِيَّةً، والأمْرُ أَيْسَرُ من ذلِكَ، ولا يَحْتَاجُ مِثْلُ هَذَا إلى رَدٍّ وَدَفْع؛ لأنَّ التَّحْرِيْفَ فيه واضِحٌ، تَكْفِي الإِشَارَةُ إليه، ولو أهمَلَهُ أصلًا، ولم يعتدَّ به لكانَ أجملَ وأليَقَ.
_________________
(١) تاريخ الإسلام (٣٢٧)، وفيات سنة (٤٨٩ هـ)، وسير أعلام النُّبلاء (١٩/ ١٣٤).
(٢) نفح الطيب (٤/ ٣٠٦).
(٣) ذكر الأستاذ خير الدِّين الزِّركلي في الأعلام (٨/ ٨٤) أنَّه وُلِدَ بِوَقَّشَ، ولم يذكر المصادر التي ذكرت ذلك؛ لذا لا يلزم قبوله.
(٤) روضات الجنات للخوانساري (٤/ ٢٣٢).
[ مقدمة / ١٢ ]
وذكر صاحبُ "رَوْضَاتِ الجَنَّاتِ" (١) وفاةَ أبي الوَليد وجعلها سنة (٤٧٨ هـ) وهو خَطَأٌ ظَاهِرٌ، وليس بتَحْرِيْفٍ، وَكِتَابُ "الرَّوْضَاتِ" المَذْكُورُ لا يَحْسُنُ الرُّجوعُ إليه، ولا النَّقْلُ عَنْهُ؛ لأنَّ مؤلِّفَهُ كَثيْرُ الأخْطَاءِ، كَثيْرُ التَّحْرِيْفِ، تَتَدَاخَلُ فيه المَعْلُوْمَاتِ، وَمَعَ هَذَا هُو مُتأخِّرٌ (ت ١٣١٣ هـ) فلا جديدَ في مصادِرِهِ عن المُتَقَدِّمين عَامَّة، والأندَلُسيِّن خَاصَّة.
وَوَقَعَ في كلامِ الأُستاذ ظُهُور أحمد تناقضٌ في مكان ميلاده لم يَتفَطَّنْ له فقال في أول مبحث مولده: "إِنَّ المَصَادِرَ الَّتِي وَصَلَت إِلَيْنَا والَّتي اسْتَطَعْنَا أنْ نَسْتَفيدَ مِنْهَا في تَرْجَمِةِ الوَقَّشِيِّ لا تُصَرِّحُ بالمكان الذي وُلِدَ بِه " وهَذَا كَلامٌ جَيِّدٌ صَحِيْحٌ إلى حدٍّ ما، لكنَّه عاد إلى نَقْضِهِ حيثُ قَال -بَعْدَ أَسْطُرٍ-: "إنَّمَا مَسْقَطَ رَأْسِهِ هِيَ مَدِيْنَةُ (وَقَّش) الَّتِي كَانَتْ دَارَ الوَقَّشِيِّيْنَ الكِنَانِيِّينَ الفُضَلاء الأعْيان، وَأَحَال إِلى "نَفْح الطِّيْبِ".
أقول -وعلَى الله أعتَمِدُ-: إِذَا كانَت المَصَادِرُ لا تُصرِّحُ بالمَكَانِ الَّذي وُلِدَ فيه فَمِنْ أَيْنَ عَلِمَ الأُستاذُ -حفظه الله- أنَّ مدينةَ "وَقَّشَ" هي مَسْقَطُ رأسه؟ ! وكون "وَقَّش" دارَ الكنانيين الفُضَلاء الأعيان -كَمَا يَقُولُ المَقَّرِيُّ في "نَفْح الطِّيْبِ" (٢) - لا يَلْزَمُ منه أن يكونَ أبُو الوَليْدِ مولودًا فيها؟ ! وَصَاحِبُ "نفْحُ الطِّيْبِ" لَمْ يَقُلْ: إنَّها مَسْقَطُ رَأْسِهِ؟ ! .
_________________
(١) المصدر نفسه.
(٢) نفح الطِّيب (٢/ ٢٩١).
[ مقدمة / ١٣ ]
وَأَعَادَ الأسْتَاذُ ظُهُورٌ -حَفِظَهُ اللهُ- تأْكِيْدَ ذلك ثانيةً فَقَال (١): "وَكَانَ يُعرَفُ دائمًا بـ "الوَقَّشِيِّ" وكانت هَذِهِ النِّسبةُ محبوبة إليه؛ لأنَّ "وَقَّشَ" دَارُ آبائه، ومَسْقَطُ رَأْسِهِ، بها وُلِدَ ونَشَأَ وتَرَعْرَعَ " وهَذَا كُلُّه تزيُّدٌ منه -حفظه الله ورعاه- لم يذكر في خبرٍ مأثورٍ، ولا هو في كتابٍ مَسْطُورٍ، فَمَنْ قَال: إنَّ هَذِهِ النِّسبة محبوبةٌ إليه؟ ! وَمَنْ قَال: إن "وَقَّشَ" مَسْقَطُ رَأْسِهِ، بها وُلِدَ ونَشَأَ وتَرعْرَعَ؟ ! لا أحدَ من المُتَقَدِّمِينَ فِيْمَا أَظُن حَتَّى الآن، ولو قِيْلَ ذلِكَ فَهُوَ مُنَاقضٌ لكلامِهِ السَّابِقِ! .