عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال: إن الله تعالى تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه. حديث حسن رواه ابن ماجه والبيهقي وغيرهما (١).
قلت: وقد يروى هكذا "عفي لأمتي عن الخطأ" (٢) الحديث، وهو أحسن انتظامًا، ووجه انتظام الأولى أن تجاوز ضُمنَ (أ) معنى ترك تقديره: إن الله ترك لي عن أمتي الخطأ، أو تقديره: إن الله تجاوز لي من أمتي عن الخطأ (٣).
وأحْسِبُهَا مُرَكَّبَةً من عَجُزِ هذا الحديث، وَصَدرِ قَولهِ: "أن الله تجاوز لأمَّتِي عمَّا وسوست به صُدورُهَا" الحديث.
وبالجملة إذا فُهِمَ المعنى فلا مبالاة باضطراب الألفاظ.
وهذا الحديث عام النفع، عظيم الوقع، وهو يصلح أن يسمى نصف الشريعة؛ لأن فعل الإنسان إما أن يصدر عن قصد واختيار، وهو العمد مع الذكر اختيارا، أو لا عن قصد واختيار، وهو الخطأ والنسيان، أو الإكراه، وهذا القسم معفو عنه، والأول مؤاخذ به، فإذن هذا الحديث نصف
_________________
(١) (أ) في ب تضمن.
(٢) رواه ابن ماجه ١/ ٦٥٩ والبيهقي ٧/ ٣٥٦.
(٣) قال الألباني: لم أجده بلفظ "عفي" إرواء الغليل ١/ ١٢٣.
(٤) وقال الحافظ ابن رجب: تقديره: إن الله رفع لي عن أُمَّتي الخطأ، أو ترك ذلك عنهم فإن "تجاوز" لا يتعدَّى بنفسه. جامع العلوم والحكم (٢/ ٣٦٦ تحقيق شعيب الأرناؤوط).
[ ٣٢٢ ]
الشريعة بهذا الاعتبار.
والعفو عن هذه الأفعال هو مقتضى الحكمة والنظر مع أن الله ﷿ لو وَاخَذَ بها لكان عادلا.
ووجه ذلك أن فائدة التكليف وغايته تمييز الطائع من العاصي ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [سورة الأنفال: ٤٣] لكن الطاعة والمعصية يستدعيان قصدا ونية يستند إليهما الثواب والعقاب، والمخطئ والناسي لا قصد لهما، وكذلك المكره إذ القصد لمن أكرهه لا له، وهو كالآلة المكرهة، ولهذا ذهب غالب الأصوليين إلى أن هؤلاء الثلاثة غير مكلفين.
ووجه عموم نفع هذا الحديث أن الفعل خطأ ونسيانا وإكراها يقع في الطهارات والصلوات والصيام والحج والطلاق وغيرها من أبواب العلم في صور كثيرة ومسائل عديدة.
ثم قوله: "عفي لأمتي عن الخطأ، وتجاوز لي عن أمتي الخطأ" هل التجاوز عن حكم الخطأ، أو عن إثمه، أو عنهما جميعا؟ وكل محتمل، والأشبه العفو عن الإثم، فمن ثم قيل: الكلام في الصلاة، والأكل في الصوم والوطء فيه، وفي الحج ناسيا يبطلهن حكما، ولا إثم على الفاعل.
وفي هذه المسائل ونحوها خلاف بين الأئمة، فإن قلنا: العفو عن حكم الفعل وإثمه احتيج في تعليق الأحكام ببعض صور الخطأ والنسيان والإكراه إلى دليل منفصل، وذلك كالقتل إذا كان عمدا أثم القاتل، ولزمه الضمان حكما، وإن كان خطأ سقط الإثم، والضمان حكما بمقتضى العفو عنهما،
[ ٣٢٣ ]
لكن الإجماع على وجوب الضمان بالدية ما لم يَعْفُ الولي، فيحتاج لوجوب (أ) الضمان إلى دليل منفصل، وهو أن الضمان حق المكلف واستيفاؤه من باب العدل، لا من باب التكليف، ودليل العدل قائم قاطع فلتجب الدية في الخطأ بموجبه.
وإن قلنا: إن العفو في الخطأ عن الإثم فقط بقي الحكم على أصل اقتضاء الفعل له عمدا، فيسقط الإثم عن القاتل خطأ بموجب العفو في الحديث المذكور، ويبقى وجوب الضمان على الأصل لأنه كان واجبا حال العمد، والأصل بقاء ما كان على ما كان.
والفرق بين العمد والخطأ حاصل بارتفاع الإثم، أما ترتب الإثم على الخطأ (ب) ونحوه فهو تكليف ما لا يطاق.
وهاهنا مسألة تتعلق بالإكراه، وهي مسألة التقية التي اختلف فيها الشيعة وأهل السنة، وحجة أهل السنة على إنكارها: هو أن التقية نفاق، والنفاف حرام، فالتقية حرام.
أما أن التقية نفاق فلأن النفاق هو إظهار الإيمان وإخفاء الكفر مخافة لحوق المكروه، والتقية هي إظهار الإنسان خلاف ما يُبطنه خيفة على نفسه وهذا هو حد النفاق بعينه.
وأما أن النفاق حرام فلورود الشرع بذم المنافقين عليه، ولا يذمهم إلا على حرام. والإجماع يُثبت أن التقية حرام.
_________________
(١) (أ) في م في إيجاب. (ب) في م على الخطأ فهو جائز على تكليف.
[ ٣٢٤ ]
وحجة الشيعة: أن التقية ثابتة بكتاب الله تعالى وسنة رسوله - ﷺ - وفتاوى العلماء والنظر.
أما الكتاب فلقوله (أ) ﷿ ﴿إلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [سورة النحل: ١٠٧] وهو نص في التقية، إذ هو تجويز لإظهار (ب) الكفر وإخفاء الإيمان خوفا، وقوله ﷿ ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ [سورة آل عمران: ٢٩] وقرئ ﴿تقية﴾ (١) باللفظ المتنازع فيه.
وأما السنة فلأن النبي - ﷺ - استأذن عليه رحل فقال: "بئس فتى العشيرة هذا" ثم دخل الرجل فَأَلاَنَ له القول وضحك إليه، فلما سئل عن ذلك قال: "إن أشر الناس من أكرمه الناس اتقاء فحشه" (٢) وكذلك صالح الكفار يوم الحديبية على أمور هو يعتقد خلافها، وذلك عين التقية، ولقوله ﵊ لعمار بن ياسر: "إن عادوا فعد" (٣).
_________________
(١) (أ) في م فقوله. (ب) في ب، م باظهار.
(٢) قال أبو حيان: وقرأ ابن عباس ومجاهد وأبو رجاء وقتادة والضحاك وأبو حيوة ويعقوب وسهل وحميد بن قيس والمفضل، عن عاصم تَقِيَّةً على وزن مَطِيَّةٍ وجَنِيَّةٍ، وهو مصدر على وزن فعيلة وهو قليل نحو النميمة. بحر المحيط ٢/ ٤٢٤.
(٣) رواه البخاري ٥/ ٢٢٤٤ ومسلم ٤/ ٢٠٠٢ من حديث عائشة.
(٤) رواه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣١١ وابن سعد في الطبقات ٣/ ٢٤٩ وابن جرير في التفسير ١٤/ ١٨٢ وابن أبي حاتم في التفسير ٧/ ٢٣٠٤.
[ ٣٢٥ ]
قالوا: ولأن عليا ﵁ إنما بايع أبا بكر ﵁ تقية، لما ثبت في الصحيحين من حديث الزهري عن عروة عن عائشة أنها قالت في أثناء حديث البيعة: فكان لعلي وجه من الناس في حياة فاطمة، فلما توفيت فاطمة انصرفت وجوه الناس عن علي، فلما رأى علي انصراف وجوه الناس عنه ضرع لمصالحة أبي بكر، فقال له: موعدك البيعة العشية (١) الحديث.
ومعنى ضرع: ذلَّ وخضع وانقاد، وهو نصٌّ فيما ادعيناه.
وأما فتاوى العلماء فلأن أكثرهم على أن يمين المكره وطلاقه وهبته وتصرفاته لا تنفذ (أ) حتى ضرب مالك في ذلك سبعين سوطا على أن يفتي بانعقاد يمين المكره فلم يفعل، دليل ذلك قوله - ﷺ -: "لا طلاق في إغلاق" (٢) أي: في إكراه.
وأما النظر فلأن في التقية جمعا بين مصلحتين حفظ الاعتقاد (١) الباطن، ودفع الضرر عن الظاهر، ونقلوا عن جعفر الصادق أنه قال: "التقية ديني ودين آبائي" (٣).
_________________
(١) (أ) في ب لا تنعقد. (ب) في م للاعتقاد.
(٢) رواه البخاري ٤/ ١٥٤٩ ومسلم ٣/ ١٣٨٠.
(٣) رواه أبو داود ٢/ ٦٤٢ وابن ماجه ١/ ٦٦٠ من حديث عائشة. حسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه ٢/ ١٧٩.
(٤) الكافي للكليني ٢/ ٢١٩ وهو عند الرافضة كالبخاري عند أهل السنة.
[ ٣٢٦ ]
وأجابوا عن حجة (أ) الأولين؛ أن قولكم: التقية نفاق؛ يمكن تسليمه، لكن لم قلتم: إن كل نفاق حرام، وظاهر أنه ليس كذلك، فإن النفاق ضربان: لغوي، وعرفي، فاللغوي هو إظهار الإنسان خلاف ما في نفسه خوفا من المكروه، والعرفي إظهار الإيمان والسنة وإخفاء الكفر والبدعة خوفا من المكروه، فالنفاق لغة أعم منه عرفا، والحرام إنما هو النفاق عرفا، لا النفاق لغة، وإلا لوجب أن يكون من أظهر الكفر وأخفى الإيمان خوفا منافقا آثما، وهو خلاف نص القرآن، وحينئذ نقول: التقية التي فيها النزاع -إن سلَّمنا أنها نفاق- فهي نفاق لغوي، لا عرفي فلا يكون حراما (١).
واعلم أن هذا النزاع الطويل بينهم في التقية استدلالًا وحوابا ذاهب في السائب هدرًا (ب)، فإن جُلَّ (جـ) الخلاف بينهم إنما هو في مبايعة علي بن أبي طالب أبا بكر ﵄ تقية، فادَّعاه الشيعة كما مَرَّ، ونفاه أهل السنة لأنه نفاق، وهو لا ينبغي نسبته إلى علي ﵁.
أما التقية في غير ذلك فلا مبالاة بإثباتها وجوازها، وإنما يكره عامة الناس لفظها لكونها من مستندات الشيعة، وإلا فالعلماء مطبقون على
_________________
(١) (أ) في ب: عن حجة الأولى إن التقية نفاق. (ب) في م لا أثر له هدرا. (جـ) في م محل.
(٢) لم يحسن المؤلف صنعا، حيث ساق استدلال أهل السنة مبتورا في قالب ضعيف، وساق استدلال الرافضة مستوفى في أحسن سياق، وذلك يُطرِّقُ عليه الشائنين له، الناسبين إليه التشيع.
[ ٣٢٧ ]
استعمالها، وبعضهم يسميها مداراة، وبعضهم مصانعة، وبعضهم عقلا معيشيا، ودَلَّ عليها دليل الشرع كما سبق (١).
وهذا الحديث يرجع إلى قوله ﷿ ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [سورة الأحزاب: ٥] ونحوه.
والله ﷿ أعلم بالصواب.
_________________
(١) عرف الحافظ ابن حجر التقية بأنها: الحذر من إظهار ما في النفس من معتقد وغيره للغير. الفتح (١٢/ ٣١٤ الطبعة السلفية). وتقية أهل السنة وتقية الرافضة مختلفتان: - فالتقية عند الرافضة ركن من أركان دينهم، بل هي تسعة أعشار الدين عندهم، ولا دين لمن لا تقية له، وهي أحد الذنبين اللذين لا يغفران، ترك التقية وتضييع حقوق الإخوان عندهم. ويلتزم بها الرافضة ويستعملونها مع من يأمنون جانبه، ومع من يحذرونه، وبهذا تلتقي التقية مع الكذب والنفاق والخداع. وأما التقية عند أهل السنة فهي رخصة في حالة الضرورة، والعزيمة أفضل منها. وقد أفاض العلامة أبو محمد عبد الحق بن عطية الأندلسي في تفسيره المحرر الوحيز في تفسير الكتاب العزيز ٣/ ٧٣ - ٧٦ في أقسامها وأحكامها، والحافظ ابن حجر في فتح الباري ١٢/ ٣١٤ - ٣١٥. وانظر (أصول مذهب الشيعة الإمامية الاثني عشرية) تأليف د / ناصر الفقاري ٢/ ٨٠٥ - ٨١٩.
[ ٣٢٨ ]