عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان. رواه البخاري ومسلم (١).
أقول: هذا الحديث داخل في ضمن الذي قبله حيث سأل جبريل عن الإسلام فأجابه ﵊ بهذه الخمس.
وقوله: "بني الإسلام" أي أُسِّسَ.
وقوله: "على خمس" أي: خمس دعائم، هي خصاله المذكورة، فلذلك لم تلحق التاء في خمس، ولو أراد الأركان لقال على خمسة.
وإقام الصلاة، أصله إقامة الصلاة لكن حذف التاء تبعًا للفظ القرآن، وحذفت في القرآن طلبا للازدواج مع وإيتاء الزكاة، والحذف ونحوه للازدواج كثير في كلام العرب نحو الغَدايَا (٢) والعشَايَا (٣)، و"ارجعن مأزورات غير مأجورات" (٤)
_________________
(١) رواه البخاري ١/ ١٢ ومسلم ١/ ٤٥.
(٢) الغدايا: مفرده غدوة، وجمعه غُدًا وغدوات قال الجوهري: قولهم إني لآتيه بالغدايا والعشايا هو لازدواج الكلام. الصحاح ٦/ ٢٤٤٤.
(٣) العشايا: العَشِيُّ كغني والعشيَّة كغنية وجمعه عَشَايَا. تاج العروس ١٩/ ٦٧٧.
(٤) رواه ابن ماجه ١/ ٥٠٣ والبيهقي في السنن الكبرى ٤/ ٧٧ من حديث علي، وهو حديث ضعيف. وكان الأصل "ارجعن موزورات" لأن المادة الوزر، ولكن قيل: مأزورات للازدواج مع مأجورات.
[ ٧٨ ]
"والرِّجْسُ النِّجْسُ" (١) وهو كثير.
وإيتاء الزكاة محذوف المفعول، أي: وإيتاء الزكاة أهلها، بدليل ﴿وآتى المال على حبه ذوي القربى﴾ [سورة البقرة: ١٧٧] والإيتاء الإعطاء. وقد سبق معنى الصلاة.
وأما الزكاة فهي في اللغة: الزيادة والنماء، ومنه ﴿أقتلت نفسا زكيَّة﴾ [سورة الكهف: ٧٤] ﴿ويزكيهم﴾ [سوره آل عمران: ١٦٤] و﴿قد أفلح من زكَّاها﴾ [سورة الشمس: ١٠] ولعلها مأخوذة من الزَّكَا، وهو الاثنين (٢) من قوله في وصف السيف (٣):
إذَا هَوَى فِي جُثَّةٍ غَادَرَها مِنْ بعدِ ما كانَتْ خَسًا وَهْيَ زَكَا
أي: من بعد ما كانت واحدا وهي اثنان.
وفي الشرع: إخراج جزء مقدر من مال مخصوص إلى جهة مخصوصة على جهة القربة.
والحج في اللغة: القصد، وفي الشريعة (أ): قصد المسجد الحرام وما حوله
_________________
(١) (أ) في م الشرع.
(٢) في تاج العروس: زعم الفراء: أنهم إذا بدءوا بالنجس ولم يذكروا الرجس فتحوا النون والجيم، وإذا بدعوا بالرجس ثم أتبعوه بالنجس كسروا النون، فهم إذا قالوه مع الرجس أتبعوه إياه، وقالوا: رِجْسٌ نِجْسٌ، كسروا لمكان رجس. مادة نجس.
(٣) في اللسان: والزكا مقصور الشفع من العدد، وزكا الشفع، يقال: خَسًا أو زَكًا، والعرب تقول للفرد: خَسًا، وللزوحين اثنين زَكًا.
(٤) هو البيت السابع والسبعون من مقصورة ابن دريد، وانظر شرحه في "شرح مقصورة ابن دريد" لابن هشام اللخمي (طبعة مؤسسة الرسالة) ص ٢٨٨.
[ ٧٩ ]
لأداء النسك.
والصوم في اللغة: الإمساك، وفي الشرع: إمساك ما بين طلوع الفجر وغروب الشمس عن المفطرات الشرعية بنية القربة.
ورمضان قيل: من أسماء الله تعالى، والصحيح أنه اسم الشهر المشهور سمى رمضان لاشتداد حَرِّ الرمضاء فيه حين وضع له هذا الاسم.
واعلم أن الشرع تعبَّدَ الناس في أبدانهم وأموالهم فلذلك كانت العبادات إما بدنية كالصلاة أو مالية كالزكاة أو مركبة منهما كالحج والصوم لدخول التكفير بالمال فيهما، وعمل البدن فيهما ظاهر كالطواف وتجويع البدن.
وقوله: "بني الإسلام على خمس" شبهه ببيت بني على دعائم خمس كما قال في حديث آخر "ألا أنبئك بملاك الأمر وعموده وذروة سنامه؟ الجهاد" (١) ثم من المعلوم أن البيت لا يثبت بدون ركنه ودعائمه (أ) التي يبنى عليها.
وظاهر هذا الحديث أن من ترك شيئًا من هذه الخمس يخرج عن كمال الإسلام الجزئي بقدر ما ترك منها لكنه لا يدخل في الكفر إلا إن ترك (ب) ذلك جاحدا لوجوبه، إذ قد بينا أن الإسلام غير الإيمان وإنما يكفر من فارق الإيمان
_________________
(١) (أ) في أ، م دعامته. (ب) في م يترك.
(٢) الحديث التاسع والعشرون من هذا الأربعين.
[ ٨٠ ]
بأن كذبَ الله (أ) وملائكته وكتبه ورسله واليومَ الآخِرَ أو بعضها (ب)، أما من فارق الإسلام (١) أو بعضه فإنما يدخل في الفسق لا في الكفر، وظاهر هذا التقرير أن تارك الصلاة تهاونا لا يكفر خلافا لمشهور قول الحنابلة (٢).
وها هنا تقسيم: وهو أن الإيمان والإسلام قد عرفت حقيقتهما ومعناهما، فمن أتى بهما فهو مؤمن كامل، ومن تركهما فهو كافر كامل، ومن ترك الإسلام وحده فهو فاسق وهو مؤمن ناقص، ومن ترك الإيمان وحده فهو منافق يؤمن بلسانه وفعله، ويكفر باعتقاده وقلبه.
ومرجع هذا الحديث من آي الكتاب إلى قوله ﷿ ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله﴾ [سورة محمد: ١٩] ﴿محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم﴾ [سورة الفتح: ٢٩] ﴿أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾ [سورة البقرة: ٤٣] ﴿كتب عليكم الصيام﴾ [سورة البقرة: ١٨٣] ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ [سورة البقرة: ١٨٥] ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ [سورة البقرة: ١٩٦] ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾ [سورة آل عمران: ٩٧] ومن السنة إلى نظائره وهي عديدة، والله ﷿ أعلم بالصواب.
_________________
(١) (أ) في أ، م بالله. (ب) في أ، م وببعضها.
(٢) إلا الشهادتين فلا يكون مسلمًا من فارق الشهادتين بأن لم ينطق بهما مع القدرة عليهما، انظر الكلام على حقيقة الإسلام والإيمان لشيخ الإسلام ابن تيمية ١٨٥.
(٣) انظر المغني لابن قدامة ٣/ ٣٥٤.
[ ٨١ ]
فائدة: إن قيل: هذا الحديث مطلق في الأزمان لا عموم له فيها فيقتضي تقرر الإسلام المعتبر لمن أتى بهذه الأركان الخمسة مرة واحدة، فبماذا يثبت (أ) عمومها في الأزمان، وتكَرُّرُهَا فيها؟
قلنا: بالأدلة المنفصلة الدالة على العموم، نحو قوله - ﷺ - "خمس صلوات كتبهن الله على العبد في اليوم والليلة" (١).
وقوله ﵊: "من ترك الصلاة فقد كفر" (٢) يقتضي من تركها مرة واحدة كفر، وذلك يقتضي عموم وجوبها في الأزمان، والأدلة على ذلك كثيرة.
_________________
(١) (أ) في أ، م ثبت.
(٢) رواه أبو داود ٢/ ١٣٠ والنسائي ١/ ٢٣٠ وابن ماجة ١/ ٤٤٨ وابن حبان (الإحسان ٥/ ٢٣) من حديث عبادة بن الصامت.
(٣) رواه الترمذي ٥/ ١٤ والنسائي ١/ ٢٣١ وابن ماجه ١/ ٣٤٢ من حديث بريدة. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
[ ٨٢ ]