عن أبي حمزة أنس بن مالك ﵁ خادم رسول الله - ﷺ - عن النبي - ﷺ - قال: لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه. رواه البخاري ومسلم (١).
الكلام على إسناده ومعناه.
أما إسناده: فأبو حمزة كنية أنس، وهو بحاء مهملة وزاي معجمة، وهي بقلة كني بها.
أما أبو جمرة الضبعي الراوي عن ابن عباس فهو بجيم وراء مهملة (٢).
وأنس خدم النبي - ﷺ - عشر سنين فلذلك قيل: خادم النبي ﷺ.
وأما معناه فمقصوده ائتلاف قلوب الناس وانتظام أحوالهم، وهو (أ) قاعدة الإسلام الكبرى التي أوصى الله ﷿ بها بقوله: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣] وبيان ذلك أنه إذا أحبَّ كل واحد من الناس لباقيهم ما يحب لنفسه أحسن إليهم، ولم يؤذهم لأنه هو يحب لنفسه أن يُحسَنَ إليه، ولا يُؤذَى، وإذا أحسن إليهم، ولم يؤذهم أحبوه فتسري بذلك المحبة بين الناس، وبسريان المحبة بينهم يسرى الخير
_________________
(١) (أ) في س وهذه.
(٢) رواه البخاري ١/ ١٤ ومسلم ١/ ٦٧.
(٣) نصر بن عمران بن عصام الضُّبعي بضم المعجمة وفتح الموحدة بعدها مهملة، أبو جمرة بالجيم البصري نزيل خراسان من الثالثة ع التقريب.
[ ١٢٤ ]
ويرتفع (أ) الشر، وبذلك ينتظم أمر المعاش والمعاد وتصلح أحوال العباد.
وقوله: "لا يؤمن" أي: لا يؤمن إيمانا كاملًا، أو لا يكمل إيمانه بدليل ما سبق في حديث جبريل أن الإيمان هو التصديق بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر، ولم يذكر حُبَّ الإنسان لأخيه ما يحب لنفسه، فدل على أنه من كمال الإسلام لا من أجزائه بحيث تختل ذاته بعدمه.
ويشبه أن محبة الإنسان لغيره ما يحب لنفسه إنما هو باعتبار عقله، أي: يحب له ذلك ويؤثره من جهة عقله، أما التكليف بذلك من جهة الطبع فصعب (ب)، إذ الإنسان مطبوع (جـ) على حب الاستئثار على غيره بالمصالح، بل على الغبطة والحسد لإخوانه، فلو كلف أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه بطبعه لأفضى إلى أن لا يكمل إيمان أحد إلا نادرا. وفي الحديث "انظر ما تحب أن يأتيه الناس إليك فأته إليهم" (١).
وفي كلام بعضهم: "ارضَ للناس ما لنفسك ترضَى" (٢) وهذا الحديث عام مخصوص بأن الإنسان يحب لنفسه وطء زوجته أو أمته ولا يجوز أن يحب ذلك لأخيه حال كون المرأة في عصمته لأن ذلك حرام، وليس له أن يحب لأخيه فعل الحرام، وبما أشبهه من الصور. والله ﷿ أعلم بالصواب.
_________________
(١) (أ) في ب ويرفع. (ب) في م فيصعب. (جـ) في أفصعب على الإنسان فإنه مطبوع.
(٢) رواه أحمد ٦/ ٣٨٢ والطبراني في المعجم الكبير ١٩/ ٢٠٩ - ٢١٠ من حديث أبي المنتفق بنحوه. وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة حديث ١٤٧٧.
(٣) شطر بيت من الشعر، ولم أجد تتمته وقائله.
[ ١٢٥ ]