عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه. حديث حسن رواه الترمذي وغيره هكذا (١).
يقال: عناه الأمر يعنيه إذا تعلقت عنايته به، وكان من غرضه وإرادته، والذي يعني الإنسان من الأمور ما يتعلق بضرورة حياته في معاشه، وسلامته في معاده، وذلك يسير بالنسبة إلى ما لا يعنيه، فإذا اقتصر الإنسان على ما يعنيه من الأمور سلم من شر عظيم عميم، وذلك يعود بحسن الإسلام لأن السلامة من الشر خير عظيم (أ)، والسلامة من الشر من حسن إسلام المرء.
ومن كلام بعض السلف: من علم أن كلامه من عمله قلَّ كلامه إلا فيما يعنيه.
ومن كلام بعضهم من سأل عما لا يعنيه كما يُعنِّيه.
فإن قيل: لم قال: من حسن إسلام المرء، ولم يقل من حسن إيمانه؟.
قلنا (ب): لأنه سبق أن الإسلام هو الأعمال الظاهرة، والترك والفعل
_________________
(١) (أ) في س عميم. (ب) في س قلت.
(٢) رواه الترمذي ٤/ ٥٥٨ وابن ماجه ٢/ ١٣١٥ من طريق الأوزاعي، عن قرة، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة. ورواه في الموطأ ٢/ ٩٠٣ - ومن طريقه الترمذي- عن الزهري، عن علي بن الحسين مرسلًا. قال الترمذي: وهذا أصح عندنا من حديث أبي سلمة عن أبي هريرة أهـ. وقال الدارقطني: والصحيح حديث الزهري عن علي بن الحسين مرسلًا. العلل ٨/ ٢٧.
[ ١٢١ ]
ضدان إنما يتعاقبان على الأعمال الظاهرة دون الباطنة، لأن الظاهرة حركات اختيارية يتأتى فيها الترك والفعل اختيارا والباطنة اضطرارية تابعة لما يخلقه (أ) الله ﷿ في النفوس من العلوم ويوقعه فيها من الشبه (ب).
فإن قيل: فلم قال: من حسن إسلام المرء على التبعيض، ولم يقل: حسن إسلام المرء؟.
قلنا: لأن ترك ما لا يعني ليس هو كل حسن الإسلام، بل بعضه، وإنما جميع حسن الإسلام ترك ما لا يعني، وفعل ما يعني، فإذا فعل ما يعنيه وترك ما لا يعنيه فقد كمل حسن إسلامه.
فإن قيل: فلم قال: من حسن إسلامه، ولم يقل من إسلامه؟.
قلنا: لأن ترك ما لا يعني ليس هو نفس الإسلام ولا جزءًا منه (جـ)، بل هو وصفه وهو حسنه، وحسن الشيء ليس هو ذاته ولا جزءَه.
أما الإسلام نفسه فهو الانقياد لغة، والأركان الخمسة شرعا فهو كالجسم، وترك ما لا يعني كالشكل واللون له.
واعلم أن كل شيء فإما أن يعني الإنسان أو لا يعنيه، وعلى التقديرين فإما أن يفعله أو يتركه فهي أربعة أقسام:
فعل ما يعني، وترك ما لا يعني، وهما حسنان، وترك ما يعني وفعل
_________________
(١) (أ) في أخلق. (ب) في م الشبهة. (جـ) في س ولا جزأه.
[ ١٢٢ ]
ما لا يعني، وهما قبيحان.
والذي يعني الإنسان من أمر معاشه ما يشبعه من جوع، ويرويه من عطش، ويستره من ظهور عورته، ويعفه من زنا، وما تعلق بذلك على جهة دفع الضرورة لا على جهة التلذذ والتمتع والاستكثار، والذي يعنيه من أمر معاده الإسلام والإيمان والإحسان على ما سبق بيانه، والإمعان في ذلك والاستكثار أولى من الإقلال والاختصار.
وهذا الحديث يرجع إلى قوله تعالى: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٠] ونحوه، لأن ذلك جميعه مما لا يعنيه. والله ﷿ أعلم بالصواب.
[ ١٢٣ ]