عن أبي ثعلبة الخشني جرثوم بن ناشر ﵁ عن رسول الله - ﷺ - قال: إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحدَّد حدودا فلا تعتدوها، وَحَرَّمَ أشياءَ فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياءَ رحمة لكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها. حديث حسن رواه الدارقطني وغيره (١).
قلت: يقال أيضًا: جرهم، وفي اسم أبيه ناشب (٢).
وقد تضمن هذا الحديث قواعد الشرع؛ لأن الحكم الشرعى في نفس الأمر إما مسكوت عنه، أو متكلم به، وهو إما منهي عنه، أو مأمور به، أو حَدٌّ زَاجِرٌ عن منهى عنه، والمنهي عنه إما مكروه أو محرم، والمأمور به إما مندوب أو مفروض، فالمفروض حقه أن لا يُضَيَّعَ كالإيمان والإسلام وما وجب من خصالهما، والحرام حَقُّهُ أن لا يقارب كالكفر والزنى والربا والسرقة والقذف والسحر وشهادة الزور وأكل مال اليتيم، والحدود وهي الزواجر الشرعية كحد الردة والزنى والسرقة والشرب ونحوها حقها أن تقام على أهلها من غير محاباة ولا عدوان لقوله - ﷺ -: "حد يقام في الأرض خير
_________________
(١) رواه الدارقطني ٤/ ١٨٤ والبيهقي في السنن الكبرى ١٠/ ١٢ والطبراني في المعجم الكبير ٢٢/ ٥٨٩ والخطيب في الفقيه والمتفقه ٢٠/ ١٦. وَحَسَّنَهُ النووي، ولكن إسناده ضعيف، وقد تكلم عليه الألباني في "غاية المرام" حديث ٤ فراجعه.
(٢) قال الحافظ ابن كثير في جامع المسانيد ١٣/ ٤٤٣ اختلف في اسمه واسم أبيه على أقوال تبلغ العشرين، فقيل: جرثوم بن ناشب، وقيل: ابن ناشر.
[ ٢٢٧ ]
من مطر أربعين صباحا" (١) وإنما حملنا (أ) الحدود في الحديث على أنها الزواجر دون الوقوف عند النواهي والأوامر لئلا يتكرر مع ما قبلها وبعدها، إذ الفرائض المفروضة حدود محدودة لأنها مقدرة محصورة يجب الوقوف عند تقدير الشرع فيها، وكذلك المحرمات المحظورة حدود محدودة، وكلا الأمرين محتمل فيها، أعني حملها على الزواجر، وعلى الوقوف عند النواهي والأوامر.
فإن حملت على الزواجر فمعنى لا تعتدوها أي: لا تزيدوا عليها عما (ب) أمر به الشرع.
فإن قيل: كيف جلد عمر ثمانين في الخمر وإنما جلد النبي - ﷺ - وأبو بكر فيه أربعين؟ (٢).
قلنا: قد قال علي: "إن ذلك كله سنة" (٣) ولأن الناس أكثروا من الشرب في زمن عمر ما لم يكثروا منه قبله فزاد في جلدهم تنكيلا وزجرًا، وقد قال - ﷺ -: "اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر" (٤) وقال:
_________________
(١) (أ) في م حملت. (ب) في م على ما.
(٢) رواه النسائي ٨/ ٧٦ وابن ماجه ٢/ ٨٤٨ من حديث أبي هريرة وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه ٢/ ٣١٧.
(٣) رواه مسلم ٣/ ١٣٣١ من حديث أنس بن مالك.
(٤) رواه مسلم ٣/ ١٣٣٢.
(٥) سبق تخريجه.
[ ٢٢٨ ]
"عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي" فمن ها هنا كانت زيادة عمر في حد الشرب سنة إذ كان مأمورا بالاقتداء به.
فإن قيل: فكيف قال علي: "لا يموت أحد في حد وفي نفسي منه شيء إلا شارب الخمر فإنه لو مات وديته، وذلك أن رسول الله - ﷺ - لم يَسُنَّهُ" (١) وهذا يعارض قوله: "وكل سنة".
قلنا: أراد لم يسنه بِنَصٍّ بقوله (أ) أو بفعله، وأراد بقوله: "كل سنة" لأن حكم عمر بذلك مجتهدًا فيه مراعيا للمصلحة به سنة أيضًا.
وإن حملت (ب) الحدود على الوقوف عند النواهي والأوامر فمعنى لا تعتدوها لا تجاوزوا مَا حُدَّ لكم بمخالفة المأمور، وارتكاب المحظور.
وإضاعة الفرائض إما بتركها، أو بتأخيرها عن وقتها وهو أيسر التضييعين. وتنتهكوها ترتكبوها مقتحمين لها.
وأما ما سكت الله ﷿ عنه أي: لم يذكر حكمه فهو رحمة لهم وتخفيف عنهم لا نسيان لتلك الأحكام ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ [طه: ٥٢] ويشهد لهذا قوله ﵊: "إن أعظم المسلمين في المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسئلته" (٢) دَلَّ على أنَّ
_________________
(١) (أ) في م بنص قوله وبفعله. (ب) في م حملنا.
(٢) رواه مسلم ٣/ ١٣٣٢.
(٣) رواه البخاري ٦/ ٢٦٥٨ ومسلم ٤/ ١٨٣١ من حديث سعد.
[ ٢٢٩ ]
ثَمَّ أشياءَ لم تذكر أحكامها، أو لا أحكام لها.
قوله: "فلا تبحثوا عنها" لا تستكشفوا عن أحوالها وتسألوا، ويرجع هذا إلى قوله ﷿ ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١].
واعلم أن للظاهرية في هذا الحديث ضربا من التمسك لأن مذهبهم اتباع ظواهر النصوص، وما لا حكم له في النصوص ردوه إلى حكم ما قبل الشرع، وهو ظاهر هذا الحديث؛ لأنه نهي عن البحث عما سكت عنه، والقول بالقياس وإلحاق المسكوت عنه بالمنطوق بحكمه بحث عما سكت عنه فيكون على خلاف الشرع، فيكون مردودًا عملا بقوله ﵊: "كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رَدٌّ".
واعلم أن هذا الاستدلال ظني، وأدلة القياس قاطعة فلا يعارضها الظني. والله ﷿ أعلم بالصواب.
[ ٢٣٠ ]