عن أبي محمد عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ - لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به. حديث حسن صحيح، رويناه في كتاب الحجة بإسناد صحيح.
أقول: هذا الكتاب هو (كتاب الحجة في اتباع المحجة في عقيدة أهل السنة) وهو كتاب جيد نافع، وقدره كالتنبيه مرتين، أو مرة ونصفا، وقد طالعته أو أكثره، ولا استحضر الآن اسم مصنفه (١).
وهذا الحديث على وجازته واختصاره من الجوامع لهذه (أ) الأربعين وغيرها من السنة، وبيانه أن النبي - ﷺ - إنما جاء بالحق وصَدَّقَ المرسلين، ثم إن شئت فسرت الحق بالدين، وهو مشتمل على الإيمان والإسلام والإحسان، والنصح لله ولرسوله وكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم، وعلى الإيمان والاستقامة، وهذه أمور جامعة لا يبقى بعدها إلا تفاصيلها التي هي في ضمنها، وإن شئت فسرت الحق بالتقوى، وهي مشتملة على ما ذكرناه أيضًا، فإذا (ب) كان هوى الإنسان تبعا لما جاء به النبي - ﷺ - من الدين والتقوى فقد استوفى حقيقة الإيمان.
_________________
(١) (أ) في م لهذا. (ب) في س، م فان.
(٢) هو الشيخ الإمام العلامة القدوة المحدث مفيد الشام شيخ الإسلام أبو الفتح نصر بن إبراهيم المقدسي الفقيه الشافعي ولد قبل سنة عشر وأربعمائة، وصنف كتاب "الحجة على تارك المحجة" توفي سنة تسعين، يعني وأربعمائة. السير ١٩/ ١٣٦ - ١٤٢.
[ ٣٣١ ]
ثم (أ) اعلم أن كلا من الناس إما أن يكون هواه تابعا لما جاء به الرسول، أو يكون ما جاء به الرسول تابعا لهواه، أو يكون هواه تابعا لبعض ما جاء به الرسول دون البعض.
والأول: المؤمن الكامل.
والثاني: الكافر لأن التقدير أنه أعرض عن جميع ما جاء به الرسول إلى هواه، ومما جاء به الرسول الإيمان، ومن أعرض عن الإيمان فهو كافر لا محالة.
والثالث: إما أن يكون البعض الذي تابع فيه الرسول هو أصل الدين دون فروعه، أو فروعه دون أصله، فإن تابعه في أصل الدين وهو الإيمان، وخالفه فيما سواه فهو مؤمن فاسق، وإن كان بالعكس فهو منافق.
واعلم أن الهوى يميل بالإنسان بطبعه إلى مقتضاه ولا يقدر على جعله تبعا لما جاء به الرسول إلا كل ضامر مهزول.
وحقيقة الهوى شهوات النفس، وهي ميلها إلى ما يلائمها (أ)، وإعراضها عما ينافرها، مع أنه ربما كان عطبها في الملائم وسلامتها في المنافر.
ويقال: إن هشام بن عبد الملك لم يقل في عمره إلا بيتا واحدًا، وهو قوله:
إِذَا أَنْتَ لَمْ تَعْصِ الهَوَى قَادَكَ الهَوَى إِلَى بَعْضِ مَا فِيهِ عَلَيكَ مَقَالُ (١)
_________________
(١) (أ) في م واعلم. (أ) في س ملائمها.
(٢) البيت بلا نسبة في الكامل للمبرد ٢/ ٥١٧ وهو لهشام في عيون الأخبار ١/ ٣٧ والفاضل للمبرد ص ١٢٣ وبهجة المجالس ١/ ٨١٠. وهو برواية أخرى بلا نسبة في البيان والتبيين ٣/ ١٨٧.
[ ٣٣٢ ]
وقال آخر (أ):
إِنَّ الهَوَان هُوَ الهَوَى قُصِرَ اسْمُهُ فَإِذَا هَوِيْتَ فَقَدْ لَقِيْتَ هَوَانَا (١)
وقال آخر (ب):
أَنَا بِالهَوَى رَاضٍ وَأَعْلَمُ أَنَّهُ عِزي وَإنْ ضُمَّتْ إِلَيهِ النُّون
وقال ابن دريد (٢):
وَآفَةُ العَقْلِ الهَوَى فَمَن عَلاَ عَلَى هَوَاهُ عَقْلُهُ فَقَد نَجَا
وقال بعض الأصوليين في مسألة تفضيل الملائكة على البشر: من غلب عقله هواه فهو خير من الملائكة، ومن غلب هواه عقله فالبهيمة خير منه.
والله ﷿ أعلم بالصواب.
_________________
(١) (أ) في ب وقال غيره، وفي م ولغيره. (ب) في م ولغيره.
(٢) البيت لعبيد الله بن عبد الله بن طاهر في التمثيل والمحاضرة ص ١٠٣ ورواية صدره فيه: نونُ الهوانِ من الهوى مسروقةٌ.
(٣) انظر شرح مقصورة ابن دريد لابن هشام اللخمي ص: ٤١٣.
[ ٣٣٣ ]