عن أبي العباس سهل بن سعد الساعدي ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله دلني على عمل إذا عملته أحبني الله وأحبني الناس فقال: "ازهد في الدنيا يحبك الله وازهد فيما عند الناس يحبك الناس" حديث حسن رواه ابن ماجه وغيره بأسانيد حسنة (١).
أمَّا أن الزهد في الدنيا سبب لمحبة الله ﷿ فلأن الله ﷿ يحب من أطاعه، ويبغض من عصاه، وطاعة الله ﷿ مع محبة الدنيا مما لا يجتمع، عرف ذلك بالنصوص والنظر والتجربة والطبع والتواتر، ولهذا قال ﵊: "حب الدنيا رأس كل خطيئة" (٢) والله ﷿ لا يحب الخطايا ولا أهلها، ولأن الدنيا لهو ولعب والله ﷿ لا يحب اللهو ولا اللعب، ولأن القلب بيت الرب ﷿، والله ﷿ لا شريك له، ولا يحب أن يشركه (أ) في بيته حب الدنيا ولا غيره.
وبالجملة فنحن نعلم قطعا أن محب الدنيا مبغوض عند الله ﷿، فالزاهد فيها الراغب عنها محبوب له ﷿، ومحبة الدنيا المكروهة هي إيثارها لقضاء شهوات النفس وأوطارها لأن ذلك يَشغل عن الله ﷿،
_________________
(١) (أ) في م يشرك به.
(٢) رواه ابن ماجه ٢/ ١٣٧٤ صححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه ٣/ ٣٤٤.
(٣) قال شيخ الإسلام ابن تيمية: هذا معروف عن جندب بن عبد الله البجلي، وأما عن النبي - ﷺ - فليس له إسناد معروف. أحاديث القصاص ٧٤ وانظر الأسرار المرفوعة في الأخبار الموضوعة لعلي القاري ١٧٩.
[ ٢٣١ ]
أما محبتها لفعل الخير وتقديم الآخرة (أ) بها عند الله ﷿ ونحو ذلك فهي عبادة لقوله ﵊: "نعم المال الصالح للرجل الصالح يصل به رحما أو يصنع به معروفا" (١) أو كما قال.
وفي الأثر "إذا كان يوم القيامة جمع الله ﷿ الذهب والفضة كالجبلين العظيمين ثم يقول: هذا مالنا عاد إلينا سَعِدَ به قوم وشقي به آخرون".
وأمَّا أن الزهد فيما عند الناس سبب لمحبة الناس فلأن الناس يتهافتون على الدنيا بطباعهم، إذ الدنيا ميتة والناس كلابها، فمن زاحمهم عليها بغضوه (ب)، ومن زهد فيها وَوَفَّرَهَا عليهم أحبوه، وعَدُوُّ المرء من يعمل عمله.
ومما يروى من شعر الشافعي - ﵁ - في هذا المعنى قوله (٢):
وَمَنْ يَذُقِ الدُّنْيَا فَإِنِّي طَعِمْتُهَا وَسِيْقَ إِلَيْنَا عَذْبُهَا وَعَذَابُهَا
فَلَمْ أَرَهَا إلا غُرُوْرًا وَبَاطِلًا كَمَا لاَحَ فِي ظَهْرِ الفَلاَةِ سَرَابُهَا
وَمَا هِيَ إلا جِيفَةٌ مُسْتَحِيْلَةٌ عَلَيْهَا كِلاَبٌ هَمُّنَّ اجتِذَابُهَا
فَإِن تَجْتَنِبْهَا كُنْتَ سِلْمًا لأَهْلِها وَإِن تَجْتَذِبْهَا نَازَعَتْكَ كِلاَبُهَا.
_________________
(١) (أ) في أ، س، م الأجر. (ب) في م أبغضوه.
(٢) رواه البخاري في الأدب المفرد ٨٤ (الطبقة السلفية) وأحمد ٤/ ١٩٧ من حديث عمرو بن العاص بنحوه. وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد ١٢٧.
(٣) ديوان الشافعي ١٣١ طبعة د / محمد زهدي يكن.
[ ٢٣٢ ]
واعلم أن الزهد في اللغة هو الإعراض عن الشيء لاستقلاله واحتقاره وارتفاع الهمة عنه، مأخوذ من قولهم: شيء زهيد، أي: قليل. وفي الحديث "إنك لزهيد" (١). وقال الشاعر:
وَأَغْدُو عَلَى القُوْتِ الزَّهِيدِ البيت
وأما في الحكم فهو على أضرب:
أحدها: الزهد في الحرام، وهو الزهد الواجب العام.
والثاني: الزهد في الشبهات، والأشبه وجوبه لأنه وسيلة إلى اتقاء الوقوع في الحرام لقوله ﵊: "ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام" الحديث، واجتناب الحرام واجب، ووسيلة الواجب واجبة، فالزهد في الشبهات واجب.
الثالث: الزهد فيما عدا الضرورات من المباحات وهو المراد من هذا الحديث ظاهرا، وهو زهد الخواص العارفين بالله ﷿.
والرابع: الزهد فيما سوى الله ﷿ من دنيا وجنة وغير ذلك، فلا قصد لصاحب هذا الزهد إلا الوصول إلى الله ﷿ والقرب منه، وهو زهد المقربين، فلا جرم لما حصل لهم مقصودهم اندرج في ضمنه كل مقصود لغيرهم عفوا من غير طلب ولا قصد له، ولا جعلوه ثمن عبادتهم، و"كل الصيد في جوف الفرا" (٢) والله ﷿ أعلم بالصواب.
_________________
(١) رواه الترمذي ٥/ ٤٠٧ من حديث علي بن أبي طالب. وقال: هذا حديث حسن غريب.
(٢) المثل في مجمع الأمثال للميداني ٣/ ١١.
[ ٢٣٣ ]