عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله - ﷺ - قال: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فيكرم جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه. رواه البخاري ومسلم (١).
اللام في ليقل وليصمت وليكرم لام الأمر، ويصمت قال الشيخ: بضم الميم قلت: وقد سمعناه بكسرها، وهو القياس لأن قياس فعل بفتح العين ماضيا، يفعل بكسرها مضارعا، نحو ضرب يضرب، ويفعل بضم العين فيه دخيل. نص عليه ابن جني في الخصائص (٢).
وقد بسطت الكلام في هذا في أول شرح الفصيح.
والصمت السكوت مع القدرة على الكلام فإن كان عن العجز (أ) عنه فإمَّا لفساد آلة النطق فهو الخرس، أو لتوقفها وهي العِيُّ.
وقوله: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت" ظاهره توقف الإيمان على هذه الأشياء المذكورة، إكرام الضيف والجار، وقول الخير أو الصمت، وليس كذلك، وإنما هو على المبالغة في الاستجلاب إلى هذه الأفعال كما يقول القائل لولده: إن كنت ابني فأطعني، ونحوه
_________________
(١) (أ) في ب لعجز.
(٢) رواه البخاري ٥/ ٢٢٤ ومسلم ١/ ٦٨.
(٣) انظر الخصائص ٣/ ٨٦ - ٨٧.
[ ١٣٤ ]
تحريضا وتهييجا له على الطاعة، لا على أنه بانتفاء طاعته ينتفي أنه ابنه، أو على أن المعنى من كان كامل الإيمان بالله واليوم الآخر فليقل خيرا، أو ليصمت وليكرم، فيكون متوقفا على هذه الأفعال كمال الإيمان لا حقيقته، وكلا التأويلين جيد. ثم في الحديث ثلاثة أحكام:
أحدها: أمر المؤمن بأنه إما أن يقول خيرا أو يسكت، لأن قول الخير غنيمة، والسكوت عن الشر سلامة، وفوات الغنيمة والسلامة ينافي حال المؤمن وما يقتضيه شرف الإيمان، لأن الإيمان مشتق من الأمان، ولا أمان لمن فاتته الغنيمة والسلامة.
وضبط هذا الموضع أن الإنسان إما أن يتكلم، أو يسكت، فإن تكلم فإما بخير وهو ربح، أو بشر فهو خسارة، وإن سكت (أ) فإما عن شر فهو ربح، أو عن خير فهو خسارة، فللإنسان في كلامه وسكوته ربحان ينبغي أن يحصلهما وخسارتان ينبغي أن يتخلص عنهما.
وقد ذكر النبي - ﷺ - ربح قول الخير والسكوت عن الشر، ونبه على ترك خسارة قول الشر والسكوت عن الخير.
وهذا راجع إلى قوله ﷿ ﴿وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ٧٠]: وقوله - ﷺ - "أمسك عليك لسانك. . . وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم" (١).
_________________
(١) (أ) في س يسكت.
(٢) الحديث التاسع والعشرون من هذا الأربعين.
[ ١٣٥ ]
الحكم الثاني: الأمر بإكرام الجار ومقصوده مقصود قوله - ﷺ -: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" (١) من الألفة والاجتماع وعدم التفرق والانقطاع، لأن الناس جيران بعضهم لبعض، فإذا أكرم كل منهم جاره ائتلفت القلوب واتفقت الكلمة وقام الإسلام بذلك، وإذا أهان كل منهم جاره تنافرت القلوب واختلفت الكلمة فانعكس الحال، وأيضًا فإن الجاهلية كانوا شديدين (أ) في مراعاة الجار وحفظ حق الجوار (ب)، فكان في الوصية بإكرام الجار ما يرغبهم في الإسلام ويحسنه في أعينهم.
وهذا يرجع إلى قوله ﷿ ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ﴾ [النساء: ٣٦] وقوله - ﷺ -: "ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه" (٢).
قلت: والجيران ثلاثة: كافر فله حق واحد بالجوار، ومسلم أجنبي فله حقان بالجوار والإسلام، ومسلم قريب فله ثلاث حقوق بالجوار والإسلام والقرابة (جـ)، كذا قاله بعض العلماء.
الحكم الثالث: إكرام الضيف والمقصود به كالمقصود بإكرام الجار لأن
_________________
(١) (أ) في م يشددون. (ب) في س الجار. (جـ) في س والقربى.
(٢) رواه البخاري ١/ ١٤ ومسلم ١/ ٦٧.
(٣) رواه البخاري ٥/ ٢٢٣٩ ومسلم ٤/ ٢٠٢٥ من حديث عائشة.
[ ١٣٦ ]
الناس إما ضيف، أو مضيف فإذا أكرم بعضهم بعضا ائتلفت كلمتهم، ولأن العرب كانوا شديدين العناية (١) بالضيف، فكان في الأمر بإكرامه استجلابهم إلى الإيمان.
واعلم أن الحكم الأول وهو قول الخير أو الصمت عام مخصوص بما لو أكره على قول شر، أو سكوت عن خير، أو نسي، أو خاف على نفسه من قول الخير ونحوه، كمن خاف من إنكار منكر ونحوه لقوله - ﷺ -: "عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" (٢) وقوله - ﷺ -: "ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم" (٣) ونحوه من المخصصات.
أما إكرام الجار والضيف فيحتمل تخصيصهما بالجار الفاسق والمبتدع والمؤذي ونحوهم فلا يكرمون، بل يهانون ردعا لهم عن فجورهم، ويحتمل جعلهم من ذوات الجهتين فيكرمون من حيث إنهم جيران، ويهانون من حيث إنهم فُجَّار، كل جهة بما تستحق، ولأن الكافر يرعى حق حواره، فالمسلم على علاته أولى، وكما قيل: "في كل كبد حَرَّى أجر" (٤).
وقال بعضهم: حتى الحية والكلب العقور ونحوه يطعم ويسقى إذا اضطر إلى ذلك ثم يقتل. والله أعلم بالصواب.
_________________
(١) كذا في النسخ.
(٢) رواية للحديث التاسع والثلاثين من هذا الأربعين.
(٣) الحديث الرابع من هذا الأربعين.
(٤) رواه البخاري ٢/ ٨٣٣ ومسلم ٤/ ١٧٦١ من حديث أبي هريرة بنحوه.
[ ١٣٧ ]