عن أبي ذر أيضًا ﵁ أن ناسًا من أصحاب رسول الله - ﷺ - قالوا للنبي - ﷺ -: يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ويتصدقون بفضول أموالهم، قال: أوليس قد جعل الله لكم ما تَصَدَّقُون. إنَّ بِكُل تسبيحةٍ صدقةً، وكل تكبيرةٍ صدقةً، وكل تحميدةٍ صدقةً، وكل تهليلةٍ صدقةً، وأمرٍ بالمعروف صدقةً ونهي عن منكر صدقةً، وفي بضع أحدكم صدقة، قالوا: يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته فيكون له فيها أجر؟ قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر. رواه مسلم (١).
القول في لفظه ومعناه.
أما لفظه فالدثور بضم الدال والثاء المثلثة الأموال، واحدها دثر كفلس وفلوس. والبضع بضم الباء وإسكان الضاد المعجمة كناية عن الجماع.
وأصله آلة الجماع ذكرًا أو فرجا. والوزر الإثم.
وأما معناه ففيه أبحاث:
الأول: إن أجر التسبيح والتكبير والتحميد كأجر الصلاة والصيام والصدقة في الجنس لأن الجميع صادر عن رضى الله ﷿ مكافأة على طاعته ﷿، أما في القدر والصفة فيتفاوتان بتفاوت الأعمال في مقاديرها وصفاتها، فليس ثواب ركعتين، أو صوم يوم، كثواب أربع ركعات،
_________________
(١) ٢/ ٦٩٧.
[ ١٩٤ ]
وصوم يومين، وليس ثواب عتق رقبة نفيسة، كثواب عتق رقبة دونها.
البحث الثاني قوله: "بكل تسبيحة صدقة" أي: حسنة كحسنة الصدقة في الجنس لأن الأعمال مقدرة بالحسنات بدليل ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [سورة الأنعام: ١٦٠] والحسنة صفة في الأصل تستعمل في العمل وجزائه يقال: عَمِلَ فلانٌ حسنةً، فجزاؤه حسنة، أي: عمل خصلة حسنة، فجزاؤه خصلة حسنة، كأنه قال: في كل تسبيحة خصلة حسنة تأتيكم من الله ﷿.
البحث الثالث: قوله: "في كل تسبيحة حسنة" (١) أي: بسببها كقوله عليه الصلاة والصلام: "في النفس المؤمنة مائة من الإبل" أي: بسبب قتلها وجوب مائة، وقيل: هي ظرف مجازا كأن النفس لما ضمنت بمائة من الإبل صارت كالظرف لها.
البحث الرابع: التكبيرة قول: الله أكبر، والتسبيحة قول: سبحان الله، والتهليلة قول: لا إله إلا الله، وهو شبيه بالبسملة والهيللة والحيعلة والسبحلة ونحوها من المصادر المنحوتة.
قوله: "وأمر بالمعروف صدقة، ونهى عن منكر صدقة" لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واحدٌ على الكفاية، فإذا قام به شخص فقد أسقط الفرض عن نفسه، وعن سائر المكلفين، وهي عبادة عامة متعدية وهي من أفضل (أ) العبادات، حتَّى قال إمام الحرمين: إن أداء فرض الكفاية
_________________
(١) (أ) في س أفضل.
(٢) هكذا في النسخ، ونص الحديث "بكل تسبيحة صدقة".
[ ١٩٥ ]
أفضل من أداء فرض العين لهذا المعنى، وحقيقة الصدقة أو شبيه بها جدًّا موجودة فيه لكونه ينتفع به باقى الناس بأداء الفرض عنهم.
فإن قيل: لم أتى بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مُنَكَّرًا (١)، فقال: وأمر ونهي ولم يقل: والأمر والنهي؟
قلنا: لأن التنكير أبلغ في المقصود إذ يقتضي أن كل فرد من أفراد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر صدقة، ولو عَرَّفَ لاقتضى أن جنس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر صدقة، ولا يلزم أن كل فرد منه صدقة، لأن اللام للاستغراق.
البحث الخامس: قوله: "وفي بضع أحدكم صدقة".
قال الشيخ ﵀: إذا نوى به العبادة، وهو قضاءُ حق الزوجة وطلبُ ولدٍ صالح وإعفافُ النفس وكَفُّها عن المحارم.
قلت: ظاهر الحديث يقتضي أن الوطء صدقة وإن لم ينو به شيئًا، كما أنَّه لو زنى لأثم وإن لم ينو شيئًا، وإنما هذا أشار النبي - ﷺ - بقياس العكس الَّذي ذكره حيث قال: "أرأيتم لو وضعها في حرام" إلى آخره، وإذا ثبت ذلك فهو يشير إلى شبيه بما قاله الكعبي (٢) من أن المباح مأمور به، لأن كل مباح تركه حرام، وترك الحرام مأمور به، فَكُلُّ مباح مأمور به، وعليه
_________________
(١) نص الحديث: "وأمر بالمعروف ونهي عن منكر".
(٢) هو شيخ المعتزلة أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن محمود البلخي المعروف بالكعبي، من نظراء أبي علي الجبائي ت ٣٢٩. سير أعلام النبلاء ١٤/ ٣١٣.
[ ١٩٦ ]
ما ذكر في الأصول من الاعتراض (١).
البحث السادس: الاستدلال الَّذي ذكره النبي - ﷺ - يُسَمَّى قياسَ العكس فهو: إثبات ضد الحكم في ضد الأصل، كإثبات الوزر الَّذي هو ضد الصدقة، في الزنا الَّذي هو ضد الوطء المباح، ومثله قول ابن مسعود: قال النبي - ﷺ -: "من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنّة" وأنا أقول: "من مات يشرك بالله شيئًا دخل النار" (٢).
والقياس على ضربين: قياس عكس، وهو ما ذكرناه، وقياس طرد، وهو إثبات مثل حكم الأصل في الفرع، ثم هو على ثلاثة أضرب: قياس علة، وقياس دلالة، وقياس شَبَهٍ (٣)، فالأول: مثل قولنا: النبيذ مسكر فكان حراما كالخمر، والثاني: كقولنا: الذمي صحَّ طلاقه، فصح ظهاره، كالمسلم، والثالث: كقولنا: العبد يباع ويوهب فَلا يَمْلِكُ كالبهيمة. والله ﷿ أعلم بالصواب.
_________________
(١) وتنظيم الاعتراض عليه هكذا: المباح لا ترجيح فيه، وكلُّ ما لا ترجيح فيه فهو غير مأمور به، فالمباح غير مأمور به. وانظر شرح مختصر الروضة للمؤلف ١/ ٣٨٧ - ٣٩٠.
(٢) رواه البخاري ١/ ٤١٧ وَعَكَسَ المؤلف الحديث، والمرفوع منه: "من مات يشرك بالله شيئًا دخل النار".
(٣) انظر تعريف هذه الأضرب الثلاثة في التمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب ١/ ٢٤ - ٢٩.
[ ١٩٧ ]