عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة. رواه البخاري ومسلم (١).
المقصود بهذا الحديت يبين عصمة الدماء، وما يباح منها وما لا يباح.
والأصل في الدماء العصمة عقلا وشرعا، أما عقلا فلأن في القتل إفساد الصورة الإنسانية المخلوقة في أحسن تقويم، والعقل ينكر ذلك، وأما شرعا فلقوله ﷿ ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلا بِالْحَقِّ﴾ [الإسراء: ٣٣] ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء: ٩٣] الآية.
وقوله - ﷺ -: "فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها".
وقوله - ﷺ -: "ليحذر أحدكم أن يحول (أ) بينه وبين الجنة ملء كفٍّ من دم يهريقه بغير حق" (٢).
وقوله - ﷺ -: "من أعان على قتل مسلم بشطر كلمة لقي الله مكتوب بين عينيه آيس من رحمة الله" (٣) ثم استثنى من ذلك ثلاثة يجوز قتلهم لتعلق
_________________
(١) (أ) في م أن يكون.
(٢) رواه البخاري ٦/ ٢٦٦٥ ومسلم ٣/ ١٣٠٢.
(٣) رواه عبد الرزاق في المصنف ١٠/ ٢٦ ومن طريقه الطبراني في المعجم الكبير ٢/ ١٥٩ من حديث جندب بن عبد الله بنحوه. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٧/ ٢٩٨ رجاله رجال الصحيح.
(٤) رواه البيهقي في شعب الإيمان ٤/ ٣٤٦ من حديث ابن عمر، وابن ماجه ٢/ ٨٧٤ وابن عدي في الكامل ٧/ ٢٧١٥ من حديث أبي هريرة، وقال: ليس بمحفوظ.
[ ١٢٦ ]
المصلحة به، بل يجب على الإمام ذلك.
أحدهم: الثيب الزاني يقتل رجما، وهل يجلد قبل الرحم؟ فيه خلاف، أوجبه أحمد (١)، ونفاه الشافعي (٢) أعني الجلد.
ودليل قتله ما ثبت من القرآن المنسوخ لفظا الثابت حكما ﴿الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة﴾ (٣) ولأن النبي - ﷺ - رجم ماعزًا (٤) والغامدية (٥)، والجهنية (٦) والتي اعترفت بالزنا فرجمها أنيس (٧)، ولأن في الزنا مفسدة عظيمة فكانت الحكمة في درءها بهذا الحد.
والثيب احتراز من البكر فإنه يجلد ويغرب ولا يرحم. وتفاصيل ذلك في الفقه.
والثاني: القاتل يقتل قصاصا لقوله ﷿ ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ ورضَّ النبي - ﷺ - رأس يهودي بين حجرين قصاصا بجارية فعل بها ذلك (٨)، واقتص الخلفاء بعده، وأجمع عليه الناس،
_________________
(١) انظر المغني لابن قدامة ١٢/ ٣٠٨.
(٢) انظر المهذب ٥/ ٣٧٢.
(٣) رواه مالك في الموطأ ٢/ ٨٢٤.
(٤) رواه البخاري ٦/ ٢٥٠٢ من حديث أبي هريرة.
(٥) روى مسلم قصتها ٣/ ١٣٢٢ من حديث سليمان بن بريدة عن أبيه.
(٦) روى مسلم قصتها ٣/ ١٣٢٤ من حديث عمران بن حصين.
(٧) روى البخاري ٦/ ٢٥٠٣ ومسلم ٣/ ١٣٢٤ قصتها من حديث أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني.
(٨) رواه البخاري ٦/ ٢٥٢٤ ومسلم ٣/ ١٢٩٩ من حديث أنس بن مالك.
[ ١٢٧ ]
ولأن في القتل العدوان مفسدة عظيمة، وفي القصاص مصلحة جسيمة دافعة لها فوجب لذلك.
والثالث: التارك لدينه المفارق للجماعة يعني المرتد يقتل لأن في إقراره على الردة حلًّا لنظام عقد الإسلام فوجب قتله دفعا لذلك.
واختلف (أ) في المرأة المرتدة هل تقتل أم لا؟ فقال الشافعي (١) وأحمد (٢): تقتل لقوله - ﷺ -: "من بدل دينه فاقتلوه" (٣) وهو عام في الرجل والمرأة، ولأن إشارة الحديث المذكور إلى أن العلة تبديل الدين، وهي موجودة في المرأة فوجب قتلها كالرجل، وقال أبو حنيفة: لا تقتل (٤) لنهيه - ﷺ - عن قتل النساء (٥)، وهو خاص فيهن فيقدم على عموم "من بدل دينه فاقتلوه" ولأن العلة في قتل الرجال بالردة أنه لو أُقِرَّ لَلَحِقَ بالكفار فكثَّر سوادهم، وحارب المسلمين فَكُفَّت عاديته بالقتل، وهذا مفقود في المرأة فإنها ليست من أهل الحرب والنكاية فلا يخاف منها.
والأول أجود لسلامة علته من التخصيص بمن لا نكاية له كالأعمى والزمن (ب)
_________________
(١) (أ) في س واختلفوا. (ب) في س والمريض.
(٢) انظر المهذب في فقه الإمام الشافعي للشيرازي ٥/ ٢٤٩.
(٣) انظر المغني لابن قدامة ١٣/ ٤٤.
(٤) رواه البخاري ٦/ ١٠٩٨ من حديث ابن عباس.
(٥) انظر رؤوس المسائل للزمخشري ٣٦١.
(٦) رواه البخاري ٣/ ١٠٩٨ ومسلم ٣/ ١٣٦٤ من حديث ابن عمر.
[ ١٢٨ ]
والأعرج ونحوهم.
وقوله: "المفارق للجماعة" أي: بقلبه واعتقاده بخلاف قوله: "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا" (١) فإن المراد التفرق بأبدانهما.
فإن قيل: النبي - ﷺ - استثنى الزاني والقاتل والمرتد من المسلم، واستثناء الزاني والقاتل منه ظاهر لأن الزنا والقتل لا يخرجهما عن الإسلام، أما المرتد فاستثناؤه من المسلم مشكل لأنه بالردة يصير كافرا واستثناء الكافر من المسلم لا يجوز.
فالجواب أنه استثنى (أ) من المسلم باعتبار ما كان قبل ردته مسلمًا خصوصًا وعلاقة الإسلام مرتبطة به بدليل أنه لا يقتل حتى يستتاب ثلاثًا، ولهذا قال بعضهم: لا يجوز أن يشتري الكافر مرتدا لبقاء عُلقة الإسلام.
وأكثر ما في هذا الجواب الجمع بين حقيقة المسلم وبين مجازه في جملة واحدة، وهي مسألة خلاف، والظاهر جوازه خصوصًا إذا اقتضاه دليل.
ثم هنا مسائل:
الأولى: أن الله ﷿ قال ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾ [المائدة: ٣٣] فأوجب قتلهم وليسوا زناة ولا قاتلين ولا مرتدين، فبطل حصر من يجوز قتله في الثلاثة المستثنين في الحديث.
_________________
(١) (أ) في س مستثنى.
(٢) رواه البخاري ٢/ ٧٣٢ ومسلم ٣/ ١١٦٤ من حديث حكيم بن حزام.
[ ١٢٩ ]
والجواب أن العلماء اختلفوا في قطاع الطريق، فقال بعضهم: إن قتلوا وأخذوا المال قتلوا وصلبوا، وإن قتلوا فقط قتلوا، وإن أخذوا المال فقط قطعوا (١)، وهؤلاء لا يرد السؤال عليهم لأنهم لم يقتلوا منهم إلا قاتلا كما في الحديث، وذهب بعضهم إلى تخيير الإمام فيهم بين القتل والصلب والقطع والنفي (٢)، وهو ظاهر الآية، لكن يلزمهم الجواب عن السؤال المذكور.
وجوابهم عنه بأن قتل قطاع الطريق وإن لم يقتلوا ثبت (أ) بدليل وارد (ب) على الحديث المذكور وهو هذه الآية، ويحمل الحديث على أنه صدر من النبي - ﷺ - قبل نزول الآية، فلا تنافيه زيادتها عليه، بخلاف ما لو كان صدوره بعدها فإنه يصير مُصادمًا لها.
المسألة الثانية: قوله: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث" مفهومه حل دم الكافر بدونها حربيًّا كان أو ذميًّا لعموم المفهوم فيهما، لكن خرج منه الذمي بدليل منفصل عن الحديث (٣)، فلا يجوز قتله في الذمة
_________________
(١) (أ) في س يثبت. (ب) في م زائد.
(٢) ذهب إلى هذا القول ابن عباس وقتادة وأبو مجلز وحماد والليث والشافعي وإسحاق. انظر المهذب في فقه الإمام الشافعي للشيرازي ٥/ ٤٤٩ والمغني لابن قدامة ١٢/ ٤٧٥.
(٣) ذهب إلى هذا القول سعيد بن المسيب وعطاء ومجاهد والحسن والضحاك والنخعي وأبي الزناد وأبي ثور وداود. انظر المغني لابن قدامة ١٢/ ٤٧٦.
(٤) مثل حديث من قتل رجلا من أهل الذمة لم يجد ريح الجنة وإن ريحها ليوجد من مسيرة سبعين عاما رواه أحمد ٤/ ٢٣٧ والنسائي ٨/ ٢٥ عن رجل من أصحاب النبي - ﷺ -.
[ ١٣٠ ]
فيبقى (أ) الحربي على مقتضى المفهوم يقتل.
المسألة الثالثة: قوله - ﷺ -: "النفس بالنفس" يقتضي بعمومه قتل الحر بالعبد، والمسلم بالذمي، وهو قول أبي حنيفة (١)، وروى في مسنده أن النبي - ﷺ - قتل مسلمًا بذمي وقال: "أنا أحق من وفى بذمته" (٢) وخالفه الشافعي (٣) وأحمد (٤) لقوله ﷿ ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ ومفهومه أن الحر لا يقتل بالعبد، ولأن العبد ناقص فلا يؤخذ به كامل، وإن ذلك خلاف ما يقتضيه لفظ القصاص ومعناه، ولقوله - ﷺ -: "لا يقتل مسلم
_________________
(١) (أ) في أفبقي.
(٢) انظر رؤوس المسائل للزمخشري ٤٥٤، ٤٥٥.
(٣) رواه أبو حنيفة (مسند الإمام أبي حنيفة لأبي نعيم الأصبهاني ١٠٤) عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن عبد الرحمن البيلماني عن أبيه أن رسول الله - ﷺ - فذكره. ورواه عبد الرزاق ١٠/ ١٠١ ومن طريقه الدارقطني ٣/ ١٣٥ والبيهقي ٨/ ٣١ عن الثوري عن ربيعة بن عبد الرحمن عن عبد الرحمن بن البيلماني يرفعه. ورواه ابن أبي شيبة في المصنف ٩/ ٢٩٠ ومن طريقه الدارقطني ٣/ ١٣٥ عن حجاج عن ربيعة عن عبد الرحمن بن البيلماني قال: قتل. ورواه البيهقي ٨/ ٣٠ عن محمد بن المنكدر عن عبد الرحمن بن البيلماني أن رجلا. ورواه الدارقطني ٣/ ١٣٥ والبيهقي ٨/ ٣٠ عن إبراهيم بن محمد عن ربيعة بن عبد الرحمن عن ابن البيلماني عن ابن عمر أن رسول الله - ﷺ - قال الدارقطني لم يسنده غير إبراهيم بن أبي يحيى وهو متروك الحديث. والصواب عن ربيعة عن ابن البيلماني مرسل عن النبي - ﷺ - وابن البيلماني ضعيف لا تقوم به حجة إذا وصل الحديث فكيف بما يرسله.
(٤) انظر المهذب للشيرازي ٥/ ١١.
(٥) انظر المغني لابن قدامة ١١/ ٤٦٦، ٤٧٣.
[ ١٣١ ]
بكافر، ولا ذو عهد في عهده" (١) وفي المسألة تأويل وبحث طويل (٢).
المسألة الرابعة: عموم قوله ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ يقتضي وجوب القصاص في القتل بالمُثَقَّل كالخشبة والحجر، وهو قول الشافعي (٣) وأحمد (٤) ولأنه أخذ نفس بنفس، فأوجب القصاص كالقتل بالمُحَدَّدِ، وقال أبو حنيفة: لا قصاص فيه (٥) ولو رماه بأبا قبيس، هكذا (أ) لفظه: بأبا قبيس بالألف، وهو لغة في أبا (٦) مثل عصا، لأن القتل بالمثقل ليس بكامل، فلا يؤخذ به قتل كامل، وذلك يلزمهم في قتل الحر بالعبد.
المسألة الخامسة: عموم قوله "التارك لدينه" يقتضي أنه إذا تهَوَّد نصراني، أو تنصَّر يهودي أنه يقتل لأنه تارك لدينه.
ولقائل أن يقول: التارك لدينه مستثنى من المسلم كالزاني والقاتل، وحينئذ لا يدل على ما ذكرتم وهو سؤال صحيح.
المسألة السادسة قوله: "الثيب والقاتل والمرتد" هي بيان لقوله: "إلا
_________________
(١) (أ) في س هذا.
(٢) رواه أبو داود ٤/ ٦٦٩ والنسائي ٨/ ٢٤ من حديث علي بن أبي طالب وأصله في البخاري ١/ ٥٣.
(٣) انظر المغني ١١/ ٤٦٦.
(٤) المهذب للشيرازي ٥/ ٢١.
(٥) المغني لابن قدامة ١١/ ٤٤٧ - ٤٤٨.
(٦) انظر رؤوس المسائل للزمخشري ٤٥٦.
(٧) انظر كلام أبي عمرو بن العلاء في كلام أبي حنيفة في (مجالس العلماء لأبي القاسم عبد الرحمن الزجاجي ٢٣٧).
[ ١٣٢ ]
بإحدى ثلاث" يعني خصال، وبدل منه، والثلاثة المذكورون لا يصح إبدالهم من الخصال لأن المذكر لا يبدل من المؤنث.
والجواب أن هذا بدل على المعنى، والتقدير إلا بإحدى ثلاث خصال، خصلة الزاني، والقاتل، والمرتد، أو خصلة الزاني، وخصلة ذي النفس، أي: قاتل النفس ونحو هذا من التقدير. والله أعلم بالصواب.
[ ١٣٣ ]