عن أبي مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري البدري ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ - إن مما أدركه الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت. رواه البخاري (١).
قلت: أبو مسعود البدري لم يشهد بدرًا، وإنما سكنها، أو نزلها مرة فنسب إليها (٢)، وشبه هذا أبو سعيد المقبري كان ينزل المقبرة (أ) أو يكثر غشيانها فنسب إليها (٣)، ويزيد الفقر كان من رجال الصحيح لم يكن فقيرا من المال إنما انكسر فقاره فقيل له: الفقير، وفلان الضال لم يضل في دينه بل في طريق مكة.
وقوله: "فاصنع ما شئت" هل هو أمر تهديد، أو أمر إباحة؟ فيه قولان (ب):
أحدهما: أنَّه أمر تهديد نحو ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾.
وقوله - ﷺ - لبشير أبي النعمان والد نعمان: "اشهد على هذا
_________________
(١) (أ) في س، م المقابر. (ب) في س وجهان.
(٢) ٣/ ١٢٨٤.
(٣) قال الحافظ ابن حجر: واختلفوا في شهوده بدرا، فقال الأكثر نزلها فنسب إليها، وحزم البخاري بأنه شهدها، واستدل بأحاديث أخرجها في صحيحه، في بعضها التصريح بأنه شهدها. الإصابة ٢/ ٤٩٠.
(٤) انظر نزهة الألبان في الألقاب للحافظ ابن حجر ٢/ ٣١٠، ٧٢، ١/ ٤٣٥ وفلان يقصد به معاوية بن عبد الكريم الضَّال.
[ ١٦٧ ]
غيري" (١) والمعنى على هذا إذا نزع منك الحياء فافعل ما شئت، فإن الله يجازيك عليه، ويكون هذا تعظيمًا لأمر الحياء، وتثبيتا (أ) لموضعه عند فقده.
والثاني: أنَّه أمر إباحة، أي: إذا أردت فعل شيءٍ فإن كان مما لا يستحى من الله ولا من الناس في فعله فافعله، وإلا فلا.
قال الشيخ: وعلى هذا مدار الإسلام.
قلت: لأن أفعال الإنسان جميعها إما ما يستحى منه أو ما لا يستحى منه، فالأول: يشمل الحرام والمكروه وتركهما هو المشروع.
والثاني: يشمل الواجب والمندوب والمباح وفعلها مشروع في الأولين، جائز في الثالث، وهذه هي أحكام الأفعال الخمسة تضمنها الحديث لم يشذَّ منها شيء، فثبت أن عليه مدار الإسلام.
وقال بعضهم: معناه إذا لم تستح (ب) صنعت ما شئت، وهو خبر، معناه: إن عدم الحياء يوجب الاستهتار والانهماك في هتك الأستار.
وقد ثبت أن الحياء شعبة من الإيمان (٢).
وقال - ﷺ -: "إن الحياء لا يأتي إلا بخير" (٣) وقال: "استحوا (جـ) من
_________________
(١) (أ) في م وتبيينا. (ب) في ب، م تستحي. (جـ) في أ، م استحيوا.
(٢) رواه البخاري ٢/ ٩١٤، ومسلم ٣/ ١٢٤٤.
(٣) رواه البخاري ١/ ١٣ ومسلم ١/ ٦٣ من حديث أبي هريرة.
(٤) رواه البخاري ٥/ ٢٢٦٧ ومسلم ١/ ٦٤ من حديث عمران بن حصين.
[ ١٦٨ ]
الله حق الحياء" (١).
وهذا الحديث شبيه بقوله - ﷺ -: "الإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس" (٢) والله ﷿ أعلم بالصواب.
_________________
(١) رواه الترمذي ٤/ ٦٣٧ وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي ٢/ ٢٩٩ من حديث ابن مسعود.
(٢) الحديث السابع والعشرون من الأربعين.
[ ١٦٩ ]