الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد:
فإنّ كتاب "التقصي لما في الموطأ من حديث النبي - ﷺ -" للإمام الحافظ ابن عبد البر، مِن أَجَلّ الكتب وأعظمها فائدة، لأنه جمع لُباب ما في الموطأ من حديث رسول الله - ﷺ -، وعلّق عليه الحافظ بجُمل مختصرة هي كاللآلئ في عنق الحسناء، فجاء الكتاب وافيًا في بابه، نافعًا لأصحابه.
ومن أعظم بركاته أن كثيرًا من الهمم قد تتقاعس عن حفظ كتاب الموطأ برمته، فقرّب لهم الحافظ ابن عبد البر -﵀- سبيل حِفْظِ أهمِّ ما في الموطأ من حديث رسول الله - ﷺ -.
هذا وقد اتبعنا في العناية بهذا الكتاب النفيس المنهج الآتي:
١ - نسخْنا الكتاب من أوله إلى آخره، وذلك بقراءة النّسخ المتوفرة عندنا، واعتماد الأصل (ف)، ومقارنتها بغيرها عند الاختلاف، وإثبات الصحيح، ولم نُثْقل الحواشي بالفروق بين النُّسخ إلا إذا كان فرْقًا مؤثِّرًا، وذلك نادرٌ جدًّا.
[ ١ ]
٢ - عزْو الآيات القرآنية إلى سورها بأرقامها.
٣ - تخريج الأحاديث النبوية، ولكن من غير توسّع، والاقتصار في ذلك على ذِكْر مَن أخرجه من طريق مالك بن أنس -﵀-.
فمثلًا: لو أخرجه البخاريُّ من طريقين، إحداهما من طريق مالك، والأخرى من طريق غيره؛ فإننا لا نذكر عن البخاريّ إلا مَن كان مِن طريق الإمام مالك -﵀-، وسواء كان طريق مالك في "الكتب الستة" أو "المسند" أو غير ذلك، فإننا نذكره، ولم نكتف بالستة فقط، فمثلًا: حديث مالك في "الموطأ" عن عبد الله بن الفضل عن نافع بن جبير عن ابن عبّاس -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: "الأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا، وَالْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ فِي نَفْسِهَا، وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا"، خرّجناه هكذا:
أخرجه أحمد (١٨٨٨) و(٢١٦٣) قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي. وفي (٣٢٢٢) قال: حدثنا وكيع. وفي (٣٤٢١) قال: حدثنا ابن نمير. والدارميُّ (٢١٨٨) قال: حدثنا خالد بن مخلد. وفي (٢١٨٩) قال: حدثنا إسحاق بن عيسى. ومسلمٌ (٣٤٦٠) قال: حدثنا سعيد بن منصور، وقتيبة بن سعيد. (ح) وحدثنا يحيى بن يحيى. وأبو داود (٢٠٩٨) قال: حدثنا أحمد بن يونس وعبد الله بن مسلمة. وابن ماجه (١٨٧٠) قال: حدثنا إسماعيل بن موسى السُّدِّي. والتّرمذي (١١٠٨) قال: حدثنا قتيبة بن سعيد. والنّسائي (٣٢٦٠) وفي "الكبرى" (٥٣٥٢) قال: أخبرنا قتيبة. وفي (٣٢٦١) وفي "الكبرى" (٥٣٥٢) قال: أخبرنا محمود بن غَيْلان، قال: حدثنا أبو داود، قال: حدثنا شعبة.
[ ٢ ]
جماعة هؤلاء: (عبد الرحمن بن مهدي، وكيع، ابن نمير، خالد بن مخلد، إسحاق بن عيسى، سعيد بن منصور، قتيبة بن سعيد، يحيى بن يحيى، أحمد بن يونس، عبد الله بن مسلمة، إسماعيل بن موسى السُّدِّي، شعبة) عن مالك؛ به.
وقد يكون الحديث رواه غير هؤلاء، ولكن من غير طريق مالك بن أنس، فلم نذكره ولم نطوِّل به.
٤ - اكتفينا في التخريج بذكر رقم الحديث أو ذكر المجلد والصفحة إن لم تكن أحاديث الكتاب مرقَّمة.
٥ - استفدْنا في التخريج خصوصًا مِن "المسند الجامع" لأبي الفضل السيد أبو المعاطي النوري (ت ١٤٠١ هـ)، ومِن غيره مِن كتب التخريج عمومًا.
٦ - وثّقْنا ما وجدنا في الكتاب من منقولاتٍ عن الصّحابة والتابعين، وهو قليلٌ.
٧ - كلّ ما عزاه ابن عبد البر إلى كتابه "التمهيد" أو "الاستذكار"، فإننا بيّنا موضعه بالمجلد والصّفحة، وربما ذكرناه بنصّه إذا كان يخدم القارئ ويدلُّه على مقصود الإمام في كتاب التقصّي.
٨ - شرحْنا الكلمات الغريبة شرحًا موجزًا يوضّح المعنى، وفي الغالب نرجع إلى كتاب "مشارق الأنوار" للقاضي عياض، وربما رجعنا إلى كُتُب غريب الحديث أو إلى "تفسير غريب الموطأ" لابن حبيب أو "التعليق على الموطأ" للوقشي، أو غير ذلك من كتب شروح الحديث عامة.
[ ٣ ]
٩ - حرصْنا على وضع علامات الترقيم والتنصيص؛ من الفواصل، والفواصل المنقوطة، والنقط؛ حسب الحاجة إليها من حيث المعنى، ليسهل فهم معاني الكتاب وعباراته.
١٠ - حافظْنا على لفظ المصنِّف كما هو دون زيادة ولا نقصان. فمثلًا: يصلّي المصنِّف على النبيّ - ﷺ - أحيانًا بلفظ: "﵇" فأثبتنا لفظه، ويترضّى على مالك -﵀- بقوله "﵁"، فأثبتنا لفظه كما أراد -﵀-، وقد يترضّى على عليّ أو فاطمة أو أحد السّبطين -﵃ - بقوله: "﵇" أو "﵈" فأثبتنا لفظه، ولم نتصرّف فيه.
١١ - عمِلْنا فهارس تُعين القارئ الكريم على الاستفادة من الكتاب بسهولة، وهي: فهرس الأحاديث، وفهرس الموضوعات، وفهرس الفوائد المستخرجة من حواشي التعليقات على كتاب التقصّي، وأكثرها من كلام ابن عبد البر من كتابيه "التمهيد" أو "الاستذكار".