بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله ربِّ العالمين، وصلواته وسلامه على محمد وآله وصحبه أجمعين.
قال أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النِّمري:
الحمد لله شكرًا على ما هَدَى وأَلْهم وأَنْعم، وعلَّم وَوَهَب وفهَّم، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، ولا لِنَعْلم إلا ما علَّمناه؛ فسبحانه المبتدي بالنعم تفضُّلًا منه على العباد، الهادي مَن يشاء منهم ممّن اختصه برحمته إلى سبيل الرشاد، وبَعَثَ الرُّسُل ونَهَجَ السُّبُل، وَخَتَم أنبياءه - صلَّى الله عليهم وسلّم - بأكرمهم عليه، وأحبِّهم إليه؛ محمدٍ - ﷺ -، وأنزل عليه القرآن بالحجة والبرهان، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حيّ عن بينة، وأَجْمَل في كتابه جُمَلَ فرائضه، وأَحْكَم شرائع دينه الذي ارتضاه لخلقه، وجَعَلَ إلى نبيه محمد - ﷺ - بيانَ ما في كتابه من ذلك أَجْمل، وتفصيلَ ما مِنْه أَشْكل؛ فقال تبارك اسمه: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (١)؛ فبيَّن صلوات الله عليه ما بالناس الحاجة إليه، حتى أكمل الله الدين، وأقام به الحجة على العالمين، صلَّى الله عليه وعلى آله أجمعين.
_________________
(١) سورة النحل: الآية ٤٤.
[ ٥ ]
فأولى الأمور بمن نصح نفسه وأُلْهِمَ رُشْدَه معرفةُ السنن التي هي البيان لمجمل القرآن، بها يُوصِل إلى مراد الله تعالى من عباده فيما تعبّدهم به من شرائع دينه، الذي به الابتلاء وعليه الجزاء، في دار الخلود والبقاء، التي إليها يسعى الألبّاء العقلاء، والعلماء الحكماء، فَمَنْ منَّ الله -﷿- عليه بحفظ السنن والقرآن، فقد جعل بيده لواء الإيمان، وإن فَقُهَ وَفَهِمَ واستعملَ ما عَلِمَ دُعِيَ في ملكوت السموات عظيمًا، ونال فضلًا جسيمًا، وعلى كل حال فالعلم نجاة من الضلال، وقائد إلى الله الكبير المتعال.
أما بعد:
فإنّا لَمّا ذكرنا في كتاب "التمهيد" من معاني السنن ووجوهها واتساع مذاهب العلماء فيها، وامتدّ بذلك الشرح وطال عليه الاستشهاد، وعلِمْنا أن أكثر الناس من قصرت همته، وضعفت عنايته، ودعاه إلى القناعة بأقلّ ذلك طلبُ راحته، أو ضيق معيشته رأينا أن نجرّد تلك السنن التي جعلناها أصل ذلك الكتاب، وهي السنن الثابتة بنقل الإمام أبي عبد الله مالك بن أنس -﵁-، لاختياره لها، وانتقاده إياها، واجتهاده فيها، واعتماده عليها في موطئه الذي لا مِثْلَ له ولا كتاب فوقه بعد كتاب الله تعالى -﷿-.
وقد ذكرنا في صدر كتاب "التمهيد" (١) من فضائله وتقدُّمِه في صحّة النقل والتوقِّي فيه، وترْكِ الرّواية عمن لا تُرْضى حالُهُ،
_________________
(١) راجع: "التمهيد" (١/ ٦١ - ٩٢).
[ ٦ ]
واعتماده على الثقات الأئمة الأثبات في كل ما رواه، وثناءِ العلماء عليه بذلك، إلى ما ذكرنا هنالك من معرفة علل النقل، وما دخل فيه قديمًا وحديثًا من الغَوائل والآفات؛ ما فيه كفاية وشفاء في ذلك المعنى؛ فلَمْ نَرَ وجهًا لذكر ذلك ها هنا.
وجرّدنا في هذا الكتاب كل ما في "الموطأ" من حديث النبي - ﷺ -، مسندةً ومرسلةً ومتصلةً ومنقطعةً؛ إذ كل ذلك عند مالك وأصحابه ومن سلك سبيلهم حُجّةٌ تُوجِبُ العمل، ويظهر بها من لجأ إليها عند التنازع والاختلاف في ردّ الفروع إليها، قياسًا عليها واستنباطًا منها، لا يختلف المالكيّون في ذلك، وعليه كان السلف في قبول مراسيل الثقات على ما قد أوضحناهُ في كتاب "التمهيد" (١) على أنّا قد وَصَلْنا مراسيل "الموطأ" في كتاب "التمهيد" من طرُقِ الثقات (٢)، وفي ذلك ما يُبَيِّنُ لك صحّة مراسيله، ومن تأمّل ذلك رآه هنالك والحمد لله.
وجعلناه مُبوّبًا على حروف المعجم في أسماء شيوخ مالك -﵀- ليسهل طَلَبُه ويقْرُب تناوُلُه.
_________________
(١) راجع: "التمهيد" (١/ ٢).
(٢) راجع مثلًا أول حديث مرسل في "التمهيد" (١/ ٩٤)، وهو حديث مالك عن إبراهيم بن عقبة عن كريب مولى ابن عباس: أن رسول الله - ﷺ - مَرّ بامرأة وهي في محفّة لها. قال ابن عبد البر (١/ ٩٥): "وهذا الحديث مرسل عند أكثر الرواة للموطأ، وقد أسنده عن مالك: ابن وهب والشافعيّ وابن عثمة. . .". وهكذا الأمر في جميع مراسيل الموطأ.
[ ٧ ]
وقدّمْتُ المتّصل المسند، ثم ما يليه على رُتَبِهِ، حتَّى يُفضي ذلك إلى ذكر المرْسَل والمقطوع والبلاغ، لتكْمُل الفائدة باستيعابِ ما في "الموطأ" من حديث الرسول - ﷺ -.
وجعلته مَدْخَلًا سَهلًا إلى كتاب "التمهيد"، قريبًا مُنْقادًا إلى الحفظ، مخلصًا من التخليط، مُلخَّصًا مهذبًا مبوّبًا مقرَّبًا، فمن أشكل عليه شيء مما فيه من علة إسنادٍ، أو معنى مُستَغْلقٍ، أو وجهٍ غير مُتَّضح؛ فليقْصِدْ إلى بابه من كتاب "التمهيد" يجدْه واضحًا مبسوطًا والحمد لله.
واعتمدنا من الروايات في "الموطأ" على رواية يحيى بن يحيى لِمَا قد ذكرناه في كتاب "التمهيد" (١). وقد رُوِّينَاهَا من طُرُق عن يحيى.
إحداها: أن أبا عثمان سعيد بن نصر حدثنا -قراءة منه علينا (٢) بجميع "الموطأ"- عن قاسم بن أصبغ ووهب بن مسرّة، عن ابن وضاح، عن يحيى، عن مالك.
وقرأته على أبي الفضل أحمد بن قاسم بن عبد الرحمن
_________________
(١) قال الحافظ ابن عبد البر في "التمهيد" (١/ ١٠): "وإنما اعتمدت على رواية يحيى بن يحيى المذكورة خاصة، لموضعه عند أهل بلدنا من الثقة والدين والفضل والعلم والفهم ولكثرة استعمالهم لروايته، وراثة عن شيوخهم وعلمائهم. . .".
(٢) في (ق): "سعيد بن نصر روى حديثًا قراءة منه علينا". ولعل الصواب ما أثبتناه فوق.
[ ٨ ]
التاهرتي، عن أبي عبد الملك محمد بن عبد الله بن أبي دليم وأبي محمد قاسم بن أصبغ ووهب بن مسرَّة، عن ابن وضاح، عن يحيى بن يحيى، عن مالك.
وأنبأنا به أبو عمر أحمد بن محمد بن أحمد قراءةً مني عليه، عن أَبَوَيْ عمر أحمد بن سعيد وأحمدُ بن مطرّف، عن عبيد الله بن يحيى، عن أبيه، عن مالك.
وعن وهب بن مسرَّة، عن ابن وضاح، عن يحيى، عن مالك.
ولم نُخْل هذا الكتاب من التنبيه على اختلاف رواة مالك فيما أرسلوه من ذلك أو وصلوه، على طريق الاختصار ومجانبة الإكثار، وبالله عزّ وجهه وجل جلاله وصلنا إلى ذلك، وبعونه وفضله، لا شريك له، وهو حسبنا ونِعْم الوكيل.
[ ٩ ]