لقد تبين لنا، بما لا يقبل الشك، أن ابن عبد البر ألّف "التمهيد" أولًا مسودةً، ونُسخت عن هذه المسودة العديد من النسخ، بل أكثر النسخ المتوفرة في المغرب وبلاد الشام والعراق منها. ثم أعاد تبييض الكتاب، فزاد فيه زيادات كثيرة جدًا، وحذف مما كَتَبَ في المسودة بعض ما رآه غير مناسب، أو هو مما أَشبع القولَ فيه في المبيضة (الإبرازة الأخيرة)، فصار المذكور في الإبرازة الأولى في بعض الأحيان مكررًا.
وهذه الحقيقة لم ينتبه إليها جميع مَن نشر الكتاب سابقًا، وفي مقدمتهم السادة الفضلاء محققو الطبعة المغربية الصادرة عن وزارة الأوقاف، فقد قال محقق المجلد الثالث منه في مقدمته: "كل نسخة يوجد فيها بتر، إما في أولها أو في وسطها أو في آخرها. . . وهناك صعوبة أخرى تعترض المحقق، وهي أنه يوجد في بعض النسخ ما ليس في الأخرى".
وقال الشيخ الفاضل سعيد أحمد أعراب في تقديمه للمجلد الرابع: "وأولُ ما يلاحظ القارئ لهذه النسخ الخطية اختلاف أجزائها، ثم كثرة الفروق بينها في الكلمات والجمل، وما يوجد في بعضها من زيادات تصل أحيانًا إلى صفحة أو أكثر، وهو أمر لا نجد له تفسيرًا، إلا أنَّ المؤلف الذي عاش مع هذا الكتاب ثلاثين حجةً أو تزيد، قد حوَّر كثيرًا من عباراته، وأضاف إليه إضافات، ومن الطبيعي أن تختلف نسخه، كما تختلف طبعات الكتاب الواحد في عصرنا اليوم". وهذه إلماحةٌ جيدة من هذا الشيخ الذي يُعدُّ -فيما أرى- أفضل المحققين الذين تصدّوا لهذا الكتاب على ما اعتَوَرَ منهج التحقيق المتبع فيه من نقص، فقد اختار "طريقة التلفيق بين النسخ، لعدم وجود أصلٍ صحيح يمكن الاعتماد عليه" فيما ظنَّ، وهي طريقة غير محمودة عند وجود إبرازتين للكتاب الواحد، إذ يتعين اعتماد الإبرازة الأخيرة منه حسبُ.
ونسخة كوبريلي هي الممثلة للإبرازة الأخيرة، وكذا بعض المجلدات المفردة التي أشرنا إليها عند كلامنا على النسخ المعتمدة في التحقيق من هذه المقدمة.
[ ١ / ٤١ ]
ومن أمثلة الفروق الكبيرة بين الإبرازتين الأولى والثانية: أن المصنِّف ﵀ كان قد كتب في صدر كتابه ترجمةً وسيعةً للإمام مالك بن أنس، يرحمه اللَّه، ثم رأى بعد ذلك حذْفَها ونقلها إلى كتابه "الانتقاء في فضل الثلاثة الفقهاء"، فقد جاء في حاشية الورقة (١٢ أ) من الأصل ما يأتي:
"كان أبو عمر بن عبد البر ﵀ قد بوّب بعد هذا في صدر هذا الديوان بابًا ذَكر فيه فضائل مالك وتوقيه في النقل، وجملةً من سِيَره وإمامته في الدين، فلما ألَّف كتاب الانتقاء في فضل الثلاثة الفقهاء، نقل ذلك الباب إليه، وأزاله عن التمهيد، فلذلك سقط ذلك الباب من هذه النسخة وأكثر النسخ، وبقيت الإحالةُ عليه في هذا الموضع".
قلتُ: بقي هذا الباب في نسختَي (ق) و(ف ١) كونهما من الإبرازة الأولى، ومع ذلك بقي في طبعة وزارة الأوقاف، وفي الطبعة التي جُمدَتْ فيها شروح الموطأ، والتي نشرها مركز هجر للبحوث والدراسات العربية والإسلامية، مما يدلُّ على عدم إدراكهم لهذا الأمر، وعدم التزامهم بتحقيق رغبات المؤلف على الرغم من الإشارة المذكورة في نُسخة الأصل.
وقد حذف ابن عبد البر فقرات كثيرة، إما بسبب أنه جاء ببديل عنها، وإما أنه وجدها غير خادمة لبحثه، من ذلك مثلًا لا حصرًا حذفه لحديث أُبيّ بن كعب في تمهيد الحديث السادس لزيد بن أسلم (٣/ ٧٠) حيث جاء في الإبرازة الأولى:
"وفي حديث أُبي بن كعب عن النبي -ﷺ-، أنه قرأ بسورة من الطُّوَل، ثم ركع خمس ركعات، وسجد سجدتين، ثم قام إلى الثانية فقرأ بسورة من الطول، ثم ركع خمس ركعات، وسجد سجدتين، ثم جلس كما يدعو، ثم انجلى كسوفها. وقد يحتمل أن يكون قوله: "سورة من الطول" في تقديره، والظاهر فيه الجهر واللَّه أعلم، ولكنه حديث يدور على أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أُبيٍّ، وقد تُكُلِّم في هذا الإسناد". قلنا: ولا يصح هذا مع قوله بعده: "وسفيان بن حسين في الزهري ليس بالقوي إلخ " فهو يتكلم على الحديث الذي قبله، فكأن المصنف كتبه ثم حذفه بعدُ في النشرة الأخيرة حيث لم يرد في ك ٢.
[ ١ / ٤٢ ]
ومنه ما جاء في تمهيد الحديث السابع لزيد بن أسلم (٣/ ١١١) "وحدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمد بن يوسف، قال: حدَّثنا محمد بن أحمد بن يحيى، قال: حدَّثنا شيبان بن عبد اللَّه بن شيبان، قال: حدَّثنا محمد بن عبد اللَّه بن سليمان الحضرمي، قال: حدَّثنا محمد بن عمران بن أبي ليلى، قال: حدَّثنا ابن أبي ليلى، عن عيسى، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن جابر بن سمرة، أنَّ أعرابيًا أتى النبيَّ -ﷺ- فقال: أتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: "نعم". قال: أصلِّي في مباركها؟ قال: "لا". قال: أتوضَّأ من لحوم الغنم؟ قال: "لا". قال: أصلِّي في مرابِضها؟ قال: "نعم".
وهذا النص ليس في ك ٢ ولا النسخ الأخرى فعُلم أنه مما حذفه المؤلف، وفي إسناده اختلاف بيِّن، فقد أخرجه الطبراني في الكبير ٢٢/ ٢٧٦ حديث (٧٠٩)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة ٥/ ٢٨٢ حديث (٦٦٧٨) عن محمد بن عبد اللَّه بن سليمان الحضرمي، عن محمد بن عمران بن أبي ليلى، عن أبيه ابن أبي ليلى، عن أخيه عيسى، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن يعيش الجهني يُعرف بذي الغرة.
ومنه ما جاء في تمهيد الحديث الحادي والستين لنافع عن ابن عمر (١٠/ ١٦) قوله: "قال أبو عُمر: سياقُ الهَدْي للمُتَمتِّع، لا يَمْنعهُ عندَ مالكٍ والشّافعيِّ من الإحلالِ إذا طافَ وسَعَى، ما لم يَكُن قارنًا. ويَمْنعُه من ذلك عندَ أبي حَنِيفةَ وأصحابِهِ. وقد ذكَرْنا ذلك واضحًا في باب ابن شهابٍ، عن محمدِ بن عبدِ اللَّه بن الحارثِ بن نَوْفلٍ، والحمدُ للَّه" ولم يرد في الأصل، د ٤، فظهر أن المصنف كتبها أولًا ثم حذفها بعدُ.
ومنه ما جاء في تمهيد "بابِ ذِكرِ الأخبارِ التي احتجَّ بها من أوجبَ الوُقُوفَ عنِ الشَّهادةِ لأطفالِ المُسلِمِين وغيرِهِم بجنّةٍ أو نارٍ، وجعلَ جميعَهُم في مشِيئةِ الجبّار" (١١/ ٣٦٥ - ٣٦٦) حيث انفردت د ٢، م، ولم ترد في الأصل وبقية النسخ، والظاهر أنَّ المؤلف حذفها اكتفاء بما تقدم وهو قوله: "وحدَّثنا خلفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا أبو أحمد عبدُ اللَّه بن المُفسِّرِ، قال: حدَّثنا عليُّ بن غالِبٍ السكسكيُّ، قال: حدَّثنا
[ ١ / ٤٣ ]
عليُّ بنُ المدِينيِّ، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن عَمرو، سمِعَ أبا الطُّفيلِ يُحدِّثُ، عن حُذيفةَ بنِ أسِيدٍ الغِفارِيِّ، قال: قال رسُولُ اللَّه -ﷺ-: "يَدخُلُ الملكُ على النُّطفةِ بعدَ ما تستقِرُّ في الرَّحِم بأربعِينَ أو بخمسٍ وأربعِينَ ليلةً، فيقولُ: أي ربِّ ذَكرٌ أو أُنثى؟ فيقولُ اللَّهُ ﵎، فيَكتُبُ". قال: "ثُمَّ يكتُبُ عَملهُ، ورِزقهُ، وأجلهُ، وأثَرهُ، ثُمَّ تُطوَى الصَّحِيفةُ، فلا يُزادُ على ما فيها، ولا يُنقصُ".
قال عليُّ بن المدِينيِّ: وحدَّثنا يزِيدُ بن هارُونَ، قال: حدَّثنا منصُورُ بن حيّانَ الأسدِيُّ، قال: حدَّثنا أبو الطُّفيلِ، قال: سمِعتُ عبد اللَّه بن مسعُودٍ يقولُ: الشَّقِيُّ من شَقِي في بَطنِ أُمِّهِ. قال: ففزِعتُ إلى حُذيفةَ بنِ أسِيدٍ الغِفارِيِّ، فقلتُ: إنِّي سمِعتُ عبد اللَّه بن مسعُودٍ يقولُ: الشَّقِيُّ من شقِي في بطنِ أُمِّهِ. فقال: وما أنكرَتَ من ذلك؟ سمِعتُ رسُولَ اللَّه -ﷺ- يقولُ: "إنَّ المرأةَ إذا حملَتْ، فأتَتْ على أربعِينَ يومًا، نزلَ إليها مَلكٌ، فإذا قَضَى اللَّهُ ﷿ في خلقِ ما في بَطنِها ما قَضَى، قال الملكُ: يا رَبِّ، أذكرٌ أم أُنثى؟ فيَقْضِي اللَّهُ ﷿ إلى المَلكِ، ويكتُبُ، ثُمَّ يقولُ: يا رَبِّ ما رِزقُهُ؟ فيقْضِي اللَّهُ ﷿ إلى الملكِ، ويكتُبُ الملكُ، ثُمَّ يقولُ: يا ربِّ، أشقِيٌّ أم سعِيدٌ؟ فيقِضي اللَّهُ ﷿ إلى الملكِ، فيكتُبُ الملكُ، ثُمَّ تُطوَى الصَّحِيفةُ، فتكونُ مع الملكِ إلى يَوم القِيامةِ".
ومنه ما جاء في تمهيد الحديث الثالث عشر لأبي الزناد (١١/ ٤١٩): حيث جاء في النسخة التيمورية (ت) وهي من الإبرازة الأولى: "وقال ابنُ المُغِيرةِ في شِعرٍ يرثي به أباهُ:
أينَ من يَسْلمُ من صرفِ الرَّدى حَكَمَ الموتُ عَلَينا فعدَلْ
فكأنا لا نَرَى ما قد نَرى وخُطُوبُ الدَّهرِ فينا تنتضِلْ
وقال نصرُ بن أحمد:
كأنَّما الدَّهرُ قد أغْرَى بنا حَسَدًا ونِعمةُ اللَّه مَقرُونٌ بها الحَسَدُ
[ ١ / ٤٤ ]
وقال جَحْظةُ:
أيا دهرُ ويحَكَ كم ذا الغلَطْ وضِيعٌ علا وكرِيمٌ سقَطْ
وعِيرٌ تَسيَّبُ في جنّةٍ وطِرْفٌ بلا علفٍ يُرتَبَطْ
وجهلٌ يَروسُ وعقلٌ يُراسُ وذلك مُشتبهٌ مُختلَطْ
وأهلُ القُرُنْ كلُّهُم ينتمُونَ إلى آلِ كِسرى فأينَ النَّبطْ
وقال غيرُهُ:
رأيتُ الدَّهر بالأشْرافِ يكبُو ويرفعُ رايةَ القَوم اللِّئام
كأنَّ الدَّهرَ مَوتُورٌ حقُودٌ يُطالِبُ ثأرَهُ عِندَ الكِرامِ"
ولم ترد في الأصل د ٢، والظاهر أن المؤلف كتبها في المسودة أولًا ثم حذفها في الإبرازة الأخيرة.
ومنه ما جاء في تمهيد الحديث الرابع لأبي حازم سلمة بن دينار (١٣/ ٢٦٠): حيث جاء في بعض نسخ الإبرازة الأولى ومما لم يرد في نسخ الإبرازة الأخيرة ما يأتي:
"ذكر القاضي إسماعيل، قال: حدَّثنا مسددٌ، ومحمدُ بنُ أبى بكر، والنَّضرُ بنُ عليٍّ واللفظ له، قالوا: أخبرنا عبدُ اللَّه بنُ يزيد، عن حيوةَ بنِ شُريح، قال: حدَّثني يزيدُ بنُ أبى حَبيب، عن أبى الخير مرثدِ بنِ عبدِ اللَّه اليزنيِّ، أنّ عُقبةَ بن عامر قال لهم: مَن الذين هم على صلاتهم دائمون؟ قلنا: هم الذين لا يزالون يُصلُّون. قال: لا، ولكن الذين إذا صلَّوا لم يَلتَفِتُوا عن يمينٍ ولا شمال.
قال: وحدَّثنا محمدُ بنُ أبي بكر، قال: حدَّثنا ابنُ مهديٍّ، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ [المعارج: ٢٣]. قال: المكتوبة.
وعن ابن عباس: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾. قال: الصلواتُ الخمس".
ومنه ما جاء في الحديث التاسع لأبي النضر (١١/ ٣٩٤): في نسخ الإبرازة الأولى مما لم يرد في نسخ الإبرازة الأخيرة ما يأتي:
[ ١ / ٤٥ ]
"واختُلف في وفاة عُبيدِ اللَّه بنِ عبدِ اللَّه بنِ عُتبةَ، فقال ابنُ بُكَير عن يعقوب بن عبد الرحمن عن أبيه قال: مات عُبيدُ اللَّه بنُ عبدِ اللَّه قبلَ عليِّ بنِ حُسين.
قال أبو عمر: مات عليُّ بنُ حُسينٍ ﵀ سنةَ أربعٍ وتسعين، وفيها مات عُروةُ وأبو سلمةَ وجماعةٌ من الفقهاء.
وقال الواقدي: توفي عُبيدُ اللَّه بنُ عبد اللَّه سنةَ ثمانٍ وتسعين.
وقال يحيى بنُ معين: مات عُبيدُ اللَّه بنُ عبدِ اللَّه سنةَ اثنتين ومئة. قال: ويقال: سنةَ تسعٍ وتسعين.
قال أبو عمر: قول محمد بن عمرَ الواقديِّ أصحُّ ما في ذلك عندنا وهو أعلم بهذا الشأن.
قال أبو عمر: قد يكون إنكار من أنكر هذا الحديثِ في دُخولِ عُبيدِ اللَّه على أبي طلحةَ وسهلِ بنِ حُنيفٍ من أجل روايةِ ابنِ شهابٍ لهذا الحديثِ على ما رواهُ ابنُ أبي ذئب".
وربما غيَّرَ المؤلف صياغة بعض الفقرات، أو العبارات من نحو ما جاء في الحديث الأول لإسحاق بن أبي طلحة عن أنس (١/ ٤٢٤) قول المؤلف في الإبرازة الأولى، كما يظهر في نسخة الأوقاف القادرية (ق) أطول مما ورد في الإبرازة الأخيرة، والظاهر أن المؤلف اختصره حينما بيّض الكتاب، وهذا نصه: "وقوله: "بخ بخ" هي كلمة إعجاب، وقد تخفّف وتُثَقّل، فإذا كُررت فالاختيار أن تنوّن الأولى وتسكّن الثانية فيقولون: بَخٍ بَخْ، كما يقولون: صَهٍ صه لمن تُسكّتُه، وقد يُخففان جميعًا. قال الشاعر [هو أعشى هَمْدان وهو في ديوانه ١١٣]: بَخْ بَخْ لوالده وللمولود.
وقوله: "رابحٌ" أراد: رابحٌ صاحبه ومعطيه، فحَذَفَ، وذلك معروف من كلام العرب يقولون: مالٌ رابح ومتجرٌ رابح كما قالوا: ليلٌ نائمٌ، أي: يُنام فيه. وحقيقته عند أهل المعرفة باللسان أنه على النسب، أي: مال ذو ربح، كما يقولون: همٌّ ناصبٌ وعيشةٌ راضيةٌ، أي: همٌّ ذو نَصبٍ وعيشة ذات رضًا، وهكذا رواه يحيى: "مال رابح" من الربح، وتابعه على ذلك جماعة. ورواه ابنُ وَهْب وغيره بالياء المنقوطة باثنتين
[ ١ / ٤٦ ]
وقال في تفسيره: "إنه يروح على صاحبه بالأجر العظيم"، وقيل: الرايح: القريب المسافة الذي يروح خيره ولا يَعْرُب نفعه، وإلى هذا ذهب الأخفش، قال".
أما الذي جاء في الإبرازة الأخيرة فهو قوله:
"وأمّا قولُه: "بَخٍ ذلكَ مالٌ رابحٌ" فإنّه أرادَ: مالٌ رابحٌ صاحبُهُ ومُعْطيهُ، فحَذَفَ؛ وذلك مَعْروفٌ من كلام العَرَب يقولون: مالٌ رابحٌ ومَتْجَرٌ رابحٌ، كما قالوا: ليلٌ نائمٌ، أي: يَنامُ فيه. وهكذا رواه يحيى: "مالٌ رابحٌ" من الرِّبْح، وتابعَهُ على ذلك جماعةٌ. ورواه ابنُ وَهْبٍ وغيرُه بالياءِ المَنْقوطة باثنتين من تحتها، وقال في تَفْسيره: إنّه يَرُوحُ على صاحبِه بالأجْرِ العظيم".
وربما غيّر المؤلف النصَّ لما هو أوضح وأمتن، من نحو ما جاء في تمهيد الحديث الثاني لأبي سهيل بن مالك (١٠/ ٢٠٠) حيث جاء في د ٤ كما يأتي:
"وعلى هذا جماعة العلماء، أنّ أعمدة الدين التي بني عليها خمس على ما في خبر ابن عمر هذا، وهو "الدّين عند اللَّه الإسلام". وقد مضى القول في معنى الإسلام والإيمان ممهّدًا في باب ابن شهاب عن سالم والحمد للَّه. وما أعلم في هذا الخبر خبرًا يمكن أن يكون خلافًا لخبر ابن عمر هذا في ظاهره إلا ما روي عن حذيفة، قوله: الإسلام ثمانية أسهم. . . رواه شعبة، عن أبي إسحاق، عن صلة بن زفر، عن حذيفة. وقد ذكرنا فرض الجهاد ومعناه في غير هذا الموضع".
أما ما جاء في الإبرازة الأخيرة فهو قوله:
"وعلى هذا أكثرُ العُلماءِ، أنَّ أعمدةَ الدِّينِ التي بُنِي عليها خَمْسٌ، على ما في خبرِ ابنِ عُمر هذا، إلّا أنَّهُ جاءَ عن حُذيفةَ ﵀ خبر يُخالِفُ ظاهِرُهُ خبرَ ابنِ عُمرَ هذا في الإسلام؛ رواهُ شُعبةُ وغيرُهُ، عن أبي إسحاقَ، عن صِلةَ بن زُفَرَ، عن حُذَيفةَ، قال: الإسلامُ ثمانِيةُ أسْهُم: الشَّهادةُ سهم، والصَّلاةُ سَهْمٌ، والزَّكاةُ سهمٌ، وحجُّ البيتِ سَهْمٌ، وصومُ رمضانَ سهمٌ، والجِهادُ سهمٌ، والأمرُ بالمعرُوفِ سهمٌ، والنَّهيُ عنِ المُنكرِ سهمٌ، وقد خابَ من لا سهمَ لهُ.
[ ١ / ٤٧ ]
وقد ذكَرْنا فرضَ الجِهادِ، وما يتعيَّنُ منهُ على كلِّ مُكلَّفٍ، وما منهُ فرضٌ، على الكِفايةِ، وأنّهُ لا يَجْرِي مجرَى الصَّلاةِ والصَّوم، في غيرِ هذا المَوْضِع، فلا معنَى لإعادتِهِ هاهُنا".
ومنه ما جاء في الحديث الثامِن عشَر لعبدِ اللَّه بن دينارٍ، عنِ ابنِ عُمرَ (١٠/ ٤٦٩ - ٤٧٠) حيث ساق في الإبرازة الأولى حديث أبي ريحانة كما يظهر في ي ١، م وكما يأتي:
"قال أبو عُمر، ﵀: وحديثُ أبي ريحانةَ في ذلك قرأتُهُ على عبدِ الرَّحمنِ بن يحيى في أصلِ سماعِهِ، ومنهُ كتبتُهُ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن سعيدِ بن حزم، قال: حدَّثنا محمدُ بن زبّان بن حبيبٍ، قال: حدَّثنا زكريّا بن يحيى بن صالح، قال: حدَّثنا المُفضَّلُ بن فضالةَ القِتبانيُّ، عن عيّاشِ بن عبّاس القِتبانيِّ، عن أبي الحُصينِ، عن أبي الهيثم بن شَفِيّ، أنَّهُ قال: خرجتُ أنا وصاحِبٌ لي يُدعى أبا عامِرٍ، رجُلٌ من المَعافِرِ ليُصلِّي بإيليا، وكان قاصّهم رجُلٌ من الأزدِ يُقالُ لهُ: أبو ريحانةَ من الصَّحابةِ. قال أبو الحُصينِ: فسَبَقني صاحِبي إلى المسجِدِ، ثُمَّ أدركتُهُ فجلستُ إليه، فسألني: هل أدركتَ قصص أبي ريحانةَ؟ فقلتُ لهُ: لا، فقال: سمِعتُهُ يقولُ: نهى رسُولُ اللَّه -ﷺ- عن عشرٍ: عن الوشرِ، والوشم، والنَّتفِ، وعن مُكامَعةِ الرَّجُلِ الرَّجُلَ بغيرِ شِعارٍ، وعن مُكامعةِ المرأةِ المرأةَ بغيرِ شِعارٍ، وأن يجعل الرَّجُلُ تحت ثيابِهِ حريرًا مِثل الأعاجِم، وأن يجعل على منكِبيهِ حريرًا مِثل الأعاجِم، وعن النُّهبةِ، ورُكُوبِ النمر، ولُبسِ الخاتم، إلّا لذي سُلطان.
هكذا في أصلِ أحمد بن سعيدٍ، عن أبي الحُصينِ، عن أبي الهيثم بن شَفِيّ، وإنَّما أعرِفُهُ عن أبي الحُصينِ الهيثم بن شَفِيّ، لا يُعرفُ هذا الحديثُ إلّا به، ولم يروِ عنهُ فيما علِمتُ غيرُ عيّاشِ بن عباس القِتبانيِّ، وقِتبانُ في اليمنِ.
وحدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن يحيى، قال: حدَّثنا أحمدُ بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن زبّان، قال: حدَّثنا زكريّا بن يحيى، قال: حدَّثنا المُفضَّلُ بن فضالةَ، عن عمرِو بن الحارِثِ،
[ ١ / ٤٨ ]
عن بُكيرِ بن الأشجِّ: أنَّ عُثمانَ بن عفّان ورافِعَ بن خَديج وصُهيبًا كانوا يتختَّمُونَ. قال بُكيرٌ: ولم يبلُغني أنَّ أحدًا منهُم كان في ذلك الزَّمنِ على سُلطانٍ.
وبه، عنِ المُفضَّلِ بن فضالةَ، عن عُقيلٍ: أنَّهُ رأى على ابنِ شِهابٍ خاتمًا نقشُهُ: محمدٌ يسألُ اللَّهَ العافيةَ. قال عُقيلٌ: وجاءَ رجُلٌ إلى ابنِ شِهابٍ يسألُهُ عنِ الخاتم يكونُ فيه شيءٌ من ذِكرِ اللَّه تُصيبُهُ الجنابةُ، وهُو عليه، فقال ابنُ شِهابٍ: ما زال المُسلِمُونَ يلبسُونَ الخَواتِم فيها اسمُ اللَّه، والحرفُ من القُرآنِ".
والظاهر أنَّ المصنف عدل عن هذا النص، إلى النصوص الآتية التي كتبها عن هذا الحديث وما يتصل به، حيث غيّره إلى ما يأتي، كما يظهر في نسخة الأصل الممثلة للإبرازة الأخيرة:
"قال أبو عُمر: الحديثُ حدَّثناهُ سعيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال: حدَّثنا زيدُ بن الحُبابِ، قال: حدَّثني يحيى بن أيُّوبَ المِصريُّ، قال: حدَّثني عيّاشُ بن عبّاسٍ الحِميريُّ، عن أبي الحُصَينِ الهَيْثم، يعني: ابنَ شَفِيّ، عن أبي عامرٍ الحَجْريٍّ، قال: سمِعتُ أبا رَيْحانةَ صاحِبَ رسُولِ اللَّه -ﷺ- يقولُ: كان الرَّسُولُ -ﷺ- يَنْهى عن عَشْرِ خِصالٍ: مُعاكَمةِ أو مُكامعةِ الرَّجُلِ الرَّجُلَ في شِعارٍ ليسَ بينهُما شيءٌ، ومُعاكمةِ أو مُكامَعةِ المرأةِ المرأةَ ليس بينهُما شيءٌ، والوَشرِ، والنَّتفِ، والوَشْم، والنُّهبةِ، ورُكُوبِ النُّمُورِ، واتِّخاذِ الدِّيباج هاهُنا على العاتِقَيْنِ كما تَصْنعُ الأعاجِمُ وفي أسْفَلِ الثِّيابِ، والخاتَم إلّا لذي سُلطانٍ.
وحدَّثنا أحمدُ بن قاسم، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا الحارِثُ بن أبي أُسامةَ، قال: حدَّثنا أبو النَّضرِ، قال: حدَّثنا اللَّيثُ، عن عيّاشِ بن عبّاسٍ، عن رجُلٍ حدَّثهُ، عن أبي ريحانةَ، أنَّ النَّبيَّ -ﷺ- نَهَى عن عَشْرِ خِصالٍ: عنِ الوَشْرِ، والوَشْم، وعن مُكامَعةِ الرَّجُلِ الرَّجُل، وعن مُكامَعةِ المرأةِ المرأةَ، يعني: المُباشَرةَ، وعن ثيابٍ تُكَفُّ بالدِّيباج من أعلاها ومن أسْفَلِها كما تَصْنعُ الأعاجِمُ، وعن النُّهبةِ،
[ ١ / ٤٩ ]
وعن أن يُركَبَ بجُلُودِ النِّمارِ، وعنِ الخاتم إلّا لذي سُلْطانٍ. لم تَتِمَّ في واحِدٍ من الإسنادينِ العشرُ".
ومنه ما جاء في تمهيد الحديث نفسه زيادة وردت في ي ١، م:
"وحدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن يحيى، قال: حدَّثنا أحمدُ بن سعيدٍ، قال: حدَّثني محمدُ بن زبّان، قال: حدَّثنا زكريّا بن يحيى بن صالح، قال: حدَّثنا المُفضَّلُ بن فضالةَ، عن يحيى بن أيوب، عن عُبيدِ اللَّه بن عمر بن حفصِ بن عاصِم بن عُمر بن الخطابِ، عن نافع، عنِ ابنِ عُمر: أنَّهُ كان يختِمُ الخاتم من ورِقٍ، ويلبسُهُ في يدِهِ اليُسرى. وهذا أصحُّ عنهُ".
فكأن المصنف عدل عنه؛ لأن موضعه ليس في الموضع الذي ذُكر فيه، إذ سيأتي حديث عبيد اللَّه بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان يتختم في يساره بعدُ.
أما الزيادات على الإبرازة الأولى فهي كثيرة جدًا، لو جُمِعت لجاء في مئات الصفحات، ولعلي أضرب مثلًا لهذا الصنيع، فأُبينُ ما زاده على تمهيد الحديث الثالث لعبد اللَّه بن دينار عن ابن عمر: "كنا إذا بايعنا رسولَ اللَّه -ﷺ- على السمع والطاعة، يقول لنا: فيما استطعتم"، عند مقابلة بعض نسخ الإبرازة الأولى بالأصل الذي يمثلُ الإبرازة الأخيرة، فمما زاده: قوله (١٠/ ٣٧٦ - ٣٧٧):
"حدَّثنا أحمدُ، قال: حدَّثنا مَسْلَمةُ، قال: حدَّثنا جعفرُ بن محمدِ بن الحَسَنِ الأصْبَهانيُّ، قال: حدَّثنا يُونُسُ بن حَبيبٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ الطَّيالِسيُّ، قال: حدَّثنا حمّادُ بن سَلَمةَ، عن عليِّ بن زَيْدٍ، عن أنسٍ، قال: قَدِمتُ على عُمرَ بعدَ هَلاكِ أبي بكرٍ، فقلتُ: ارفَعْ يدَكَ أُبايِعْكَ على ما بايَعتُ عليه صاحِبَيكَ من قبلُ، أعني النَّبيَّ -ﷺ- وأبا بكرٍ، فبايَعتُهُ على السَّمع والطّاعةِ، فيما اسْتَطعتُ".
وقوله في (١٠/ ٣٧٩ - ٣٨٠):
"وذكَرَ ابنُ أبي شَيْبةَ، قال: أخبَرَنا عبّادُ بن العوّام، عن أشعثَ بن سَوّارٍ، عن أبيه، قال: سمِعتُ موسى بن طَلْحةَ، قال: بحثَ فيَّ أميرُ المُؤمِنينَ عليٌّ وأنا في الأسارى،
[ ١ / ٥٠ ]
فانْطَلقتُ، فدخَلْتُ عليه فسلَّمتُ، فقال: أتُبايعُ وتدخُلُ فيما دخلَ فيه النّاسُ؟ قلتُ: نعم، قال: هكذا. ومدَّ يدَهُ فبَسَطها، قال: فبايَعتُهُ، ثُمَّ قال: ارجِعْ إلى أهلِكَ ومالك. قال: فلمّا رآني النّاسُ قد خَرَجتُ، جَعلُوا يدخُلُونَ فيُبايِعُونَ.
وقد مَضَى في بابِ ابنِ المُنْكدِرِ كثيرٌ من أحاديثِ البَيْعةِ والمُصافَحةِ بها، عندَ ذِكرِ بَيْعةِ النِّساءِ، والحمدُ للَّه.
حدَّثنا أحمدُ بن سَعيدٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي دُلَيم، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا ابنُ أبي مريمَ، قال: حدَّثنا نُعَيمٌ، قال: حدَّثنا ابنُ المُباركِ، عنِ ابنِ عُيَينةَ، قال: أخبَرني الوليدُ بن كثيرٍ، عن وَهْبِ بن كَيْسانَ، قال: سمِعتُ جابرَ بن عبدِ اللَّه، يقولُ: لمّا قدِمَ مُسلِمُ بن عُقْبةَ المدينةَ، أتَتِ الأحياءُ يُبايِعُونهُ، فأتَى بنُو سَلِمةَ، ولم آتِ معهُم، فقال: لا أُبايِعُكُم حتّى يخرُجَ إليَّ جابرٌ. قال: فأتاني قومي، فناشَدُوني اللَّه، فقلتُ لهم: أنْظِرُوني، فأتَيتُ أُمَّ سلَمةَ، فاسْتَشرتُها في الخُرُوج إليه، فقالت: واللَّه إنِّي لأراها بَيْعةَ ضَلالةٍ، ولكِن قد أمَرتُ أخي عبدَ اللَّه بن أبي أُميّةَ أن يأتيهُ فيُبايِعَهُ. كأنَّها أرادَتْ أن تحقِنَ دَمَهُ. قال جابرٌ: فأتَيتُهُ فبايَعتُهُ.
قال أبو عُمر: كذا قال: أخي عبدَ اللَّه بن أبي أُميّةَ. وصوابُهُ: ابنَ أخي عبدَ اللَّه بن عبدِ اللَّه بن أبي أُميّةَ. ولم يُدرِك أخُوها الحَرّةَ، تُوفِّي قبلَ ذلك بكثيرٍ.
وبه عنِ ابنِ المُباركِ، قال: حدَّثنا أبو عَوانةَ، قال: حدَّثنا سِماكُ بن حَرْبٍ، أنَّهُ سألهُ رَجُلٌ من الذينَ بايَعُوا المُختارَ الكذّاب، فقال: تخافُ علينا من بَيْعتِنا لهذا الرَّجُلِ؟ فقال: ما أُبالي أبايَعتُهُ، أو بايَعتُ هذا الحجَرَ، إنَّما البَيْعةُ في القَلْبِ، إن كُنتَ مُنكِرًا لما يقولُ، فليسَ عليكَ من بَيْعتِكَ بأسٌ".
ومثله ما زاد على تمهيد الحديث الرابع لعبدِ اللَّه بن دينارٍ، عنِ ابنِ عُمرَ: أنَّ رسُولَ اللَّه -ﷺ-، قال: "إنَّ بلالًا يُنادي بليلٍ، فكُلُوا واشربُوا حتّى يُنادي ابنُ أُمِّ مَكْتُوم" (١٠/ ٣٨١). فلم يذكر في الإبرازة الأولى إلا الفقرة الأولى، وهي قوله: "في هذا الحديثِ الأذانُ للصُّبح قبلَ الفَجْرِ، وقد مَضَى القولُ في ذلك، وما فيه من
[ ١ / ٥١ ]
التَّنازُع بينَ العُلماءِ، واختِلافِ الآثارِ في ذلك، في بابِ ابنِ شِهاب، عن سالم، من كِتابِنا هذا، وكذلك مَضَى القولُ هُناكَ في سائرِ معاني هذا الحديثِ، فلا معنى لإعادةِ ذلك هاهُنا".
ثم زاد في الإبرازة الأخيرة ما يأتي:
"أخبَرنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: أخبرنا أحمدُ بن سَلْمانَ، قال: أخبَرنا عبدُ اللَّه بن أحمد بن حَنْبل، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثنا شُعَيبُ بن حَرْبٍ، قال: سمِعتُ مالكًا، وذكَرَ سُفيانُ، فقال: أما إنَّهُ فارَقَني على أن لا يشرَبَ النَّبيذ، قلتُ: أليسَ قد أمرَ النَّبيُّ ﵇ بلالًا أن يُعيدَ الأذانَ؟ فقال: قال رسُولُ اللَّه -ﷺ-: "إنَّ بلالًا يُنادي بليلٍ، فكُلُوا واشربُوا". قلتُ: إنَّهُ قد أمرَهُ أن يُعيدَ الأذانَ. قال: لم يَزلِ الأذانُ عندَنا بليلٍ. ثُمَّ قال: لم يأخُذ أوَّلُونا عن أوَّليكُم، قد كان عَلْقمةُ والأسودُ ومسرُوقٌ، فلم يأخُذ عنهُم أحَدٌ منّا، فكذلك آخِرُونا لا يأخُذُونَ عن آخِرِيكُم".
وكذلك ما زاد في تمهيد الحديث السادس لعبد اللَّه بن دينار عن ابن عمر (١٠/ ٣٨٥):
"لم يُختَلف في إسنادِ هذا الحديثِ، والحمدُ للَّه، ولا في لفظِهِ.
وقد حدَّثنا خَلَفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن جَعفرِ بن الوَردِ وعبدُ اللَّه بن عُمرَ بن إسحاقَ، قالا: حدَّثنا إسحاقُ بن إبراهيمَ بن جابرٍ، قال: حدَّثنا سعيدُ بن أبي مريمَ، قال: أخبَرنا مالكٌ، عن عبدِ اللَّه بن دينارٍ، عنِ ابنِ عُمرَ، قال: رأيتُ رسُولَ اللَّه -ﷺ- يُشيرُ إلى المشرِقِ، يقولُ: ها إنَّ الفِتنةَ هاهُنا، إنَّ الفِتنةَ هاهُنا، من حيثُ يَطْلُعُ قرنُ الشَّيطانِ".
ومن يتابع مقابلتنا بين النسخ وتعليقاتنا عليها يرى الكثير من ذلك، فمن النسخ المعتبرة من الإبرازة الأولى: المجلد الأول المحفوظ في الأوقاف القادرية ببغداد، والمجلد الخامس المحفوظ في الخزانة التيموربة الملحقة بدار الكتب المصرية، والتي تبدأ من (١١/ ٣٨٨) من نشرتنا، حيث أشرنا إلى بعض ما أخلت به هذه الإبرازة
[ ١ / ٥٢ ]
من النصوص التي زادها المؤلف في الإبرازة الأخيرة، أو التي غيّر صياغتها، فانظر ذلك تجد منه كثرةً، وفيما ذكرنا كفاية للتدليل على ما ذهبنا إليه.
على أننا نجد في بعض النسخ زيادات لم ترد في نسخ الإبرازتين، أُدخِلت في الطبعة المغربية، على طريقة التلفيق بين النسخ، مع أنها من غير لبسٍ من زيادات القُرّاء التي ربما كُتبتْ في حواشي نسخةٍ ما، ثم نُقِلتْ عنها إلى نسخةٍ أخرى، فأدخلها الناسخ في المتن، كما في المجلد ذي الرقم (٣٠٦٤) المحفوظ في القرويين، وغيره، حيث زاد محقق الطبعة المغربية فيها النص الآتي (٣/ ٣٢٦ - ٣٢٧).
"من حديث المقبري (م: المغيرة) عن أبي هريرة، عن النبي -ﷺ-، ورواه الدراوردي عن سهيل بن (م: عن) أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، أنَّ رسول اللَّه -ﷺ- خطب فوعظ ثم قال: "يا معشر النساء تصدقن فإني رأيتكن أكثر أهل النار". فقالت له امرأة: ولم ذلك يا رسول اللَّه؟ قال: "بكثرة لعنكن وكفركن العشير، وما رأيت ناقصات عقل ودين أغلب لألباب ذوي الرأي منكن". فقالت امرأة: يا رسول اللَّه، وما نقصان عقولنا وديننا؟ فقال: "شهادة امرأتين منكن شهادة رجل، ونقصان دينكنَّ الحيضة، تمكث إحداكن الثلاث والأربع لا تصلي". وروى الليث بن سعد وبكر بن مضر عن ابن الهاد عن عبد اللَّه بن دينار، عن عبد اللَّه بن عمر أنَّ رسول اللَّه -ﷺ- قال: "يا معشر النساء، تصدقن وأكثرن من الاستغفار، فإني رأيتكن أكثر أهل النار". قالت امرأة منهن: وما لنا يا رسول اللَّه أكثر أهل النار؟ قال: "تكثرن اللعن، وتكفرن العشير، ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لب منكن". قالت: يا رسول اللَّه، وما نقصان العقل والدين؟ قال: "أما نقصان العقل فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل، فهذا من نقصان العقل، وتمكث ليالي ما تصلي، وتفطر في رمضان، فهذا نقصان الدين". هذا الحديث يدل على أن نقصان الدين قد يقع ضرورة لا تدفع، ألا ترى أنَّ اللَّه جبلهن على ما يكون نقصًا فيهن. قال اللَّه ﷿: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ
[ ١ / ٥٣ ]
عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٣٤]. وقد فضَّل اللَّه أيضًا بعض الرجال على بعض وبعض النساء على بعض وبعض الأنبياء على بعض لا يُسأل عما يفعل وهو الحكيم العليم".
ولم يرد هذا النص في ك ٢ ولا النسخ الأخرى، وهو تكرار لا معنى له، مما يدل على أنه من زيادات بعض القراء.
ومنها ما جاء في النسخة المذكورة وأُدخِل في الطبعة المغربية (٣/ ٣٤٤):
"أخبرنا عبد اللَّه بن محمد بن أسد، قال: حدَّثنا بكر بن محمد بن العلاء، قال: حدَّثنا عثمان بن عمر، قال: حدَّثنا مسدد، قال: حدَّثنا يحيى عن حسين، قال: حدَّثني أبو عون عن عبد اللَّه بن شداد، قال: قال أبو هريرة: الوضوء ممّا غيرت النار. قال مروان: كيف نسأل عن هذا وفينا أمهاتنا أزواج النبي -ﷺ-، فأرسلني إلى أم سلمة فقالت: جاءني رسول اللَّه -ﷺ- وقد توضأ وضوءه للصلاة فناولته لحمًا فأكل ثم خرج إلى الصلاة. حدَّثنا عبد اللَّه، قال. . قال: حدَّثنا مسدد عن جعفر بن محمد، عن علي بن حسين، عن زينب بنت أم سلمة أنَّ رسول اللَّه -ﷺ- أكل كتفًا فجاء بلال فخرج إلى الصلاة ولم يمس ماء".
وهذا أيضًا من زيادات أحد القرّاء أو النساخ، إذ لم يرد في جميع النسخ الأخرى.
ومنها ما جاء في النسخة المذكورة أيضًا، وأُدخِل في متن الطبعة المغربية، ما نصه (٣/ ٣٥٣):
"وروى محمدُ بن الحسن عن مالكِ بن أنسٍ أنّه قال: إذا جاءَ عن النبيِّ -ﷺ- حديثان مختلفان، وبلَغَنا أنّ أبا بكرٍ وعُمرَ عَمِلَا بأحَدِ الحديثين وتَرَكا الآخرَ، كان في ذلك دلالةُ أنّ الحقَّ فيما عَمِلا به".
ولم يرد في نسخ الإبرازتين، فظهر أنها من زيادات بعض القراء. وأمثلة ذلك كثيرة لا تحصى.
[ ١ / ٥٤ ]