أبو إسحاق، وقيل: أبو إسماعيل. قيل: إنه عُقَيليٌّ من بني عُقَيل بنِ كعبِ بنِ ربيعةَ بنِ عامرِ بنِ صَعْصعة، وقد قيل (^٢): إنه تميميٌّ، فاللَّهُ أعلم.
واسمُ أبي عبلة شِمْرُ بن يَقْظانَ بن المُرتَحِل، هو معدودٌ في التابعين.
رأى ابنَ عُمرَ، وأدرك أَنَسٍ بنَ مالك، وأبا أُمامة، وربيبَ عُبادةَ بنِ الصامتِ أبا أُبيّ (^٣) ابنِ أُمِّ حرام، وروى عنهم، واختُلف في سماعه من واثلة بن الأسقع.
سكن الشامَ، وعُمِّر طويلًا، ومات في خلافة أبي جعفر سنة إحدى أو اثنتين وخمسين ومئة.
وكان ثقةً فاضلًا، له أدبٌ ومعرفة، وكان يقولُ الشِّعرَ الحَسن.
وكان (^٤) مسْكَنُه بالشام الرَّملة. روى عنه جماعةٌ جلةٌ: مالكٌ، والليث، ويونسُ بنُ يزيدَ، وبكْرُ بنُ مضَر.
لمالك عنه في "الموطأ" من حديث رسولِ اللَّه -ﷺ- حديثٌ واحدٌ مرسلٌ وهو:
مالكٌ (^٥)، عن إبراهيمَ بنَ أبي عَبْلَة، عن طلحةَ بنِ عُبيدِ اللَّه بنِ كَريز (^٦)،
_________________
(١) ينظر: تهذيب الكمال والتعليق عليه ٢/ ١٤٠.
(٢) في ق: "وقيل".
(٣) واسمه عبد اللَّه بن عمرو، قال ابن الأثير: وغَلَب عليه ابن أُمِّ حرام، وهو ابن خالة أنس بن مالك، أمُّه أمُّ حرام بنت مِلْحان، امرأة عُبادة بن الصامت، فهو ربيب عُبادة. ينظر: أسد الغابة ٣/ ٣٤٨ (٣٠٩٤) و٦/ ٤ (٥٦٦٧)، والإصابة لابن حجر ٥/ ١٨٥ (٦٥٩٥) وزاد: ذكره ابن مندة على الصواب في عبد اللَّه بن أمِّ حرام، وأبوه اسمه عمرو بن قيس.
(٤) كتب ناسخ الأصل هذه الفقرة في الحاشية، وأشار أنها في نسخة دون أخرى، وصحح عليها، ولم ترد في ق.
(٥) الموطّأ ١/ ٥٦٤ (١٢٦٩).
(٦) في ف ١: "عبد اللَّه بن كزبر"، محرف.
[ ١ / ٢٨٦ ]
أنَّ رسولَ اللَّه -ﷺ- قال: "ما رُئي (^١) الشَّيطانُ يومًا هو فيه أصغرُ ولا أحقرُ ولا أدحَرُ ولا أغيظُ منه في يوم عرفة، وما ذلكَ إلّا لِما رأى من تَنزّلِ الرحمة، وتجاوزِ اللَّه عن الذُّنوب العِظام، إلّا ما رأى يومَ بدر". قيل: وما رأى يومَ بدرٍ يا رسولَ اللَّه؟ فقال: "أمَا إنّه قد رأى جبريلَ يَزَعُ الملائكة".
قال أبو عُمر: هكذا هذا الحديثُ في "الموطّأ" عندَ جماعةِ الرُّواةِ له عن مالك (^٢).
ورواه أبو النَّضرِ إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ العِجليُّ، عن مالك، عن إبراهيمَ بنِ أبي عَبْلة، عن طلحةَ بنِ عُبيدِ اللَّه بنِ كَرِيز، عن أبيه. ولم يقل في هذا الحديث: "عن أبيه" غيرُه، وليس بشيء.
وطلحةُ بنُ عُبيدِ اللَّه بنِ كَريزٍ هذا خُزاعيٌّ من أنفُسِهم، تابعيٌّ مدَنيٌّ ثقةٌ، سمِع ابنَ عمرَ وغيرَه، وقال البخاريُّ (^٣): طلحةُ بنُ عُبيد اللَّه بن كَرِيز الكَعْبيُّ المَدَنيُّ، سمعَ أُمّ الدَّرْداء.
قال أبو عُمر: هذا حديثٌ حسنٌ (^٤) في فضلِ شُهودِ ذلك الموقفِ المبارك.
_________________
(١) أشار ناسخ ق إلى أن هذه اللفظة جاءت "رُئي" و"أُرِيَ" و"رأى".
(٢) رواه عن مالك: أبو مصعب الزُّهريّ (١٤٦١)، وسويد بن سعيد (٦٢٤)، وعبد اللَّه بن مسلمة القعنبيّ عند الجوهريّ في مسند الموطأ (٢٧٠)، وعبد الرزاق في المصنَّف ٤/ ٣٧٨ بإثر (٨١٢٥)، ويحيى بن بُكير عند البيهقي في شعب الإيمان ٣/ ٤٦١ (٤٥٦٩)، ومطرِّف عن عبد اللَّه بن الشِّخير عند الفاكهيّ في أخبار مكّة ٤/ ٣٢١ (٢٧٦٢)، وعبد الملك بن الماجشون عند ابن جرير الطبريّ في تفسيره ١٣/ ٩ - ١٠، وإسماعيل الأصبهانيّ في الترغيب والترهيب ٢/ ٢١ (١٠٧٠). وهو حديث مرسل.
(٣) التاريخ الكبير ٤/ ٣٤٧ (٣٠٨١).
(٤) إنما قَصَد حُسْنَ معناه وألفاظه، لا التحسين الاصطلاحيّ، وإلا فالخبرُ مرسلٌ، ولا يستند بأيِّ وجهٍ من الوجوه، وإنما ساغ إطلاق القول في كونه حسنًا -كما سيتكرّر ذلك منه في أثناء هذا الكتاب في الحكم على هذه الأحاديث التي لا تتوفّر فيها شروط الصِّحة أو الحُسن =
[ ١ / ٢٨٧ ]
وفيه دليلٌ على التَّرغيب في الحَجِّ، ومعنى هذا الحديثِ محفوظٌ من وجوهٍ كثيرة. وفيه دليلٌ على أنَّ كلَّ مَن شهِد تلكَ المشاهدَ يغفِرُ اللَّهُ له إن شاء اللَّه.
وفيه أنَّ شُهودَ بدرٍ أفضَلُ من كلِّ عملٍ يعمَلُه الإنسانُ بعدَه إلى يوم القيامة، نَفْلًا كان أو فَرْضًا؛ لأنَّ هذا القولَ كان منه -ﷺ- في حَجَّةِ الوداع.
وفيه الخبرُ عن حسَدِ إبليسَ وعداوتِه لعَنه اللَّه (^١).
وفيه دليلٌ على أنَّ الحَسودَ يجدُ في نفسِه ذِلّةً لعدَمِه ما أُوتِيه المَحْسُود.
وأمّا قوله: "أصغرُ، وأحقرُ، وأغيَظُ". فمُسْتَغْنٍ عن التفسيرِ لوُضوح معاني ذلك عندَ العامّةِ والخاصّة.
_________________
(١) = بالمعنى الاصطلاحيّ- هو عدم وجود ما يُعارضه، وعدم دخوله في أي باب من أبواب الحلال والحرام، وإنما هو مما يُعَدُّ في أبواب الفضائل -كهذا الحديث- أو الرقائق كما في بعض الأحاديث التي سترد، وقد عبَّر عن ذلك في عدّة مواضع من كتابه هذا، ومثال ذلك قوله بإثر الحديث السادس والأربعين لزيد بن أسلم المرسل: "وهو حديث حسنٌ لا معارضَ له"، ومثل ذلك قوله بإثر الحديث الثالث والأربعين من بلاغات مالك: "هذا حديث حسنٌ غريب. . . وإنما ذكرنا أنه حديثٌ حسنٌ لا يدفعُه أصلٌ، وفيه ترغيبٌ وليس فيه حُكْمٌ"، وأمثلة ذلك عديدة. وقد نبَّه غير واحد من أهل هذا الشأن على منهج ابن عبد البرِّ وغيره في إطلاقهم لمثل هذه الأحكام على بعض الأحاديث الضعيفة من جهة إسنادها، ومن هؤلاء الحافظ زين الدين العراقي، ومثل على ذلك بابن عبد البرِّ وقوله على حديث رواه في جامع بيان العلم وفضله (٢٦٨): "حديث حسنٌ جدًّا، ولكن ليس له إسنادٌ قويٌّ". قال العراقيُّ في التقييد والإيضاح ص ٦٠: "فأراد بالحُسن حُسْن اللفظ قطعًا" ويدخل في هذا قول الذهبي في الموقظة ص ٣٠ في سياق مناقشته لإطلاق البعض كالترمذيّ - الحُسن على بعض الأحاديث الداخلة في هذا المعنى: "ويسُوغ أن يكون مراده بالحَسَن: المعنى اللغويَّ لا الاصطلاحيّ، وهو إقبال النفوس، وإصغاء الأسماع إلى حُسن مَتْنِه، وجزالةِ لفْظِه، وما فيه من الثواب والخير، فكثيرٌ من المتون النبوية بهذه المثابة" قلنا: ويدخل في هذا حديث الباب. قلنا: غالب الأحاديث التي اقتصر فيها الترمذي على قوله "حسن" إنما هي أحاديث معلولة. ولنا دراسة موسعة في هذا الشأن تصدر قريبًا إن شاء اللَّه تعالى.
(٢) أشار ناسخ الأصل في الحاشية أنه في نسخة أخرى: "نعوذ باللَّه منه".
[ ١ / ٢٨٨ ]
وأما قولُه: "أدْحَرُ". فمعناه أبعدُ من الخيرِ وأهونُ، والأدْحَرُ: المطرُودُ المُبعَدُ من الخير المُهان، يقال: ادْحَرْه عنك؛ أي: اطْرُدْه وأبْعِدْه.
وأمّا قولُه: "يَزَعُ الملائكة". فقال أهلُ اللُّغة: معنى يَزَعُ: يَكُفُّ ويَمنَعُ. إلّا أنّها هاهُنا بمعنى يُعبِّئُهم ويُرتِّبُهم للقتالِ ويَصُفُّهم، وفيه معنَى الكَفِّ؛ لأنَّه يَمْنَعُهم عن الكلام (^١) من أنْ يَشِفَّ بعضُهم على بعض (^٢)، ويخرُجَ بعضُهم عن بعضٍ في التَّرتيب.
قالوا: ومنه قولُ اللَّه ﷿: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ [النمل: ١٧]. وقد تَكْني العربُ بهذه اللفظةِ عن الموعظة؛ لِما فيها من معنى الكفِّ والمنع والرَّدع والزَّجر، قال النابغةُ الذبيانيُّ (^٣):
على حينَ عاتَبْتُ المَشِيبَ على الصِّبَا وقلتُ ألمَّا أصْحُ والشَّيْبُ وازعُ
وقال لَبيدٌ العامريُّ (^٤):
إذا المرءُ أسرَى ليلةً ظنَّ أنَّهُ قضَى عمَلًا والمرءُ ما عاشَ عاملُ
فقُولا له إنْ كان يَعقِلُ أمْرَهُ ألمَّا يَزَعْكَ الدَّهْرُ أُمُّكَ هابِلُ
_________________
(١) قوله: "عن الكلام" لم يرد في ق، ف ١، وهو ثابت في الأصل.
(٢) الشَّفُّ: قال ابن سيده في كتاب الأضداد من المحكم ٤/ ١٧٨: "والشَّفُّ الفضْل والنُّقصان"، وقال ابن فارس في مجمل اللغة ١/ ٤٩٧: "والشَّفُّ: الزيادة، يقال: أشْفَفْتُ بعضَ ولدي على بعض، أي: فضَّلتَهم".
(٣) ديوانه ص ٤٤.
(٤) ديوانه ص ٢٥٤، وعنده في البيت الثاني بلفظ: فقولا له إن كان يقْسِم أمْرَهُ ألمّا يعِظْكَ الدهرُ أُمُّك هابِلُ وبهذا اللفظ أورده ابن قتيبة في الشعر والشعراء ١/ ٢٧١، والأزهري في تهذيب اللغة ٨/ ٣٢٠، وعبد القادر البغدادي في خزانة الأدب ٢/ ٢٥٢. وقوله: "أُمُّكَ هابِلُ" هابِل: من هَبلَتْهُ، أي ثكِلتْهُ وعدمتُه. قال الزَّبيدي: قد يُستعمل في معنى المدح والأعجاب، يعني: ما أعلَمَهُ! وما أصوبَ رأيه. تاج العروس (هبل).
[ ١ / ٢٨٩ ]
وقال المعلوطُ السَّعدِيُّ (^١):
ولمَّا تلاقَيْنا جرَتْ من جفُونِنا دموعٌ وَزَعْنا غربَها بالأصابعِ
وقال آخرُ:
وقد لاح في عارِضَيْكَ المَشِيبُ ومثلُكَ بالشَّيْبِ قد يُوزَعُ
وقال آخرُ (^٢):
ولا يَزَعُ النفسَ اللَّجُوجَ عن الهَوَى مِن الناسِ إلا وافِرُ العَقْلِ كامِلُهْ
وقال آخرُ (^٣):
امنَعْ فؤادَكَ أنْ يَميلَ بك الهَوَى واشدُدْ يدَيكَ بحَبْلِ دينِك واتَّزعْ
وروى محمدُ بنُ إسحاق (^٤)، عن يحيى بنِ عَبادِ بن عبدِ اللَّه بنِ الزُّبير، عن أبيه، عن جدِّه، عن أسماءَ بنتِ أبي بكر، قالت: لمّا وقَفَ رسولُ اللَّه -ﷺ- بذي طُوًى، يعني يومَ الفتح، قال أبو قُحافة - وقد كُفَّ يومئذٍ بصَرُه - لابنَتِه: اظْهَرِي بي على أبي قُبَيْس. قالت: فأشرَفتُ به عليه. فقال: ما تَرَيْنَ؟ قالت: أرى سوادًا
_________________
(١) البيت في شرح ديوان الحماسة للمرزقيّ ١/ ٩٦٨، والبديع في نقد الشعر لابن منقذ ص ٢١٦ معزوًّا لذي الرُّمّة.
(٢) روى هذا البيت مع بيتين آخرين قبله أبو نعيم في الحلية ٧/ ٢٧٦ وإسناده إلى سفيان بن عيينة على أنَّه كان يتمثَّل بها.
(٣) هو أبو العتاهية، وهو في ديوانه ص ٢١٥.
(٤) كما في السيرة النبوية لابن هشام ٢/ ٤٠٥. وأخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى ٥/ ٤٥١ - ٤٥٢، وأحمد في المسند ٤٢/ ٥١٧ - ٥١٩ (٢٦٩٥٦)، وابن حبّان في صحيحه ١٦/ ١٨٧ - ١٨٨ (٧٢٠٨)، والطبراني في الكبير ٢٤/ حديث (٢٣٦)، والحاكم في المستدرك ٣/ ٤٦، وأبو نعيم في معرفة الصحابة ٤/ ١٩٠٣ (٤٩١٢)، والبيهقي في دلائل النبوّة ٥/ ٩٥، ورجال إسناده ثقات. محمد بن إسحاق صرَّح فيه بالتحديث عند ابن هشام وأحمد وغيرهما فانتفت شُبهة تدليسه، وباقي رجاله ثقات.
[ ١ / ٢٩٠ ]
مجُتَمِعًا. قال: تلك الخيلُ. قالت: وأرَى رجلًا بينَ السَّواد مُقبِلًا ومُدبرًا. قال: ذلك الوازعُ يمنعُها أن تَنتشِرَ، وذكَر تمامَ الحديث.
وأخبرنا إبراهيمُ بنُ شاكر (^١)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسحاقَ القاضي، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أحمدَ بنِ أبي الأصبَغ الإمامُ بمصرَ، قال: حدَّثنا أبو الزِّنْباع رَوْحُ بنُ الفرج، قال: حدَّثنا أبو زيد بنُ أبي الغَمْر، قال: حدَّثنا ابنُ القاسم (^٢)، قال: حدَّثنا مالكٌ، أنَّ عثمانَ بنَ عفانَ كان يقول: ما يَزَعُ الإمامُ أكثرُ مما يَزَعُ القرآن. أي: من الناس. قال: قلتُ لمالك: ما يَزَعُ؟ قال: يَكُفُّ (^٣).
وذكَر الحسنُ بنُ عليٍّ الحُلْوانيُّ في كتاب "المعرفة" له، قال: حدَّثنا عفان (^٤)، قال: أخبرنا إسماعيلُ، يعني ابنَ عُلية، عن ابنِ عونٍ (^٥)، قال: سمِعتُ الحسنَ وهو في مجلسِ قَضائِه، فلمّا رأى ما يصنَعُ الناسُ قال: واللَّه، ما يُصْلِحُ هؤلاء الناسَ إلّا وَزَعَةٌ. قال إسماعيلُ: يَزَعونَهم؛ أي: يمنعُونَهم.
ومنه الحديثُ الذي حدَّثني أحمدُ بنُ عبدِ اللَّه بنِ محمدِ بنِ عليٍّ (^٦)، أنَّ أباه حدَّثه، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ يونس، قال: حدَّثنا بَقيُّ بنُ مخلَد، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شيبة، قال (^٧): أخبرَنا حسينُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا جريرُ بنُ حازم،
_________________
(١) هو أبو إسحاق القرطبيّ.
(٢) هو عبد الرحمن، صاحب الموطأ.
(٣) إسناده منقطع بين مالك: وهو ابن أنس وعثمان بن عفّان ﵁.
(٤) هو ابن مسلم الصَّفّار.
(٥) هو عبد اللَّه بن عون بن أرطبان المُزنيّ، ومن طريقه أخرجه أبو بكر محمد بن خلف الضبِّي البغدادي الملقّب بوكيع في أخبار القضاة ٢/ ٧٢٦.
(٦) هو ابن شريعة اللّخمي، المعروف بابن الباجيّ.
(٧) في المصنَّف (٣١١٦٢)، ورجال إسناده ثقات. ويُروى بلفظ: "لن تُراع" أخرجه البخاري (٧٥٢٨) من طريق صخر بن جويرية، عن نافع. وكذا وقع في المطبوع من المصنَّف لابن أبي شيبة على معنى: لن تخاف.
[ ١ / ٢٩١ ]
عن نافع، عن ابنِ عمر، أنّه رأى رُؤْيا؛ كأنَّ ملكًا انطَلَق به إلى النّار، فلَقِيَه ملَكٌ آخَرُ وهو يَزَعُه، فقال: لِمَ تَزَعُ هذا؟ نِعْمَ الرَّجُلُ لو كان يُصلِّي من اللَّيل. قال: فكان بعدَ ذلك يُطيلُ الصلاةَ بالليل.
ومنه الحديثُ الذي يُروَى عن أبي بكرٍ الصدِّيقِ إن صَحَّ عنه أنّه قال: لا أُقِيدُ من وَزَعَةِ اللَّه (^١). قال ذاك في بعضِ عُمّالِه.
وقد رُوِيت آثارٌ في معنى حديثِ إبراهيمَ بنِ أبي عَبْلةَ هذا في يوم عرفة، أنا ذاكِرٌ منها ما حضَرني ذِكرُه بحُسنِ عونِ ربِّي، لا إلهَ إلَّا هو.
حدَّثنا أبو القاسم أحمدُ بنُ فتح، قال: حدَّثنا حمزةُ بنُ محمدٍ الحافظُ بمصرَ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ بنِ يونس، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عيسى، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْب، قال: حدَّثنا مَخرَمةُ بنُ بُكير، عن أبيه، عن يونس، وهو ابنُ يوسف، عن سعيدِ بنِ المُسيِّب، قال: قالت عائشةُ: إنَّ رسولَ اللَّه -ﷺ- قال: "ما مِن يومٍ يُعتِقُ اللَّهُ فيه أكثرَ من يومِ عرفة" (^٢).
وأخبرنا أحمدُ بنُ فَتْح بنِ عبدِ اللَّه، قال: حدَّثنا حمزةُ الكنانيُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيدٍ الدِّمشقيُّ، قال: حدَّثنا عيسى بنُ إبراهيم، قال (^٣): حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ
_________________
(١) أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبير (ط. مكتبة الخانجي) ٥/ ١٧٨ (٦٠٦٨)، وأبو بكر المروزي في مسند أبي بكر الصِّديق (٩١)، والطبراني في الكبير ٢٠/ ٤٠٣ (٩٦٣) من طريق قيس بن أبي حازم، عن المغيرة بن شعبة، عن أبي بكر ﵁، بلفظ: "من أن أقيدهم من وَزَعَةِ اللَّه الذين يَزَعُون عبادَهُ"، ورجال إسناده ثقات. قال أبو عُبيد القاسم بن سلّام في غريب الحديث ٣/ ٢٢٨: "فكأن أبا بكر إنما أراد: إنّي لا أقِيْد من الوُلاة الذين يَزَعُون -يعني يَكُفُّون- الناسَ عن محارم اللَّه تعالى؛ يعني: إذا كان ذلك الفعل منهم بوجه الحكم والعدل، لا بوجه الجَوْر".
(٢) أخرجه مسلم (١٣٤٨) (٤٣٦) عن أحمد بن عيسى بن حسّان المصري مقرونًا بهارون بن سعيد الأيليّ، به.
(٣) من هنا إلى قوله: "ابن يوسف" في السطر الآتي سقط من ف ١.
[ ١ / ٢٩٢ ]
وَهْب، عن مَخرَمةَ بنِ بُكير، عن أبيه، عن يونس، وهو ابنُ يوسف، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، عن عائشة، قالت: قال رسولُ اللَّه -ﷺ-: "ما مِن يوم أكثرَ أن يُعتِقَ اللَّهُ فيه عبدًا من النارِ من يوم عرفة، وإنّه لَيَدْنُو ثم يُباهي بهم الملائكة" (^١).
وهذا يدُلُّ على أنَّهم مَغفُورٌ لهم؛ لأنَّه لا يُباهي بأهلِ الخطايا والذُّنوب إلّا من بعدِ التَّوبةِ والغُفران، واللَّهُ أعلم.
وروَى ابنُ المبارك، عن أبي بكر بنِ عثمان، قال: حدَّثني أبو عَقِيل، عن عائشة، قالت: يومُ عرفةَ يومُ المباهاة. قيل لها: وما يومُ المُباهاة؟ قالت: ينزلُ اللَّهُ يومَ عرفةَ إلى السماءِ الدُّنيا، ثمّ يدعُو ملائكَتَه، ويقول: انظُروا إلى عبادي شُعثًا غُبْرًا، بعَثتُ إليهم رسولًا فآمَنوا به، وبعَثتُ (^٢) إليهم كتابًا فآمَنُوا به، يأتونَني من كلِّ فَجٍّ عَمِيق، يسألوني أنْ أُعتِقَهم من النّار، فقد أعتَقتُهم. فلم يُرَ يومٌ أكثرُ أنْ يُعْتِقَ فيه من النّارِ من يوم عرفة (^٣).
_________________
(١) أخرجه النسائي في المجتبى (٣٠٠٣)، وفي الكبرى ٤/ ١٥٢ (٣٩٨٢)، وابن خزيمة في صحيحه ٤/ ٢٥٩ (٢٨٢٧)، وأبو نعيم في المستخرج ٤/ ٢٧ (٣١٣٨) من طريق عيسى بن إبراهيم بن مثرود المصريّ، به. وأخرجه ابن ماجة (٣٠١٤)، وأبو عوانة في المستخرج ٢/ ٣٧٣ (٣٤٧٨)، والحاكم في المستدرك ١/ ٤٦٤، والبيهقي في الكبرى ٥/ ١١٨ (٩٧٥٢) من طريق عبد اللَّه بن وهب المصريّ، به. ورجال إسناده ثقات. يونس بن يوسف: هو ابن حماس الليثي. وبكير والد مخرمة: هو ابن عبد اللَّه بن الأشجّ، وهو ثقةٌ كما هو مبيَّنٌ في تحرير التقريب (٦٥٢٦).
(٢) في ف ١: "وأنزلتُ"، والمثبت من الأصل، ق.
(٣) أخرجه الفاكهي في أخبار مكّة ٤/ ٣١٢ (٢٧٣٨). وأبو عقيل لا نعرفه، وقد يكون هو حِبّان بن الحارث الذي سمع عليًّا (الكنى لمسلم ٢٤٥١) وهو مجهول، أو هو: يحيى بن المتوكل الضرير الذي يروي عن بهيّة، عن عائشة، وهو ضعيف، فضلًا عن أنه لم يلق عائشة (تهذيب الكمال ٣١/ ٥١١ - ٥١٥).
[ ١ / ٢٩٣ ]
حدَّثنا يعيشُ بنُ سعيدٍ الورّاقُ وعبدُ الوارثِ بنُ سفيان، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ الترمذيُّ، قال: حدَّثنا أبو نعيم، قال: حدَّثنا مرزوقٌ مولى طلحة، عن أبي الزُّبير، عن جابرِ بنِ عبدِ اللَّه، عن النبيِّ -ﷺ-، قال: "إذا كان يومُ عَرفة؛ ينزلُ اللَّهُ إلى السماءِ الدنيا، يُباهي بهم الملائكة، فيقول: انظُروا إلى عبادي، أَتَوْني شُعْثًا غُبْرًا من كلِّ فَجٍّ عَميق، أُشهِدُكم أنِّي قد غفَرتُ لهم. فتقولُ الملائكة: يا رَبِّ، فلانٌ وفلانٌ مُرَهَّقٌ (^١). قال: فيقول: قد غفَرتُ لهم". فقال رسولُ اللَّه -ﷺ-: "فما مِن يوم أكثر عَتِيقًا من النّارِ مِن يوم عرفة" (^٢).
وروَى ابنُ جريج، عن محمدِ بنِ المنكَدر، عن جابر، قال: قال رسولُ اللَّه -ﷺ-: "المغفرةُ تنزِلُ على أهلِ عرفةَ مع الحركةِ الأولى، فإذا كانت الدَّفْعَةُ العُظمى، فعندَ ذلك يضَعُ إبليسُ الترابَ على رأسِه، يدعُو بالويْلِ والثُّبور". قال: "فيجتمِعُ إليه شياطِينُه، فيقولون: ما لك؟ فيقول: قومٌ فتَنتُهم منذُ ستِّين وسبعين سنة؛ غُفِرَ لهم في طَرْفَةِ عَينٍ" (^٣).
_________________
(١) في الأصل، ق: "هو"، محرف، والصواب ما أثبتنا من ف ١.
(٢) أخرجه ابن مندة في التوحيد (٨٥٥)، وإسماعيل الأصبهاني في الترغيب والترهيب (٣٨٤) من طريق محمد بن إسماعيل أبي إسماعيل الترمذي، به. وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه ٤/ ٢٦٣ (٢٨٤٥)، وابن بطة في الإبانة الكبرى (١٧٧)، واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد ٣/ ٤٨٦ (٧٥١)، والبيهقي في شعب الإيمان ٣/ ٤٦٠ (٤٠٦٨)، وفي فضائل الأوقات (١٨١)، والبغوي في شرح السُّنة ٧/ ١٥٩ (١٩٣١) من طرق عن أبي نعيم الفضل بن دُكين، به، وفي إسناده أبو الزبير: هو محمد بن مسلم بن تدرس صدوقٌ يدلّس ولم يصرِّح بالتحديث، وباقي رجال إسناده ثقات غير مرزوق مولى طلحة: يعني ابن عبد الرحمن: وهو أبو بكر الباهلي المصريّ، فهو صدوق حسن الحديث. وقوله: "فلانٌ مرهَّقٌ" يعني مُغرقٌ في الذُّنوب كما وقع عند اللالكائيّ.
(٣) أخرجه الفاكهيُّ في أخبار مكّة ٤/ ٣١٠ (٢٧٣٤)، وإسناده ضعيف، فقد رواه من طريق سعيد بن سالم أو سُليم بن مسلم، على الشك، وسُليم بن مسلم: هو الخشاب المكّي، قال عنه =
[ ١ / ٢٩٤ ]
وقال مُجاهد: كانوا يرَوْن أنَّ الرحمةَ تنزِلُ عندَ دَفْعَةِ الإمام عَشِيّةَ عرفة (^١).
أخبرنا أبو محمدٍ قاسمُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ سعد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عمرِو بنِ منصور. وحدَّثنا أبو عبدِ اللَّه عُبيدُ بنُ محمد، قال: أخبرنا عبدُ اللَّه بنُ مسرور، قال: أخبرنا عيسى بنُ مِسكين، قالا: حدَّثنا محمدُ بنُ سَنْجَر، قال (^٢): حدَّثنا الفضلُ بنُ دُكين، قال: حدَّثنا يونسُ بنُ أبي إسحاق، عن مجاهد، عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ اللَّه -ﷺ-: "إنَّ اللَّهَ يُباهي بأهلِ عرفاتٍ أهلَ السماء؛ يقول لهم: انظُروا إلى عبادِي، جاؤوني شُعْثًا غُبْرًا، أُشْهِدُكم أنِّي قد غفَرتُ لهم".
أخبرنا عُبيدُ بنُ محمد (^٣)، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ مسرور، قال: حدَّثنا عيسى بنُ مسكين، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللَّه بنِ سَنْجَرَ الجُرْجانيُّ. وأخبرنا
_________________
(١) = أحمد كما في العلل لابنه عبد اللَّه ٣/ ٣٩٣ (٥٧٧٦): "رأيته بمكّة ليس يسوى حديثه شيئًا، ليس بشيء"، وقال النسائي: متروك الحديث، وقال ابن معين: جهميٌّ خبيثٌ، ينظر: المغني للذهبي ١/ ٢٨٥ (٢٦٤٨). وسعيد بن سالم: هو القدّاح: صدوقٌ حسن الحديث كما في تحرير التقريب (٢٣١٥).
(٢) أخرجه الفاكهي في أخبار مكّة ٤/ ٣١٤ (٢٧٤٤) من طريق ليث بن أبي سُليم عن مجاهد بن جبر، به، وليث ضعيف.
(٣) في مسنده كما في إتحاف المهرة ١٥/ ٤٩٠ (١٩٧٤٩). وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه ٤/ ٢٦٣ (٢٨٣٩)، وأبو نعيم في حلية الأولياء ٣/ ٣٠٥ - ٣٠٦، والحاكم في المستدرك ١/ ٤٦٥، والبيهقي في الكبرى ٥/ ٥٨ (٩٣٧٦) من طرق عن أبي نعيم الفضل بن دُكين، به. وأخرجه أحمد في المسند ١٣/ ٤١٥ (٨٠٤٧)، وابن حبّان في صحيحه ٩/ ١٦٣ (٣٨٥٢) من طرق عن يونس بن أبي إسحاق السَّبيعيّ، به. وهذا إسنادٌ حسن لأجل يونس بن أبي إسحاق: وهو السَّبيعي، فهو صدوقٌ حسنُ الحديث كما هو مبيَّنٌ في تحرير التقريب (٧٨٩٩)، وباقي رجال إسناده ثقات. مجاهد: هو ابن جبر المكّي.
(٤) هو ابن أحمد بن محمد القيسي، أبو عبد اللَّه القرطبي، المعروف بابن حُميد.
[ ١ / ٢٩٥ ]
سلمةُ بنُ سعيدٍ ومحمدُ بنُ خليفة (^١)، قالا: حدَّثنا محمدُ بنُ الحسين، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ الحُباب أبو عليٍّ المقرئ، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ عرفة، قالا (^٢): حدَّثنا هشامُ بنُ عبدِ الملك الطَّيالسيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ القاهرِ بنُ السَّرِيِّ السُّلَميُّ، قال: حدَّثني ابنٌ لكِنانةَ بنِ عبّاسِ بنِ مِرداس، عن أبيه، عن جدِّه عبّاس بنِ مِرداس، أنَّ رسولَ اللَّه -ﷺ- دعا عَشِيّةَ عرفةَ لأُمَّتِه بالمغفرةِ والرحمةِ فأكثرَ الدُّعاء، فأجابَه اللَّهُ إنِّي قد فعلتُ إلّا ظُلْمَ بعضِهم بعضًا، فأمّا ذنوبُهم بيني وبينَهم فقد غفَرْتُها لهم. فقال: "أي ربِّ، إنَّك قادِرٌ أن تُثيبَ هذا المظلومَ خيرًا من مَظْلمتِه وتغفِرَ لهذا الظّالم". قال: فلم يُجِبْه تلك العشِيّة، فلمّا كان غَداةَ المُزدَلفةِ أعادَ الدُّعاءَ، فأجابَه أنِّي قد غفَرتُ لهم. قال: ثم تبسَّم رسولُ اللَّه -ﷺ-، فقال له أصحابه: يا رسولَ اللَّه، تبسَّمتَ في ساعةٍ لم تكُنْ تتبسَّمُ فيها؟ قال: "تَبسَّمتُ من عَدُوِّ اللَّه إبليسَ؛ لما عَرَف أنَّه قد استجابَ اللَّهُ لي في أُمَّتي، أهوَى يدعُو بالوَيل والثُّبور، ويُحْثي التُّرابَ على رأسِه" (^٣).
_________________
(١) سلمة بن سعيد: هو الإسْتِجِيّ، ومحمد بن خليفة: هو ابن عبد الجبّار البَلَويّ أبو عبد اللَّه المؤدّب، وشيخهما محمد بن الحسين: هو أبو بكر الأجُرِّيّ.
(٢) يعني ابن سنجر، وابن عرفة.
(٣) أخرجه الفاكهي في أخبار مكّة ٤/ ٣١٠ (٢٧٣٥) عن الحسن بن عرفة بن يزيد العبْديّ، به. وأخرجه البخاري في التاريخ الكبير ٧/ ٢ - ٣ (٢)، وأبو داود (٥٢٣٤)، ويعقوب بن سفيان الفَسَويّ في المعرفة والتاريخ ١/ ٢٩٥ - ٢٩٦، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني ٣/ ٧٤ (١٣٩١)، والبغويّ في معجم الصحابة ٤/ ٣٩٥ - ٣٩٦ (١٨٦١)، والعقيلي في الضعفاء ٤/ ١٠، والمحامليّ في الدُّعاء (٦٢) من طريق هشام بن عبد الملك الطيالسيّ، به. وأخرجه عبد اللَّه بن أحمد في زوائده على المسند ٢٦/ ١٣٦ (١٦٢٠٧)، وابن ماجة (٣٠١٣)، وأبو يعلى في مسنده ٣/ ١٤٩ (١٥٧٨) من طريق عبد القاهر بن السَّرِيّ السُّلَميّ، به. وإسناده ضعيفٌ، عبد القاهر بن السَّرِيّ السُّلمي: ضعيفٌ، قال يعقوب بن سفيان: "منكر الحديث"، =
[ ١ / ٢٩٦ ]
حدَّثنا أبو عثمانَ سعيدُ بنُ سيِّد، قال: حدَّثنا أبو عيسى يحيى بنُ عبدِ اللَّه (^١) بنِ أبي عيسى (^٢)، قال: حدَّثنا أبو عثمانَ سعيدُ بنُ فحلُون، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّحمن بن عُبيدٍ البَصريُّ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي الشَّوارب القُرشيُّ الأُمويُّ، قال: أخبرنا عبدُ القاهرِ بنُ السَّريِّ السُّلميُّ، قال: حدَّثنا ابنٌ لكِنانةَ بنِ عبّاس بنِ مِرداسٍ السُّلَميِّ، عن أبيه، عن جدِّه، أنَّ النبيَّ -ﷺ- دعا لأُمَّتِه عَشيّةَ عرفةَ بالمغفرة، فأجابه اللَّهُ أنِّي قد فعلتُ إلّا ظُلْمَ بعضِهم بعضًا. فلمّا كان غَداةَ المُزدَلِفةِ أعادَ الدُّعاء، فقال: "يا رَبِّ، إنَّك قادرٌ أن تُثيبَ المظلومَ خيرًا من مَظْلمَتِه، وتَعفوَ عن الظَّالم". فأجابَه اللَّهُ أنِّي قد فعَلْتُ. ثمّ التَفَتَ إلينا رسولُ اللَّه -ﷺ- مُتبسِّمًا، فقلنا: يا رسولَ اللَّه، ما الذي أضحَكك؟ قال: "إنَّ إبليسَ عَدُوَّ اللَّه لمّا علِم أنَّ اللَّه ﷿ قد شفَّعني في أُمَّتي، أهْوَى يدعُو بالويل والثُّبور، ويَحثُو التُّرابَ على رأسِه".
وروَى مسلمُ بنُ إبراهيم، قال: أخبرنا كعبُ بنُ فَرُّوخَ الرَّقاشيُّ، قال: حدَّثنا قتادةُ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباس، قال: ليس يومٌ أكثرَ عَتِيقًا من يوم عرفة. هكذا ذكَره مَوقوفًا.
_________________
(١) = وقال ابن معين في رواية: "صالح" وفي أخرى: "لم يكن به بأس"، وابن كنانة بن عباس بن مرداس، كما وقع في أكثر المصادر مبهمًا، وعند بعضهم "عبد اللَّه"، تفرَّد بالرواية عنه عبد القاهر ابن السّرِيّ، فهو مجهولٌ كما قال ابن حجر في التقريب (٣٥٥٦)، وقال البخاريُّ: "لم يصحَّ حديثُه"، ومثله والده كنانة فهو مجهول، انفرد بالرواية عنه ابنه عبد اللَّه المذكور، وما صحَّ من أحاديث أخرى من غير هذا الوجه في فضل يوم عرفة يغني عنه وعن الحديث الآتي بعده.
(٢) في الأصل: "عبيد اللَّه" محرف، وينظر الهامش الذي بعده.
(٣) هو ابن أخي عبيد اللَّه بن يحيى بن يحيى الليثي، وترجمته في جذوة المقتبس (٨٩٧) بتحقيقنا، وتاريخ ابن الفرضي (١٥٩٦) بتحقيقنا، وتاريخ الإسلام ٨/ ١٨٠ بتحقيقنا.
[ ١ / ٢٩٧ ]
وأخبرنا عبدُ الوارث بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ السَّلام الخُشَنيُّ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ محمدُ بنُ وَهْبٍ المِسْعَريُّ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ سليمانَ الرّازيُّ، قال: حدَّثنا سلمةُ بنُ بُخْت، عن عكرمة، عن ابنِ عبّاس، قال: إنَّ يومَ عرفةَ يومٌ يُباهي اللَّهُ ملائكتَه في السماءِ بأهلِ الأرض؛ يقولُ ﵎: عبادي جاؤوني شُعْثا غُبْرًا، آمَنوا بي ولم يَرَوْني، وعِزَّتي، لأغفِرَنَّ لهم. وهو يومُ الحَجِّ الأكبر (^١).
قال أبو عُمر: اختُلِفَ في تأويلِ قولِ اللَّه ﷿: ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾ [التوبة: ٣]. فقيل: يومُ عرفة. وقيل: يومُ النَّحر؛ قال بهذا جماعة، وبهذا جماعة.
رُوِيَ من حديثِ عمرِو بنِ مُرَّة، عن مُرَّة بنِ شَراحيل، عن رجُلٍ من أصحابِ النبيِّ -ﷺ-، قال: خطَبنا رسولُ اللَّه -ﷺ- بالمُزدلِفةِ غَداةَ يوم النَّحرِ على ناقةٍ حمراء، فقال: "هل تدرُونَ أيُّ يوم هذا؟ هذا يومُ الحجِّ الأكبر". رواه شعبةُ وغيرُه، عن عمرِو بنِ مُرَّة (^٢).
_________________
(١) أخرجه الفاكهيُّ في أخبار مكّة ٤/ ٣١٣ (٢٧٤٢)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٤٨ (٩٢٣٠) من طريق إسحاق بن سليمان الرازيّ، به. ومن الطريق نفسه أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره ١٤/ ١١٦ مختصرًا. "يوم الحجِّ الأكبر يوم عرفة"، وإسناده جيّدٌ، رجاله ثقات غير سلمة بن بُخت، وثّقه ابن معين كما في الجرح والتعديل لابن أبي حاتم ٤/ ١٥٦ (٦٨٧)، ونقل عن أحمد بن حنبل قوله فيه: "ليس به بأس" وعن أبيه قوله: "لا بأس به".
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنّف (٢٦٧٧٤) و(٣٢٣٢٤) و(٣٨٣٢١) و(٣٨٣٣٥)، وأحمد في المسند ٣٨/ ٤٨٢ (٢٣٤٩٧)، والنسائيُّ في الكبرى ٤/ ١٩٢ (٤٠٨٤)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار ١/ ٣٣ (٤٢)، ورجال إسناده ثقات غير صحابيّة المُبْهَم. وهو عند ابن ماجة (٣٠٥٧) بإسناد ضعيف من الطريق نفسه، من حديث عبد اللَّه بن مسعود ﵁.
[ ١ / ٢٩٨ ]
ومن حديثِ أبي إسحاق، عن الحارث، عن عليٍّ، قال: سُئِل رسولُ اللَّه -ﷺ- عن يوم الحَجِّ الأكبر، فقال: "يومُ النَّحْر" (^١).
وروَى جعفرُ بنُ أبي وَحْشِيَّة، عن سعيدِ بنِ جبير: الحَجُّ الأكبرُ يومُ النَّحْر (^٢).
وروى عاصمُ بنُ حكيم، عن مجاهدٍ في يوم الحَجِّ الأكبر، قال: حينَ الحَجِّ، أيَّامَه كلَّها. وابنُ جُرَيْج، عن مُجاهِد، مثلَه (^٣).
وقال مَعمَرٌ، عن الحسن: إنّما سُمِّيَ الحَجَّ الأكبر؛ لأنَّه حَجَّ فيه أبو بكر، ونُبِذَتْ فيه العُهود (^٤).
وقال ابنُ جريج، عن ابنِ طاووس، عن أبيه، أنّه قيل له: ما الحَجُّ الأكبرُ؟ قال: يومُ عرفة، وهو اليومُ الأكبرُ؛ عرفة (^٥).
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٩٥٧) و(٣٠٨٨). وإسناده ضعيف، لأجل الحارث: وهو عبد اللَّه الأعْور الهمْدانيّ. ويُروى موقوفًا، أخرجه سعيد بن منصور في تفسيره ٥/ ٢٣٨ (١٠٠٨)، والترمذي (٩٥٨) من طريق سفيان بن عيينة، عن أبي إسحاق السَّبيعي، به موقوفًا. قال الترمذي: "ورواية ابن عُيينة موقوفًا أصحُّ من رواية محمد بن إسحاق -يعني السالفة- مرفوعًا، هكذا روى غيرُ واحدٍ من الحفّاظ، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن عليٍّ موقوفًا". قلنا: لم ينفرد الحارث الأعور بروايته عن عليّ، فقد أخرجه ابن أبي شيبة في المصنَّف (١٥٣٤٢)، وابن جرير الطبري في تفسيره ١٤/ ١١٨ كلاهما من طريق وكيع بن الجراح عن شعبة، عن الحكم بن عُتيبة، عن يحيى بن الجزار، عن عليّ، به موقوفًا، ورجال إسناده ثقات. وقد تصحّف في المطبوع من المصنّف "شعبة" إلى "سعيد"، يحيى الجزار: هو العُرَنيّ، وهو ثقةٌ، وثّقه جمعٌ كما هو مبيَّن في تحرير التقريب (٧٥١٩).
(٢) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره ١٤/ ١١٩.
(٣) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره ١٤/ ١٢٧.
(٤) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره ١٤/ ١٢٩.
(٥) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره ١٤/ ١١٦. ابن طاووس: هو عبد اللَّه.
[ ١ / ٢٩٩ ]
قال أبو عُمر: رُوِيَ عن النبيِّ -ﷺ- أنَّه قال: "يومُ الحَجِّ الأكبرِ يومُ عرفة" (^١). وهو قولُ ابنِ عبّاسٍ وطاووس.
ورُوِيَ عنه -ﷺ- أنَّه قال: "يومُ الحَجِّ الأكبرِ يومُ النَّحْر". من حديثِ عليٍّ، وأبي هريرة، وابنِ عمرَ، ورجلٍ من أصحابِ النبيِّ ﵇ (^٢).
ولا خِلافَ عن مالكٍ وأصحابِه أنَّ يومَ الحَجِّ الأكبرِ يومُ النَّحْر (^٣).
_________________
(١) أخرجه أبو داود في المراسيل (١٥١) عن محمد بن العلاء بن كريب، عن عبد اللَّه بن إدريس الأودي، عن عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، عن محمد بن قيس بن مخرمة، أنّ رسول اللَّه -ﷺ- خَطَب يوم عرفة فقال: "هذا يوم الحجِّ الأكبر"، الحديثَ. ورجال إسناده ثقات، وهو مرسل.
(٢) حديث عليٍّ ﵁ سلف تخريجه قريبًا، وحديث أبي هريرة ﵁ أخرجه البخاري (٣١٧٧)، ومسلم (١٣٤٧) (٤٣٥)، وأبو داود (١٩٤٦) من حديث حُميد بن عبد الرحمن أن أبا هريرة قال: "بعثني أبو بكر ﵁ فيمَن يؤذِّن يوم النَّحر بمِنًى: لا يحُجُّ بعد العام مشركٌ، ولا يطُوف بالبيت عُرْيان، ويومُ الحجِّ الأكبر يومُ النحر". وقد جزم الحافظ ابن حجر في الفتح ٨/ ٣٢١ أن قوله: "ويوم الحجِّ الأكبر يومُ النَّحْر" إنما هو مُدْرَج من قول حميد بن عبد الرحمن، قال: "استنبَطَه من قوله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾ [التوبة: ٣]، ومن مُناداة أبي هريرة بذلك بأمر أبي بكر يومَ النَّحر". قلنا: وقع التصريح بذلك في رواية مسلم، ففيها: "قال ابن شهابُ: فكان حميدٌ يقول: يومُ النحر: يوم الحج الأكبر؛ من أجل حديث أبي هريرة". وحديث ابن عمر ﵄، أخرجه أبو داود (١٩٤٥)، وابن ماجة (٣٥٥٨) من طريقين عن هشام بن الغاز، عن نافع مولى ابن عمر، عنه ﵄. ورجال إسناده ثقات. وقد سلف تخريج حديث: "رجل من أصحاب النبيِّ -ﷺ-" قريبًا.
(٣) قال أبو الوليد محمد بن رشد في البيان والتحصيل ٣/ ٤٥٨: "وسُئل مالكٌ عن يوم الحجِّ الأكبر، فقال: هو يومُ النّحْر".
[ ١ / ٣٠٠ ]
واختَلفَ أصحابُ الشّافعيِّ في ذلك؛ فقالت طائفةٌ منهم: يومُ الحَجِّ الأكبرِ يومُ عرفة. وقال بعضُهم: يومُ النَّحْر (^١).
وكذلك اختَلفَ أصحابُ أبي حنيفة، وليس عنه شيءٌ مَنصوص (^٢).
وذكَر الثَّوريُّ في "جامعه" في يوم الحَجِّ الأكبر، قال: حدَّثنا ليثٌ (^٣)، عن مجاهد، قال: الحَجُّ الأكبرُ يومُ النَّحْر، والحَجُّ الأصغرُ العمرَةُ.
أخبرنا عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ يوسف، قال: حدَّثنا يحيى بنُ مالك، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللَّه بن زَبْر، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ خُرَيْم، قال: حدَّثنا أبو عبدِ الغَنيِّ الحسنُ بنُ عليّ، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّزاق، قال: أخبرنا مالكٌ، عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ اللَّه -ﷺ-: "إذا كان يومُ عرفةَ غفَر اللَّهُ للحاجِّ الخُلَّصِ (^٤)، وإذا كانت ليلَةُ مُزْدلفةَ غفَر اللَّهُ للتُّجار، وإذا كان يومُ مِنًى غفَر اللَّهُ للجمّالين (^٥)، وإذا كان عندَ جَمْرةِ
_________________
(١) هذا بخلاف ما نصَّ عليه النَّووي من أنّ الذي عليه الشافعيُّ وأصحابه هو اتّفاقهم على أنه يوم النحر، قال في المجموع شرح المهذّب ٨/ ٢٢٣: "اختلف العلماء في يوم الحجِّ الأكبر متى هو؟ فقيل: يوم عرفة، والصحيح الذي قاله الشافعيُّ وأصحابُنا وجماهير العلماء، وتظاهرت عليه الأحاديث الصحيحة أنه يوم النحر"، وقال ٨/ ٢٢٤: "ونقل القاضي عياض أن مذهب مالكٍ أنه يوم النحر، وأن مذهب الشافعي أنه يوم عرفة، وليس كما قال، بل مذهب الشافعيِّ وأصحابه أنه يومُ النحر، كما سبق، واللَّه أعلم".
(٢) والأمر كما ذكر ﵀، ينظر: المبسوط للسرخسي ٤/ ٦١، وتبيين الحقائق شرح كنز الدقائق للزيلعي ٢/ ٣٣، ٤٩.
(٣) هو ابن أبي سُليم، ومجاهد: هو ابن جبر المكّي، وقد رُوي مثل هذا القول عن سفيان الثوري من قوله كما في تفسيره ص ١٢٣.
(٤) في ق، ف ١: "الخالص"، والمثبت من الأصل.
(٥) في ف ١: "للحمالين"، وهو تصحيف.
[ ١ / ٣٠١ ]
العَقبةِ غفَر اللَّهُ للسؤّال، ولا يشهَدُ ذلك الموقفَ خلقٌ ممن قال: لا إلهَ إلّا اللَّهُ، إلّا غُفِر له" (^١).
وحدَّثنا خلفُ (^٢) بنُ قاسم، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ الحسينِ بنِ بُندار، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عبدِ العزيز بنِ مروان، قال: سمِعتُ الحسنَ بنَ عليِّ بنِ مُعانٍ الصنعانيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّزاق، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن أبي الزِّناد، عن
_________________
(١) أخرجه ابن حبّان في المجروحين ١/ ٢٤٥ (٢١٩)، والدارقطني في غرائب مالك كما في لسان الميزان ٣/ ٧٨ (٢٣٢٦)، وابن عساكر في تاريخ دمشق ١٣/ ٣١٣ و٦٢/ ١٢، وابن الجوزي في الموضوعات ٢/ ٢١٥ من طريق أبي عبد الغنيّ الحسن بن عليّ، به. وهو حديث موضوع، الحسن بن علي أبو عبد الغني، قال عنه ابن عديٍّ في الكامل ٢/ ٣٣٦: "روى عن عبد الرزاق أحاديث لا يُتابعه أحد عليه في فضائل عليٍّ وغيره" وقال ابن حبّان: "يروي عن مالكٍ وغيره من الثقات ويضع عليهم، لا تحِلُّ كتابة حديثه ولا الرواية عنه بحال، وهذا شيخٌ لا يكاد يعرفه إلا أصحاب الحديث لخفائه، ولكنّي ذكرته لئلّا يغترَّ بروايته مَنْ كتب حديثه ولم يسْبُر أخباره". قلنا: وليس في إسناد ابن حبان وابن الجوزي ذكر "عبد الرزاق" بين الحسن بن علي ومالك؛ قال ابن حجر في لسان الميزان بعد أن عزاه للدارقطني: "لكن زاد بين الحسن ومالك: عبد الرزاق، وقال: باطل، وضعه أبو عبد الغني على عبد الرزاق". قلنا: وقد علّل المصنِّف -﵀- رواية حديث أبي عبد الغني هذا مع كونه ممّن لا يُتابع فيما روى كما قال ابن عديّ وغيره، لسببين فيما يظهر لنا: الأول: على مقتضى ما ذكرنا سابقًا من أنّ من منهجه كغيره هو التساهل في رواية الأحاديث المعلولة التي تدخل في باب الفضائل، وقد عبّر هو عن ذلك بنفسه، فقال بإثر الرواية الثالثة لهذا الحديث الآتية: "وأهل العلم ما زالوا يُسامحون أنفسهم في رواية الرغائب والفضائل عن كلِّ أحد، وإنما كانوا يتشدَّدون في أحاديث الأحكام". والثاني: عدم معرفته بحال أبي عبد الغني هذا، ولهذا قال: "وأبو عبد الغني لا أعرفه"، قلنا: والظاهر أنه لم يقف على أقوال الأئمّة فيه، وإلّا لَمَا أورد له هذه الروايات، وإن كانت في باب الرغائب والفضائل لما سلف وذكرناه عن حال هذا الراوي، فالتساهل في رواية الفضائل والرغائب لا يعني عند مَنْ يُعتدُّ بقوله رواية الأباطيل والموضوعات، كحال هذا الحديث الذي طفحت ألفاظه بالغرابة والنكارة.
(٢) كتب ناسخ الأصل "محمد بن خلف"، ثم ضرب بالحمرة على "محمد بن" وهو الصواب.
[ ١ / ٣٠٢ ]
الأعرج، عن أبي هريرة، عن رسولِ اللَّه -ﷺ- قال: "إذا كان يومُ عرفة". وذكَر الحديثَ مثلَه سواء.
وحدَّثنا خلفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللَّه بنِ أحمدَ القاضي وعليُّ بنُ محمدِ بنِ إسماعيلَ الطُّوسيُّ بمكة، قالا: حدَّثنا محمدُ بنُ خُرَيْم، قال: حدَّثنا أبو عبدِ الغنيِّ الحسنُ بنُ عليٍّ، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّزاق، قال: أخبَرنا مالكٌ، عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ اللَّه -ﷺ-: "إذا كان يومُ عرفةَ غفَر اللَّهُ للحاجِّ الخالص، وإذا كان ليلةُ المزدلفةِ غفَر اللَّهُ للتُّجار، وإذا كان يومُ منًى غفَر اللَّهُ للجمّالين، وإذا كان عندَ جَمْرةِ العقبةِ غفَر اللَّهُ للسؤّال، ولا يشهَدُ ذلك الموقفَ خلقٌ ممّن قال: لا إلهَ إلّا اللَّهُ إلّا غُفِر له".
قال أبو عُمر: هذا حديثٌ غريبٌ من حديثِ مالك، وليس محفوظًا عنه إلّا من هذا الوجه، وأبو عبدِ الغنيِّ لا أعرِفُه، وأهلُ العلم ما زالوا يسامِحُون أنفسَهم في روايةِ الرَّغائبِ والفضائلِ عن كلِّ أحد، وإنما كانوا يتشَدَّدُون في أحاديثِ الأحكام.
أخبرنا عليُّ بنُ إبراهيم (^١)، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ رَشيق، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الحسنِ بنِ قُتيبة، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو الغزيُّ، قال: حدَّثنا عَطّافُ بنُ خالدٍ المخزوميُّ، عن إسماعيلَ بنِ رافع، عن أنسِ بنِ مالك، قال: كنتُ مع رسولِ اللَّه -ﷺ- في مسجدِ الخيفِ قاعِدًا، فأتاه رجلٌ من الأنصارِ ورجلٌ من ثقيف. فذكَر حديثًا فيه طول، وفيه: "وأمّا وقوفُك عَشيّةَ عرفةَ فإنَّ اللَّهَ يهبِطُ إلى سماءِ الدُّنيا، ثم يُباهي بكم الملائكة فيقول: هؤلاء عبادي؛ جاءوني شُعثًا غُبْرًا (^٢) سُفْعا (^٣)، يرجون
_________________
(١) هو ابن حَمُّوية، أبو الحسن الشِّيرازيّ.
(٢) "غبرًا" لم ترد في الأصل. وأما "شعثا" فكتب ناسخ الأصل في الحاشية أنها في نسخة أخرى: "شُفَعاء" وصحح عليها.
(٣) قوله: "سُفْعًا" السُّفْعة: التغيُّر في اللَّون، قال الخليل: السُّفعة لا تكون في اللون إلا سوادًا مُشْرَبًا حُمرة. ينظر: كشف المشكل من حديث الصحيحين لابن الجوزي ٤/ ١٩١.
[ ١ / ٣٠٣ ]
رَحمتي ومغفِرَتي، فلو كانت ذنوبُكم كعددِ الرَّمل، وكعَددِ القَطْر، وكزَبَدِ البحرِ لغَفَرتُها، أفيضُوا عِبادي مغفورًا لكم، ولمن شَفَعتم له". وذكَر تمامَ الحديث (^١).
وأخبرنا عليُّ بنُ إبراهيمَ بنِ أحمدَ بنِ حَمُّويَة، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ رَشيق، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ محمدُ بنُ خالدٍ البَرْذَعيُّ بمكةَ سنةَ ثلاثِ مئةٍ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ مُوفَّقٍ البغداديُّ، قال: حدَّثنا شَبُّويَة (^٢) المَرْوَزيُّ، قال: حدَّثنا ابنُ المبارك، عن سفيانَ الثوريِّ، عن الزُّبيرِ بنِ عديٍّ، عن أنسِ بنِ مالك، قال: وقَف النبيُّ -ﷺ- بعرفاتٍ وكادتِ الشمسُ أن تؤُوبَ، فقال: "يا بلالُ، أنصِتْ ليَ النّاسَ". فقام بلالٌ فقال: أنصِتُوا لرسُولِ اللَّه -ﷺ-. فنصَتَ الناسُ، فقال: "مَعاشرَ النّاس، أتاني جبريلُ آنِفًا، فأقرأني من ربِّي السَّلام، وقال: إنَّ اللَّهَ غفَر لأهلِ عرفات، وأهلِ المَشْعَر، وضمِنَ عنهم التَّبِعات". فقامَ عمرُ بنُ الخطّابِ فقال: يا رسولَ اللَّه، هذا لنا خاصٌّ؟ فقال: "هذا لكم ولِمَن أتى بعدَكم إلى يوم القيامة". فقال عمرُ ﵁: كثُر خيرُ اللَّه وطابَ (^٣).
_________________
(١) أخرجه مسدَّد بن مسرهد في مسنده كما في المطالب العالية ٦/ ٢٦٢ (١١٣١) ومن طريقه الطبراني في الأحاديث الطوال (٦١) كلاهما عن عطّاف بن خالد المخزوميّ، به. وأخرجه الأزرقيّ في أخبار مكة ٢/ ٥ - ٦، والبزار في مسنده كما في كشف الخفاء ٢/ ٩ (١٠٨٣)، والسَّهميّ في تاريخ جُرجان ص ٤٨٤ (٩٧٢) من طريقين عن عطّاف بن خالد المخزوميّ، به. وإسناده ضعيف؛ لضعف إسماعيل بن رافع: وهو الأنصاريّ المدنيّ.
(٢) في الأصل، ق: "ابن شبوية"، وهو خطأ بين، وينظر التعليق الآتي بعده.
(٣) أخرجه العُقيليُّ في الضعفاء ٢/ ٣٠٣ (بتحقيقنا)، والسَّمعاني في أدب الإملاء والاستملاء ص ٩٧ من طريق محمد بن خالد بن يزيد البَرْدَعيّ، به. وإسناده ضعيف، لأجل شبُّوية المروزي، قال العقيليّ: "حديثه منكر غير محفوظ. . .، وقد روي في هذا المعنى بخلاف هذا اللفظ، حديث العباس بن مرداس السُّلمي وحديث عن ابن عمر، وفي إسناديهما مقال، وفيه عن عائشة وجابر. إسنادان صالحان". وقال الذهبي في المغني في الضعفاء ١/ ٢٩٣ (٢٧٣٤): "شبُّوية عن ابن مبارك، له حديث منكرٌ".
[ ١ / ٣٠٤ ]
ورُوِيَ عن سالم بنِ عبدِ اللَّه بنِ عمر، أنّه رأى سائلًا يَسألُ يومَ عرفة، فقال: يا عاجِزُ، في هذا اليوم تسألُ غيرَ اللَّه (^١)؟!
وذكَر المدائنيُّ، قال: خطَب عمرُ بنُ عبدِ العزيز بعرفة، فقال: إنّكُم قد جئتُم من القريبِ والبعيد، وانضَيتم الظَّهْرَ (^٢)، وأخلَقْتم الثِّيابَ، وليس السابقُ اليومَ مَن سَبقَت دابَّتُه وراحلتُه، وإنّما السابقُ اليومَ مَن غُفِرَ له (^٣).
وروَى سفيانُ، عن داودَ بنِ أبي هند، عن ابنِ سيرين، قال: كانوا يرجُون في ذلك الموقفِ حتى للحملِ في بطنِ أُمِّه (^٤).
_________________
(١) أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء ٢/ ٩٤ من طريق جُويرية بن أسماء، قال: "حدَّثني أشعب -يعني ابن أم حَمِيدة- قال: قال لي سالمٌ بن عبد اللَّه: "لا تسأل أحدًا غيرَ اللَّه". وذكره النووي في الأذكار ص ١٧٤، وابن حجر في نتائج الأفكار ٥/ ٦٣ باللفظ المذكور عند المصنف.
(٢) قوله: "أنْضَيْتُم الظَّهر" أي: أهزلتم ظهْرَكُم، وهي الدوابُّ، ويقال للناقة المهزولة: نِضْوة. (غريب الحديث لأبي عبيد القاسم بن سلّام ٤/ ٤١٥).
(٣) أخرجه أبو عبيد في غريب الحديث ٤/ ٤١٥، ومن طريقه الدَّينوري في المجالسة ٢/ ٢٥ (٢٦٨) عن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن يحيى بن سعيد الأنصاريّ، عن عمر بن عبد العزيز، به.
(٤) أخرجه الفاكهيُّ في أخبار مكّة ٤/ ٣١٦ (٢٧٥١).
[ ١ / ٣٠٥ ]