وهو إبراهيم بنُ عُقْبةَ بن أبي عَيَّاش المَدَنيُّ، مولًى لآل الزُّبير بن العَوَّام، وهم ثلاثةُ إخوة: إبراهيم بنُ عُقْبة، ومحمد بنُ عُقْبة، وموسى بنُ عُقْبة بن أبي عَيَّاش، مَدَنيونَ، موالي الزُّبير بن العَوَّام، وكان يحيى بن مَعِين يقول (^٢): هم موالي أم خالد (^٣) بنت خالد بن سعيد بن العاص، ولم يُتابع يحيى على ذلك، والصواب أنهم موالي آل الزبير؛ كذلك قال مالكٌ وغيرُهُ، وكذلك قال البُخاري (^٤).
سَمِعَ إبراهيم بن عُقبة من أمِّ خالد بنت خالد بن سعيد بن العاصِ، وهي من المُبايعات، وسَمِعَ منها أخوهُ موسى بن عُقبة حديثَها في عَذَاب القَبْرِ، عن النبيِّ -ﷺ- وهو مَشْهور (^٥).
وأما روايةُ إبراهيم عنها، فمن رواية الأصمعي عن ابن أبي الزِّناد (^٦) عن إبراهيم بن عُقبة، قال: سمعتُ أمَّ خالد بنت خالد بن سعيد بن العاصِ تقول:
_________________
(١) تهذيب الكمال ٢/ ١٥٢ والتعليق عليه.
(٢) تاريخ ابن أبي خيثمة، السفر الثالث ١/ ٢٨٢.
(٣) اسمها أمة، وبذلك ترجمها المزي في تهذيب الكمال ٣٥/ ١٢٩.
(٤) تاريخه الكبير ١/ الترجمة ٩٦٨.
(٥) أخرجه البخاري (١٣٧٦) و(٦٣٦٤) وغيره.
(٦) عبد الرحمن بن أبي الزناد عبد اللَّه بن ذكوان.
[ ١ / ٢٥٨ ]
أبي أوَّل من كتبَ بسم اللَّه الرحمن الرحيم (^١)، فحصل إبراهيم بروايتِهِ عن أمِّ خالد من التَّابعين.
وسَمِعَ إبراهيمُ بن عُقبة من سعيد بن المُسَيِّب، وعُروة بن الزُّبير، وعُمر بن عبد العزيز، وعامر بن سَعْد بن أبي وقّاص، وأبي عبد اللَّه القَرَّاظ (^٢)، وكُريب مولَى ابنِ عبّاس.
روى عنه مالك بن أنس، ومَعْمَر، والثَّوريُّ، وحَمَّاد بن زَيْد، ومحمد بن إسحاق، وابنُ عُيَيْنَة، ومحمد بن جعفر بن أبي كَثِير، والدَّرَاوَردِيُّ.
وهو ثقةٌ حجةٌ فيما نَقَل، هو أسَن من موسَى بن عُقبة، ومحمد بن عُقبة أسَن منه. وأكثرهم حديثًا موسى، وكُلُّهم ثقةٌ.
وذكر أبو داود السِّجِسْتانيُّ عن يحيى بن مَعِين في بَنِي عُقْبة قال: موسى أكثرُهم حديثًا ومحمد أكبرُهم، قال: ومحمد وإبراهيم أثبتُ من موسى (^٣).
لمالك عنه في "الموطأ" من حديث النَّبيِّ -ﷺ- حديثٌ واحدٌ مُرسلٌ عند أكثرِ رُواة "الموطأ"، وهو: مالك، عن إبراهيم بن عُقْبَة، عن كُريب مولَى ابنِ عباس، أنَّ رسولَ اللَّه -ﷺ- مرَّ بامرأةٍ وهي في مِحَفَّةٍ لها، فقيلَ لها: هذا رسولُ اللَّه -ﷺ-، فأخَذَت بضَبْعَي صَبِيٍّ كانَ معها، فقالت: ألِهذَا حَجٌّ يا رسولَ اللَّه؟ قال: "نَعَم ولَكِ أجْرٌ" (^٤).
_________________
(١) إسناده ضعيف، لضعف عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن ذكوان، أخرجه الفاكهي في أخبار مكة ٥/ ٢٤٦، وابن عساكر في تاريخ دمشق ١٦/ ٧٦، من طريقين عن الأصمعي به.
(٢) اسمه دينار، وكان يبيع القَرَظ، وهو من رجال التهذيب ٨/ ٥٠٦، لكن المزي لم يذكر روايته عنه، وذكرها الدارقطني في العلل ٨/ ٢٦٤.
(٣) وقال مثل هذا الدوري عن ابن معين (تاريخه ٤٨٠٢)، والمفضل بن غسان الغلابي عن ابن معين (تهذيب الكمال ٢/ ١٥٣).
(٤) الموطأ ١/ ٥٦٣ (١٢٦٨).
[ ١ / ٢٥٩ ]
كُرَيْب مولَى ابنِ عباس هو كُريب (^١) بن أبي مُسْلِمٌ مولى عبد اللَّه بن عباس، سَمِعَ أُسامةَ بنَ زيد، وعبد اللَّه بن عباس. روى عنه جماعةٌ من جِلَّةِ أهلِ المدينة منهم بنو عُقْبة ثلاثتُهُم، وبُكَيْر بن الأَشَج، وهو ثقةٌ حُجةٌ فيما نَقَلَ من أثرٍ في الدِّين.
قال الواقديُّ، عن ابن أبي الزِّنادِ، عن موسى بن عُقبةَ: مات كُريبٌ بالمدينةِ سنةَ ثمانٍ وتسعينَ في آخِرِ خِلافةِ سُليمانَ بنِ عبدِ الملكِ (^٢).
قال أبو عُمر: المِحَفَّةُ شَبيهةٌ بالهَوْدَجِ. وقيل: المِحَفَّةُ لا غِطاءَ عليها. وأمَّا الضَّبع فباطِنُ السَّاعِدِ.
وهذا الحديثُ مرسلٌ عندَ أكثرِ الرُّواة "للموطأ" (^٣)، وقد أسنَده عن مالك: ابنُ وَهْبِ، والشافعيُّ، ومحمدُ بنُ خالدِ بنِ عَثْمةَ، وأبو المُصعبِ، وعبدُ اللَّه بنُ يوسُف (^٤)، قالُوا فيه: عن مالكٍ، عن إبراهيمَ بن عُقبةَ، عن كُريبٍ مولَى ابن عباس، عن ابنِ عباسٍ، أنَّ رسول -ﷺ-. . . الحديثَ.
قال أبو عمر (^٥): ورأيتُ في بعضِ نُسخ "موطأ مالكٍ" روايةَ ابنِ وَهْبٍ عنه هذا الحديثَ مُرْسلًا، من روايةِ يونُسَ بن عبدِ الأعلَى، عن ابنِ وَهْب، ولا أثقُ بما رأيتُه من ذلك؛ لأنَّ أبا جعفرٍ الطَّحَاويَّ ذكَر هذا الحديثَ في كِتابِه،
_________________
(١) تهذيب الكمال ٢٤/ ١٧٢.
(٢) طبقات ابن سعد ٧/ ٢٨٩.
(٣) منهم: سويد بن سعيد (٦٠١)، وعبد اللَّه بن مسلمة القعنبي عند الطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (٢٥٥٧)، ويحيى بن بكير، ومعن بن عيسى القزاز، ويحيى بن يحيى النيسابوري، وأبو حذافة أحمد بن إسماعيل السَّهمي، وإسحاق بن عيسى ابن الطباع، كما جاء في بعض النسخ.
(٤) هو التنيسي، وقد ذكر في بعض النسخ أنه ممن رواه مرسلًا ولا يصح. وسيأتي تفصيل هذه الروايات بعد قليل.
(٥) قوله: "قال أبو عمر" من ق، ف ١.
[ ١ / ٢٦٠ ]
كتابِ "تهذيبِ الآثار" عن يونُسَ، عن ابن وَهْب، عن مالكٍ، عن إبراهيمَ بنِ عُقبةَ، عن كُريبٍ، عن ابنِ عباسٍ مُسندًا (^١)، وكذلك روَاه سُحْنُونٌ، والحارثُ بنُ مِسْكينٍ، وأبو الطاهرِ أحمدُ بنُ عَمْرِو بنِ السَّرْحِ، وسُليمانُ بنُ داودَ؛ كلُّهم عن ابن وَهْبٍ، عن مالكٍ، عن إبراهيمَ بنِ عُقبةَ، عن كُريبٍ، عن ابنِ عباسٍ مُسندًا. (وكذلك ذكَرهُ الدَّارَقطنيُّ من روايةِ أبي الطَّاهِرِ، وسُليمانَ بنِ داودَ، والحارثِ بنِ مِسْكينٍ، عن ابنِ وَهْبٍ مُسْنَدًا) (^٢). وهو الصَّحيحُ مِن روايةِ ابنِ وَهْبٍ، والشافعيِّ، ومحمدِ بنِ خالدِ بن عَثْمةَ، وأبي مُصعبٍ.
أخبَرنا عبدُ الرَّحمنِ بنُ يحيى، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ عبدِ اللَّه بنِ الخَضِرِ الأسيوطيُّ ﵀ (^٣). وحدَّثنا عليُّ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا الحَسَنُ بنُ رَشيقٍ؛ قالا: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيبٍ (^٤)، قال: أخبرَنا هلالُ بنُ بِشْرٍ، قال: أخبرَنا محمدُ بنُ خالدِ بنِ عَثْمةَ، قال: أخبرَنا مالكٌ، عن إبراهيمَ بنِ عُقْبة، عن كُريبٍ، عن ابنِ عباسٍ، أنَّ رسولَ اللَّه -ﷺ- مَرَّ بامرأةٍ وهي في مِحَفَّتِها، فقيلَ لها: هذا رسولُ اللَّه -ﷺ-، فأخَذَت بِعَضُدِ صَبِيٍّ معها، فقالت: ألِهذا حجٌّ يا رسولَ اللَّه؟ فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "نعم، ولكِ أجْرٌ" (^٥).
أخبرَنا عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ يوسُفَ، قال: أخبرَنا عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ عليٍّ ومحمدُ بنُ محمدِ بنِ أبي دُلَيْم ومحمدُ بنُ يحيى بنِ عبدِ العزيزِ، قالوا: حدَّثنا
_________________
(١) شرح مشكل الآثار (٢٥٥٦)، وشرح معاني الآثار ٢/ ١٥٦.
(٢) ما بين الحاصرتين ليس في الأصل، ق، وهي زيادة مفيدة من ف ١، ولعل نظر ناسخ الأصل قفز من قوله: "مسندًا" إلى قوله: "مسندًا".
(٣) قوله: "الأسيوطي، ﵀" من ق، ف ١.
(٤) هو النسائي.
(٥) لم نقف عليه في "المجتبى" ولا في "الكبرى"، وإسناده صحيح، وتنظر طرقه عند النسائي في تحفة الأشراف ٤/ ٦٦٠ حديث (٦٣٣٦).
[ ١ / ٢٦١ ]
أحمدُ بنُ خالدٍ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ عُمرَ، قال: أخبَرنا الحارثُ بنُ مِسْكينٍ (^١)، وسُحْنُونُ بنُ سعيدٍ، وأحمدُ بنُ عمرِو بنِ السَّرْحِ، قالوا: حدَّثنا ابنُ وَهْبٍ، عن مالكٍ، عن إبراهيمَ بنِ عُقبةَ، عن كُريبٍ مولَى ابنِ عباسٍ، عن ابنِ عباسٍ، أنَّ رسولَ اللَّه -ﷺ- مرَّ بامرأةٍ وهي في خِدرِها أو مِحَفَّتِها ومعها صبيٌّ لها، فقالت: يا رسولَ اللَّه، ألِهذا حَجٌّ؟ قال: "نعم، ولكِ أجرٌ" (^٢).
وأخبَرنا أبو القاسم عبدُ الرَّحمنِ بنُ عبدِ اللَّه بنِ خالدٍ، قال: حدَّثنا تَمِيمُ ابنُ محمدِ بنِ تَمِيم أبو العباسِ، قال: حدَّثنا عيسى بنُ مِسْكينٍ. وأخبَرنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وَضّاحٍ؛ قالا جميعًا: أخبرَنا سُحْنُونُ بنُ سعيدٍ، قال: أخبَرنا عبدُ اللَّه بنُ وَهْبٍ، أنَّ مالكًا حدَّثه عن إبراهيمَ بنِ عُقْبةَ، عن كُريبٍ مولَى ابنِ عباسٍ، عن ابنِ عباسٍ، أنَّ رسولَ اللَّه -ﷺ- مَرَّ بامرأةٍ وهي في خِدْرِها معها صبِيٌّ، فقالت: يا رسولَ اللَّه، ألِهذا حَجٌّ؟ فقال: "نعم، ولَكِ أجرٌ" (^٣).
قال أبو عمر (^٤): وكُلُّ ما في كتابِنا من "موطأ ابنِ وَهْبٍ"، فهو بهذين الإسنادين عن سُحْنُونٍ، وما كان من غيرِها ذكَرناه بإسنادِه إن شاءَ اللَّهُ.
وأخبرَنا خلفُ بنُ قاسم وعليُّ بنُ إبراهيمَ، قالا: حدَّثنا الحَسَنُ بنُ رَشيقٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شعيبٍ النَّسائيُّ، قال (^٥): أخبَرنا سُليمانُ بنُ داودَ، عن ابنِ وَهْبٍ، قال: أخبَرَني مالكٌ، عن إبراهيمَ بنِ عُقْبة، عن كُريبٍ، عن ابنِ
_________________
(١) أخرجه النسائي في المجتبى ٥/ ١٢١، وفي الكبرى (٣٦١٥).
(٢) إسناده صحيح.
(٣) إسناده صحيح.
(٤) قوله: "قال أبو عمر" لم يرد في الأصل، وهو ثابت في بقية النسخ.
(٥) المجتبى ٥/ ١٢١، والكبرى (٣٦١٥)، وإسناده صحيح.
[ ١ / ٢٦٢ ]
عباسٍ (^١)، أنَّ رسولَ اللَّه -ﷺ- مرَّ بامرأةٍ وهي في خِدْرِها، معها صبيٌّ، فقالت: ألِهذا حَجٌّ؟ قال: "نعم، ولَكِ أجرٌ".
وروايةُ الشافعيِّ ذكَرها بَقِيُّ بنُ مَخْلَدٍ، عن حَرْمَلةَ بنِ يحيى، عن الشافعيِّ، أنه أخبَره عن مالكٍ، عن إبراهيمَ بنِ عُقبةَ، عن كُريبٍ مولَى ابنِ عباسٍ، عن ابنِ عباسٍ، أنَّ رسولَ اللَّه -ﷺ- مرَّ بامرأةٍ في مِحَفَّتِها، فقيل لها: هذا رسولُ اللَّه -ﷺ-، فأخَذت بعَضُدِ صبيٍّ كان معها، فقالت: ألِهذا حَجٌّ؟ قال: "نعم، ولَكِ أجْرٌ" (^٢).
وأخبَرنا محمدٌ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عُمر الدَّارَقطنيُّ الحافظُ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ زيادٍ النَّيسابوريُّ، قال: حدَّثنا الربيعُ بنُ سُليمانَ (^٣). وحدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ اللَّه بنِ محمدٍ قراءةً مِنِّي عليه، أنَّ الميمونَ بنَ حمزةَ الحُسَينيَّ (^٤) حدَّثهم بمصرَ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ أحمدُ بنُ محمدِ بنِ سلامةَ بنِ سلَمةَ (^٥) الأزْديُّ الطَّحَاوِيُّ، قال: أخبَرنا أبو إبراهيمَ إسماعيلُ بنُ يحيى المُزَنيُّ؛ قالا: أخبَرنا أبو عبدِ اللَّه محمدُ بنُ إدريسَ الشافعيُّ، قال: أخبَرنا مالكُ بنُ أَنَسٍ، عن إبراهيمَ بنِ عُقبةَ، عن كُرَيبٍ مَولَى ابنِ عباسٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ، أنَّ رسولَ اللَّه -ﷺ-
_________________
(١) قوله: "عن ابن عباس" سقط من ق.
(٢) إسناده صحيح، وهو في مسند الشافعي ٢/ ١١١، ١٧٧، ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى ٥/ ١٥٥.
(٣) بعد هذا في م: "حدَّثنا الشافعي، قال: أنبأنا مالك، عن إبراهيم بن عقبة، عن كريب مولى ابن عباس، عن ابن عباس، أنَّ رسول اللَّه -ﷺ- مرَّ بامرأة في محفتها، فقيل لها: هذا رسول اللَّه، فأخذت بعضد صبي كان معها، فقالت: ألهذا حج؟ قال: "نعم، ولك أجر". وليس هو في الأصل، ولا في ق، وهو مقحم لا معنى له، وذلك أنَّ المؤلف جمع روايتي الربيع والمزني عن الشافعي كما سيأتي.
(٤) ترجمة الذهبي في وفيات سنة ٣٩٢ من تاريخ الإسلام، وذكر روايته عن الطحاوي (٨/ ٧٢٠).
(٥) في الأصل: "سلمة بن سلامة"، وهو مقدم ومؤخر، وفي ق: "أحمد بن محمد بن سلمة"، نسبه إلى جده. وينظر تاريخ الإسلام ٧/ ٤٣٩.
[ ١ / ٢٦٣ ]
مرَّ بامرأةٍ في محَفَّتِها، فقيل لها: هذا رسولُ اللَّه -ﷺ-، فأخذت بعَضُدِ صَبِيٍّ كان معها، فقالت: ألِهذا حجٌّ يا رسولَ اللَّه؟ قال: "نعم ولَكِ أجرٌ" (^١).
وأمَّا روايةُ أبي مُصعبٍ، فأخبَرنا بها أبو زيدٍ عبدُ الرَّحمنِ بنُ محمدِ بنِ يحيى قِراءةً منِّي عليه، قال: حدَّثنا الحَسَنُ بنُ عبدِ اللَّه بنِ الخَضِرِ الأسيوطيُّ، قال: حدَّثنا أبو الطاهرِ المدنيُّ القاسمُ بنُ عبدِ اللَّه بنِ مهديٍّ. وحدَّثنا خلفُ بنُ قاسم وعليُّ بنُ إبراهيمَ، قالا: حدَّثنا الحسنُ بنُ رَشيقٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ رُزَيْق (^٢) بن جامِعٍ؛ قالا جميعًا: حدَّثنا أبو مُصعبٍ، عن مالكٍ، عن إبراهيمَ بنِ عُقبةَ، عن كُريبٍ مولَى ابن عباسٍ، عن ابنِ عباسٍ، أَنَّ رسولَ اللَّه -ﷺ- مرَّ بامرأةٍ. فذكَر مثلَ حديثِ يحيَى (^٣). وما كان في كتابِنا من روايةِ أبي مصعَبٍ، فهو من هذين الطَّرِيقَين.
واختُلِف على ابنِ القاسم في هذا الحديثِ؛ فروَاه عنه سُحْنُونٌ مُرسلًا، كروايةِ يحيى وسائرِ الرواةِ، وروَاه عنه يوسفُ بنُ عَمْرٍو والحارثُ بنُ مِسْكينٍ مُتَّصِلًا مُسنَدًا، كرِوايةِ ابنِ وَهْبٍ وأبي مُصعبٍ ومَن تابَعهما (^٤).
_________________
(١) ينظر مسند الشافعي ٢/ ١١١، ١٧٧. وقد اختلفت الرواية عن الشافعي عن مالك في هذا الحديث، كما نبه على ذلك البيهقي في "بيان خطأ من أخطأ على الشافعي" ص ١١١ (٧٨)، فساقه من رواية الربيع بن سليمان عن الشافعي موصولًا ومرسلًا، وذكر رواية الحسن بن محمد الزعفراني عن الشافعي في القديم مرسلًا، لكن الرواية الموصولة قوية، وهي التي ساقها المؤلف، وهي الراجحة.
(٢) أوله راء ثم زاي، قيده الأمير في الإكمال ٤/ ٥٣، وابن ناصر الدين في توضيح المشتبه ٤/ ١٧٦، وينظر تاريخ الإسلام ٦/ ١٠٢٧.
(٣) الموطأ برواية أبي مصعب (١٢٥٦)، ومن طريقه ابن حبان (٣٧٩٧)، والجوهري في مسند الموطأ (٢٦٩)، وأبو أحمد الحاكم في عوالي مالك (١٨٠)، والبغوي في شرح السنة (١٨٥٣).
(٤) مما تقدم يظهر قصور قول الإمام الطحاوي في شرح مشكل الآثار: "وهذا الحديث من رواية مالك لا يرفعه أحد من رواته عنه إلَّا ابن وهب وابن عثمة، فإنهما يرفعانه عنه إلى ابن عباس" (٦/ ٣٩٢).
[ ١ / ٢٦٤ ]
وقد رَوَى هذا الحديثَ عن إبراهيمَ بنِ عُقْبَةَ جماعةٌ من الأئمَّةِ الحُفَّاظِ، فأكثرُهم روَاه مُسنَدًا، وممَّن روَاه مُسندًا: مَعْمَرٌ، ومحمدُ بنُ إسحاقَ (^١)، وسُفيانُ بنُ عُيينةَ، وموسى بنُ عُقْبةَ (^٢).
واختُلِفَ فيه على الثَّوريِّ، كما اختُلِفَ على مالكٍ، وكان عندَ الثوريِّ عن إبراهيمَ ومحمدٍ ابْنَي عُقبةَ جميعًا، عن كُريبٍ.
فروَاهُ أبو نُعيم الفضلُ بنُ دُكَيْنٍ، عن الثَّوريِّ، عن إبراهيمَ بنِ عُقبةَ، عن كُريبٍ، عن ابن عباس، عن النبيِّ -ﷺ- مُسنَدًا.
ورَواهُ وَكِيعٌ عن الثَّوريِّ، عن محمدٍ وإبراهيمَ ابنَيْ عُقبةَ، عن كُرَيبٍ مُرْسَلًا (^٣).
ورَواهُ يحيى القطَّانُ، عن الثَّوريِّ، عن إبراهيمَ بنِ عُقبةَ، عن كُريبٍ مُرْسَلًا (^٤). وعن الثَّوريِّ، عن محمدِ بنِ عُقبةَ، عن كُريبٍ، عن ابنِ عباسٍ مُسْنَدًا (^٥)؛ فقطَع يحيَى القَطَّانُ عن الثَّوريِّ حديثَ إبراهيمَ، ووصَل حديثَ محمدٍ.
_________________
(١) رواية محمد بن إسحاق أخرجها البخاري في تاريخه الكبير ١/ ١٩٩ من طريق يعلى بن عُبيد الطنافسي، عن محمد بن إسحاق، به.
(٢) وممن رواه مسندًا أيضًا عن إبراهيم بن عقبة غير مَن ذكرهم المصنّف يرحمه اللَّه:
(٣) عبد العزيز بن عبد اللَّه بن أبي سلمة الماجشون عند أحمد ٤/ ٧١ (٢١٨٧) وغيره.
(٤) أخوه محمد بن عقبة، عند أحمد أيضًا ٤/ ٣٧٢ (٣٦١٠).
(٥) ابنه إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة عند الطبراني في الكبير (١٢١٧٧) والبيهقي في الكبرى ٥/ ١٥٥.
(٦) عبد اللَّه بن المبارك عند ابن أبي الدنيا في العيال (٦٤٢) وغيره.
(٧) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (١٥١٠٢).
(٨) أخرجه أحمد في المسند ٥/ ٢٧٢ (٣١٩٥)، ومسلم (١٣٣٦) (٤١١).
(٩) أخرجه أحمد في المسند ٥/ ٢٧٢ (٣١٩٦)، ومسلم (١٣٣٦) (٤١١). وأخرجه مسلم (١٣٣٦) (٤١٠) من طريق سفيان الثوري، به.
[ ١ / ٢٦٥ ]
ورَواه محمدُ بنُ كثير، عن الثَّوريِّ، عن محمدِ بنِ عُقبةَ، عن كُريبٍ، عن ابن عباس مُتَّصِلًا (^١).
ومَنْ وصَلَ هذا الحديثَ وأسنَده، فقولُه أولَى، والحديثُ صحيحٌ مسنَدٌ ثابتُ الاتِّصالِ، لا يضُرُّه تقصيرُ مَن قَصَّرَ به؛ لأنَّ الذين أسنَدُوه حُفَّاظٌ ثقاتٌ.
فأمَّا حديثُ ابنِ عُيينةَ عن إبراهيمَ بنِ عُقبَةَ، فحدَّثنا (^٢) به أبو عُثمانَ سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ بنِ يوسفَ التِّرْمذيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ الزُّبيرِ الحُميديُّ، قال (^٣): حدَّثنا سفيانُ بنُ عيينةَ، قال: حدَّثني إبراهيمُ بنُ عُقبةَ أخُو موسَى بنِ عُقبةَ، قال: سمِعتُ كُريبًا يُحَدِّثُ أنَّهُ سَمِعَ ابنَ عباسٍ يقولُ: قفَلَ رسولُ اللَّه -ﷺ-، فلمَّا كان بالرَّوحَاءِ لَقِيَ رَكْبًا فسلَّم عليهم، فَرَدُّوا عليه، فقال: "مَن القومُ؟ "، قالوا: المسلمون، فمَن القومُ؟ فقالوا: رسولُ اللَّه -ﷺ-. ففَزِعت إليه امرأةٌ، فرفَعت إليه صبيًّا لها مِن مِحَفَّةٍ، فقالت: يا رسولَ اللَّه، ألِهذا حَجٌّ؟ قال النبيُّ -ﷺ-: "نعم، ولَكِ أجرٌ".
قال سفيانُ: وكان ابنُ المُنكدِرِ حدَّثناه أوَّلًا مُرسلًا، فقالوا لي: إنَّما سمِعه من إبراهيمَ. فأتيتُ إبراهيمَ فسألتُه، فحدَّثني به، وقال: حدَّثتُ به ابنَ المنكدِر، فحَجَّ بأهلِه كلِّهم.
قال سُفيانُ (^٤): وأخبَرني المُنْكَدِرُ بنُ محمدِ بنِ المُنْكَدِرِ، عن أبيه، أنه قيلَ له: أَتَحُجُّ بالصِّبيانِ؟ فقال: نعم، أعرِضُهم على اللَّه.
_________________
(١) سيأتي الكلام على هذه الروايات في مواضعها بعد قليل.
(٢) "به" من ف ١.
(٣) مسند الحميدي (٥٠٤)، ومن طريقه أبو نعيم في المستخرج (٣١٠٦).
(٤) الحميدي (٥٠٦).
[ ١ / ٢٦٦ ]
قال الحُميديُّ (^١): وحدَّثنا سفيانُ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ سُوقةَ، قال: قيلَ لابنِ المُنْكدِرِ: الحُجُّ وعليك دَينٌ؟ قال: الحَجُّ أقضَى للدَّينِ.
وأخبَرنا عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ التَّمارُ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (^٢): حدَّثنا أحمدُ بنُ حنبلٍ، قال (^٣): حدَّثنا سفيانُ بنُ عيينةَ، عن إبراهيمَ بنِ عُقبةَ، عن كُريبٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كان رسولُ اللَّه -ﷺ- بالرَّوحاءِ. وذكَر الحديثَ. قال: ففَزِعت امرأةٌ، فأخَذَت بعَضدِ صَبِيٍّ فأخرَجَته من مِحَفَّتِها، فقالت: يا رسولَ اللَّه، هل لهذا حَجٌّ؟ قال: " نعم، ولَكِ أجرٌ" (^٤).
وأمَّا حديثُ مَعْمَرٍ، فحدَّثْناه خلفُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ خالدٍ، قال: حدَّثنا عُبيدُ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ عَبَّادٍ، قال: قرأتُ على عبدِ الرَّزاقِ (^٥)، عن معمرٍ، عن إبراهيمَ بنِ عُقبةَ، عن كُريبٍ مولَى ابنِ عباسٍ، عن ابن عباسٍ، قال: لَقِيَ النبيَّ -ﷺ- ناسٌ مِن الأعرابِ، فقالوا: مَن أنتم؟ فقال أصحابُ النبيِّ -ﷺ-: نحن عبادُ اللَّه المُسلمون. قال: فسألوا عنهم، فقيل لهم: إنَّ النبيَّ ﵇ معهم، فعَلِقُوه يُسائلونَهُ، فأخرَجت امرأةٌ صبيًّا، فقالت: أيْ رسولَ اللَّه، ألِهذا حَجٌّ؟ قال: "نعم، ولَكِ أجرٌ".
_________________
(١) الحميدي (٥٠٥).
(٢) أبو داود (١٧٣٦)، وإسناده صحيح.
(٣) مسند أحمد ٣/ ٣٨٤ (١٨٩٨).
(٤) وأخرجه الشافعي ١/ ٢٨٢، والطيالسي (٢٧٠٧)، وابن أبي شيبة (١٥١٠٨)، ومسلم (١٣٣٦) (٤٠٩)، والنسائي في المجتبى ٥/ ٢١، وابن الجارود (٤١١)، وأبو يعلى (٢٤٠٠)، وابن خزيمة (٣٠٤٩)، والطحاوي في شرح المعاني ٢/ ٢٥٦، وابن حبان (١٤٤)، والبيهقي في الكبرى ٥/ ١٥٥، والبغوي (١٨٥٢) من طريق سفيان بن عيينة.
(٥) لم نقف عليه في مصنّفه.
[ ١ / ٢٦٧ ]
ورواه محمدُ بنُ يوسفَ الحُذاقِيُّ (^١)، عن عبدِ الرَّزاقِ، عن معمرٍ، عن إبراهيمَ، عن كُريبٍ مرسلًا. وإبراهيمُ بنُ عبَّادٍ أثبَتُ (^٢).
وأمَّا حديثُ موسى بنِ عُقبةَ، فأخبَرني عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ يحيى، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ أحمدَ البغداديُّ، قال: حدَّثنا الخَضِرُ بنُ داودَ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ الأثرمُ، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ بَهْرَامَ، قال: حدَّثنا حاتِمُ بنُ إسماعيلَ، عن موسى بنِ عُقبةَ، عن إبراهيمَ بنِ عُقبةَ، عن كُريبٍ، عن ابنِ عباسٍ، أنَّ رسولَ اللَّه -ﷺ- مَرَّ بامرأةٍ معها صبيٌّ لها صغيرٌ، فرفَعته لرسولِ اللَّه -ﷺ- بيدِها، فقالت: هل لهذا حَجٌّ؟ قال: "نعم، ولَكِ أجرٌ".
قال أبو بكرٍ أحمدُ بنُ محمدِ بنِ هانئ الطائيُّ الأثرمُ الورَّاقُ: قلتُ لأبي عبدِ اللَّه -يعني أحمدَ بنَ حنبلٍ ﵀-: الذي يَصِحُّ في هذا الحديثِ: كُرَيْبٌ مُرسَلٌ، أو عن ابنِ عباسٍ؟ فقال: هو عن ابنِ عباسٍ صحيحٌ. قيلَ لأبي عبدِ اللَّه: إنَّ الثوريَّ ومالِكًا يرسِلانِه؟ فقال: مَعْمَرٌ وابنُ عُيينةَ وغيرُهما قد أسنَدُوه (^٣).
وأَمَّا روايةُ مَن وصَل حديثَ إبراهيمَ بنِ عُقبةَ هذا عن الثَّوريِّ من أصحابه، فأخبَرنا أحمدُ بنُ عبدِ اللَّه، وخلفُ بنُ سعيدٍ، وعبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ يُوسفَ، قالوا: أخبَرنا عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ عليٍّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ خالدٍ، قال: حدَّثنا
_________________
(١) ينظر مؤتلف الدارقطني ٢/ ٨٢٣ وإكمال ابن ماكولا ٢/ ٤٠٨، وتوضيح ابن ناصر الدين ٣/ ١٤٠ - ١٣٩.
(٢) وقد رواه الإمام أحمد عن عبد الرزاق مرسلًا أيضًا (٣/ ٣٨٥) ولم يذكر متنه لكنه قال: إنه بمعنى حديث سفيان المتقدم.
(٣) على أنَّ الأمامين البخاري ويحيى بن معين قد مالا إلى ترجيح إرساله، فقال البخاري: "أخشى أن يكون هذا الحديث مرسلًا في الأصل" (تاريخه الكبير ١/ ١٩٩)، وقال ابن معين: "إنما يرويه الناس مرسلًا عن كريب (الدوري ٢/ ١٤١، وتاريخ ابن أبي خيثمة، السفر الثالث ١/ ٢٨٠ و٢/ ٣١٤، وتنظر موسوعة أقوال يحيى بن معين ١/ ١٥٩).
[ ١ / ٢٦٨ ]
عليُّ بنُ عبدِ العزيزِ، قال: حدَّثنا أبو نُعيم الفَضلُ بنُ دُكينِ، قال: حدَّثنا سُفيانُ الثوريُّ، عن إبراهيمَ بنِ عُقْبةَ، عن كُريبٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: رَفَعَتِ امرأةٌ إلى النبيِّ -ﷺ- صبيًّا، فقالت: ألِهذا حَجٌّ يا رسولَ اللَّه؟ قال: "نعم، ولَكِ أجرٌ" (^١).
وأمَّا رِوايةُ مَن وصَل عن الثَّوريِّ حدِيثَه في ذلكَ عن محمدِ بنِ عُقْبةَ، فحدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ كثيرٍ، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ سعيدٍ، عن محمدِ بنِ عُقبةَ، عن كُريبٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: رفَعَتِ امرأةٌ صبيًّا لها في مِحَفّةٍ إلى النبيِّ -ﷺ-، فقالت: يا رسولَ اللَّه، ألِهذا حَجٌّ؟ قال: "نعم، ولَكِ أجْرٌ" (^٢).
أخبَرنا (^٣) عبدُ الوارِثِ بنُ سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ السلام الخُشَنيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بشَّارٍ، قال: حدَّثنا يحيى
_________________
(١) أخرجه أحمد ٥/ ٢٧٥ (٣٢٠٢) عن أبي نعيم وقرنه بأبي أحمد محمد بن عبد اللَّه بن الزبير الزبيري. وأخرجه النسائي في المجتبى ٥/ ١٢٠، والطحاوي في شرح مُشكل الآثار (٢٥٥٨)، والطبراني في الكبير (١٢١٧٦)، والبيهقي في الكبرى ٥/ ١٥٥ من طريق أبي نعيم.
(٢) حديث محمد بن كثير عن سفيان أخرجه الطبراني في الكبير (١٢١٨٣) والبيهقي في الكبرى ٥/ ١٥٦. وأخرجه أحمد ٥/ ٢٧٢ (٣١٩٦) عن عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان الثوري، ومسلم (١٣٣٦) (٤١١) عن محمد بن المثنى عن عبد الرحمن أيضًا. وأخرجه النسائي في المجتبى ٥/ ١٢٥، وفي الكبرى (٣٦١٢) عن محمود بن غيلان عن بشر بن السري، عن سفيان. وأخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار من طريق قبيصة بن عُقبة عن سفيان (٢٥٦١). وأخرجه مسلم (١٣٣٦) (٤١٠) من طريق حماد بن أسامة عن سفيان، وأخرجه البخاري في تاريخه (١/ ١٩٨) معلقًا من طريق عبد اللَّه بن الوليد العدني عن سفيان فتحصل مما مر سبعة من أصحاب سفيان رووه عنه مرفوعًا عن محمد بن عقبة، وهم: عبد الرحمن بن مهدي، ويحى بن سعيد القطان، ومحمد بن كثير، وبشر بن السري، وقبيصة بن عقبة، وحماد بن أسامة، وعبد اللَّه بن الوليد العدني.
(٣) هذه الفقرة لم ترد في الأصل، وهي ثابتة في ق، ف ١.
[ ١ / ٢٦٩ ]
القَطَّانُ، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن محمدِ بنِ عُقبةَ، عن كُريبٍ، عن ابنِ عباسٍ، أنَّ امرأةً رفَعت صبيًّا. . . فذكَر الحديثَ (^١).
وقد رُوِيَ هذا الحديثُ عن محمدِ بنِ المُنْكَدِرِ، عن جابرٍ، عن النبيِّ -ﷺ- (^٢). وعن عبدِ الكريمِ، عن طَاوُسٍ، عن ابنِ عباسٍ، عن النبيِّ -ﷺ- (^٣).
في هذا الحديثِ من الفِقْهِ أُمورٌ:
منها: الحَجُّ بالصِّبيانِ الصِّغارِ، وقد اختلَف العلماءُ في ذلك، فأجازَه مالكٌ، والشَّافعيُّ، وسائرُ فقهاءِ الحجازِ من أصحابِهما وغيرِهم، وأجازَه الثوريُّ، وأبو حنيفةَ، وسائرُ فقهاءِ الكُوفيِّين، وأجازَه الأوزاعِيُّ، والليثُ بنُ سعدٍ، فيمن سلَك سبيلَهما من أهلِ الشَّام ومصرَ. وكلُّ مَن ذكَرناه يَستَحِبُّ الحجَّ بالصِّبيانِ، ويأمُرُ به ويَستَحسِنُه، وعلى ذلك جمهورُ العلماءِ من كلِّ قَرْنٍ.
وقالت طائفةٌ: لا يُحَجُّ بالصبيانِ. وهو قولٌ لا يُشْتَغَلُ به ولا يُعرَّجُ عليه؛ لأنَّ النبيَّ -ﷺ- حَجَّ بأُغَيلِمَةِ بَني عبدِ المطَّلِبِ، وحَجَّ السَّلفُ بصبيانِهم. وقال
_________________
(١) أخرجه النسائي في المجتبى ٥/ ١٢٠، وفي الكبرى (٣٦١١). والطحاوي في شرح مشكل الآثار (٢٥٦٢)، والطبراني في الكبير (١٢١٨٣) من طريق يحيى بن سعيد القطان.
(٢) هذا حديث خطأ، أخطأ فيه محمد بن المنكدر فرواه عن جابر بن عبد اللَّه عن النبي -ﷺ-، والصحيح فيه عن كريب عن ابن عباس. وقد قال سفيان بن عيينة: قال إبراهيم بن عقبة: أنا حدثت محمد بن المنكدر عن كريب عن ابن عباس هذا الحديث، كما بيّنه أبو حاتم الرازي في العلل (٨٧٨)، ولذلك استغربه الترمذي حينما أخرجه من طريقين عن محمد بن المنكدر عن جابر (٩٢٤) و(٩٢٥)، وأخرجه ابن ماجة (٢٩١٠)، والبيهقي في الكبرى ٥/ ١٥٦، والمزي في تهذيب الكمال ٢٣/ ٥٩٦ - ٥٩٧.
(٣) عبد الكريم هذا هو ابن أبي المخارق، كما صَرّح به الطبراني في الكبير (١١٠١٦)، وهو من رواية إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع الأنصاري المدني عن عبد الكريم، وكلاهما ضعيف، أخرجه عبد بن حميد (٦١٩) والطبراني في الكبير (١١٠١٦).
[ ١ / ٢٧٠ ]
-ﷺ- في الصَّبيِّ: له حَجٌّ، وللذي يُحِجُّه أجرٌ. يعني بمعونَتِه له، وقيامِه في ذلك به، فسقَط كلُّ ما خالَف هذا من القولِ، وباللَّه التوفيق.
ورَوَيْنا عن أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ أنَّه طافَ بعبدِ اللَّه بنِ الزُّبَيرِ في خِرْقَةٍ (^١).
وذكَر عبدُ الرَّزَّاقِ، عن الثَّوريِّ، عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ القاسِمِ، عن أبيه، قال: كانُوا يُحِبُّونَ إذا حَجَّ الصَّبيُّ أن يُجرِّدوه، وأن يُجَنِّبوه الطِّيْبَ إذا أحرَم، وأن يُلَبَّى عنه إذا كانَ لا يُحسِنُ التَّلبِيَةَ (^٢).
قال: وأخبَرنا معمرٌ، عن الزُّهريِّ، قال: يُحَجُّ بالصغيرِ، ويُرمَى عنه، ويُجنَّبُ ما يُجنَّبُ الكبيرُ من الطِّيبِ، ولا يُخمَّرُ رأسُه، ويُهدَى عنه إن تَمتَّعَ (^٣).
وقال مالكٌ ﵀ (^٤): يُحَجُّ بالصَّبيِّ الصغير، ويُجرَّدُ للإحرام، ويُمنَعُ
_________________
(١) الضبط من الأصل، والأثر أخرجه ابن سعد في طبقاته الكبرى ٦/ ٤٧٤ (ط. الخانجي)، وابن أبي شيبة (٣٥٠١٧)، كلاهما عن عبيد اللَّه بن موسى بن باذام العبسي الكوفي، عن إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق، عن جده أبي إسحاق السبيعي، عن رجل حدثه أنَّ أبا بكر، فذكره. وأخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٥٧٢) والأوائل (١٢٢)، وابن أبي الدنيا في العيال (٦٤٥). وأخرجه عبد الرزاق في المصنّف (٩٥٢٦) عن الثوري عن أبي إسحاق أن أبا بكر (لم يستطع شيخنا حبيب الرحمن قراءة: أبي إسحاق، فكتبها: لكر بحق). وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (١٥١١٢) عن وكيع، عن علي بن صالح، عن أبي إسحاق، أن أبا بكر. وإسناد هذا الحديث ضعيف لجهالة شيخ أبي إسحاق عمرو بن عبد اللَّه السبيعي، ومتنه منكر، فإن ابن الزبير ولد بالمدينة بعد الهجرة، قال ابن سعد بعد أن رواه: "فذكرتُ هذا الحديث لمحمد بن عمر، فقال: هذا غلط بَيِّن، عبد اللَّه بن الزبير أول مولود ولد بالمدينة بعد الهجرة لا اختلاف بين المسلمين في ذلك، ومكة يومئذٍ دار حرب لم يدخلها رسول اللَّه -ﷺ- ولا أحد من المسلمين إلى عُمرة القضية سنة سبع، فكيف طاف به في خرقة؟ ومتى وصل إلى مكة؟ وهل فارق رسول اللَّه -ﷺ- منذ أن هاجر معه إلى أن قبض رسول اللَّه -ﷺ-؟ (الطبقات الكبرى ٦/ ٤٧٤).
(٢) لم نقف عليه في المصنف.
(٣) كذلك.
(٤) المدوّنة ١/ ٣٩٨، والتهذيب في اختصار المدوّنة للقيروانيّ ١/ ٥١٧ (٧٥٢).
[ ١ / ٢٧١ ]
من الطِّيبِ ومن كلِّ ما يُمنَعُ منه الكبير، فإن قَويَ على الطَّوافِ والسَّعْي ورَمْي الجِمار، وإلا طِيفَ به محمولًا، ورُمِيَ عنه، وإن أصاب صَيدًا فُدِىَ عنه، وإن (^١) احتاجَ إلى ما يحتاجُ إليه الكبير، فُعِل به ذلك، وفُدِيَ عنه.
قال أبو عُمر: قال مالك (^٢): وما أصاب الصَّبيُّ من صيد، أو لباس، أو طِيب، فُدِيَ عنه. وبذلك قال الشافعيّ (^٣).
وقال أبو حنيفة: لا جزاءَ عليه ولا فِدية (^٤).
وقال ابنُ القاسم (^٥)، عن مالك: الصغيرُ الذي لا يتكلَّمُ إذا جُرِّد يُنْوَى بتجريدِه الإحرامُ. قال ابنُ القاسم (^٦): يُغنِيه تجريدُه عن التَّلبيةِ عنه، لا يُلبِّي عنه أحدٌ. قال: فإن كان يتكلَّمُ لَبَّى عن نفسِه.
قال (^٧): وقال مالكٌ: لا يَطُوفُ به أحدٌ لم يَطُفْ طوافَه الواجب؛ لأنَّه يُدخِلُ طَوافين في طَواف.
وقال ابنُ وَهْب، عن مالك: أرَى أن يطُوفَ لنفسِه، ثم يطوفَ بالصَّبيِّ، ولا يَركَعَ عنه، ولا شيءَ على الصَّبيِّ في رَكْعتَيه (^٨) (^٩).
_________________
(١) من هنا إلى نهاية الفقرة سقط من ف ١ بسبب انتقال النظر.
(٢) المدوّنة ١/ ٤٦٥.
(٣) ينظر: الأمّ ٢/ ١٢١، ١٤٢، ١٩٣.
(٤) ينظر: الأصل المعروف بالمبسوط لمحمد بن الحسن الشيبانيّ ٢/ ٤٢٩، ومختصر اختلاف العلماء للطحاوي ٢/ ١٦٣، والمبسوط للسرخسيّ ٤/ ٦٩.
(٥) المدوّنة ١/ ٣٩٨. وتمام كلام مالك فيها: "والصغير الذي لا يتكلَّم إذا جرَّده أبوه يريد بتجريده الإحرام فهو محُرم، ويُجنّبه ما يُجنِّب الكبير".
(٦) المدوّنة ١/ ٣٩٨.
(٧) المدوّنة ١/ ٣٩٨.
(٨) ينظر: مختصر اختلاف العلماء للطحاوي ٢/ ١٤٤.
(٩) كتب ناسخ الأصل في الحاشية: "بلغت المقابلة بحمد اللَّه وحسن عونه".
[ ١ / ٢٧٢ ]
قال أبو عُمر: فإن قيل: فما معنَى الحَجِّ بالصغيرِ وهو عندَكم غيرُ مُجْزِئ عنه من حجةِ الإسلام إذا بلَغ، وليس ممَّن تَجرِي الأقلامُ له وعليه؟ قيل له: أمّا جَرْيُ القلم له بالعمل الصّالح، فغيرُ مُستنكَرٍ أن يُكتَبَ للصَّبيِّ درجةٌ وحسنةٌ في الآخرةِ بصلاتِه، وزكاتِه، وحجِّه، وسائرِ أعمالِ البرِّ التي يعمَلُها على سُنَّتِها، تفضُّلًا من اللَّه ﷿ عليه، كما تفَضَّلَ على الميِّتِ بأَنْ يُؤجَرَ بصدقَةِ الحيِّ عنه، ويلحَقَه ثَوابُ ما لم يقصِدْه ولم يعمَلْه، مثلُ الدُّعاءِ له، والصَّلاةِ عليه، ونحو ذلك، ألا ترَى أنَّهم أجمَعوا على أنْ أمَرُوا الصَّبيَّ إذا عقَل الصلاةَ بأن يُصَلِّي، وقد صلَّى رسولُ اللَّه -ﷺ- بأنس، واليتيمُ معه، والعَجوزُ من ورائِهما (^١).
وأكثرُ السَّلفِ على إيجابِ الزَّكاةِ في أموالِ اليَتامى، ويستحيلُ ألّا يُؤجَرُوا على ذلك، وكذلك وصاياهم إذا عقَلوا، وللذي يقومُ بذلك عنهم أجرٌ، كما للَّذي يُحِجُّهم أجرٌ، فَضْلًا من اللَّه ونعمةً، فلأيِّ شيءٍ يُحرَمُ الصغيرُ التعرُّضَ لفضلِ اللَّه؟ وقد رُوِيَ عن عمرَ بنِ الخطّابِ ﵁ معنى ما ذكَرتُ، ولا مُخالِفَ له أعلَمُه ممَّن يجبُ اتِّباعُ قولِه.
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيان، قراءةً منِّي عليه، أنَّ قاسمَ بنَ أصبغَ حدَّثهم، قال: حدَّثنا عبيدُ بنُ عبدِ الواحدِ البزّارُ (^٢)، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ المدينيِّ، قال: حدَّثنا حمادُ بنُ زيد، قال: حدَّثنا يحيى البكّاءُ، عن أبي العاليةِ الرِّياحيِّ، قال: قال عمرُ بنُ الخطّاب: تُكتَبُ للصَّغيرِ حسناتُه، ولا تُكتَبُ عليه سيِّئاتُه (^٣).
_________________
(١) أخرجه مالكٌ في الموطأ ١/ ٢١٨ (٤١٩) عن إسحاق بن عبد اللَّه بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك ﵁، وهو الحديث الخامس لإسحاق عن أنس، وسيأتي مع تمام تخريجه والكلام عليه في موضعه إن شاء اللَّه تعالى.
(٢) هو: عبيد بن عبد الواحد بن شريك البغدادي البزار، آخره راء مهملة، المتوفى سنة ٢٨٥ هـ، وترجمته في تاريخ الخطيب ١٢/ ٣٩٢ والتعليق عليها.
(٣) ذكره البغوي في شرح السُّنة ٩/ ٣٣٨ عن أبي العالية رُفيع بن مهران الرِّياحي، به. وإسناده إليه ضعيف، يحيى البكّاء: هو ابن مسلم أو ابن سُليم بن أبي خُليد البصري، ضعيف.
[ ١ / ٢٧٣ ]
واختلَف العلماءُ أيضًا في حَجِّ الصَّبيِّ؛ هل يُجزِئُه إذا بلَغ من حَجَّةِ الإسلام أم لا؟ فالذي عليه فقهاءُ الأمصارِ الذينَ (^١) قدَّمنا ذِكْرَهم في هذا الباب، أنَّ ذلك لا يُجزِئُه إذا بلَغ من حجَّة الإسلام.
ذكر أبو جعفرٍ الطَّحاويُّ في كتابه في "شرح معاني الآثار" (^٢) حديثَ إبراهيمَ بن عُقبةَ هذا عن كُريْب، عن ابنِ عباس، أنَّ امرأةً سألتِ النبيَّ -ﷺ- عن صبيٍّ: هل لهذا حَجٌّ؟ فقال: "نعم، ولكِ أجرٌ". قال أبو جعفر: فذهَب قومٌ إلى أنَّ الصَّبيَّ إذا حَجَّ قبلَ بُلُوغِه، أجزأه من حَجّةِ الإسلام، ولم يكُنْ عليه أنْ يحُجَّ بعدَ بُلوغِه، واحتَجُّوا في ذلك بهذا الحديث.
قال: وخالَفهم آخَرون، فقالوا: لا يُجزِئُه من حجةِ الإسلام، وعليه بعدَ بُلوغِه حجةٌ أخرى.
قال: وكان من الحُجَّةِ لهم عندَنا على أهل المقالةِ الأولى أنَّ هذا الحديثَ إنّما فيه، أنَّ رسولَ اللَّه -ﷺ- أخبَر أنَّ للصَّبيِّ حَجًّا، وهذا ممّا قد أجمعَ الناسُ عليه ولم يختلِفوا فيه؛ أنَّ للصَّبيِّ حَجًّا، وليس ذلك عليه بفريضة من جهةِ القياس؛ كما له صلاةٌ وليست الصلاةُ عليه بفريضة، فكذلك أيضًا قد يجوزُ أن يكونَ له حَجٌّ وليس الحجُّ عليه بفريضة، وإنّما هذا الحديثُ حُجَّةٌ على مَن زعَم أنَّه لا حَجَّ للصبيِّ، فأمّا مَن يقول: إنَّ له حَجًّا، وإنّه غيرُ فريضةٍ عليه. فلم يُخالِفْ شيئًا من هذا الحديث، وإنّما خالَف تأويلَ مخُالِفِه خاصّةً، وهذا ابنُ عباس هو الذي روَى هذا الحديثَ عن رسولِ اللَّه -ﷺ-، ثم قد صَرَفَ حَجَّ الصَّبيِّ إلى غير الفريضة، وأنّه لا يُجْزِئُه بعد بُلوغِه عن حجّةِ الإسلام، وقد زعَموا أنَّ مَن روَى حديثًا فهو أعلمُ بتأويلِه.
_________________
(١) في الأصل: "الذي"، والمثبت من ق، ف ١.
(٢) ٢/ ٢٥٧ - ٢٥٦ بإثر الأحاديث (٤١٤٧ - ٤١٤٩).
[ ١ / ٢٧٤ ]
قال (^١): أخبرنا محمدُ بنُ خُزيمة، قال: أخبرنا عبدُ اللَّه بنُ رَجاء، قال: حدَّثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاق، عن أبي السَّفَر، قال: سمِعتُ ابنَ عباس يقول: أيُّما غُلام حَجَّ به أهلُه فماتَ فقد قَضى حجَّةَ الإسلام، فإنْ أدرَكَ فعليه الحَجُّ، وأيُّما عبدٍ حَجَّ به أهلُه فماتَ فقد قفَى حجَّةَ الإسلام، وإنْ عَتقَ فعليه الحَجُّ.
قال (^٢): وحدَّثنا محمدُ بنُ خُزيمة، قال: حدَّثنا حجّاجٌ، قال: حدَّثنا حمادُ بنُ سلَمة، عن يونسَ بنِ عُبيد، عن عُبيدٍ (^٣) صاحب الحُلَى (^٤)، قال: سألتُ ابنَ عبّاسٍ عن المَمْلوك إذا حَجَّ، ثم عَتقَ بعدَ ذلك؟ قال: عليه الحَجُّ. وعن الصَّبيِّ يَحُجُّ، ثم يحتَلِمُ؟ قال: يَحُجُّ أيضًا.
قال أبو عُمر: على هذا جماعةُ الفقهاءِ بالأمصار، وأئمّةُ الأثَر، إلّا أنَّ داودَ بنَ عليٍّ خالفَ في المملوك، فقال: تجزِئُه عن حَجّةِ الإسلام، ولا تُجْزِئُ الصَّبيَّ. وفرَّق بينَ الصَّبيِّ والمملوك؛ لأنَّ المملوكَ مخاطَبٌ عندَه بالحَجِّ، فلَزِمَه فَرضُه، وليس الصَّبيُّ ممّنْ خوطِبَ به (^٥)؛ لقولِ النبيِّ -ﷺ-: "رُفِعَ القلمُ عن الصَّبيِّ حتى يحتلِمَ" (^٦).
_________________
(١) في شرح معاني الآثار ٢/ ٢٥٧ (٤١٤٨). ورجال إسناده إلى ابن عباس ﵄ ثقات. عبد اللَّه بن رجاء: هو الغُدَانيّ، وهو ثقةٌ له بعض الأوهام كما هو موضّحٌ في تحرير التقريب (٣٣١٢). وإسرائيل: هو يونس بن أبي إسحاق السَّبيعيّ، وسماعه من جدِّه أبي إسحاق -عمرو بن عبد اللَّه- في غاية الإتقان للُزومه إيّاه، وكان خِصِّيصًا به كما ذكر الحافظ ابن حجر في الفتح ١/ ٣٥١، وأبو السَّفر: هو سعيد بن يُحْمِد الهمداني الثوري.
(٢) يعني الطحاويَّ في شرح معاني الآثار ٢/ ٢٥٧ (٤١٤٩).
(٣) هكذا في النسخ، وفي شرح معاني الآثار: "حماد بن سلمة عن يونس بن عبيد صاحب الحلى"، ولعله هو الصواب، ويونس بن عبيد صاحب الحلى ذكره الإمام مسلم في المنفردات والوحدات (١٣٠٢).
(٤) بضم الحاء المهملة وفتح اللام، جمع حلية.
(٥) ينظر: المحلّى لابن حزم ٧/ ٤٥.
(٦) سيأتي بإسناد المصنِّف مع تخريجه بعد قليل.
[ ١ / ٢٧٥ ]
قال أبو عمر (^١): وفي قولِ رسولِ اللَّه -ﷺ-: "رُفِعَ القلمُ عن الصَّبيِّ حتى يَحتَلِمَ". دليلٌ واضح على أنَّ حَجَّ الصَّبيِّ تَطَوُّع، ولم يؤدِّ (^٢) به فرضًا، لأنَّه محُالٌ أنْ يؤدِّيَ فرضًا مَن لم يَجبْ عليه الفرضُ، وأمّا المملوك، فهو عندَ جمهورِ العلماءِ خارجٌ من الخطاب العامِّ في قوله ﷿: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧]. بدليل عدَم التَّصرُّف، وأنَّه ليس له أن يحُجَّ بغيرِ إذنِ سيِّدِه، كما خرَج من خطابِ الجُمُعة، وهو قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ الآيةَ [الجمعة: ٩]. عندَ عامّةِ العلماءِ إلّا مَن شَذَّ، وكما خرَج من خطابِ إيجابِ الشَّهادة؛ قال اللَّهُ ﷿: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فلم يَدخُلْ في ذلك العبدُ، وكما جازَ خروجُ الصَّبيِّ من قوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾. وهو من الناس، بدليل رَفع القلم عنه، وخرجتِ المرأةُ من قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾، وهي ممّن شَمِلَه اسمُ الإيمان، فكذلك خُروجُ العبدِ من الخطابِ المذكورِ بما ذكَرنا من الدَّليل، وهو قولُ فقهاء الحجاز، والعراق، والشَّام، والمغرب، ومثلُهم لا يجوزُ عليهم تحريفُ تأويل الكتاب البتَّة بحال.
فإن قال قائلٌ ممن يرَى أنَّ حَجَّ الصَّبيِّ يُجزِئُ عنه إذا بلَغ: إنَّ الصَّبيَّ إنّما لم يجبْ عليه الحَجُّ لأنَّه ممّن لا يستطيعُ السَّبيلَ إليه، فإذا بُلِغَ به البيتُ وجَب عليه الحَجُّ، وأجزَأه، كسائرِ مَن لا يَلْزَمُه الحَجُّ من البالغين؛ لعدَم الاستِطاعة، فإذا وصَل إلى البيتِ لَزِمَه الحَجُّ، فإذا فعَلَه أجْزَأ عنه. قيل له: إنَّ الذي لا يَجدُ السَّبيلَ إلى الحَجِّ إنّما سقَط عنه الفرضُ لعَدَم الوُصولِ إلى البيت،
_________________
(١) قوله: "قال أبو عمر" لم يرد في ق.
(٢) في ق، ف ١: "يرد".
[ ١ / ٢٧٦ ]
فإذا وصَل إليه، تعيَّن عليه الفَرْضُ وارتفَعَتْ علَّتُه، وصار من الواجِدِين السَّبيل، فوجَب عليه الحَجُّ لذلك.
وأما الصَّبيُّ ففَرْضُ الحَجِّ غيرُ واجبٍ عليه (^١)، كما لا تَجِبُ عليه الصَّلاةُ ولا الصِّيامُ، فهو قبلَ وُصولِه إلى البيتِ وبعدَ وُصولِه سواءٌ؛ لرَفْع القلم عنه، فإذا بلَغ الحُلُمَ فحينَئذٍ وجَب عليه الحَجُّ.
أخبرنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ (^٢)، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ محمدٍ الصّائغُ، قال: حدَّثنا عفانُ بنُ مسلم. وأخبرنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أبو العباسِ محمدُ بنُ يونُسَ الكُدَيميُّ، قال: حدَّثنا رَوْحُ بنُ عبادة، قالا جميعًا: حدَّثنا حمادُ بنُ سلمة، عن عطاءِ بنِ السَّائب، عن أبي ظَبيان - قال في حديث عفّان: الجَنبيِّ. ثم اتَّفقا عن عليِّ بن أبي طالب، قال: قال رسولُ اللَّه -ﷺ-: "رُفِع القلمُ عن ثلاثة؛ عن النّائم حتى يستيقِظَ، وعن الصَّبيِّ حتى يبلُغَ، وعن المَجْنون حتّى يُفِيقَ" (^٣).
قال يحيى بنُ معين (^٤): روايةُ حمّادِ بنِ سلمةَ عن عطاءِ بنِ السَّائبِ صَحيحَةٌ؛ لأنَّه سمِع منه قبلَ أن يتغيَّر، وكذلك سماعُ الثوريِّ وشعبةَ منه.
وروى حمادُ بنُ سلمة، عن حمّادٍ، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة،
_________________
(١) وقد حكى ابن المنذر الإجماع في هذا، قال في الإجماع له ص ٦٠ (٢١١): "وأجمعوا على سقوط فرض الحجِّ عن الصبيّ".
(٢) انتقل نظر ناسخ ف ١ إلى أصبغ الآتية بعد سطر، فسقط ما بينهما.
(٣) أخرجه أحمد في المسند ٢/ ٤٤٣ (١٣٢٨) عن عفّان بن مسلم الصفّار، به. وأخرجه الطيالسيّ في مسنده (٩١)، وأحمد في المسند ٢/ ٤٦١ (١٣٦٢). وأخرجه أبو داود (٤٤٠٢)، والنسائيّ في الكبرى ٦/ ٤٨٧ (٧٣٠٤) من طريق عطاء بن السائب، به. وهو حديث صحيح، ورجال إسناده ثقات.
(٤) تاريخ الدوري ٣/ ٣٠٩ (١٤٦٥).
[ ١ / ٢٧٧ ]
أنَّ رسولَ اللَّه -ﷺ- قال: "رُفِع القلمُ عن ثلاثة؛ عن النائم حتى يَستيقظ، وعن المُبتلَى حتى يَبرَأ، وعن الصَّبيِّ حتى يَعقِلَ" (^١).
وذكَر عبدُ الرَّزّاق، قال: أخبَر نا ابنُ جريجٍ، عن عطاء، قال: تَقضي حَجَّةُ الصغيرِ عنه، فإذا عقَل فعليه حَجَّةٌ واجبةٌ (^٢).
وعن مَعْمَر، عن ابنِ طاووس، عن أبيه مثلَه (^٣).
وذكَر الثَّوريُّ، عن أبي إسحاق، عن أبي السَّفَر، عن ابنِ عباسٍ مثلَ ما تقدَّمَ عنه من حديثِ الطَّحاويِّ في هذا الباب (^٤).
وعن ابن عيينة، عن مُطرِّف، عن أبي السَّفَر، عن ابن عبّاس مثلَه (^٥).
وعن الثوريِّ، عن الأعمش، عن أبي ظَبيان، عن ابن عبّاسٍ مثلَه (^٦).
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند ٤٢/ ٥١ (٢٥١١٤)، وأبو داود (٤٣٩٨)، وابن ماجة (٢٠٤١)، والترمذي في العلل الكبير (٤٠٤)، وحمّاد الراوي عن إبراهيم -وهو النخعيُّ- هو ابن أبي سليمان: فقيهٌ صدوقٌ حسَنُ الحديث، وهو ثقة إمامٌ كما قال الذهبي في الكاشف (١١٢١)، وإنما تكلَّم فيه بعضهم لكونه من أهل الرأي، وما نُسب إليه من الإرجاء، وهو تضعيفٌ ضعيفٌ، وينظر تحرير التقريب (١٥٠٠). لكن هذا الحديث مما تفرد به حماد ابن سلمة عن حماد بن أبي سليمان (سؤالات ابن الجنيد، رقم ٣٠٨)، وأجاب البخاري عن سؤال الترمذي فقال: "أرجوا أن يكون محفوظًا" (ترتيب علل الترمذي ٤٠٤).
(٢) أخرجه الشافعيُّ في الأم ٢/ ١٢٢ من طريق عبد الملك بن جريج، ولكن بذكر العبد غير العُتَق بدل الصّبي، وأضاف: "هذا كما قال عطاء في العبد إن شاء اللَّه ومَنْ لم يبلُغْ".
(٣) أخرجه الشافعيّ في الأم ٢/ ١٢٢ من طريق عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، عن عبد اللَّه بن طاووس بن كيسان اليمانيّ، به.
(٤) سلف تخريجه قبل قليل.
(٥) أخرجه البيهقي في الكبرى ٥/ ١٥٦ (٩٩٩٨) من طريق سفيان بن عيينة، به. ورجال إسناده إلى ابن عباس ﵄ ثقات. مطرِّف: هو ابن طريف الكوفيّ، وأبو السَّفر: هو سعيد بن يُحْمِد الهمداني الثوريّ الكوفيّ.
(٦) ذكره ابن حزم في المحلّى ٧/ ٤٤، والبيهقي في الكبرى ٥/ ١٧٩، وقال: "وكذلك رواه سفيان الثوري، عن الأعمش موقوفًا، وهو الصواب".
[ ١ / ٢٧٨ ]
قال أبو عُمر: لا خلافَ عَلِمتُه فيمَن شهِد مناسكَ الحَجِّ وهو لا يَنْوي حَجًّا ولا عُمرة، والقَلَمُ جارٍ عليه وله، أنَّ شُهودَها بغيرِ نيةٍ ولا قَصْدٍ غيرُ مُغْنٍ عنه، وخُصَّ الصَّبيُّ بما ذكَرنا، وإنْ لم يكُنْ له قَصْدٌ ولا نِيَّةٌ لِما وصَفنا.
واختَلَف الفقهاءُ في المُراهقِ والعبد، يُحرِمان بالحَجِّ، ثم يَحتلِمُ هذا، ويعتِقُ هذا قبلَ الوقوفِ بعرفة.
فقال مالكٌ وأصحابه (^١): لا سبيلَ إلى رفْضِ الإحرام لهذَين، ولا لأحد، ويتماديان على إحرامِهما، ولا يُجزِئُهما حَجُّهما عن حجةِ الإسلام.
وقال أبو حنيفة وأصحابُه: إذا أحرَم بالحَجِّ مَن لم يبلُغْ من الغِلمان، ثم بلَغ قبلَ أن يقفَ بعرفة، فوقَف بها بعدَ بُلوغِه، لم يُجْزِئْه ذلك من حجةِ الإسلام، فإنْ جدَّد إحرامًا بعدَما بلَغ أجزأه (^٢).
وقالوا: إن دخَل عبدٌ مع مولاه فلم يُحرِمْ من الميقات، ثم أذِن له فأحرَم من مكّةَ بالحَجِّ، فعليه الدَّمُ إذا أُعتِقَ لتَرْكِه الميقات، وليس ذلك (^٣) على النصرانيِّ يُسلِم، ولا على الصَّبيِّ يَحتَلِمُ، لسُقوطِ الإحرام عنهما (^٤)، ويجبُ على السيِّد أن يأذَنَ لعبدِه في الحَجِّ إذا بلَغ معه، لأنَّ العبدَ لا يدخُلُ مكّةَ بغيرِ إحرام (^٥).
_________________
(١) ينظر: المدوّنة ١/ ٤٠٧.
(٢) نقله عن أبي حنيفة وأصحابه الطحاويُّ في مختصر اختلاف العلماء ٢/ ١٦٤.
(٣) لم يرد اسم الإشارة في الأصل.
(٤) من هنا إلى قوله: "لأن العبد" لم يرد في الأصل، وهو ثابت في ق، ف ١.
(٥) نقله عن أبي حنيفة محمد بن الحسن الشيباني في الأصل المعروف بالمبسوط ٢/ ٥٢٢ - ٥٢٣. ومثل ذلك ذكر الطحاوي في مختصر اختلاف العلماء ٢/ ٧٠ عن أبي حنيفة وأصحابه. وينظر: المبسوط للسرخسي ٤/ ١٧٣.
[ ١ / ٢٧٩ ]
وقال (^١) أبو حنيفةَ وأصحابُه: إذا أحرَمَ الصبيُّ ثم بلَغ في حالِ إحرامِه، فإن جدَّد إحرامًا قبلَ وقوفِه بعرفَة أجزأه، وإنْ لم يجدِّدْ إحرامًا لم يجزئْه. قالوا: وأما العبدُ فلا يجزئُه من حجةِ الإسلام وإن جدَّد إحرامًا (^٢).
قال أبو عُمر: إنما أوجَبوا الدمَ على العبد في تَرْكِه الميقاتَ على مذهبِهم؛ لأنه لا يجوزُ للعبدِ أن يدخُلَ مكةَ بغيرِ إحرام، وهو والحرُّ في ذلك سواء، وليس الصَّبيُّ ولا النصرانيُّ كذلك؛ لأنهما لا يلزَمُهما الإحرامُ لدخولِ مكة؛ لسقوطِ الفرضِ عن كلِّ واحدٍ منهما، الصبيُّ لصغرِه، والكافرُ لكفرِه، فإذا أسلمَ الكافرُ وبلَغ الصبيُّ بمكة، كان حكمُهما حكمَ المكيِّ ولا شيءَ عليهما في تركِ الميقات.
وقال مالكٌ (^٣) في النصرانيِّ يُسلِمُ عشيةَ عرفةَ فيحرِمُ بالحجِّ: يجزئُه حجُّه من فرضِه ولا دمَ عليه.
قال أبو عُمر: هذا على أصلِه فيمن جاوزَ الميقاتَ وهو لا يريدُ الإحرام، ثم بدا له في الحجِّ فأحرم، أنه لا دمَ عليه، وإنما يلزَمُه الدمُ إذا أرادَ الحجَّ ولم يُحرِمْ من الميقات.
وقال الثوريُّ: النصرانيُّ يسلِمُ بمكةَ هو بمنزلةِ المولودِ بمكة. قال: وأما العبدُ فيلزَمُه إن عَتقَ أن يخرُجَ إلى الميقات (^٤).
_________________
(١) هذه الفقرة والفقرات الأربع التي بعدها لم ترد في الأصل، وهي ثابتة في ق، ف ١، عدا الفقرة الأولى حيث لم ترد في ق.
(٢) ينظر: الأصل المعروف بالمبسوط لمحمد بن الحسن الشيباني ٢/ ٥٢٣، ومختصر اختلاف العلماء للطحاوي ٢/ ٧٠.
(٣) المدوّنة ١/ ٤٠٧.
(٤) ينظر: مختصر اختلاف العلماء للطحاويّ ٢/ ٧٠.
[ ١ / ٢٨٠ ]
وقال الشافعيُّ (^١): إذا أحرَمَ الصَّبيُّ، ثم بلَغ قبلَ الوُقوفِ بعرفَة، فوقَف بها مُحرِمًا، أجزَأه ذلك من حجةِ الإسلام، وكذلك العبدُ إذا أحرَم، ثم عَتقَ قبلَ الوُقوفِ بعرفة، فوقَف بها مُحرِمًا، أجزأه من حجةِ الإسلام، ولم يَحتَجْ إلى تجديدِ إحرام واحدٌ منهما.
قال (^٢): ولو عَتقَ العبدُ بمزدلِفة، أو بلَغ الصَّبيُّ بها، فرجَعا إلى عرفةَ بعدَ العتقِ والبُلُوغِ فأدرَكا الوقوفَ بها قبلَ طلوع الفجر، أجزَأت عنهما من حجةِ الإسلام، ولم يكُنْ عليهما دَمٌ، ولو احتاطَا فأهْرَقا دمًا كان أحبَّ إليَّ. قال: وليس ذلك بالبَيِّن عندي.
قال (^٣): فأمّا الغلامُ يبلُغُ والعبدُ يَعتِقُ والكافرُ يُسلِمُ بعرفةَ أو مزدلفةَ ولم يكنْ واحدٌ منهم أحرَم، ثم أحرَم بعدَ بلوغِه أو عِتقِه أو إسلامِه بمكةَ أو بعرفةَ أو بمزدلفة، فهؤلاء عليهم دمٌ واجبٌ لتركِ الميقات.
قال أبو عُمر: قد قال بكُلِّ قولٍ من هذه الأقاويل الثلاثةِ جماعة من علماءِ التَّابعين وفُقهاءِ المسلمين، ومُراعاةُ عرفةَ بإدراكِ الوقوفِ بها ليلةَ النَّحْر قبلَ طلوع الفجرِ إجماعٌ من العلماء؛ لقوله -ﷺ-: "الحجُّ عرفاتٌ" (^٤). وسنذكُرُ هذا في
_________________
(١) في الأمّ ٢/ ١٤٢.
(٢) يعني الشافعيّ، في الأمّ ٢/ ١٤٢.
(٣) في الأمّ ١/ ١٤٢. وهذه الفقرة لم ترد في الأصل، ولا ندري هل سقطت من الناسخ أم حذفها المؤلف لذلك أثبتناها على الاحتمال، وهي ثابتة في ق، ف ١.
(٤) أخرجه الحميدي في مسنده (٨٩٩)، وأحمد في المسند ٣١/ ٦٤ (١٨٧٧٤)، وأبو داود (١٩٤٩)، وابن ماجة (٣٠١٥)، والترمذي (٨٨٩) و(٢٩٧٥)، والنسائي في الكبرى ٤/ ١٦٠ (٣٩٩٨)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني ٢/ ٢٠٥ (٩٥٧)، وابن خزيمة في صحيحه ٤/ ٢٥٧ (٢٨٢٢) من طرق عن سفيان الثوري، عن بُكير بن عطاء الليثي، عن عبد الرَّحمن بن يَعْمر الدِّيلي ﵁. ووقع عند بعضهم بلفظ: "الحجّ عرفة"، وهو حديث صحيح، كما قال الإمام الترمذي. وسيأتي بإسناد المصنِّف من هذا الوجه في أثناء شرح الحديث الخامس لابن شهاب الزُّهريّ، عن سالم بن عبد اللَّه إن شاء اللَّه تعالى.
[ ١ / ٢٨١ ]
بابِ ابنِ شهاب، عن سالم، ونذكُرُ هناك ما للعلماءِ من التَّنازع في كيفيّة فرضِ وقتِها، وأنّه لا حَجَّ لمن لم يَقفْ بها إن شاء اللَّه.
فمِن حُجَّةِ مالكٍ ومَن قال بقوله: أمْرُ اللَّه ﷿ كلَّ مَن دخَل في حَجٍّ أو عمرةٍ بإتمام ما دخَل فيه؛ بقوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦].
ومَن رَفَض إحرامَه فلم يُتِمَّ حَجَّه، ولا عُمْرَتَه.
ومن حُجَّةِ أبي حنيفةَ أنَّ الحَجَّ الذي كان فيه لمّا لم يكُنْ يجْزِئُ عنه، ولم يكُنِ الفَرْضُ لازِمًا له حينَ أحرَمَ به، ثم لزِمه حينَ بلَغ، استحالَ أن يَشتغلَ عن فَرْضٍ قد تعيَّن عليه بنافلةٍ ويُعطِّلَ فرضَه، كمن دخَل في نافلةٍ وأُقيمَتْ عليه المكتوبة، وخشِيَ فوتَها، قطَع النافلةَ ودخَل في المكتوبة، واحتاجَ إلى الإحْرام عندَ أبي حنيفة؛ لأنَّ الحَجَّ عندَه مُفتَقِرٌ إلى النِّيَّةِ والإحرام، وهما من فرائضه عندَه.
وأمّا الشافعيُّ فاحتجَّ بهذه الحُجَّةِ التي ذكَرناها لأبي حنيفة، واحتَجَّ في إسقاطِ تجديدِ النِّيَّةِ بأنّه جائز لكلِّ مَن نوَى بإهلالِه الإحرام، أن يصرِفَه إلى ما شاء من حَجٍّ أو عُمرة، بحديثِ عليٍّ؛ إذ قال له رسولُ اللَّه -ﷺ- حينَ أقبَل من اليَمنِ مُهِلًّا بالحَجِّ: "بمَ أهلَلتَ؟ ". قال: قلت: لبيكَ اللهُمَّ بإهلالٍ كإهلالِ النبيِّ -ﷺ-. فقال له رسولُ اللَّه -ﷺ-: "فإنِّي أهللتُ بالحَجِّ وسُقتُ الهَديَ". ولم يُنكِرْ عليه رسولُ اللَّه مقالتَه، ولا أمَره بتجديدِ نيّةٍ لإفرادٍ، أو قِرانٍ، أو مُتعَة.
وذكَر البخاريُّ، قال (^١): حدَّثنا مُسَدَّدٌ، قال: حدَّثنا بِشرُ بنُ المفضَّل، عن حُميد، قال: حدَّثنا بكرٌ أنّه ذَكَرَ لابنِ عمرَ أنَّ أنسًا حدَّثهم أن النبيَّ -ﷺ- أهَلَّ بعُمرةٍ وحجة، فقال: أهَلَّ النبيُّ -ﷺ- بالحَجِّ، وأهلَلْنا به، فلمّا قَدِمنا مكة، قال:
_________________
(١) في صحيحه (٤٣٥٣، ٤٣٥٤). مسدّد: هو ابن مسرهد، وحُميد: هو ابن أبي حميد الطويل، وبكرٌ: هو ابن عبد اللَّه المُزَنيّ.
[ ١ / ٢٨٢ ]
"مَن لم يكنْ معه هَدْيٌ، فليَجعَلْها عُمرةً". وكان مع النبيِّ -ﷺ- هديٌ، فقدِم علينا عليُّ بنُ أبي طالب من اليَمَن حاجًّا، فقال له النبيُّ -ﷺ-: "بمَ أهلَلْتَ؛ فإنَّ معنا أهْلَك؟ ". فقال: أهْلَلْتُ بما أهلَّ به النبيُّ -ﷺ-. قال: "فأمسِكْ، فإنَّ معنا هَديًا".
قال البخاريُّ (^١): وحدَّثنا مَكِّيُّ بنُ إبراهيم، عن ابنِ جُريج، عن عطاء، عن جابرٍ، قال: أمَر النبيُّ -ﷺ- عليًّا أن يُقيمَ على إحْرامِه. قال جابر: وقَدِم عليٌّ من سِعايَتِه، فقال له النبيُّ -ﷺ-: "بمَ أهْلَلْتَ يا عليُّ؟ ". قال: بما أهَلَّ به النبيُّ. قال: "فأهْدِ، وامكُثْ حَرامًا كما أنتَ".
وحديثُ أبي موسى عن النبيِّ -ﷺ- بمثلِ معنَى حديثِ عليٍّ عنه في ذلك سواءٌ، وكلاهُما حديثٌ ثابتٌ صحيحٌ.
ذكر البخاريُّ (^٢)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يوسف، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن قيسِ بنِ مسلم، عن طارقِ بنِ شهاب، عن أبي موسى، قال: بعَثني النبيُّ -ﷺ- إلى قَوْمي (^٣) باليَمَن، فجِئْتُ وهو بالبَطحاء، فقال: "بمَ أهْلَلْتَ؟ ". قلتُ: أهْلَلْتُ بإهلالِ النبيِّ -ﷺ-. قال: "هل معك هَدْيٌ؟ ". قلتُ: لا. وذكَر الحديث.
ففي هذين الحديثَيْن أنَّ عليًّا وأبا موسى لم يَنوِيا شيئًا مُعيَّنًا من حَجٍّ مُفرَد، ولا عمرة، ولا قِرَان، وإنّما أهلّا مُحْرِمَيْن، وعلَّقا النَّيَّة في عَمَلِهما بما نَواه وعَمِلَه
_________________
(١) في صحيحه (١٥٥٧) و(٤٣٥٢). ابن جريج: هو عبد الملك بن عبد العزيز، وعطاء: هو ابن أبي رباح. وجابر: هو ابن عبد اللَّه الأنصاري ﵁.
(٢) في صحيحه (١٥٥٩). محمد بن يوسف شيخ البخاري: هو ابن واقد الفِرْيابيّ، وسفيان: هو الثَّوريّ، وقيس بن مسلم: هو الجَدَليّ الكوفيّ.
(٣) هذه رواية أبي ذر الهروي، وأما رواية الباقين فهي: "قوم".
[ ١ / ٢٨٣ ]
غيرُهما؛ وهو رسولُ اللَّه -ﷺ-، فدلَّ ذلك، واللَّهُ أعلمُ، على أنَّ النِّيَّةَ في الإحرام بالحَجِّ ليس كالنِّيَّة في الإحرام بالصلاة، ألا تَرى أنَّ الدُّخولَ في الصلاةِ مُفتقِرٌ إلى القولِ والنِّيَّة جميعًا، وهو التَّكبيرُ واعتقادُ تعيينِ الصلاةِ بعينِها؟ وليس الحجُّ كذلك، لأنَّه يَصِحُّ عندَهم بالنِّيَّة دونَ التَّلبية، ألا تَرى أنَّ الحَجَّ قد يُدخَلُ فيه بغيرِ التَّلبيةِ من الأعمال، مثلَ إشعارِ الهَدي، والتَّوجُّهِ نحوَ البيتِ إذا نَوى بذلك الإحرام؟ ومثلَ أن يقول: قد أحرَمتُ بالحَجِّ، أو بالعُمرة، أو نحوَ ذلك، ولا يصِحُّ الإحرامُ في الصَّلاة إلّا بالتكبير، فلهذا جازَ نقلُ الإحرام في الحَجِّ من شيءٍ إلى مثلِه، ويُصحِّحُ ذلك قولُ رسولِ اللَّه -ﷺ-: "مَن لم يكنْ معه هَديٌ، فلْيجعَلْها عُمرة". فأجازَ أنْ يدخُلَ فيه بوجهٍ ويصرِفَه إلى غيرِه، ولهذا قال: إنّه يدخُلُ فيه الصغير، ثم يبلُغُ فيَبني على ذلك في عملِه، إذا صَحَّ له الوقوفُ بعرفة؛ لأنَّه أصلُ الحَجِّ الذي يُبنَى عليه ما سِواه منه، والكلامُ في هذه المسألةِ يطول، وفيما لوَّحنا به مَقنَعٌ إن شاء اللَّه.
وقد ذكَر الربيعُ في كتاب البُوَيطيِّ، عن الشّافعيِّ، قال: ولو لبَّى رجلٌ ولم يَنْوِ حَجًّا ولا عُمرةً، لم يكُنْ حاجًّا ولا معتمِرًا، ولو نَوَى ولم يُحرِمْ حتى قضَى المناسك، كان حَجُّه تامًّا (^١). واحتَجَّ بحديثِ النبيِّ -ﷺ-: "الأعمالُ بالنِّيَّة" (^٢).
قال: ومَن فعَل مثلَ فِعْل عليٍّ ﵁ حينَ أهَلَّ على إهلالِ النبيِّ -ﷺ- أجزأتْه تلكَ النِّيَّة؛ لأنَّها وقَعَت على نِيَّةٍ لغيره قد تقدَّمت.
_________________
(١) ومثل ذلك نقل عنه المُزني في مختصره ٨/ ١٦٢. وينظر: حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء ٣/ ٢٣٧ لأبي بكر القفّال الشاشي.
(٢) أخرجه أحمد في المسند ١/ ٣٠٣ (١٦٨)، والبخاري (٥٤)، ومسلم (١٩٠٧) من حديث علقمة بن وقاص، عن عمر بن الخطّاب ﵁.
[ ١ / ٢٨٤ ]
قال أبو عُمر: فإن لم يكُنِ العبدُ أحرَم، ولا الصَّبيُّ، أو كان ذِمِّيٌّ دخَل مكةَ وهو كَرِيٌّ لبعضِ الحاجّ (^١)، فرُزِق الإسلام، فأسلَم وهو بعرفة، أو بمكةَ قبلَ عرفة، فإنَّه يُحرِمُ بالحَجِّ إن أراد الحَجَّ من مكة، أو بعرفة، فإن أدرَك الوقوفَ بعرفةَ قبلَ طُلوع الفجرِ من ليلةِ النَّحْر، فقد أدرَك الحَجَّ، ويُجْزِئُه ذلك من حجةِ الإسلام، ولا دَمَ عليه في قولِ مالك.
وقال أبو حنيفةَ والشافعيُّ: عليه دَمٌ لتَرْكِ الميقاتِ وحَجُّه تامٌّ (^٢). وسيأتي القولُ في النِّيَّةِ بالحَجِّ عندَ ذِكْرِ التلبيةِ به في حديثِ نافع (^٣)، عن ابنِ عُمرَ، من كتابِنا هذا إن شاءَ اللَّه ﷿.
_________________
(١) أي أجيرٌ، أو مستأجَرٌ عنده.
(٢) سلف تخريج هذه الأقوال قريبًا.
(٣) في أثناء شرح الحديث التاسع والأربعين لنافع مولى ابن عمر، عمه ﵁، وسيأتي في موضعه إن شاء اللَّه تعالي، وهو في الموطأ ١/ ٤٤٦ (٩٣٢).
[ ١ / ٢٨٥ ]