أحدُ الجِلّةِ الأشراف، قرشيٌّ زُهْريٌّ ثقةٌ، حُجّةٌ فيما نقلَ وروى من أثرٍ في الدِّين، وقد ذكَرنا نسَبَه عند ذكر جدِّه في كتاب "الصحابة" (^٢).
وأبوه محمّدُ بنُ سعدِ بنِ أبي وقّاص، قتله الحجّاجُ صَبْرًا لخُروجِه مع ابن الأشعث.
أخبرني عبدُ اللَّه بنُ محمّدِ بن يوسف، قال: أخبرني أحمدُ بنُ محمدِ بنِ إسماعيل، قال: أخبرنا محمدُ بنُ الحسنِ الأنصاريُّ، قال: أخبرنا الزُّبيرُ بنُ أبي بكرٍ الزُّبيريّ، قال: حدَّثني محمدُ بنُ حسن، عن إبراهيمَ (^٣) بنِ محمّدِ بنِ عبدِ العزيز الزُّهريّ، عن الحكم بن القاسم الأُوَيْسيّ، عن عبدِ الرَّحمن بن أبي سفيانَ بنِ حُوَيطب، قال: وَفدتُ على عبدِ الملكِ بنِ مروانَ أيامَ قَتْل عبدِ الرَّحمن بنِ محمدِ بنِ الأشعث، فدخلتُ فسلّمتُ، فقال: يا ابنَ حُوَيطب، ما يقولُ أهلُ المدينةِ في قَتْل عبدِ الرَّحمن بنِ الأشعث؟ قال: قلتُ: سَرَّهُم ما كان من ظَفَرِ أميرِ المؤمنين، وما أعطاهُ اللَّهُ وأيَّدَهُ. قال: فقال: أمَا واللَّه يا ابنَ حُوَيطب، لقد علِمَتْ قريشٌ أنّي أقتَلُها لها قَعْصًا (^٤)، وأعفاها بعدُ عن مُسيئها. قال: ثمّ وافَيْنا العشاء، فأُتِيَ بإسماعيلَ بنِ محمدِ بنِ سعدِ (^٥) بنِ أبي وقّاص وبعثمانَ بنِ عمرَ بنِ موسى بنِ عُبيدِ اللَّه التَّيميِّ. قال: فقال ليحيى بنِ الحكم: يا يحيى، قُمْ فانظُرْ إلى هذَيْن الغُلامَين؛
_________________
(١) تهذيب الكمال ٣/ ١٨٩، وتعليقنا عليه.
(٢) الاستيعاب ٢/ ٦٥٦ (٩٦٣).
(٣) في ف ١: "حسين بن إبراهيم"، خطأ بيّن.
(٤) القَعْصُ: الموت المُعجَّل. ينظر: اللسان (قعص).
(٥) قوله: "بن سعد"، سقط من الأصل.
[ ١ / ٣٠٦ ]
هل أنْبَتا؟ قال: فقام ثم رجعَ فقال: يا أميرَ المؤمنين، ما ذلك منهما إلا مثلُ خُدودِهما. فأقبلَ عليهما عبدُ الملك فقال: لا رَحِمَ اللَّهُ أبوَيْكُما، ولا جَبَر يُتْمَكُما، اخْرُجا عنِّي (^١).
قال محمدُ بنُ حسن: فحدَّثني عيسى بنُ موسى الخَطْميُّ، عن محمدِ بنِ أبي بكرٍ الأنصاريّ، قال: كان الحجّاج قتل أبويهما صَبْرًا، وكان ممّن أُسِرَ من أصحابِ عبدِ الرَّحمن بنِ محمدِ بنِ الأشعث (^٢).
قال أبو عُمر: روى ابنُ شهاب، عن إسماعيلَ بنِ محمدِ بنِ إسماعيلَ بنِ سعدِ بنِ أبي وقّاصٍ حديثَ المغيرةِ في المَسْح على الخُفَّين (^٣)، وحَسْبُك.
قال البخاريُّ (^٤): سمع إسماعيلُ أباهُ، وعامرَ بنَ سعد، ومصعبَ بنَ سعد. سمع منه الزُّهريُّ، ومالكٌ، وابنُ عُيينة.
وذكَرَ الحسنُ بنُ عليٍّ الحُلْوانيُّ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ آدم، قال: حدَّثنا ابنُ المبارك، عن مصعبِ بنِ ثابت، عن إسماعيلَ بنِ محمدِ بنِ سعد، عن عامرِ بنِ سعد، عن أبيه، قال: رأيتُ رسولَ اللَّه -ﷺ- يُسلِّم عن يَمينِه، وعن يَسارِه؛ كأنِّي أنظرُ إلى صَفْحةِ خدِّه -ﷺ-. فقال الزُّهريُّ: ما سمِعْنا هذا من حديثِ رسولِ اللَّه -ﷺ-، فقال له إسماعيلُ بنُ محمد، أكُلَّ حديثِ رسولِ اللَّه -ﷺ- قد سمعْتَه؟ قال: لا. قال: فنِصْفَه؟ قال: لا. قال: فاجْعلْ هذا في النِّصفِ الذي لم تَسمعْ (^٥).
_________________
(١) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق ٣٤/ ٣٨٩ من طريق الزُّبير بن أبي بكر الزُّبيري، به.
(٢) تاريخ دمشق ٣٤/ ٣٩٠.
(٣) أخرجه عبد الرزاق في المصنِّف ١/ ١٩١ (٧٤٨)، والشافعيّ في الأمّ ١/ ٤٨، ومسلم (٢٧٤).
(٤) في التاريخ الكبير ١/ ٣٧١ (١١٧٤).
(٥) أخرجه بتمامه ابن خزيمة في صحيحه ١/ ٣٥٩ (٧٢٧)، والبيهقيُّ في الكبرى ٢/ ١٧٨ (٣١٠٠) من طريق عبد اللَّه بن المبارك، به. وأخرجه إلى قوله: "كأنّي أنظُر إلى صفحة خدِّه -ﷺ-" أحمد في المسند ٣/ ٨١ - ٨٢ (١٤٨٤)، ومسلم (٥٨٢) من حديث إسماعيل بن محمد بن سعد، به.
[ ١ / ٣٠٧ ]
قال أبو عُمر: إسماعيلُ بنُ محمدٍ هذا يُكْنى أبا محمد، سكَن المدينةَ، ومات بها سنة أربع وثلاثين ومئة، في خلافة أبي العبّاس فيما ذكَر الواقديُّ والطبري.
لمالكٍ عنه في الموطّأ من حديثِ النبيِّ -ﷺ- حديثٌ واحدٌ، يَجري مجْرى المتَّصل، اختُلفَ عن إسماعيلَ في إسناده، والمتْنُ صحيحٌ من طرق، والحديثُ:
مالكٌ (^١)، عن إسماعيلَ بنِ محمدِ بنِ سعدِ بنِ أبي وقّاص، عن مولًى لعمرِو بن العاص أو لعبدِ اللَّه بنِ عمرِو بنِ العاص، عن عبدِ اللَّه بنِ عمرِو بنِ العاص، أنَّ رسولَ اللَّه -ﷺ- قال: "صلاةُ أحَدِكُم وهو قاعدٌ مثلُ نِصْفِ صَلاتِه وهو قائمٌ".
هكذا رواه جماعةُ الرُّواةِ عن مالك، لا خِلافَ بينَهم فيه عنه (^٢).
ورواه ابنُ عُيَينَة، عن إسماعيلَ بنِ محمدِ بنِ سعد، عن أنس، والقولُ عندَهم قولُ مالك، والحديثُ محفوظٌ لعبدِ اللَّه بنِ عمرِو بنِ العاص، وقد ذكَرنا طُرُقَه في بابِ مرسلِ ابنِ شِهابٍ من كتابِنا هذا مُسْتَقْصاةً (^٣)، وباللَّه التوفيق.
_________________
(١) الموطّأ ١/ ١٩٨ (٣٦١).
(٢) رواه عن مالك: أبو مصعب الزُّهريّ (٣٤٦)، ومحمد بن الحسن الشيبانيّ (١٥٥)، وعبد اللَّه بن وهب (٤٣٠)، وعبد الرحمن بن القاسم (١١٢)، وسويد بن سعيد (١١٢)، وعبد اللَّه بن مسلمة القعنبي عند إسماعيل بن إسحاق القاضي في مسند حديث مالك (١٣٢) والجوهريِّ في مسند الموطأ (٢٧١).
(٣) يعني به المنقطع، وهو في الموطأ ١/ ١٩٨ (٣٦٢) عن محمد بن شهاب الزهريّ، عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص ﵄، وهو الحديث الرابع من مراسيل ابن شهاب الزهري، وسيأتي مع تخريجه وتمام الكلام عليه وذكر طرقه في موضعه إن شاء اللَّه تعالى.
[ ١ / ٣٠٨ ]
ومعنى هذا الحديثِ المقصودُ بالخطاب إليه الفَضْلُ؛ يريدُ أنَّ صلاةَ أحدِكُم وهو قائمٌ أفضلُ من صلاتِه وهو قاعدٌ مرَّتَين، وضِعْفَين في الفَضْل، وفضلَ صلاتِه وهو قاعدٌ مثلُ نِصفِ صلاتِه في الفضلِ إذا قامَ فيها، وذلك واللَّهُ أعلم، لِما في القيام من المَشَقَّة، أو لِما شاءَ اللَّهُ أنْ يتَفضَّلَ به. وقد سُئل رسولُ اللَّه -ﷺ- عن أفضلِ الصلاة، فقال: "طُولُ القُنُوت" (^١).
والمرادُ عذا الحديثِ ومثله صلاةُ النافِلة، واللَّهُ أعلمُ؛ لأنَّ المُصلِّيَ فرضًا جالِسًا، لا يَخلُو من أنْ يكونَ مُطِيقًا على القيام، أو عاجِزًا عنه؛ فإن كان مُطِيقًا وصلَّى جالسًا فهذا لا تُجْزِئُه صلاتُه عندَ الجميع، وعليه إعادَتُها، فكيفَ يكونُ لهذا نصفُ فضلِ مُصلٍّ، بل هو عاصٍ بفعلِه، وأمّا إذا كان عن القيام عاجزًا، فقد سقَط فرضُ القيام عنه إذا لم يَقْدِرْ عليه؛ لأنَّ اللَّهَ لا يُكَلِّفُ نفسًا إلّا وُسْعَها، وإذا لم يَقدرْ على ذلك، صار فرضُه عندَ الجميع أنْ يُصَلِّيَ جالِسًا، فإذا صلَّى كما أُمِر، فليس المُصَلِّي قائمًا بأفضلَ منه؛ لأنَّ كلًّا قد أدَّى فرضَه على وجهِه.
والأصلُ في هذا الباب؛ أنَّ القيامَ في الصلاةِ لمّا وجَب فرضًا بقوله: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، وقوله: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [المزمل: ٢]. وقعتِ الرُّخْصَةُ في النافلةِ أنْ يُصلِّيَها الإنسانُ جالسًا من غيرِ عُذْر؛ لكثرتِها واتصالِ بعضِها ببعض.
وأمّا الفَريضةُ فلا رُخصةَ في تركِ القيام فيها، وإنَّما يَسقُطُ ذلك بعدم الاستطاعةِ عليه، وقد أجمَعوا على أنَّ القيامَ في الصلاةِ فرضٌ على الإيجابِ
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند ٢٢/ ٢٦٧ (١٤٣٦٨)، ومسلم (٧٥٦) (١٦٥) من حديث أبي سفيان طلحة بن نافع، عن جابر بن عبد اللَّه ﵄، وسيشير إليه المصنِّف مرة أخرى بعد قليل.
[ ١ / ٣٠٩ ]
لا على التخْيير، وأنَّ النافلةَ فاعلُها مُخيَّر في القيام فيها، فكفَى بهذا بيانًا شافيًا، وباللَّه التّوفيق.
وهذا الحديثُ أصلٌ في إباحةِ الصلاةِ جالسًا في النافلة.
حدَّثني أبو عثمانَ سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا أبو عمرَ أحمدُ بنُ دُحَيْم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ بنِ زيدٍ أبو جعفر، قال: حدَّثنا أبو الحسنِ علّانُ (^١) بنُ المغيرة، قال: حدَّثنا عبدُ الغفارِ بنُ داود، قال: حدَّثنا عيسى بنُ يونس، عن الأعمش، عن حبيبِ بنِ أبي ثابت، عن عبدِ اللَّه بنِ بابَيْه، عن عبدِ اللَّه بنِ عمرِو بنِ العاص، قال: مرَّ بي رسولُ اللَّه -ﷺ-، وأنا أصلِّي قاعدًا، فقال: "أمَا إنَّ للقاعدِ نِصفَ صلاةِ القائم" (^٢). وهذا إسنادٌ صحيحٌ أيضًا عندَ أهلِ العلم (^٣).
_________________
(١) في ف ١: "علي"، وفي ق: "غيلان"، محرف، و"علي" صواب، فهو علي بن عبد الرحمن بن محمد بن المغيرة ولقبه علان، من رجال تهذيب الكمال ٢١/ ٥١.
(٢) أخرجه الطبراني في الكبير ١٣/ ٥٨٢ (١٥٤٩٤)، وفي الأوسط ١/ ١٠٨ (٣٣٨) من طريق عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السَّبيعيّ، به. وأخرجه ابن ماجة (١٢٢٩) من طريق سليمان بن مهران الأعمش، به.
(٣) هكذا قال، وفي قوله نظر، فهذا الإسناد اختُلف فيه على حبيب بن أبي ثابت، فرواه الأعمش هنا وعند الطبراني وابن ماجة عن عبد اللَّه بن بابيه، ورواه عنه سفيان الثوري واختلف عليه فيه، فرواه معاوية بن هشام عند النسائي في الكبرى (١٣٧٣) عنه عن حبيب عن مجاهد، عن عبد اللَّه بن عمرو. ورواه وكيع عند أحمد (٦٨٠٨)، وأبو نعيم عند النسائي (١٣٧٤) عنه عن شيخ يكنى أبا موسى الحذّاء، عن عبد اللَّه بن عمرو، وأبو موسى مجهول، وقد شك سفيان في رفعه في رواية وكيع عنه. ورواه عبد الرحمن بن مهدي عند النسائي (١٣٧٥) عنه، عن حبيب، عن أبي موسى هذا المجهول عن عبد اللَّه بن عمرو موقوفًا. ورجح أبو حاتم الرازي رواية سفيان على رواية الأعمش، فقال: "الثوري أحفظ" (الجرح والتعديل لابنه ٩/ ٤٣٨). ولكن أخرجه مسلم (٧٣٥) وأحمد (٦٥١٢) وأبو داود (٩٥٠) والنسائي في الكبرى (١٣٦٥) وغيرهم من حديث أبي يحيى، عن عبد اللَّه بن عمرو، قال: حُدِّثتُ أنّ رسول اللَّه -ﷺ- قال: "صلاة الرجل قاعدًا نصف الصلاة".
[ ١ / ٣١٠ ]
وقد روَى هذا المعنى عن النبيِّ -ﷺ- عِمرانُ (^١) بنُ حُصين، والسّائبُ بنُ أبي السّائب (^٢)، وأمُّ سلمة (^٣)، وأنسٌ (^٤).
_________________
(١) أشار ناسخ الأصل أنه في نسخة أخرى: "من حديث عمران".
(٢) أخرجه أحمد في المسند ٢٤/ ٢٦٠ (١٥٥٠١)، والترمذي في العلل الكبير (١٢٣)، والنسائي في الكبرى ٢/ ١٤٤ (١٣٧١) من طريق عبد الرحمن بن مهديّ، عن سفيان الثوريّ، عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد بن جبر، عن قائد السائب، عن السائب بن يزيد. عن النبيِّ -ﷺ-؛ قال: "صلاة القاعد على النِّصف من صلاة القائم" وهو حديث صحيح، وهذا إسنادٌ ضعيف، إبراهيم بن مهاجر: هو البَجَليّ الكوفي ضعيف يُعتبر بحديثه، ضعّفه يحيى بن معين وابن حبّان والدارقطني، وتكلّم فيه غيرهم كما هو مبيَّنٌ في تحرير التقريب (٢٥٤)، وقائدُ السائب مجهولٌ، وبقيّة رجاله ثقات.
(٣) أخرجه ابن الجعد في مسنده (٢٦٦)، وعنه الحارث بن أبي أسامة في مسنده كما في بغية الباحث (٢٢٥) كلاهما عن شعبة بن الحجّاج، عن الحكم بن عتيبة، عن رجل، عن أم سلمة ﵂. وأخرجه محمد بن نصر المروزي في قيام الليل ص ٢٠٠ من طريق شعبة، به. وإسناده ضعيف لجهالة التابعيّ.
(٤) أخرجه أحمد في المسند ٢٠/ ٤٤٧ (١٣٢٣٦)، وابن ماجة (١٢٣٠)، والبزار في مسنده ١٢/ ٣٢٤ (٦١٨٧)، والنسائي في الكبرى ٢/ ١٤٣ (١٣٦٨)، وأبو يعلى في مسنده ٧/ ٣٠٠ (٤٣٣٦) من طرق عن عبد اللَّه بن جعفر، عن إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقّاص، عن أنس بن مالك ﵁ قال: خرج رسول اللَّه -ﷺ- على ناسٍ وهم يُصلُّون قُعودًا من مرض، فقال: "إن صلاة القاعد على النِّصف من صلاة القائم"، ورجال إسناده ثقات، عبد اللَّه بن جعفر: هو ابن عبد الرحمن بن المسور المَخْرَمي ثقة، وثّقه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين والبخاري وعليّ بن المديني وغيرهم كما هو مبيَّنٌ في تحرير التقريب (٣٢٥٢)، ولكنه معلول، فقد اختُلف فيه على إسماعيل بن محمد بن سعد، فأخرجه أحمد وابن ماجة والنسائي وأبو يعلى كما تقدم من طريق عبد اللَّه بن جعفر، وقال النسائي: هذا خطأ، والصواب عن مولًى لابن العاص، عن عبد اللَّه بن عمرو، والصواب رواية مالك في "الموطأ" عن مولى لعبد اللَّه بن عمرو بن العاص أو لعمرو بن العاص، عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، وهي رواية الباب. ويغني عن هذه الأحاديث حديث مسلم (٧٣٥) الذي أشرنا إليه في حاشية سابقة.
[ ١ / ٣١١ ]
وفي حديثِ عِمرانَ بنِ حُصين، زيادةٌ ليسَتْ موجودةً في غيرِه وهي: "وصلاةُ الرّاقدِ مثلُ نِصفِ صلاةِ القاعدِ".
وجمهورُ أهلِ العلم لا يُجيزونَ النافلةَ مُضْطَجِعًا، وهو حديثٌ لم يَرْوِه إلّا حُسينٌ المعلِّمُ، وهو حُسينُ بنُ ذَكْوان، عن عبدِ اللَّه بنِ بُريدة، عن عِمرانَ بنِ حُصين (^١)، وقد اختُلِفَ أيضًا على حُسينٍ المعلِّم في إسنادِه ولفظِه اختلافًا يُوجبُ التَّوقُّفَ عنه (^٢) وإنْ صحَّ حديثُ حسين، عن ابنِ بُريدة، عن عمرانَ بنِ حُصين هذا، فلا أدري ما وجهُه! فإنْ كان أحدٌ من أهلِ العلم قد أجازَ النافلةَ مُضطجعًا لمن قدَر على القُعودِ أو القيام، فوجْهُ ذلك الحديثِ النافلةُ، وهو حُجَّةٌ لمَن ذهَب إلى ذلك، وإنْ أجمَعوا على كراهيةِ النافلةِ راقِدًا لمَن قدَر على القُعودِ أو القيام فيها فحديثُ حُسينٍ هذا إمّا غَلطٌ وإمّا منسوخٌ، وقد رُويَ بألفاظٍ
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند ٣٣/ ١١٧ (١٩٨٨٧)، والبخاري (١١١٥)، وأبو داود (٩٥١).
(٢) هذا كلام خطير في حديث أخرجه البخاري في صحيحه لم يسبقه فيه أحد من أهل العلم، ولا نعرف نقدًا لهذا الحديث في كتب العلم عامة وكتب العلل خاصة، وقد قال تلميذ البخاري النجيب أبو عيسى الترمذي: "حديث عمران بن حصين حديث حسن صحيح". وقد توهّم بعض غير العارفين أنّ إسناد هذا الحديث منقطع بين: عبد اللَّه بن بريدة وعمران بن حصين، وقد ردّ عليهم ابن حبّان بعد أن أخرج الحديث (٢٥١٣) بقوله: "هذا إسناد قد توهّم من لم يحكم صناعة الأخبار ولا تفقه في صحيح الآثار، أنه منفصل غير متّصل، وليس كذلك؛ لأن عبد اللَّه بن بريدة ولد في السنة الثالثة من خلافة عمر بن الخطاب سنة خمس عشْرةَ هو وسليمان بن بريدة أخوه توأمه، فلمّا وقعت فتنة عثمان بالمدينة خرج بريدة عنها بابنَيْه وسكن البصرة، وبها إذ ذاك عمران بن حصين وسمرة بن جندب، فسمع منهما، ومات عمران سنة اثنتين وخمسين في ولاية معاوية، ثم خرج بريدة منها بابنَيْه على سجستان فأقام بها غازيًا مدة، ثم خرج منها إلى مرو على طريق هراة، فلمّا دخلها وطَنَها، ومات سليمان بن بريدة بمرو وهو على القضاء بها سنة خمس ومئة، فهذا يدلك على أن عبد اللَّه بن بريدة سمع عمران بن حصين". وينظر كتابنا المسند المصنف المعلل ٢٣/ ٢٠٣ - ٢٠٥ (١٠٤١٠).
[ ١ / ٣١٢ ]
تدُلُّ على أنّه لم يَقْصِد به النافلةَ، وإنَّما قَصَدَ (^١) به الفريضةَ، وهو الذي تدلُّ عليه ألفاظُ مَن يَحتَجُّ بنقلِه له (^٢).
أخبرنا عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمن، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرِ بنِ داسة، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (^٣): حدَّثنا محمدُ بنُ سُليمانَ الأنباريُّ، قال: حدَّثنا وكيعٌ، عن إبراهيمَ بنِ طَهْمان، عن حُسينٍ المعلِّم، عن ابنِ بُريدة،
_________________
(١) الضبط من الأصل مبني للمعلوم.
(٢) دعوى أن أهل العلم متَّفقون على عدم جواز صلاة النافلة مضطجعًا مردودة، وإن كان سبق المصنِّف ﵀ إلى القول فيها الخطابيُّ، وتبعه على ذلك ابن بطّال، فنَفَيا وقوع الخلاف في ذلك، وادّعيا إجماعَ العلماء على أنّ النافلة لا يصليها القادر على القيام مضطجعًا أو إيماءً، وحملا ما ورد في هذه الأحاديث على الصلوات المفروضة، قال الخطابي في "معالم السنن" ١/ ٢٢٥ في سياق شرحه لهذا الحديث: "ولا أحفظ عن أحد من أهل العلم أنه رخّص في صلاة التطوُّع نائمًا كما رخَّصُوا فيها قاعدًا، فإن صحَّت هذه اللفظةُ عن النبيِّ -ﷺ- ولم تكن من كلام بعض الرُّواة أدْرَجَه في الحديث وقاسَهُ على صلاة القاعد، أو اعتبر بصلاة المريض نائمًا إذا لم يقدر على القعود". وتعقَّبهما الحافظ ابن حجر في تلخيص الحبير ١/ ٢٢٨ بقوله: "وما ادّعياهُ من الاتّفاق مردودٌ، فقد حكاه الترمذيُّ عن الحسن البصريّ، وهو أصحُّ الوجهين عند الشافعيّة". قلنا: وما ذكره عن الحسن البصريّ أخرجه الترمذي (٢٣٧٢) من طريق أشعث بن عبد الملك عنه، قال: "إن شاء الرّجُل صلّى صلاة التطوُّع قائمًا، وجالسًا، ومُضْطَجِعًا"، وبمثل ما قاله ابن حجر في هذا نقل العينيُّ في عمدة القاري ٧/ ١٥٩ عن شيخه زين الدين العراقيّ: "أمّا نَفْيُ الخطابي وابن بطّال للخلاف في صحّة التطوُّع مُضطجعًا للقادر فمردودٌ، فإنّ في مذهبنا وجهين، الأصحُّ منهما الصِّحة، وعند المالكية ثلاثة أوجُه، حكاها القاضي عياض في الإكمال"، وأضاف: "فكيف يدّعي مع هذا الخلاف القديم والحديث الاتّفاق؟! ".
(٣) في سننه (٩٥٢). وأخرجه أحمد في المسند ٣٣/ ٥٢ (١٩٨١٩)، وابن ماجة (١٢٢٣)، والترمذي (٣٧٢) من طريق وكيع بن الجرّاح، به. وهو عند البخاري (١١١٧) من طريق إبراهيم بن طهمان، به.
[ ١ / ٣١٣ ]
عن عِمرانَ بنِ حُصين، قال: كان بيَ النّاسورُ، فسألتُ النبيَّ -ﷺ-، فقال: "صلِّ قائمًا، فإنْ لم تَستطِعْ فقاعدًا، فإنْ لم تَستطعْ فعلَى جَنْب".
قال أبو عُمر: هذا يُبيِّنُ لك أنَّ القيامَ لا يَسقطُ فرضُه إلّا بعدم الاستطاعة، ثم كذلك القعودُ إذا لم يَستطِعْ، ثم كذلكَ شيءٌ شيء، يَسقطُ عندَ عدم القُدْرةِ عليه، حتّى يَصيرَ إلى الإغماء، فيَسقطَ جميعُ ذلك. وهذا كلُّه في الفرضِ لا في النافلة (^١).
وأمّا حديثُ عبدِ اللَّه بنِ عمرِو بنِ العاص في هذا الباب فإنّما هو في النافلة، والدَّليلُ على ذلك، أنَّ في نقلِ ابنِ شهابٍ له، أنَّ أصحابَ رسولِ اللَّه -ﷺ-، كانوا يُصلُّونَ في سُبْحَتِهم قُعودًا، فخرَج عليهم رسولُ اللَّه -ﷺ-، فقال ذلك القول (^٢)، والسُّبْحَةُ عندَ أهلِ العلم: النّافلةُ، ودليلُ ذلك أيضًا، قولُه -ﷺ- في الأمراءِ الذين يُوخِّرون الصلاةَ عن ميقاتِها: "صلُّوا الصلاةَ لوقتِها، واجعلوا صلاتَكم معَهُم سُبْحَة" (^٣). يعني نافلة. وفرضُ القيام في الصلاةِ المكتوبةِ ثابتٌ من وَجْهين:
_________________
(١) الأصح أن يقال: عند بعض أهل العلم، كالخطابيِّ وابن بطّال كما سلف وأوضحنا ذلك، وهو مردودٌ، ولهذا قال الترمذيُّ بإثر هذا الحديث (٣٧٢): "ومعنى هذا الحديث عند بعض أهل العلم في صلاة التطوُّع"؛ فالأوْلى عدم التعميم في ذلك، بل قال العينيُّ في شرح سنن أبي داود ٤/ ٢٢٤ بعد أن أورد كلام الترمذيِّ هذا: "قلت: كلامُ الترمذيِّ الذي ذكرناه يُسقِط كلامَ الخطابيِّ جميعَه، فليُتأمَّل! ".
(٢) هو في الموطأ ١/ ١٩٨ (٣٦٢)، وهو الحديث الرابع من مراسيل ابن شهاب الزُّهري، كما سلف وأشرنا إلى ذلك، وسيأتي في موضعه إن شاء اللَّه تعالى.
(٣) أخرجه مسلم (٥٣٤)، والنسائي في الكبرى ١/ ٣٢٠ (٦٢١) من حديث الأسود بن يزيد النخعي وعلقمة بن قيس النخعي، عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁. ويروى من وجوه أخرى عن ابن مسعود ﵁، أخرجه أحمد في المسند ٦/ ٨٥ - ٨٦ (٣٦٠١) و٧/ ٣٦٣ - ٣٦٤ (٤٣٤٧)، وأبو داود (٤٣٢)، والترمذي (١٨٩٨). وأخرجه مسلم (٦٤٨)، وأبو داود (٤٣١) من حديث عبادة بن الصامت، عن أبي ذرّ ﵄. ويُروى من وجوه أخرى عنه وعن غيره.
[ ١ / ٣١٤ ]
أحدُهما: إجماعُ الأمَّةِ كافّةً عن كافَّة، في المصلِّي فريضةً وحدَه أو كان إمامًا، أنَّه لا تُجزِئُه صلاتُه إذا قدَر على القيام فيها وصلَّى قاعدًا، وفي إجماعِهم على ذلك دليلٌ واضحٌ (^١)، على أنَّ حديثَ عبدِ اللَّه بنِ عمرِو بنِ العاص المذكورَ في هذا الباب معناه النافلةُ على ما وصَفْنا.
والوجهُ الثاني: قوله ﷿: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾؛ أي: قائمين، ففي هذه الآيةِ فرضُ القيام أيضًا عندَ أهلِ العلم، لقوله ﷿: ﴿وَقُومُوا﴾؛ ولقوله: ﴿قَانِتِينَ﴾. يريد: قوموا قائمين للَّه -يعني في الصلاة- فخرَج على غيرِ لفظِه؛ لأنّه أعمُّ في الفائدةِ لاحتمالِ القُنوتِ وُجُوهًا كلُّها تَجِبُ في الصلاة. والدَّليلُ على أنَّ القيامَ يُسمَّى قُنوتًا قولُ النبيِّ -ﷺ- إذْ سُئلَ: أيُّ الصلاةِ أفضلُ؟ قال: "طُولُ القُنوت" (^٢)؛ يعني طُولَ القيام (^٣).
وزعَم أبو عُبيدٍ أنَّ القُنوتَ في الوتر، وهو عندَنا في صلاةِ الصُّبح، إنّما سُمِّيَ قُنوتًا لأنَّ الإنسانَ فيه قائمٌ للدُّعاءِ من غيرِ أنْ يقرأَ القرآن، فكأنّه سُكوتٌ وقيامٌ إذْ لا يُقرَأُ فيه، وقد يكونُ القُنوت: السُّكُوت، رُويَ عن زيدِ بنِ أرقمَ أنّه قال: كنّا نتكلَّمُ في الصلاةِ حتى نزَلت: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾. فأُمِرْنا بالسُّكُوت (^٤).
وليس في هذا الحديث ردٌّ لما ذكرْنا؛ لأنَّ الآيةَ يقومُ منها هذان المعنيان وغيرُهما،
_________________
(١) ينظر: الإجماع لابن المنذر ص ٤٢ (٦٥) و(٦٦)، ومراتب الإجماع لابن حزم ص ٢٦.
(٢) سلف تخريجه.
(٣) هذا أحد التأويلات المذكورة في معنى هذه الآية، وسيذكر المصنِّف باقيها في الآتي من شرحه هنا قريبًا، وينظر: جامع البيان لابن جرير الطبري ٥/ ٢٢٨ - ٢٣٦.
(٤) أخرجه أحمد في المسند ٣٢/ ٢٨ (١٩٢٧٨)، والبخاري (١٢٠٠) و(٤٥٣٤)، ومسلم (٥٣٩)، وأبو داود (٩٤٩)، والترمذي (٤٠٥) و(٢٩٨٦)، والنسائي (١٢١٩) من حديث أبي عمرو الشيبانيّ سعد بن إياس، عن زيد بن أرقم ﵁.
[ ١ / ٣١٥ ]
لاحتمالِهما في اللُّغةِ لذلك؛ لأنَّ القنُوتَ في اللُّغةِ له وُجُوه: منها: أنَّ القُنوتَ الطّاعةُ؛ دليلُ ذلك، قولُ اللَّه ﷿: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ [البقرة: ١١٦، الروم: ٢٦]؛ أي: مُطيعون، وقوله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٠]؛ أي: مُطيعًا للَّه، وهذا كثيرٌ مشهورٌ (^١).
ومنها: أنَّ القنوتَ الصلاةُ، فيما زعَم ابنُ الأنباريِّ (^٢)، واحتجَّ بقولِ اللَّه: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي﴾ [آل عمران: ٤٣]. ثم بقولِ الشاعر:
قانتًا للَّه يتلُو كُتْبَه وعلى عمدٍ منَ الناسِ اعتَزَلْ
وقال: تحتملُ هذه الآيةُ وهذا البيتُ جميعًا عندي معنَى الطّاعةِ أيضًا، واللَّهُ أعلم.
ومنها: أنَّ القُنوتَ الدُّعاءُ، دليلُ ذلك القنوتُ في الصلاةِ وقولُهم: قنَتَ رسولُ اللَّه -ﷺ- شهرًا يدعُو (^٣). ومثلُ هذا كثيرٌ، وباللَّه التوفيق.
واختلَف الفقهاءُ في كيفيّة صلاةِ القاعدِ في النافلةِ وصلاةِ المريض؛ فذكَر ابنُ عبدِ الحكم (^٤)، عن مالكٍ في المريض؛ أنّه يَتربَّعُ في قيامِه ورُكُوعِه،
_________________
(١) يُروى هذا المعنى عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ وعامر بن شراحيل الشعبي ومسروق وغيرهم، أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٧٧، وابن جرير الطبري في تفسيره ١٧/ ٣١٧ - ٣١٨.
(٢) في كتابه الزاهر في معاني كلمات الناس ١/ ٦٨، وقال: "والقُنوت ينقسم في كلام العرب على أربعة أقسام" فذكرها بنحو ما سيذكره المصنِّف هنا.
(٣) يعني: على رِعْل وذَكْوان، وعُصيّة، وبني لَحْيان الذين قتلوا القُرّاء من المسلمين، وقصَّتُهم في الصحيحين، البخاري (١٠٠٢) و(١٠٠٣) و(٣٠٦٤) و(٤٠٩٠)، ومسلم (٦٧٧) من طرق عن أنس بن مالك ﵁.
(٤) نقله عن ابن عبد الحكم، عن مالك الطحاوي في مختصر اختلاف العلماء ١/ ٢٥٦، ومثل ذلك نقل عن مالك ابنُ القاسم في المدوّنة ١/ ١٧١، وينظر: الأوسط لابن المنذر ٤/ ٤٣٨.
[ ١ / ٣١٦ ]
فإذا أرادَ السُّجودَ، تَهيَّأ للسُّجودِ فسجَد على قَدْرِ ما يُطيق، وكذلك المُتنفِّلُ قاعدًا.
وقال الثوريُّ (^١): يتربَّعُ في حالِ القراءةِ والرُّكوع، ويثني رجْليْه في حالِ السُّجودِ فيسجدُ. وهذا نحوُ مذهبِ مالك.
وكذلك قال اللَّيثُ، وأحمدُ، وإسحاق (^٢). وقال الشافعيُّ: يجلسُ في صلاتِه كلِّها كجلوسِ التَّشهُّد؛ في روايةِ المزنيِّ. وقال البُوَيطيُّ عنه: يُصلِّي مُتربعًا في موضع القيام (^٣).
وقال أبو حنيفة وزُفَرُ: يَجلسُ كجلوسِ الصلاةِ في التَّشهُّد، وكذلك يَركعُ ويَسجدُ.
وقال أبو يوسفَ ومحمد: يكونُ مُتربعًا في حالِ القيام وحالِ الرُّكوع. وقد رُويَ عن أبي يوسفَ أنّه يتربَّعُ في حالِ القيام، ويكونُ في حالِ رُكوعِه وسجودِه كجلوسِ التَّشهُّد (^٤).
قال أبو عُمر: رُويَ عن ابنِ مسعودٍ أنّه كرِهَ أنْ يتربَّعَ أحدٌ في الصلاة،
_________________
(١) نقله عنه المروزيُّ في اختلاف الفقهاء ١/ ١٣٧، وابن المنذر في الأوسط ٤/ ٤٣٧، والطحاوي في مختصر اختلاف العلماء ١/ ٢٥٦.
(٢) ينظر: مسائل الإمام أحمد رواية ابنه عبد اللَّه ص ١٠٦ (٣٧٧)، ومسائل الإمام أحمد وإسحاق بن راهوية لإسحاق بن منصور الكوسج ٢/ ٦٨٦ (٣١٨)، واختلاف الفقهاء للمروزيّ ص ١٣٨، ومختصر اختلاف العلماء للطحاوي ١/ ٢٥٦.
(٣) نقل الروايتين عن الشافعيّ الطحاوي في مختصر اختلاف العلماء ١/ ٢٥٦، والنووي في المجموع شرح المهذّب ٤/ ٣١١.
(٤) ينظر: الأصل المعروف بالمبسوط لمحمد بن الحسن الشيباني ١/ ٢٢٢، ومختصر اختلاف العلماء للطحاوي ٦/ ٢٥٥ - ٢٥٦.
[ ١ / ٣١٧ ]
قال عبدُ الرَّزّاق (^١): يقول: إذا صلَّى قائمًا فلا يَجلسْ للتَّشهُّدِ مُتربِّعًا، فأمّا إذا صلَّى قاعدًا فلْيتربَّعْ.
ورُوِيَ عن ابنِ عبّاسٍ أنّه كان يكرَهُ التَّربُّعَ في الصَّلاةِ التَّطوُّع (^٢). قال شعبةُ: فسألتُ عنه حمّادًا، فقال: لا بأسَ به في التَّطوُّع (^٣).
ورُوِيَ عن إبراهيم، ومجاهدٍ، ومحمدِ بنِ سيرينَ، وأنسِ بنِ مالك، أنَّهم كانوا يُصلُّونَ في النافلةِ جُلوسًا مُتربِّعين (^٤).
ومالكٌ (^٥) أنّه بلغَه عن عُروةَ وسعيدِ بنِ المُسيِّب أنّهما كانا يُصلِّيان النافلةَ وهما مُحْتَبِيان.
ومعمرٌ، عن أيوب: أنّ ابنَ سيرينَ كان يُصلِّي في التَّطوُّع مُحتبيًا (^٦).
قال معمرٌ: ورأيتُ عطاءً الخراسانيَّ يَحْتَبي في الصلاةِ التَّطوُّع. وقال: ما أراني أخذتُه إلّا من ابنِ المسيِّب (^٧).
_________________
(١) في المصنَّف ٢/ ٤٦٧ (٤١٠٨). وأخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى ٦/ ١٩٨ من طريقين عن حصين بن عبد الرحمن، عن الهيثم بن شهاب السّلمي، عنه ﵄.
(٢) قفز نظر ناسخ الأصل من هنا إلى لفظة "التطوع" الآتية فسقط ما بينهما، وهو ثابت في ق، ف ١.
(٣) أخرجه عبد الرزاق في المصنَّف ٢/ ٤٦٧ (٤١٠٩) من طريق الحكم بن عتيبة عنه ﵄.
(٤) ينظر: المصنف لعبد الرزاق ٢/ ٤٦٦ (٤١٠٤) و٢/ ٤٦٧ (٤١٠٧) و٢/ ٤٦٩ (٤١١٢)، والمصنَّف لابن أبي شيبة باب (مَن رخّص في التربُّع في الصلاة) ٤/ ٣٢٢ حديث (٦١٧٦) وما بعده.
(٥) الموطّأ ١/ ٢٠٠ (٣٦٦).
(٦) أخرجه عبد الرزاق في المصنَّف ٢/ ٤٧٠ (٩٩). معمر: هو ابن راشد، وأيوب: هو ابن أبي تميمة السَّختيانيّ.
(٧) أخرجه عبد الرزاق في المصنَّف ٢/ ٤٦٩ (٤١١٤).
[ ١ / ٣١٨ ]
ومعمرٌ، عن الزُّهريِّ، عن ابنِ المسيِّب: أنّه كان يَحتبي في آخرِ صلاتِه في التَّطوُّع (^١).
وذكر الثَّوريُّ، عن ابن أبي ذئْب، عن الزُّهريِّ، عن ابنِ المسيِّب مثلَه، قال: فإذا أرادَ أنْ يُسجُدَ ثنَى رِجْلَيْه وسجَد (^٢).
وكان عمرُ بنُ عبدِ العزيز يُصلِّي جالسًا محُتبيًا، فقيلَ له في ذلك، فقال: بلَغني أنَّ رسولَ اللَّه -ﷺ- لم يَمُتْ حتى كان أكثرُ صلاتِه وهو جالسٌ (^٣).
وسيأتي القولُ فيمَن صلَّى بعضَ صلاتِه مريضًا، ثم صحَّ فيها، في باب هشام بنِ عُروةَ إن شاء اللَّه ﷿ (^٤). وصلَّى اللَّهُ على محمد.
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق في المصنَّف ٢/ ٤٦٦ (٤١٠٢).
(٢) أخرجه عبد الرزاق في المصنَّف ٢/ ٤٦٦ (٤١٠٣).
(٣) أخرجه عبد الرزاق في المصنَّف ٢/ ٤٦٩ (٤١١٣) من طريق مزاحم مولى عمر بن عبد العزيز، عنه.
(٤) في أثناء شرح الحديث الثالث والخمسين لهشام بن عروة، عن أبيه، وهو في الموطأ ١/ ١٩٧ (٣٦٠)، وسيأتي مع تخريجه والكلام عليه في موضعه إن شاء اللَّه تعالى.
[ ١ / ٣١٩ ]