وهو مولى سعدِ بنِ أبي وقّاص، كذلك نسبَهُ مالكٌ وغيرُه، يقول: إنه أيوبُ بنُ حبيبٍ الجُمَحيُّ، القرشيُّ، من بني جُمَح.
قال مصعبٌ الزُّبيريُّ: هو أيوبُ بنُ حبيبٍ بنِ أيوبَ بنِ علقمةَ بنِ ربيعةَ بنِ الأعور؛ واسمُ الأعور: خلفُ بنُ عمرِو بنِ وُهَيبِ بنِ حُذافةَ بنِ جُمَح، قُتل بقُدَيْدٍ (^٢)، هكذا قال مُصعب (^٣).
قال أبو عُمر: كان أيوبُ بنُ حبيبٍ، من ثقاتِ أهلِ المدينة، مات سنةَ إحدى وثلاثينَ ومئة.
قال البخاريُّ (^٤): روى عنه مالكٌ، وفُلَيْحٌ (^٥)، وعبّادُ بن إسحاق.
لمالكٍ عنه في الموطّأ، من حديث رسولِ اللَّه -ﷺ-، حديثٌ واحدٌ مسندٌ، وهو:
مالكٌ (^٦)، عن أيوبَ بنِ حبيبٍ، مولى سعدِ بنِ أبي وقّاص، عن أبي المُثنّى الجُهنيِّ، أنه قال: كنتُ عند مروانَ بنِ الحكم، فدخل عليه أبو سعيدٍ الخُدريُّ، فقال له مروانُ بنُ الحَكم: أسمِعْتَ من رسولِ اللَّه -ﷺ-، أنه نهى عن النَّفْخ في الشّراب؟ فقال له أبو سعيد: نعم! فقال له رجلٌ: يا رسولَ اللَّه، إنّي لا أرْوَى من نَفَسٍ واحدٍ، فقال له رسولُ اللَّه: "فأَبِنِ القَدَحَ عن فِيْكَ، ثم تنفَّسْ". قال: فإنّي أرى القَذاةَ فيه، قال: "فأهْرِقْها".
_________________
(١) تهذيب الكمال ٣/ ٤٦٧ (٦١٠) والتعليق عليه.
(٢) ينظر: معجم البلدان ٤/ ٣١٣.
(٣) وكذا ساق نسَبَه البخاري في التاريخ الأوسط ٢/ ١٧.
(٤) التاريخ الكبير ١/ ٤١١ (١٣١١).
(٥) هو فليح بن سليمان بن أبي المغيرة الخُزاعيّ.
(٦) الموطّأ ٢/ ٥١٣ (٢٦٧٧).
[ ١ / ٦٦٧ ]
أبو المُثنّى الجُهني لا أقفُ على اسْمِه، واسمُ أبي سعيدٍ الخُدْريّ سعدُ بنُ مالكِ بنِ سِنان، قد أتيْنا على ذِكْر نسَبهِ ووفاتِه في كتابنا في الصَّحابة (^١).
والقَذَاةُ: ما وقع في إناءِ الشارِبِ، من عُود، أو وَرقةٍ، أو رِيْشةٍ، أو نحوِ ذلك، مما يؤذي الشاربَ.
وفي هذا الحديثِ منَ الفقه: دخولُ العالِم على السُّلطان.
وفيه ما كان عليه الأمراءُ والسَّلاطينُ في سالِفِ الأيام، في الإسلام، من السُّؤال عن العِلْم، والبحثِ عنه، ومجالسةِ أهلِه.
وفيه القراءةُ على العالِم، وأن قولَه: نعَمْ، يقوم مقامَ إخبارِه، وكذلك الإقرارُ يجري عندنا هذا المَجْرى، وإن كان غيرُنا قد خالَفَنا فيه، وهو أنْ يُقال للرَّجل: ألِفُلانٍ عندَكَ كذا؟ فيقول: نعم! فيلْزمُه، كما لو قال: لفلانٍ عندي كذا.
وفيه الرُّخصةُ في الزيادة على الجواب، إذا كان من معنى السُّؤال.
وفيه إباحةُ الشُّربِ في نفَسٍ واحدٍ، وكذلك قال مالكٌ ﵀:
أخبرَنا أحمدُ بنُ عبدِ اللَّه بنِ محمدٍ، أنّ أباهُ أخبرَه (^٢)، قال: أخبرَنا محمدُ بنُ فُطَيس، قال: حدَّثنا يحيى بنُ إبراهيم (^٣)، قال: حدَّثنا عيسى بنُ دينار، عن ابنِ القاسم (^٤)، عن مالك، أنه رأى في قولِ النبيِّ ﵇، للرَّجُلِ الذي قال له:
_________________
(١) الاستيعاب ٢/ ٦٠٢ (٩٥٤) و٤/ ١٦٧١ (٢٩٩٧).
(٢) هو عبد اللَّه بن محمد بن علي اللَّخميّ، أبو محمد الباجيّ.
(٣) هو ابن مُزَين، مولى رملة بنت عثمان بن عفان، أبو زكريّا القرطبي.
(٤) هو عبد الرحمن، صاحب الموطّأ. وهذا الأثر نقله عن مالك أبو الوليد محمد بن رشد في البيان والتحصيل ١٧/ ٢٦٧ - ٢٦٨.
[ ١ / ٦٦٨ ]
إنّي لا أرْوَى من نفَسٍ واحد، فقال له النبيُّ ﵇: "فأَبِنِ القَدَحَ عن فِيْكَ"، قال مالكٌ: فكأنّي أرى في ذلك الرُّخصةَ، أنْ يشربَ من نفَسٍ واحدٍ ما شاءَ، ولا أرى بأسًا بالشُّرب من نفَسٍ واحدٍ، وأرى فيه رُخصةً، لموضِع الحديث: "إنّي لا أرْوَى من نفَسٍ واحد".
قال أبو عُمر: يريدُ مالكٌ ﵀، أنّ النبيَّ ﵇، لم يَنْهَ الرَّجُلَ حين قال له: إنّي لا أرْوى من نَفَسٍ واحدٍ، أن يشربَ في نَفَسٍ واحدٍ، بل قال له كلامًا، معناه: فإن كنتَ لا تَرْوى في نفَسٍ واحدٍ، فأَبِنِ القَدَحَ عن فِيْكَ، وهذا إباحةٌ منه للشُّرب من نَفَسٍ واحدٍ إن شاءَ اللَّهُ.
وقد رُويت آثارٌ عن بعض السَّلَف، فيها كراهةُ الشُّربِ في نَفَسٍ واحدٍ، وليس منها شيءٌ تجِبُ به حُجّةٌ، فمِنْ ذلك ما حدّثني خلفُ بنُ القاسم ﵀، قال: حدَّثنا مؤمَّل بنُ يحيى بنُ مهديٍّ الفقيهُ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جعفرِ بنِ راشدٍ الإمامُ، قالْ حدَّثنا عليُّ بنُ المدينيِّ، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ مَخْلَدٍ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ أبي حبيبةَ، قال: أخبر في داودُ بنُ الحُصين، عن عكرمةَ، عن ابنِ عبّاس، قال: الشَّرابُ بنَفَسٍ واحدٍ، شربُ الشَّيطان (^١)، وإبراهيمُ بنُ أبي حبيبةَ، ضعيفٌ لا يُحتجُّ به، ولو صحَّ كان المصير إلى المُسند أوْلى من قول الصاحب.
وأخبرني عبدُ اللَّه بنُ محمد بنِ عبدِ المؤمن، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يحيى بنِ عمرَ بنِ عليٍّ الطائيُّ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ حربٍ الطائيُّ، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ عيينةَ، عن ابنِ طاووس، قال: كان أبي إذا رآني أشربُ بنَفَسٍ واحدٍ نهاني (^٢).
_________________
(١) أخرجه ابن عديّ في الكامل ٣/ ٥٤ بإسناد ضعيف من طريق جهضم بن عبد اللَّه، عن عكرمة مولى ابن عباس، به.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنَّف (٢٤٦٤٥).
[ ١ / ٦٦٩ ]
وذكَر أبو بكر بنُ أبي شيبةَ، قال (^١): حدَّثنا الثقفيُّ، عن خالد، عن عكرمةَ، أنه كرِهَ الشُّربَ بنَفَسٍ واحدٍ، وقال: هو شُرْبُ الشَّياطين.
وأخبرنا أحمدُ بنُ سعيدِ بنِ بشر، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبد اللَّه بنِ أبي دُلَيم، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح (^٢)، قال: كنت أرى سُحْنُونًا إذا أُتِيَ بالماءِ يشربُه، يُسمي اللَّهَ، ثم يتناولُ منه شيئًا، ثم يرفعُ رأسَه، فيَحمَدُ اللَّهَ، رأيتُه يفعل ذلك مرارًا.
قال أبو عُمر: فِعْلُ سُحْنُونٍ هذا، حسنٌ في الأدب، وليس بسُنّةٍ، ولكنّه أهنأُ وأمرأُ، كما قال -ﷺ- في ذلك، ولعلَّ سُحْنُونًا بلغَهُ في ذلك، ما كان ابنُ عُيينةَ يرويه، عن إسرائيلَ، عن كَهْمسٍ، عن أنسِ بنِ مالك، أنّ رسولَ اللَّه -ﷺ- قال: "الشُّرب في ثلاثةِ أنفاسٍ أمْرأُ وأشْفَى، وأشهى، وأبرأ" (^٣)، وقد لقيَ سُحْنُونٌ ابنَ عُيينةَ، وأخذَ عنه.
وجدتُ في أصل سماع أبي ﵀ بخطِّه، أنّ أبا عبدِ اللَّه محمدَ بنَ أحمدِ بنِ قاسم بنِ هلال، حدَّثهم، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عثمان، قال: حدَّثنا نصرُ بنُ مرزوق، قال: حدَّثنا أسدُ بنُ موسى، قال: حدَّثنا حمّادُ بنُ سلمة، ووكيعٌ وإسرائيلُ، عن هشام بنِ أبي عبدِ اللَّه الدَّسْتُوائيّ، عن أبي عصام، عن أنسِ بنِ مالك، قال: كان رسولُ اللَّه -ﷺ-، إذا شرِبَ تنفّسَ ثلاثًا، ويقول: "هو أهنأُ، وأمرأُ وأبرأُ" (^٤).
_________________
(١) في المصنَّف ٨/ ٢٦٧ (٢٤٦٤٦). الثقفيُّ: هو عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، وخالد: هو ابن مهران الحذّاء.
(٢) هو محمد بن وضّاح بن بزيع.
(٣) ذكره الدارقطني في أطراف الغرائب والأفراد ٢/ ١٧٣ (١٠٤٨)، وقال: "تفرّد به أبو جعفر محمد بن سُويد الأدميّ، عن ابن عُيينة، عنه -يعني عن كهمس- وكان من الثقات العُبّاد". وهو في الفردوس بمأثور الخطاب للديلمي ٢/ ٣٦٢ (٣٦١٥).
(٤) أخرجه أحمد في المسند ١٩/ ٢٢٣ (١٢١٨٥)، ومسلم (٢٠٢٨) (١٢٣)، وأبو داود (٣٧٢٧)، والنسائي في الكبرى ٦/ ٣٠٦ (٦٨٦٠) من طرق عن هشام بن أبي عبد اللَّه الدَّستوائيّ، به. وكيع: هو ابن الجراح، وإسرائيل: هو ابن يونس بن أبي إسحاق السَّبيعي.
[ ١ / ٦٧٠ ]
وذكَر أبو جعفرٍ العُقَيليُّ، في كتاب الصَّحابة له، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ يوسف، قال: أخبرنا يحيى بنُ عثمانَ الحمصيُّ، قال: أخبرنا اليمانُ بنُ عديِّ الحمصيُّ الحَضْرَمي، قال: حدَّثني ثابتُ (^١) بنُ كثيرٍ الضَّبيُّ البَصْريُّ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن سعيد بنِ المُسيِّب، عن بَهْزٍ، قال: كان النبيُّ -ﷺ-، يستاكُ عَرْضًا، ويشربُ مَصًّا، ويتنفَّسُ ثلاثًا، ويقول: "هذا أهنأُ، وأمرأُ، وأبرأُ" (^٢).
قال (^٣): وأخبرنا جعفرُ بنُ محمدٍ الزَّعفرانيُّ، قال: أخبرنا عمرُ بنُ عليِّ بنِ أبي بكرٍ الكِنْديُّ، قال: أخبرنا عليُّ بنُ ربيعةَ القرشيُّ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن سعيدِ بنِ المُسيِّب، عن ربيعةَ بنِ أكثَمَ، قال: كان رسولُ اللَّه -ﷺ-، يَسْتاكُ عَرْضًا، ويشربُ مَصًّا، ويقول: "هو أهنأُ وأمرأُ".
قال أبو عُمر: هذانِ الحديثان، حديثُ بَهْزٍ وحديثُ ربيعةَ بنِ أكثَمَ، ليس لإسناديهما عن سعيدٍ أصلٌ، وليسا بصحيحين من جهة الإسناد عندَهُم، وقد جاء عن جماعةٍ من السَّلف، إجازةُ الشُّربِ في نَفَسٍ واحدٍ، كما قال مالكٌ ﵀:
_________________
(١) هكذا في النسخ، وهو خطأ صوابه: "ثُبَيْت". انظر: المجروحين لابن حبان ١/ ٢٠٨، والمؤتلف للدارقطني ١/ ٣٢٤.
(٢) أخرجه ابن قانع في معجم الصحابة ١/ ١٠٥، والطبراني في الكبير ٢/ ٧٤ (١٢٤٢)، وابن عديّ في الكامل في ضعفاء الرجال ٧/ ١٨١، والدارقطني في المؤتلف والمختلف ١/ ٣٢٥، وابن شاهين في الجزء الخامس من الأفراد (٥٧)، وابن مندة في معرفة الصحابة ١/ ٣٠٥، وأبو نعيم في معرفة الصحابة ١/ ٤٤١، والبيهقي في الكبرى ١/ ٤٠ (١٧٦) من طرق عن يحيى بن عثمان بن سعيد الحمصيّ، به. وإسناده ضعيفٌ، اليمان بن عدي الحمصي ضعيف، ضعّفه البخاري وأحمد بن حنبل والعقيلي وغيرهم كما هو موضّحٌ في تحرير التقريب (٧٨٥٣)، وشيخه ثُبيت بن كثير الضبِّي البصري أضعف منه، قال ابن حبان في المجروحين ١/ ٢٠٨ (١٧٢): "منكر الحديث على قلّته، لا يجوز الاحتجاج بخبره إذا انفرد" ثم تناقض فذكره في الثقات ٦/ ١٢٩ (٧٠٣٢) قال: "شيخ يروي عن يحيى بن سعيد الأنصاري"، وذكره الذهبي في الميزان ١/ ٣٦٩ ونقل ما ذكره ابن حبان فيه. وضعّفه غير واحدٍ ممن ألف في الضعفاء، منهم ابن عدي في الكامل ٨/ ٥٣١.
(٣) يعني العقيلي، وهو في الضعفاء في ترجمة علي بن ربيعة القرشي ٣/ ٢٤٧ (بتحقيقنا)، وقال عنه: "مجهول، حديثه غير محفوظ، ولا يُتابعه إلّا مَنْ هو دونَه" ثم قال بإثر الحديث: "لا يصحُّ".
[ ١ / ٦٧١ ]
أخبرنا أحمدُ بنُ عبدِ اللَّه، أنّ أباه (^١) أخبَرهُ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ يونسَ، قال: حدَّثنا بقيُّ بن مَخْلَدٍ، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شيبةَ، قال (^٢): حدَّثنا ابنُ المبارَك، عن سالم، عن عطاءٍ، أنَّه كان لا يرى بالشُّربِ بالنَّفَسِ الواحدِ بأسًا.
قال أبو بكر (^٣): وحدَّثنا حاتمُ بنُ إسماعيل، عن عبدِ اللَّه بنِ يزيدَ، قال: لم أرَ أحدًا كان أعجَلَ إفطارًا من سعيد بنِ المُسيِّب، كان لا ينتظرُ مؤذنًا، ويُؤتى بالقَدَح من ماء، فيَشْرَبُه بنَفَسٍ واحدٍ، لا يقطَعُه حتّى يَفْرُغَ منه. هذا أصحُّ عن سعيد.
قال (^٤): وحدَّثنا الثَّقفيُّ، عن أيوبَ، قال: نُبِّئتُ عن ميمونِ بنِ مهران، قال: رآني عمرُ بنُ عبدِ العزيز وأنا أشربُ، فجعلتُ أقطعُ شرابي وأتنفَّسُ، قال: إنما نُهِيَ أن يتنفَّس في الإناء، فإذا لم تتنفَّسْ فأشربْهُ إن شئتَ بنَفَسٍ واحدٍ.
قال أبو عُمر: قولُ عمرَ بنِ عبد العزيزِ في هذا، هو الفقهُ الصَّحيحُ في هذه المسألة، والنهيُ عن النَّفْخ في الشَّرابِ المذكور في حديثِ مالك في هذا الباب هو عندي كالنَّهي عن التَّنفُّسِ في الإناء سواءٌ، واللَّه أعلم.
ألا ترى إلى قولِه في الحديث: "فأَبِنِ القَدَحَ عن فِيْكَ، ثم تنفَّسْ"، وإذا لم يجُزِ التنفُّسُ في الإناء، لم يجُزِ النَّفخُ فيه، لأنه مثلُه، وقطعةٌ منه.
وحدَّثني خلفُ بنُ القاسم الحافظ، قال: حدَّثنا أبو عيسى عبدُ الرحمن بنُ إسماعيلَ الأُسوانيُّ -قال: وكان فاضلًا ﵀- قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ
_________________
(١) هو عبد اللَّه بن محمد بن عليّ اللخمي، أبو محمد الباجيّ.
(٢) في المصنَّف (٢٤٦٤٣)، وإسناده ضعيف، سالم: هو ابن عبد اللَّه الخيّاط البصري ضعيفٌ، ضعّفه يحيى بن معين، والنسائي، وأبو حاتم الرازي وغيرهم، كما هو موضح في تحرير التقريب (٢١٧٨)، ابن المبارك: هو عبد اللَّه، وعطاء: هو ابن أبي رباح.
(٣) في المصنَّف (٢٤٦٤٣). عبد اللَّه بن يزيد: هو ابن زيد الخَطْميّ الأنصاري.
(٤) في المصنَّف (٢٤٦٤٤). الثقفي: هو عبد الوهاب بن عبد الحميد، وأيوب: هو ابن أبي تميمة السَّختيانيّ.
[ ١ / ٦٧٢ ]
سلام، قال: حدَّثنا مجاهدُ بنُ موسى، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ عُيينة، عن عبدِ الكريم الجَزَريّ، عن عِكْرمة، عن ابنِ عبّاس، قال: نهى رسولُ اللَّه -ﷺ- أن يُنْفَخَ في الإناء أو يُتنفَّسَ فيه (^١).
وحدثنا أحمدُ بنُ عبدِ اللَّه، قال: حدّثنا أبي (^٢)، قال: حدّثنا محمدُ بنُ فُطيس، قال: حدّثنا يونسُ بنُ عبد الأعلى، قال: حدَّثنا أنسُ بنُ عياض، عن الحارثِ بنِ عبدِ الرَّحمن الدَّوسيِّ، عن عمِّه، عن أبي هريرة، أنَّ النبيَّ -ﷺ- قال: "لا يتنفَّسُ أحدُكُم في الإناءِ إذا كان يشربُ منه، ولكن إذا أراد أن يتنفَّسَ فليُؤَخِّرهُ عنه، ثم يتنفَّسْ" (^٣).
قال أبو عُمر: أكثرُ الآثارِ إنما جاءت بالنَّهي عن التنفُّسِ في الإناء، وقد قلنا: إن المعنى واحدٌ، والنَّهيُ عن هذا نهيُ أدب، لا نهيُ تحريم، لأنّ العلماءَ قد أجمعُوا أنَّ مَنْ تنفَّسَ في الإناء، أو نفخَ فيه، لم يحرُمْ عليه بذلك طعامُه، ولا شرابُه، ولكنّه مُسيءٌ، إذا كان بالنَّهي عالمًا، وكان داودُ بنُ علي القياسيُّ يقول: إنّ النَّهيَ عن هذا
_________________
(١) أخرجه الحميدي في مسنده (٥٢٥) عن عبد الكريم بن مالك الجَزَري، به. وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنَّف (٤٦٤٧)، وأحمد في المسند ٣/ ٣٩٠ (١٩٠٧)، والدارمي في سننه (٢١٣٤)، وأبو داود (٣٧٢٨)، وابن ماجة (٣٤٢٩)، والترمذي (١٨٨٨)، وأبو يعلى في مسنده ٤/ ٢٩٠ (٢٤٠٢)، والبيهقي في الكبرى ٧/ ٢٨٤ (١٥٠٥١) من طريق سفيان بن عيينة، به، وقال الترمذي: حسن صحيح.
(٢) هو عبد اللَّه بن محمد بن عليّ اللخمي، أبو محمد الباجيّ.
(٣) أخرجه الحاكم في المستدرك ٤/ ١٣٩ من طريق أنس بن عياض بن ضمرة الليثي، به. وأخرجه البزار في مسنده ١٥/ ١٠٥ (٨٣٩٥)، وأبو يعلى في مسنده ١٢/ ٢٩ (٦٦٧٧) من طريق الحارث بن عبد الرحمن بن عبد اللَّه الدَّوْسيّ، به. وهو حديث صحيح، وهذا إسنادٌ حسن، الحارث بن عبد الرحمن بن عبد اللَّه الدوسيُّ صدوقٌ حسنُ الحديث كما هو موضّحٌ في تحرير التقريب (١٠٣٠)، وعمُّه شيخه في هذا الإسناد: هو عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن الحارث الدوسيّ، ثقة كباقي رجال الإسناد.
[ ١ / ٦٧٣ ]
كلِّه وما كان مثلَه نهيُ تحريم، وهو قولُ أهل الظاهر، لا يجوزُ عند واحدٍ منهم أن يشربَ من ثُلْمَةِ القَدَح (^١)، ولا أن يتنفَّس في الإناء، ومَنْ فعَلَ شيئًا من ذلك كان عاصيًا للَّه عندَهم، إذا كان بالنهي عالمًا، ولم يحرُمْ عليه طعامُه (^٢).
واختلفَ العلماءُ في المعنى الذي من أجله ورَدَ النَّهيُ عن التنفُّسِ في الإناء، فقال قومٌ: إنما ذلك لأنّ الشُّربَ في نَفَسٍ واحدٍ غيرُ محمود عند أهلِ الطِّبِّ، وربّما آذى الكَبِدَ، وقالوا: الكُبادُ من العَبِّ (^٣)، فكُرِهَ ذلك لذلك، كما كُرِهَ الاغتسالُ بالماءِ المُسخَّنِ بالشَّمس، لأنه قال: "يُورِثُ البَرَصَ" (^٤).
_________________
(١) ثُلْمة القَدَح: هو موضع الكسر، وإنما نُهيَ عنه لأنه لا يتماسك عليها فمُ الشارب، وربّما انصَبَّ الماءُ على ثوبه وبَدَنِه، وقيل: لأن موضعها لا ينالُه التنظيف التامُّ إذا غُسل الإناء. اللسان ١٢/ ٧٩.
(٢) ينظر: المحلّى لابن حزم ٧/ ٥٢٠.
(٣) العَبُّ: شُرْبُ الماء من غير مصٍّ، وقيل: أن يشرب الماء ولا يتنفَّسُ. وقد أشار ناسخ الأصل أن عبارة: "وقالوا: الكباد من العب" في نسخة دون أخرى. قلنا: وهي ثابتة في ق. وورد هذا المعنى في حديث مرسل، أخرجه عبد الرزاق في المصنَّف ١٠/ ٤٢٨ (١٩٥٩٤)، ومن طريقه البيهقي في الكبرى ٧/ ٢٨٤ (١٥٠٥٥) كلاهما عن معمر بن راشد، عن ابن أبي حسين، أن النبيَّ -ﷺ- قال: "إذا شرب أحدُكم فلْيَمَصَّ ولا يَعُبُّ عَبًّا، فإنّ الكُبادَ من العَبِّ". وهو مرسل، ابن أبي حسين: هو عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن أبي حسين المكيِّ النَّوفليُّ، تابعيٌّ صغير. وهو عند أبي نعيم في الطبِّ النبويّ (٣٧٣ من طريق عبد اللَّه بن المبارك، عن معمر، به. وقوله: "الكُباد من العَبِّ" الكُباد: وجعٌ في الكبد، والعَبُّ: جرعُ الماء جَرْعًا، قاله الذهبيُّ في الطبِّ النبويّ ص ٨١. وينظر: اللسان (عبب). وقال شيخنا العلامة مصطفى جواد يرحمه اللَّه في مرض القلب الذي أصيب به: "القُلاب".
(٤) لا يصحُّ، وقد وقع ذلك في حديث أخرجه الدارقطني في سننه ١/ ٥٠ (٨٦) و(٨٧) من طريق محمد بن شهاب الزُّهري، عن عروة بن الزُّبير، عن عائشة ﵂، قالت: نهى رسولُ اللَّه -ﷺ- أن يُتوضّأ بالماء المُشَمّسِ أو يُغتَسل به، وقال: "إنه يُورِثُ البَرَصَ". ورواه غيره من طرق أخرى عن عائشة ﵂، وعن عمر موقوفًا، وضعَّف أسانيدها. =
[ ١ / ٦٧٤ ]
قال أبو عُمر: ما أظنُّ هذا صحيحًا، من قولهم: إنه يُورثُ البَرَصَ، وفي قوله -ﷺ-: "هو أهنأُ، وأمرأُ، وأبرأُ" حُجّةٌ لهذا القول.
وقال آخرون: إنما نُهي عن التنفُّس في الإناء، فيُزيلُ الشاربُ القَدَح عن فيه، لأنه إذا أزالَهُ عن فيهِ صار مستأنفًا للشُّرب، ومن سُنّةِ الشّراب أن يبتديَهُ المرءُ بذِكْرِ اللَّه، فمتى أزالَ القَدَحَ عن فيهِ، حمِدَ اللَّهَ، ثم استأنفَ، فسمّى اللَّهَ، فحصلتْ له بالذِّكرِ حسناتٌ، فإنما جاء هذا رغبةً في الإكثارِ من ذِكْرِ اللَّه على الطَّعام والشَّراب.
قال أبو عُمر: وهذا تأويلٌ ضعيفٌ، لأنه لم يبلُغْنا، أنّ النبيَّ ﵇، كان يُسمّي على طعامِه، إلا في أوّلِه، ويحمَدُ اللَّهَ في آخرِه، ولو كان كما قال مَنْ ذكَرْنا قوله، لسمّى عند كلِّ لُقْمة، وحمِدَ عندَ كلِّ لُقمة، وهذا لم يُرْوَ عنه، ولا نعلمُ أحدًا فعَلَه عند كلِّ لُقْمةٍ من طعامِه، وإنْ فعَلَه أحدٌ لم أستَحْسِنْهُ له، ولم أذُمَّه عليه، وقد رُوِيَ حديثٌ بمثل هذا المعنى، رواه وكيعٌ، عن يزيدَ بنِ سنانَ أبي فَرْوة الجَزَرِيِّ، عن ابنٍ لعطاءِ بنِ أبي رَبَاح، عن أبيه، عن ابن عبّاس، قال: قال رسولُ اللَّه -ﷺ-: "لا تَشْربُوا واحدةً، كشُرْبِ البعير، ولكن اشْرَبُوا مَثْنى وثُلاثَ، وسمُّوا إذا شَربتُم، واحمَدُوا إذا رفَعْتُم" (^١).
_________________
(١) = وذكر هذه الأحاديث البيهقي في الكبرى ١/ ٦ ونقل تضعيف الدارقطني لها. وزاد عليها حديث جابر بن عبد اللَّه ﵄ الذي أخرجه الشافعي في الأم ١/ ١٦ عن إبراهيم بن محمد أبي يحيى، عن صدقة بن عبد اللَّه، عن أبي الزبير مسلم بن تدرس، عنه، وقال الحافظ ابن حجر في تلخيص الحبير ١/ ٢٢: "وصدقة ضعيف، وأكثر أهل العلم على تضعيف ابن أبي يحيى، ولكن الشافعيَّ كان يقول: إنه صدوق وإن كان مبتدعًا، وأطلق النسائيُّ أنه كان يضع الحديث، وقال إبراهيم بن سعد: كنّا نُسمِّيه ونحن نطلب الحديث خُرافة، وقال العجلي: كان قدريًّا معتزليًّا رافضيًّا، كل بدعةٍ فيه".
(٢) أخرجه الترمذي (١٨٨٥)، وتمّام في فوائده (٣٤٩)، وإسناده ضعيف لضعف يزيد بن سنان الجَزَري، أبو فروة الرُّهاوي. وقال الترمذي: "هذا حديثٌ غريبٌ".
[ ١ / ٦٧٥ ]
وقال آخرونِ إنما نُهيَ عن التنفُّسِ في الإناءِ لأدبِ المُجالسة، لأنَّ المتنفِّسَ في الإناء، قلَّ ما يخلو أن يكونَ مع نَفَسِه رِيْقٌ ولُعابٌ، ومن سُوءِ الأدبِ أن يشربَ، ثم يُناولَ جليسَه لُعابَهُ؛ ألا ترى أنه لو عَمَد إلى الإناءِ فشربَ منه، ثم تفَلَ فيه، وناولَه جليسَه، أنّ ذلك مما تقذِرُهُ النُّفوسُ وتكرهُه، وليس من أفعال ذوي العُقول، فكذلك من تنفَّسَ في الإناء، لأنّه ربّما كان مع تنفُّسِه أكثرُ من التَّفْل من لُعابه، واللَّه أعلم.
وروى عُقيلٌ، عن ابنِ شهاب، قال: بَلغني أنّ رسولَ اللَّه -ﷺ- نهى عن النَّفْخ في الطَّعام والشَّراب، قال: ولم أرَ أحدًا كان أشدَّ في ذلك من عمرَ بنِ عبد العزيز (^١)، وباللَّه التوفيق.
فرغَ الألِفُ، وليس في شيوخ مالكٍ أحدٌ ممن له عنه شيءٌ من حديثِ النبيِّ ﵇ في موطّئه أولُ اسمِه باءٌ أو تاءٌ.
[آخر المجلد الأول من طبعتنا المحققة، والحمد للَّه رب العالمين].
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنَّف (٢٤٦٥٨) عن عبد اللَّه بن المبارك، عن يونس بن يزيد الأيليّ، عن محمد بن شهاب الزُّهريّ، به. ورجال إسناده ثقات. عُقيل: هو ابن خالد الأيليّ.
[ ١ / ٦٧٦ ]