العلماءِ؟ وكذلك المُرْسَلُ عندَه سواء؛ ألَا تَراه يُرْسِلُ حديثَ الشُّفْعَةِ (^١) ويعْمَلُ به، ويُرْسِلُ حدِيثَ اليَمِينِ مع الشاهِد (^٢)، ويُوجِبُ القولَ به، ويُرْسِلُ حدِيثَ ناقَةِ البرَاءِ بنِ عازِبٍ في جِناياتِ المَواشِي (^٣)، ويرَى العملَ به، ولا يرَى العملَ بحديثِ خِيارِ المُتَبايِعَيْن (^٤)، ولا بنَجاسَةِ وُلُوخِ الكلبِ (^٥)؟ ولم يَدْرِ ما حَقِيقَةُ ذلك كلِّه، لِمَا اعْتَرضَهما عندَه مِن العمل. ولتَلْخِيصِ القولِ في ذلك مَوْضِعٌ غيرُ هذا.
وقالت طائفةٌ مِن أصْحابِنا: مَراسِيلُ الثِّقاتِ أوْلَى مِن المُسْنَداتِ؛ واعْتَلُّوا بأنَّ مَن أسْنَد لك فقد أحالَك على البحثِ عن أحْوالِ مَن سَمَّاه لك، ومَن أرْسَل مِن الأئِمَّةِ حديثًا مع علْمِه ودينِه ويقَتِه، فقد قطَع لك على صحَّتِه، وكَفاك النَّظَر.
_________________
(١) أخرجه في الموطأ ٢/ ٢٥١ (٢٠٧٩) عن محمد بن شهاب الزهري، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وهو الحديث الثالث لابن شهاب، وسيأتي مع تمام تخريجه والكلام عليه في موضعه إن شاء اللَّه تعالى.
(٢) أخرجه في الموطأ ٢/ ٢٦٣ (٢١١١) عن جعفر بن محمد، عن أبيه، وهو الحديث السابع لجعفر بن محمد، وسيأتي مع تمام تخريجه والكلام عليه في موضعه إن شاء اللَّه تعالى.
(٣) أخرجه في الموطأ ٢/ ٢٩٣ (٢١٧٧) عن محمد بن شهاب الزهري، عن حرام بن سعد بن مُحيِّصة، وهو الحديث الثاني لابن شهاب الزهري، عن مُحيِّصة، وسيأتي مع تمام تخريجه والكلام عليه في موضعه إن شاء اللَّه تعالى.
(٤) أخرجه في الموطأ ٢/ ٢٠١ (١٩٥٨) عن نافع، عن عبد اللَّه بن عمر ﵁، عن النبي -ﷺ-، وهو الحديث الثالث عشر لنافع، وسيأتي مع تمام تخريجه والكلام عليه في موضعه إن شاء اللَّه تعالى.
(٥) يشير إلى حديث: "إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات"، وهو في الموطأ ١/ ٧٢ (٧١)، وهو الحديث الخامس والعشرون لعبد اللَّه بن ذكوان أبي الزناد، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، عن أبي هريرة ﵁، وسيأتي مع تمام تخريجه والكلام عليه في موضعه إن شاء اللَّه تعالى.
[ ١ / ١٩٤ ]
وقالت منهم طائفةٌ أخرى: لسْنا نقول: إنَّ المُرْسَلَ أوْلَى مِن المُسْنَد، ولكِنَّهما سَواءٌ في وُجوبِ الحُجَّةِ والاسْتِعمال. واعتلُّوا بأنَّ السَّلفَ رِضوانُ اللَّه عليهم أرْسَلُوا، ووَصَلُوا، وأسْنَدُوا، فلم يَعِبْ واحدٌ منهم على صاحبِه شيئًا مِن ذلك، بل كلُّ مَن أسْنَدَ لم يَخْلُ مِن الإرْسال، ولو لم يكُنْ ذلكَ كلُّه عندَهم دِينًا وحقًا ما (^١) اعْتَمدُوا عليه؛ لانا وجَدْنا التابِعِين إذا سُئِلُوا عن شيءٍ مِن العِلْم، وكان عندَهم في ذلك شيءٌ عن نَبِيِّهم -ﷺ- أو عن أصحابِه ﵃، قالوا: قال رسولُ اللَّه -ﷺ- كذا، وقال عمرُ كذا. ولو كان ذلك لا يوجِبُ عملًا ولا يُعَدُّ عِلْمًا عندَهم، لما قنَع به العالِمُ مِن نفْسِه، ولا رضِيَ به منه السائل.
وممَّن كان يذهبُ إلى هذا القولِ مِن أصحابِنا: أبو الفرج عمرُو بنُ محمدٍ المالكيُّ، وأبو بكْرٍ محمدُ بنُ عبدِ اللَّه بنِ صالح الأبْهَرِيُّ، وهو قولُ أبي جَعْفَرٍ محمدِ بنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِي. وزعَم الطَّبَرِيُّ أنَّ التابِعينَ بأَسرِهم أجْمَعُوا على قَبُولِ المُرْسَلِ ولم يَأْتِ عنهم إنْكارُه، ولا عن أحَدٍ مِن (^٢) الأئمَّةِ بعدَهم إلى رأسِ المئتَيْن. كأنَّه يعْنِي أنَّ الشافعيَّ أوَّلُ مَن أبَى مِن قَبُولِ المُرْسَلِ (^٣).
وقالتْ طائفةٌ أخْرى من أصحابِنا: لسنا نقُول: إنَّ المُسْنَدَ الذي اتَّفقتْ جماعةُ أهلِ الفقهِ والأثرِ في سائرِ الأمصارِ، وهم الجماعةُ، على قَبُولِه والاحتجاج به
_________________
(١) في ف ١: "لما".
(٢) سقط حرف الجر من م.
(٣) إنما يُحمل كلام ابن جرير الطبري بهذا على ما فسّره الزركشيُّ في النكت على مقدّمة ابن الصلاح ١/ ٤٩٢ فقال: "فإن قلت: يؤيّد دعوى ابن الحاجب قولُ الإمام محمد بن جرير الطبري: إنكارُ المرسل بدعةٌ حدثت بعد المئتين. قلت: إن ثبت عنه فمُرادُه: حدث القول به (يعني بقبوله أو عدمه) لمّا احْتِيج إليه، لأنّ أحدًا قبل ذلك لم يكن يعمل به، فلمّا تطاوَلَ الزمنُ احْتِيجَ إلى إنكاره، فكانت بدعةً واجبةً".
[ ١ / ١٩٥ ]
واستعمالِه، كالمرسَلِ الذي اختُلفَ في الحكم به وقَبُولِه في كلِّ أحوالِه، بل نقولُ: إنَّ للمُسْنَدِ مَزِيَّةَ فَضْل؛ لمَوْضِع الاتِّفاقِ، وسكُونِ النفْسِ إلى كثرةِ القائلين به، وإن كان المرسَلُ يجبُ أيضًا العملُ به. وشُبِّه ذلك مِن مذهبِه بالشُّهودِ يكونُ بعضُهم أفضَلَ حالًا مِن بعضٍ وأقْعَد، وأتمَّ معرِفةً، وأكثرَ عددًا، وإن كان البعضُ عَدْلِينَ (^١) جائِزي الشَّهادة، وكِلَا الوجهَين يُوجِبُ العملَ ولا يَقْطَعُ العُذْرَ.
وممَّن كان يقولُ هذا، أبو عبدِ اللَّه محمدُ بنُ أحمدَ بنِ إسحاقَ بنِ خُوَيْز مَنْدادَ (^٢) البَصْرِيُّ المالكي (^٣)، وأمّا أبو حنيفةَ وأصحابُه فإنَّهم يقبلُونَ المرسلَ، ولا يَرُدُّونه إلا بما يرُدُّون به المُسْنَدَ من التَّأويلِ والاعتِلال، على أصولهم في ذلك (^٤). وقال سائرُ أهلِ الفقه، وجماعةُ أصحابِ الحديثِ في كلِّ الأمصارِ فيما علِمتُ: الانقطاعُ في الأثَرِ عِلَّة تمنعُ مِن وجوبِ العملِ به (^٥)، وسواءٌ عارضَه خبرٌ مُتَّصِل أمْ لا. وقالوا: إذا اتصَل خبرٌ، وعارضَه خبرٌ مُنقطِع، لم يُعَرَّجْ على المُنقَطِع مع المُتَّصلِ، وكان المصيرُ إلى المُتَّصلِ دُونَه.
_________________
(١) هكذا في الأصل، وهو جمع عدل، كما يفهم من السياق، وليس واردًا في معاجم العربية، والمشهور: أعدالٌ وعدول.
(٢) جوّد الذهبي ضبطه بخطه في تاريخ الإسلام.
(٣) ترجمته في ترتيب المدارك ٧/ ٧٧ - ٧٨، وتاريخ الإسلام ٨/ ٦٨٠، وفي اسم جده اختلاف، فيقال: محمد بن أحمد بن عبد اللَّه، ويقال: محمد بن أحمد بن علي.
(٤) الاحتجاج بالمراسيل مقيد عند الأحناف بمراسيل أهل القرون الثلاثة الأولى إن كان المرسِلُ ممن يرسل عن الثقات، صحح هذا القول الجصاص وقال: إن هذا ما يدل عليه مذهب الأحناف (الفصول ٣/ ١٤٥ - ١٤٧)، ونقل السرخسي قول الجصاص ونصره في أصوله ١/ ٣٦٣، وهذا مذهب البزدوي وأكثر المتأخرين من الحنفية (جامع التحصيل للعلائي، ص ٢٠).
(٥) قال العلائي في جامع التحصيل، ص ٢٢، بعد نقله كلام ابن عبد البر: "وهو الذي عليه جمهور أهل الحديث أو كلهم"، ثم عزاه لابن مهدي والقطان وابن المديني ولأبي خيثمة وابن معين وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وغيرهم.
[ ١ / ١٩٦ ]
وحُجَّتُهم في رَدِّ المَراسِيلِ، ما أجمعَ عليه العلماءُ مِن الحاجةِ إلى عدالَةِ المُخْبِر، وأنَّه لا بدَّ مِن علْم ذلك، فإذا حكَى التابعيُّ عمَّن لم يَلْقَه، لم يكُنْ بُدٌّ مِن معْرِفةِ الواسطَة، إذ قد صَحَّ أنَّ التابعِين، أو كثيرًا منهم، رَوَوا عنِ الضعيفِ وغيرِ الضعيفِ. فهذه النُّكْتَةُ عندَهم في رَدِّ المرسَل؛ لأنَّ مُرْسِلَه يمكنُ أن يكونَ سمِعَه ممَّن يجوزُ قَبُولُ نقْلِه وممَّن لا يجوزُ، ولا بُدَّ مِن معْرِفةِ عَدالَةِ النّاقلِ، فبطَلَ لذلك الخبرُ المرسَل؛ للجَهلِ بالواسِطَة.
قالوا: ولو جازَ قَبُولُ المَراسِيل، لجازَ قَبُولُ خَبَرِ مالكٍ والشَّافِعِيِّ والأوزاعيِّ ومثلِهم، إذا ذكَرُوا خَبرًا عن النبيِّ -ﷺ-، ولو جازَ ذلك فيهم، لجاز فيمَن بعدَهم إلى عصرِنا، وبطَل المعنى الذي عليه مدارُ الخبر.
ومِن حُجَّتِهم أيضًا في ذلك أنَّ الشهادةَ على الشهادةِ قد أجمَع المسلمونَ أنَّه لا يجوزُ فيها إلَّا الاتصالُ والمُشاهدةُ، فكذلك الخبرُ، يحتاجُ مِن الاتصالِ والمشاهدةِ إلى مثلِ ما تحتاجُ إليه الشهادة، إذْ هو بابٌ في إيجابِ الحُكم واحِدٌ.
هذا كلُّه قولُ الشافعيِّ وأصحابِه، وأهلِ الحديث، ولهم في ذلك مِن الكلام ما يطولُ ذكرُه (^١).
وأما أصحابُنا، فكلُّهم مذهبُه في الأصلِ استعمالُ المرسَلِ مع المسنَدِ، كما يُوجِبُ الجميعُ استعمالَ المسنَدِ، ولا يرُدُّون المُرْسَل بالمُسْنَد (^٢)، كما لا يرُدُّون الخبرينِ المُتَّصلَين، ما وجَدوا إلى استعمالِهما سبيلًا، وما رَدُّوا به المرسَلَ من
_________________
(١) للشافعي شروط في قبول المرسل (الرسالة ٤٦١ - ٤٧١)، وانظر كلام ابن رجب عن المرسل عند الشافعي وأحمد وغيرهم في (شرح العلل ١/ ٣٠٦ - ٣٢٠).
(٢) كتبها ناسخ الأصل: "بالمسند المرسل" ثم وضع فوق كل من اللفظتين م علامة التقديم والتأخير.
[ ١ / ١٩٧ ]