قال أبو عُمر: الذي اجْتمَع عليه أئمَّةُ الحديثِ والفقهِ في حالِ المحدِّثِ الذي يُقبَلُ نَقْلُه، ويُحتَجُّ بحديثه، ويُجْعَلُ سنَّة وحُكمًا في دينِ اللَّه، هو أن يكونَ حافظًا إن حدَّث من حِفظِه، عالمًا بما يُحيلُ المعاني، ضابِطًا لكتابِه إن حدَّث من كتاب، يُؤدِّي الشيءَ على وجهِه، مُتيَقِّظًا غيرَ مُغفَّل، وكلُّهم يَستَحِبُّ أن يُؤدِّيَ الحديثَ بحروفِه؛ لأنَّه أسلَمُ له، فإن كان من أهلِ الفَهْم والمَعْرِفَة، جاز له أن يُحدِّثَ بالمعنى، وإن لم يكُنْ كذلك، لم يَجُزْ له ذلك؛ لأنه لا يَدْرِي لعلَّه يُحيلُ الحلالَ إلى الحرام. ويحتاجُ مع ما وصفْنا أن يكونَ ثِقَةً في دينِه، عَدْلًا، جائزَ الشَّهادة، مَرْضِيًّا، فإذا كان كذلك، وكان سالمًا من التَّدليس، كان حُجَّةً فيما نقَل وحمَل من أثر في الدِّين.
وجُملةُ تلخِيصِ القولِ في التَّدليسِ الذي أجازه مَن أجازه من العلماء بالحديث، هو أن يُحدِّثَ الرجلُ عن شيخٍ قد لَقِيَه وسَمِع منه، بما لم يَسمَعْ منه وسَمِعه من غيرِه عنه، فيُوهِمَ أنه سَمِعه من شَيْخِه ذلك، وإنما سَمِعه من غيرِه، أو من بعضِ أصحابِه عنه، ولا يكونُ ذلك إلّا عن ثِقَة، فإن دَلَّس عن غيرِ ثِقَة، فهو تدليسٌ مذمومٌ عندَ جماعةِ أهلِ الحديث، وكذلك إن دَلَّس عمَّن لم يَسمَعْ منه، فقد جاوَز حَدَّ التَّدليسِ الذي رخَّص فيه مَن رخَّص منَ العلماء، إلى ما يُنكِرُونه، ويَذمُّونه ولا يَحمَدونه، وباللَّه العِصمَةُ لا شريكَ له (^٢).
_________________
(١) في ف ١: "ويعمل".
(٢) يبدو أن ابن عبد البر قد أخذ هذه الكلمات من يعقوب بن شيبة، فقد روى الخطيب البغدادي في "الكفاية" ٢/ ٣٨٦ بسند جيد إلى يعقوب بن شيبة كلامًا يشابه كلام ابن عبد البر، بل يتطابق في بعض جُمَله، كقوله: "فقد جاوز حدَّ التدليس الذي رخّص فيه مَنْ رخّص من العلماء". =
[ ١ / ٢١٧ ]
وكلُّ حاملِ علم مَعروفِ العنايةِ به، فهو عدلٌ محمولٌ في أمرِه أبدًا على العدالة، حتى تَتبيَّنَ جُرْحَتُه في حالِه، أو في كثرةِ غلطِه؛ لقولِه -ﷺ-: "يَحمِلُ هذا العلْمَ من كلِّ خلَفٍ عُدُولُه". وسنَذكُرُ هذا الخبرَ بطُرُقِه في آخرِ هذا البابِ إن شاء اللَّه (^١).
_________________
(١) = ويدلُّ على ذلك قولُ السخاويِّ في فتح المغيث ١/ ٢٢٥ بعد أن نقل هذا التعريف الذي ذكره المصنِّف هنا بعد أن عزاه إليه: "وسبَقَه لذلك يعقوب بن شيبة كما حكاه الخطيب عنه، وهو مع قوله في موضع آخر: إنه إذا وقع فيمَن لم يلْقَهُ أقبَحُ وأسمجُ، يقتضي أنّ الإرسالَ أشدُّ، بخلاف قوله الأول، فهو مُشعِر بأنه أخفُّ، فكأنه هنا على الخفِيّ لِمَا فيه من إيهام اللُّقِيِّ والسماع معًا، وهناك على الجلِيِّ لعدم الالتباس".
(٢) سيأتي بإسناد المصنف من وُجوه عديدة مع تخريجه. وقد تحفّظ على ما ذهب إليه المصنِّف هنا ابنُ الصّلاح من اختياره هذا، وفي استدلاله بهذا الحديث، قال في مقدّمته ص ١٠٥ - ١٠٦: "وتوسّع ابن عبد البرِّ الحافظ في هذا فقال: وكل حامل علم معروف العناية به فهو عدْلٌ، محمولٌ في أمره أبدًا على العدالة حتى يتبيّن جرحُه؛ لقوله -ﷺ-: يحملُ هذا العلم من كلِّ خلَفٍ عدوله؛ وفيما قاله اتساع غير مرضيٍّ". وقد كشف زين الدين العراقي عن وجه عدم رضى ابن الصلاح فيما ذهب إليه المصنِّف فقال في شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٣٤ - ٣٣٥: "وأما استدلاله -يعني ابن عبد البر- بهذا الحديث فلا يصحُّ من وجهين: أحدهما إرساله وضعفُه. والثاني: أنه إنما يصحُّ الاستدلال به أن لو كان خبرًا، ولا يصحُّ حملُه على الخبر لوجود من يحملُ العلمَ وهو غير عدْل، وغير ثقة، فلم يبْقَ له محمل إلا على الأمر. ومعناه أنه أمرَ الثقات بحمل العلم، لأن العلمَ إنما يُقبل عن الثقات. والدليل على أنه للأمر: أن في بعض طرق أبي حاتم: ليَحْمِلْ هذا العلم". بلام الأمر. قلنا: والذي لم يرضَهُ ابن الصلاح ارتضاه الكثيرون من المحققين من أهل الحديث ذكر منهم السخاوي في فتح المغيث ٢/ ٢٠، قال: "ونحوُه قولُ ابن الموّاق من المتأخِّرين: أهل العلم محمولون على العدالة حتى يظهر منهم خلاف ذلك. وقال ابن الجزري: إنّ ما ذهب إليه ابن عبد البرّ هو الصواب وإن ردّه بعضُهم، وسبَقَه المزّي؛ فقال: هو في زماننا مرضيٌّ، بل يتعيّنُ، ونحوه قول ابن سيّد الناس: لست أراه إلّا مرضيًّا، وكذا قال الذهبيُّ: إنه حقٌّ، قال: ولا يدخل في ذلك المستور، فإنه غير مشهور بالعناية بالعلم، فكلُّ من اشتهر بين الحفّاظ بأنه =
[ ١ / ٢١٨ ]
قال صالحُ بنُ أحمدَ بنِ حَنْبَل: حدَّثنا عليُّ بنُ المَدينيِّ، قال: سمِعتُ عبدَ الرَّحمنِ بنَ مَهْديٍّ يقول: قال شعبةُ يومًا: حدَّثني رجلٌ، عن سفيانَ، عن منصور، عن إبراهيمَ بكذا. ثم قال: ما يَسُرُّني أنِّي قلتُ: قال منصورٌ، وأنَّ لي الدُّنيا كلَّها (^١).
وقد يكونُ المُحدِّثُ عَدْلًا جائزَ الشَّهادة، ولا يَعرِفُ معنى ما يَحمِلُ، فلا يُحتَجُّ بنَقْلِه.
قال أحمدُ بنُ حنبل: سمِعْتُ يزيدَ بنَ هارونَ يقول: قد تجوزُ شهادةُ الرجلِ ولا يجوزُ حديثُه، ولا يجوزُ حديثُه حتى تجوزَ شَهادتُه (^٢).
وقال أيوبُ: إنَّ بالبَصرَةِ رجلًا من أزهدِهم وأكثرِهم صلاة، عَيِيًّا، لو شَهِد عندي شهادةً ما أجَزْتُ شَهادتَه. يريد: فكيفَ أقبلُ حديثَه (^٣)؟
وقال ابنُ مَهْدي (^٤): إنّي لأدْعُو اللَّهَ لقوم قد تركْتُ حديثَهم.
_________________
(١) = من أصحاب الحديث، وأنه معروفٌ بالعناية بهذا الشأن، ثم كشفوا عن أخباره فما وجدوا فيه تليينًا، ولا اتفق لهم علمٌ بأنّ أحدًا وثّقه، فهذا الذي عناه الحافظ -يعني ابن عبد البر- وأنه يكون مقبول الحديث إلى أن يلُوح فيه جرح". قال بشار: وهذا هو الصواب الذي ليس فيه ارتياب، فإنّ جُلّ عناية الجهابذة إنَّما كانت تنصبّ على الضبط والإتقان.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تقدمة الجرح والتعديل (باب ما ذُكر من شدّة قول شعبة في التدليس وكراهيته له) ١/ ١٧٣ عن صالح بن أحمد بن حنبل، به.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (باب في الآداب والمواعظ أنها تحتمل الرواية عن الضعاف) ٢/ ٣١.
(٤) أخرجه عليّ بن الجعد في مسنده (١٢٤٣)، ومسلم في مقدمة صحيحه ١/ ٢١، والعجلي في الثقات ص ١٣، والخطيب في الجامع لأخلاق الراوي (١٦٥) من طرق عن حمّاد بن زيد، عن أيوب -وهو ابن أبي تميمة السختياني- بلفظ: "إنّ لي جارًا؛ ثم ذكر من فضْلِه، ولو شهد عندي على تمرتين، ما رأيت شهادته جائزة".
(٥) هو عبد الرحمن.
[ ١ / ٢١٩ ]
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهَير، قال (^١): حدَّثنا الوليدُ بنُ شُجاع، قال: حدَّثنا سُويدُ بنُ عبدِ العزيز، عن مغيرة، قال: خرَجْنا إلى شيخٍ بلَغَنا أَنَّه يُحدِّثُ بأحاديث، فلمَّا انتَهيْنا إلى إبراهيمَ قال: ما حبَسكُم؟ قلنا: أتينا شيخًا يُحدِّثُ بأحاديث. قال إبراهيم: لقد رأيْتُنا وما نأخُذُ الأحاديثَ إلّا ممّن يعْرِفُ وُجوهَها، وإنّا لَنجِدُ الشيخَ يُحدِّثُ بالحديثِ يُحرِّفُ حلالَه من حرامِه وما يَعلَمُ.
وقال عليُّ بنُ المَدينيِّ: سِمعتُ يحيى بنَ سعيد -يعني القَطّانَ- يقول: يَنبغي لصاحبِ الحديثِ أن تكونَ فيه خِصالٌ؛ ينبغي أن يكونَ جيِّدَ الأخْذ، ويَفهَمَ ما يُقالُ له، ويُبْصِرَ الرِّجال، ويتَعاهدَ ذلك من نفسِه (^٢).
وقد ذكَرْنا في بابِ أخبارِ مالكٍ بعدَ هذا الباب قولَه فيمَن يُؤخَذُ العلْمُ عنه، ومذهبُه في ذلك هو مذهبُ جمهورِ العلماء.
والشَّرْطُ في خبرِ العدلِ على ما وصَفْنا: أن يَرويَ عن مِثلِه سَماعًا واتِّصالًا، حتى يتَّصِلَ ذلك بالنبيِّ -ﷺ-.
وأمَّا الإرسال، فكلُّ مَن عُرِف بالأخذِ عن الضُّعفاء، والمُسامَحَةِ في ذلك، لم يُحتجَّ بما أرسَله؛ تابعًا كان أو مَن دونَه، وكلُّ مَن عُرِفَ أَنَّه لا يأخُذُ إلّا عن ثِقَة، فتدليسُه ومُرسَلُه مقبول.
فمراسيلُ سعيدِ بنِ المُسيِّب، ومحمدِ بنِ سيرين، وإبراهيمَ النَّخَعيِّ،
_________________
(١) في تاريخه الكبير، السفر الثالث ١/ ٣١٤ - ٣١٥ (١١٤٦).
(٢) أخرجه الحاكم في معرفة علوم الحديث ص ١٥، وأبو نعيم في حلية الأولياء ٨/ ٣٨٠، والخطيب البغدادي في الكفاية في علم الرواية ص ١٦٥ من طريق حنبل بن إسحاق، عن علي بن المدينيّ، به. وينظر: شرح علل الترمذي لابن رجب الحنبلي ١/ ٤٦٦.
[ ١ / ٢٢٠ ]
عندَهم صِحاحٌ، وقالوا: مراسيلُ عطاءٍ (^١) والحسنِ (^٢) لا يُحتَجُّ بها؛ لأنهما كانا يأخُذان عن كلٍّ، وكذلك مراسيلُ أبي قِلابَة (^٣) وأبي العالية (^٤) (^٥).
وقالوا (^٦): لا يُقبَلُ تدليسُ الأعمش (^٧)؛ لأنه إذا وُقِفَ أحال على غيرِ مليء -يَعنون: على غيرِ ثِقَة- إذا سألْتَه: عمَّن هذا؟ قال: عن موسى بنِ طَريف، وعبايةَ بن رِبْعيٍّ، والحسنِ بنِ ذَكْوان.
قالوا (^٨): ويُقبَلُ تدليسُ ابنِ عيينة؛ لأنه إذا وُقِفَ أحال على ابنِ جُرَيْج، ومَعْمَر، ونَظائرِهما.
أخبَرني أبو عثمانَ سعيدُ بنُ نصرٍ ﵀، قال: حدَّثنا أبو عمرَ أحمدُ بنُ دُحَيْم بن خليل، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمد بن عبد العزيز البَغَويُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ حنبل، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ عُيينةَ يومًا، عن زيدِ بنِ أسلَم، عن
_________________
(١) هو: ابن أبي رباح.
(٢) هو: ابن أبي الحسن البصري.
(٣) هو: عبد اللَّه بن زيد بن عمرو الجرمي البصري.
(٤) هو: رفيع بن مهران الرياحي البصري.
(٥) ينظر: العلل الصغير للترمذي (الملحق بالجامع الكبير، له ٦/ ٢٤٧)، ويحيى بن معين رواية ابن محرز ص ١٢٠، ورواية الدوري ٣/ ٢٠٦، والمراسيل لابن أبي حاتم ص ٣ - ٤، والتاريخ الكبير لابن أبي خيثمة، السفر الثالث ١/ ٢١٣. وقال الإمام أحمد: "مرسلات سعيد بن المسيب أصح المرسلات ومرسلات إبراهيم النخعي لا بأس بها، وليس في المرسلات شيء أضعف من مرسلات الحسن وعطاء بن أبي رباح فإنهما يأخذان عن كل أحد" أخرجه الفسوي في المعرفة والتاريخ ٢/ ٢٣٩ - ٢٤٠.
(٦) وهو قول أبي الفتح الأزدي، رواه الخطيب في الكفاية ٢/ ٣٨٦ - ٣٨٧ (١١٦٥) عن شيخه محمد بن جعفر الوراق، عنه، به. وينظر: جامع التحصيل ص ٧٩ و١٠٠.
(٧) هو: سليمان بن مهران.
(٨) قاله أبو الفتح الأزدي كما في الكفاية للخطيب.
[ ١ / ٢٢١ ]
عليِّ بنِ الحُسين، قال: يجزِئُ الجُنُبَ أن يَنغمِسَ في الماء. قلنا: مَن دونَ زيدِ بنِ أسْلَم؟ قال: مَعْمَرٌ. قلنا: مَن دونَ مَعْمَر؟ قال: ذاك الصَّنْعانيُّ عبدُ الرَّزّاق (^١).
ورُوِيَ عن ابن مَعِين، قال: كان ابنُ عُيينةَ يُدلِّسُ، فيقولُ: عن الزُّهريِّ. فإذا قيل له: مَن دونَ الزُّهريِّ؟ فيقول لهم: أليس لكم في الزُّهريِّ مَقنَعٌ؟ فيقال: بلى. فإذا استُقْصيَ عليه، يقول: مَعْمَرٌ! اكتُبوا لا بارَك اللَّهُ لكم (^٢).
قال يحيى بنُ مَعِين: وكان هُشَيْمٌ (^٣) مدلِّسًا، وكان الأعمشُ مدلِّسًا، وكان الوليدُ بنُ مسلم مُدَلِّسًا (^٤).
حدَّثنا أبو عبدِ اللَّه محمدُ بنُ رَشِيق، قال: حدَّثنا أبو الطَّيِّبِ أحمدُ بنُ سليمانَ بنِ عمرٍو البغداديُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ محمدِ بنِ سليمانَ (^٥) الباغَنْديُّ، قال:
_________________
(١) أخرجه أبو الشيخ في ذكر الأقران (٢١٦)، وأبو طاهر المخلّص في المخلّصيات ٢/ ٢٣٥ (١١٢) من طريق محمد بن ميمون الخياط، عن سفيان بن عيينة، به. وروى عبد الرزاق الصنعاني في المصنف (١٠١٤) عن معمر، عن زيد بن أسلم، في الرجل يغسل رأسه بالخطمي وهو جُنُبٌ، ثم يتركه حتى يجِفَّ، قال: سمعت عليَّ بن الحسين يقول: "ما مس الماء منك وأنت جُنب فقد طهُرَ ذلك المكان".
(٢) جاء خبر قريب من هذا الخبر، أخرجه الحاكم في المعرفة (١٠٥)، والمدخل إلى الإكليل ص ٥٣، عن علي بن خشرم، قال: "قال لنا ابن عيينة عن الزهري، فقيل له: سمعته من الزهري؟ فقال: لا ولا ممن سمعه من الزهري، حدثني عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري".
(٣) هو: ابن بشير الواسطي، شيخ أحمد.
(٤) قال أبو المظفر السمعاني في قواطع الأدلة ١/ ٣٤٨: إن عامّة المحدّثين من أهل الحجاز قد صانوا أنفسهم عن التدليس إلّا ما ذكرنا عن ابن عيينة، وهو كوفيّ وفد مكّة وصار إمامَ الدُّنيا في الحديث، وإنما أكثرُ التدليس من أهل الكوفة وجماعة من أهل الشام، وقد كان هشيم بن بشير كثير التدليس، وهو من أهل واسط، وأما أهل بغداد والجبال وأهل خراسان وما وراء النهر، فلا يُذكر عن واحد منهم التدليس إلّا الشيء اليسير". وينظر: النكت على مقدمة ابن الصلاح للزركشي ٢/ ٨٥.
(٥) من هنا تبدأ نسخة المكتبة القادرية ببغداد -حررها اللَّه تعالى- والتي رمزنا لها "ق".
[ ١ / ٢٢٢ ]
حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ اللَّه المَدينيُّ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ القطّان، عن سفيانَ الثوريِّ، قال: حدَّثنا سليمانُ الأعمش، عن إبراهيمَ التَّيميِّ، عن أبيه، عن أبي ذَرٍّ، عن النبيِّ -ﷺ-، قال: "مَنْ بنَى للَّه مسجدًا ولو كَمَفْحَصِ قَطاة، بنَى اللَّهُ له بيتًا في الجنة" (^١).
قال عليُّ بنُ المَدينيِّ: قال يحيى بنُ سعيد: قال سفيانُ وشعبة: لم يَسمَع الأعمشُ هذا الحديثَ من إبراهيمَ التَّيْميّ (^٢) (^٣).
قال أبو عمر: هذه شهادةُ عَدْلَين إمامَين على الأعمشِ بالتدليس، وأنَّه كان يُحدِّثُ عمّن لَقِيَه بما لم يَسمَعْ منه، وربَّما كان بينَهما (^٤) رجلٌ أو رجلان.
فلمِثلِ هذا وشِبْهِه قال ابنُ معينٍ وغيرُه في الأعمش: إنَّه مُدلِّسٌ.
حدَّثنا إسماعيلُ بنُ عبد الرحمن، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ بكرِ بنِ عِمران، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ الأزديُّ، قال: حدَّثنا عمرانُ بنُ موسى، قال:
_________________
(١) قوله: "كمفحص قطاة" المَفْحَص: موضعها الذي تجثم وتبيض، كأنها تفحص عنه التُّراب؛ أي تكشفه. والفحص: البحث والكشف. والقطاة: نوعٌ من اليمام يعيش في الصحراء. ينظر: النهاية ٣/ ٤١٥.
(٢) أخرجه البزار في مسنده ٩/ ٢١٢ (٤٠١٦) و(٤٠١٧)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار ٤/ ٢٠٩ (١٥٤٩)، وأبو نعيم في حلية الأولياء ٤/ ٢١٧ من طريق سفيان الثوريّ، به. صحيح موقوفًا، رجال إسناده ثقات، لكن اختُلف في وقفه ورفعه، وقد سأل ابن أبي حاتم فِى علله ٢/ ١٢٩ - ١٣٠ (٢٦١) أباه وأبا زرعة عن هذا الحديث فقالا: "والصحيح عن أبي ذرّ موقوفًا" ونقل عن أبيه قوله: "ليس من صحيح حديث الأعمش"، كما ذكر الدارقطني في علله ٦/ ٢٧٤ - ٢٧٦ (١١٣٤) وبسط فيه وجوه الاختلاف في إسناده عن الأعمش وسفيان الثوري، وقال: "والموقوف أشبههما بالصواب".
(٣) كتب ناسخ الأصل في الحاشية: "بلغت المقابلة بحمد اللَّه وحسن عونه".
(٤) في ف ١: "يتهم رجلًا"، وهو تحريف بيّن.
[ ١ / ٢٢٣ ]
حدَّثنا أبو موسى الزَّمِن، قال: حدَّثنا أبو الوليد (^١)، قال: سمِعتُ أبا معاويةَ الضَّريرَ يقول: كنتُ أُحدِّثُ الأعمشَ عن الحسنِ بنِ عُمارة، عن الحكم، عن مجاهد، فيَجيءُ أصحابُ الحديثِ بالعَشِيِّ فيقولون: حدَّثنا الأعمشُ عن مجاهدٍ بتلك الأحاديث. فأقول: أنا حدَّثتُه عن الحسنِ بنِ عُمارة، عن الحكم، عن مجاهد.
قال أبو عمر: التدليسُ في محُدِّثي أهلِ الكوفةِ كثيرٌ، قال يزيدُ بنُ هارون: لم أرَ بالكوفةِ أحدًا إلّا وهو يُدلِّسُ، إلّا مِسْعَرًا وشَريكًا (^٢).
وذكَر إسحاقُ بنُ إبراهيم، عن أبي بكر بنِ عَيّاش، عن الأعمش، قال: قال لي حبِيبُ بنُ أبي ثابت: لو أنَّ رجلًا حدَّثني عنكَ بحديث، ما بالَيْتُ أن أروِيَه عنك (^٣).
_________________
(١) هو هشام بن عبد الملك الطيالسيّ، ومن طريقه أخرجه ابن عديّ في الكامل في ضعفاء الرجال ٢/ ٢٩٣. وقد ساق العلائيُّ في جامع التحصيل ص ١٠٠ هذه الرواية عن أبي معاوية محمد بن خازم الضَّرير، ثم قال: "والأعمش قد سمع من مجاهد، ثم نراه يُدلّس عن ثلاثة، عنه، وأحدُهم متروكٌ، وهو الحسن بن عمارة" وقال في ص ١٠١: "وهذا الأعمش من التابعين وتراه دلَّس عن الحسن بن عمارة، وهو يعرف ضعفه".
(٢) أخرجه الخطيب البغدادي في الكفاية في علم الرواية ص ٣٦١ من طريق محمد بن يحيى الأزدي، عن يزيد بن هارون، به. وأخرج ابن أبي حاتم في تقدمة "الجرح والتعديل" ١/ ٢٢٤ بسنده إلى وكيع، قال: لم يسمع الأعمش من مجاهد إلا أربعة أحاديث. وقد سأل الترمذيُّ البخاريَّ عن هذا القول، فقال: ريح ليس بشيء، لقد عددت له أحاديث كثيرة نحوًا من ثلاثين، أو أقلّ، أو أكثر، يقول فيها: حدّثنا. (العلل الكبير للترمذي ص ٣٨٨ (٤٧».
(٣) أخرجه الرامهرمزيّ في المحدّث الفاصل ص ٤٥٥ من طريق إسحاق بن إبراهيم الشهيديّ، به. وينظر: جامع التحصيل للعلائي ص ١٠٥ (٧)، وكتاب المدلّسين لأبي زرعة العراقي ص ٤٠، والتبيين لأسماء المدلّسين لسبط ابن العجميّ ص ١٩ - ٢٠.
[ ١ / ٢٢٤ ]
وروَى معاذُ بنُ معاذ، عن شعبة، قال: ما رأيتُ أحدًا إلّا وهو يُدَلِّس، إلّا عمرَو بنَ مُرَّةَ وابنَ عَوْن (^١).
وقال يحيى بنُ سعيدٍ القطّان: مالكٌ، عن سعيدِ بنِ المُسيِّب، أحبُّ إليَّ من الثوريِّ، عن إبراهيمَ؛ لأنَّه لو كان شيخُ الثوريِّ فيه رَمَقٌ، لبرَّح به وصاح. وقال مرةً أخرى: كلاهما عندي شِبْهُ الرِّيح (^٢).
حدَّثنا خلفُ بنُ أحمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيد، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عثمان، قال: حدَّثنا الخُشَنيُّ، قال: حدَّثنا أبو موسى الزَّمِنُ، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ عبدِ الرحمن، عن ابنِ عون، قال: ذكَر أيوبُ لمحمدٍ يومًا حديثًا عن أبي قِلابة، فقال: أبو قِلابةَ رجُلٌ صالحٌ، ولكن انظُرْ عمَّن ذكَره أبو قِلابة (^٣).
وحدَّثنا خلفُ بنُ أحمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيد، قال: حدَّثنا الحَضرَميُّ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ أحمدَ بنِ حنبل، قال (^٤): حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ عُلَيّة، عن أيوبَ، قال: كان الرجلُ يُحدِّثُ محمدًا بالحديث، فلا يُقبِلُ عليه، ويقول: واللَّه ما أتَّهِمُكَ ولا أتَّهِمُ ذاك، ولكن أتَّهِمُ مَن بينكما.
_________________
(١) أخرجه البغوي في الجعديات ٢٧٧ (٥٢)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق ٣١/ ٣٤٥ من طريق معاذ، به.
(٢) أخرج هذه الأخبار -بألفاظ متقاربة- الترمذي في علله الصغير الملحق بجامعه ٦/ ٢٤٧، وابن أبي خيثمة في التاريخ الكبير، السفر الثالث ٢/ ٣٤٥، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ١/ ٢٤٣ - ٢٤٤، والخطيب في الكفاية ٢/ ٤٤٠ - ٤٤١ (١٢١٥ - ١٢١٦) بطرق عن يحيى بن سعيد القطان.
(٣) أخرجه البخاري في التاريخ الكبير ٥/ ٩٢، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق ٢٨/ ٢٩٠، والعقيلي في الضعفاء ١/ ١٠٣ (بتحقيقنا)، وابن عدي في الكامل ١/ ٢٥٠، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق ٢٨/ ٢٩٧ من طرق عن محمد بن المثنّى، عن الحسن بن عبد الرحمن، به.
(٤) في العلل ٢/ ٣٨٦ (٢٧٢١).
[ ١ / ٢٢٥ ]
حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهير، قال (^١): حدَّثنا أحمدُ بنُ حنبل، قال (^٢): حدَّثنا أبو داودَ -يعني الطَّيالسيَّ- قال: قال شعبةُ: كنتُ أعرفُ إذا جاء ما سمِع قَتادَةُ مما لم يَسمَعْ، كان إذا جاء ما سمِع يقول: حدَّثنا أنسُ بنُ مالك، وحدَّثثا الحسنُ، وحدَّثنا سعيدُ بنُ المسيِّب، وحدَّثنا مُطَرِّفٌ. وإذا جاء ما لم يَسمَعْ يقول: قال سعيدُ بنُ جبير، وقال أبو قِلابة (^٣).
وذكر أبو عيسى التِّرمذيُّ، قال (^٤): حدَّثنا حسينُ بنُ مهديٍّ البَصريُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّزّاق، قال: حدَّثنا ابنُ المبارك، قال: قلتُ لهُشيم: ما لَك تُدلِّسُ وقد سمِعْتَ كثيرًا؟ قال: كان كَبيراك يُدلِّسان: الأعمشُ، والثوريُّ. وذكَر أنَّ الأعمشَ لم يَسمَعْ من مجاهدٍ إلّا أربعةَ أحاديث.
قال أبو عيسى (^٥): قلتُ لمحمدِ بنِ إسماعيلَ البخاريّ: لم يَسمَعِ الأعمشُ من مجُاهدٍ إلّا أربعةَ أحاديث. قال: رِيحٌ، ليس بشيءٍ، لقد عدَدتُ له أحاديثَ كثيرةً، نحوًا من ثلاثين أو أقلَّ أو أكثرَ، يقولُ فيها: حدَّثنا مجاهدٌ.
_________________
(١) في تاريخه الكبير، السفر الثالث ٢/ ٨٤ (١٨٣٧).
(٢) رواه أبو زرعة في تاريخه ١/ ٤٥٦، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق ٢٨/ ٣٠٩، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ١/ ١٢٨ مختصرًا، والخطيب في الكفاية ٢/ ٣٨٨ (١١٦٧). وأخرجه عبد اللَّه بن أحمد في العلل (٥٠٦٨) عن أحمد بن إبراهيم الدوري، عن أبي داود، به.
(٣) انظر: التخريج السابق. وأخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى ٩/ ٢٢٨، والفسوي في المعرفة والتاريخ ٣/ ٢٠٩، والبغوي في الجعديات ٥٢٥ (١٠٧٥) عن أحمد بن إبراهيم الدوري (وفيه ذكر سليمان بن يسار بدل سعيد بن جبير) عن أبي داود الطيالسي به.
(٤) العلل الكبير ص ٣٨٨.
(٥) العلل الكبير ص ٣٨٨.
[ ١ / ٢٢٦ ]
قال البخاريُّ (^١): ولا أعرِفُ لسفيانَ الثوريِّ، عن حبيبِ بنِ أبي ثابت، ولا عن سلَمةَ بنِ كُهَيل، ولا عن منصورٍ -وذكَر مشايخَ كثيرةً- لا أعرِفُ لسفيانَ عن هؤلاءِ تدليسًا، ما أقلَّ تدليسَه!
قال البخاريُّ (^٢): وكان حُمَيدٌ الطَّويلُ يُدلِّسُ.
حدَّثنا أبو عبدِ اللَّه محمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ سعيد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ مُطَرِّف، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عثمانَ الأعْناقيُّ، قال: حدَّثنا أبو يعقوبَ إسحاقُ بنُ إسماعيلَ الأيْليُّ، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ عُيَينَة، عن زيدِ بنِ أسلَمَ، قال: قال عبدُ اللَّه بنُ عمرَ: دخَل رسولُ اللَّه -ﷺ- مسجدَ بني عمرِو بنِ عوف -يعني مسجدَ قُباءَ- يصلِّي فيه، ودخَلتْ رجالٌ من الأنصارِ يُسَلِّمون عليه، ودخَل معهم صُهَيبٌ، فسألتُ صُهَيبًا: كيف كان النبيُّ -ﷺ- يَصنَعُ إذا سُلِّم عليه؟ قال: يُشيرُ بيَدِه. قال سفيانُ بنُ عيينة: فقلتُ لرجل: سَلْ زيدَ بنَ أسلمَ -وفَرِقتُ أن أسألَه-: هل سمِعتَ هذا من ابنِ عمرَ؟ فقال له: يا أبا أُسامة، أسَمِعتَه من ابنِ عمرَ؟ قال زيدٌ: أمّا أنا فقد رأيْتُه (^٣).
_________________
(١) العلل الكبير للترمذي، ص ٣٨٨.
(٢) العلل الكبير للترمذي، ص ١٣٠.
(٣) أخرجه الشافعي في مسنده - ترتيب سنجر ١/ ٣٢٤ (٢٠٩)، ومن طريقه البيهقي في معرفة السنن ٣/ ١٧٦ (٤١٨١)، وعبد الرزاق في المصنف ٢/ ٣٣٦ (٣٥٩٧)، ومن طريقه ابن المنذر في الأوسط ٣/ ٤٣٤ (١٥٨٣)، والطبراني في الكبير (٧٢٩١)، والحميدي في مسنده ١/ ٢٣٥ (١٤٨)، ومن طريقه الحاكم في المستدرك ٣/ ١٣ (٤٢٧٨)، والبيهقي في شعب الإيمان ١١/ ٣٦٧ (٨٦٨٢)، وابن حزم في المحلى ٣/ ٨٠، وفيه: "كلمته وكلمني"، وابن أبي شيبة في المصنف (٤٨٤٤)، وأحمد في المسند ٨/ ١٧٤ - ١٧٥ (٤٥٦٨) ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق ١٩/ ٢٧٥، والدارمي في مسنده ٢/ ٨٦٠ (١٤٠٢)، وابن شبة في تاريخ المدينة (٤٤)، وابن ماجة في السنن (١٠١٧)، والنسائي في السنن الكبرى ٢/ ٣٥ (١١١١)، =
[ ١ / ٢٢٧ ]
قال أبو عمر: جوابُ زيدٍ هذا جوابُ حَيْدَةٍ عما سُئِل عنه، وفيه دليلٌ واللَّهُ أعلمُ على أَنَّه لم يَسمَع هذا الحديثَ من ابنِ عمر، ولو سَمِعه منه لأجاب بأنّه سَمِعه ولم يُجِبْ بأنّه رآه، وليستِ الرُّؤيةُ (^١) دليلًا على صحَّةِ السَّماع، وقد صحَّ سماعُه من ابنِ عمرَ لأحاديث، وقد ذكَرنا ذلك في أوَّلِ بابِه من هذا الكتاب، والحمدُ للَّه.
حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهير، قال (^٢): حدَّثنا أحمدُ بنُ حنبل، قال (^٣): حدَّثنا شُعَيْبُ بنُ حَرب، قال: قال مالكُ بنُ أنس: كنّا نجلِسُ إلى الزُّهريِّ وإلى محمدِ بنِ المُنكَدِر، فيقولُ الزُّهريُّ: قال ابنُ عمر كذا وكذا. فإذا كان بعدَ ذلك جلَسنا إليه فقلنا له: الذي ذكَرْتَ عن ابنِ عمرَ، مَنْ أخبَرك به؟ قال: ابنُه سالِمٌ.
_________________
(١) = وأبو يعلى الموصلي في مسنده ١٠/ ١٥ (٥٦٤٣)، وابن خزيمة في صحيحه ٢٥/ ٤٩ (٨٨٨)، وابن حبان في صحيحه ٦/ ٣٣ (٢٢٥٨) من طريق سفيان بن عيينة بهذا الإسناد، وعند ابن خزيمة زاد عبد الجبار بن العلاء (شيخ المصنف) وقال سفيان: قلت لزيد: سمعت هذا من ابن عمر؟ قال: نعم. وقد تفرّد عبد الجبار بن العلاء بهذه القالة التي لم يذكرها عبد الرزاق والحميدي وابن أبي شيبة وأحمد ويحيى بن حسان وعلي بن محمد ومحمد بن منصور ومحمد بن الصباح وأبو خيثمة وابن خشرم والحسين بن حُريث وإبراهيم بن بشار الذين رووه عن سفيان، ولذلك فإن في القلب منها، والصواب أنّ زيدًا لم يصرح بالسماع لهذا الحديث من ابن عمر. وينظر كتابنا: المسند المصنف المعلل ١٠/ ٢٨٣ (٤٨٨٤).
(٢) في ف ١: "الرواية"، والمثبت من الأصل، ق.
(٣) في تاريخه الكبير، السفر الثالث ٢/ ٢٤٨ (٢٧١١).
(٤) العلل لعبد اللَّه ١/ ٢٩٤ (٤٧٦). ومن طريقه أخرجه الفسوي في المعرفة والتاريخ ٢/ ٨٣٠، والخطيب في الكفاية ٢/ ٢٨ - ٢٩ (٢٥٧). وأخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى ٧/ ٤٣٧ من طريق شعيب بن حرب به.
[ ١ / ٢٢٨ ]
وقال حبيبُ بنُ الشَّهيد: قال لي محمدُ بنُ سيرين: سَلِ الحسنَ، ممّن سَمِع حديثَ العَقيقَة؟ فسألتُه، فقال: من سَمُرَة (^١).
قال أبو عمر: فهكذا مراسيلُ الثِّقات، إذا سُئِلوا أحالوا على الثِّقات، ويقولون: لم يَسمَعِ الحسنُ من سَمُرَةَ غيرَ حديثِ العقيقة (^٢). هكذا قال ابنُ معين (^٣) وغيرُه.
وقال البخاريُّ (^٤): قد سَمِع منه أحاديثَ كثيرة. وصَحَّح سماعَه من سَمُرَة، فيما ذكَر الترمذيُّ (^٥) أبو عيسى عن البخاريِّ، فاللَّهُ أعلمُ.
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهَير، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ حنبل، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جعفر، قال: حدَّثنا شعبةُ، عن سليمانَ الأعمش، قال: قلتُ لإبراهيم: إذا حدَّثتَني حديثًا فأسْنِدْه. فقال: إذا قلت: عن عبد اللَّه -يعني ابنَ مسعود- فاعلَم أَنَّه عن غيرِ واحد، وإذا سَمَّيتُ لك أحدًا، فهو الذي سمَّيتُ (^٦).
_________________
(١) أخرجه عبد اللَّه بن أحمد في العلل ٣/ ٣٣ (٤٠٤٤)، والبخاري في صحيحه ٧/ ٨٥ (٥٤٧٢)، وفي التاريخ الكبير ٢/ ٢٩٠، والترمذي في الجامع ١/ ٢٢٣ بعد رقم (١٨٢)، والنسائي في السنن الكبرى ٤/ ٣٧٣ (٤٥٣٣)، والبيهقي في السنن الكبرى ٩/ ٥٠٣ (١٩٢٦٥) من طرقٍ عن حبيب بن الشهيد به. وحديث العقيقة هو: "كل غلام مرتهن بعقيقته تذبح عنه يوم سابعه. . . ".
(٢) وهو قول النسائي في المجتبى ٣/ ٩٤ (بعد ١٣٨٠)، والدارقطني في السنن ٢/ ١٣٤ (بعد ١٢٧٥).
(٣) الثابت عن ابن معين نفيُهُ السماع بالكلية، انظر: تاريخ الدوري (٤٠٩٤)، وتاريخ الدارمي عن ابن معين (٢٧٧)، والمراسيل لابن أبي حاتم (٩٦).
(٤) في تاريخه الكبير ٢/ ٢٩٠ (٢٥٠٣).
(٥) في العلل الكبير ص ٣٨٦، وذكر ذلك أيضًا عن البخاري عن علي بن المديني (كما في جامعه إثر حديث ١٨٢، وفي علله الكبير أيضًا).
(٦) أخرجه الترمذي في العلل الصغير الملحق بجامعه ٦/ ٢٤٩ من طريق شعبة نحوه.
[ ١ / ٢٢٩ ]
قال أبو عمر: إلى هذا نَزع من أصحابِنا مَن زعَم أنَّ مُرسلَ الإمام أولى من مُسْنَدِه؛ لأنَّ في هذا الخبر ما يَدُلُّ على أنَّ مراسيلَ إبراهيمَ النَّخَعيِّ أقوى من مَسانيدِه، وهو لَعَمري كذلك، إلّا أنَّ إبراهيمَ ليس بعيارٍ على غيرِه.
أخبرنا أبو إسحاقَ إبراهيمُ بنُ شاكر، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يحيى بنِ عبدِ العزيز، قال: حدَّثنا أسلَمُ بنُ عبدِ العزيز، قال: حدَّثنا الرَّبيعُ بنُ سُلَيمان، قال: حدَّثنا الشافعيُّ، ﵀، قال (^١): حدَّثنا عمي محمدُ بنُ عليِّ بن شافع، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ عروة، عن أبيه عروةَ بنِ الزُّبَير، قال: إنِّي لأسْمَعُ الحديثَ أسْتَحْسِنُه فما يَمْنَعُني من ذكرِه إلّا كراهيةُ أن يَسمعَه سامعٌ فيَقتَديَ به، وذلك أنّي أسمَعُه من الرجلِ لا أثِقُ به قد حدَّث به عمَّن أثِقُ به، أو أسمَعُه من الرجُل أثِقُ به قد حدَّث به عمَّنْ (^٢) لا أثِقُ به (^٣)، فلا أُحدِّثُ به.
قال أبو عُمر: هذا فعلُ أهلِ الورع والدِّين، كيف ترى في مرسَلِ عُروةَ بنِ الزُّبَير، وقد صحَّ عنه ما ذكرْنا؟ أليس قد كَفاك المؤْنةَ؟ ولو كان النَّاسُ على هذا المذهبِ كلُّهم، لم يُحتَجْ إلى شيءٍ ممّا نحنُ فيه.
وفي خبرِ عروةَ هذا دليلٌ على أنَّ ذلك الزَّمانَ كان يحدِّثُ فيه الثِّقةُ وغيرُ الثِّقة، فمَن بحَث وانتقد، كان إمامًا، ولهذا شرَطْنا في المُرسَلِ والمقطُوع إمامةَ (^٤) مُرسِلِه، وانتِقادَه لمَن يأخذُ عنه، وموضِعَه من الدِّينِ والورع والفَهْم والعلْم.
_________________
(١) في الأم ٦/ ١١٢، ومن طريقه ابن عدي في الكامل ١/ ١٢٩ - ١٣٠، والبيهقي في مناقب الشافعي ٢/ ٣٢، والخطيب في الكفاية ١/ ١٣١ (٥١).
(٢) في ف ١: "من".
(٣) قوله: "قد حدث به عمن أثق به، أو أسمعه من الرجل أثق به قد حدث به عمن لا أثق به" سقط من ق.
(٤) في ف ١: "إقامة"، والمثبت من الأصل، ق.
[ ١ / ٢٣٠ ]
حدَّثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الرحمن، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ بكرِ بنِ عمران، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ بنِ أحمدَ الأزْديُّ الحافظُ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا الرَّبيعُ بنُ سليمان، قال: حدَّثنا الشافعيُّ، قال: أخبرني عمي محمدُ بنُ عليِّ بنِ شافع، قال: حدَّثني هشامُ بنُ عروة، عن أبيه عروةَ بنِ الزُّبَير، قال: إنِّي لأسمَعُ الحديثَ أسْتَحْسِنُه. فذكَر كلامَ عروةَ كما تقدَّم حرفًا بحرف، إلى آخرِه، إلّا أنّه قال في آخره: فأدَعُه لا أُحدِّثُ به. وزاد: قال الشافعيُّ (^١): كان ابنُ سيرين، وإبراهيمُ النَّخَعيُّ، وطاووسٌ، وغيرُ واحدٍ من التّابعين، يذهَبون إلى أن لا يقْبَلوا الحديثَ إلّا عن ثِقَةٍ يعرِفُ ما يَروي ويَحفَظُ، وما رأيتُ أحدًا من أهلِ الحديثِ يُخالِفُ هذا المذهب.
قال أبو عمر: ما أظُنُّ قولَ عروةَ هذا إلّا مأخوذًا من قولِه -ﷺ-: "مَنْ روَى عنِّي حديثًا يرى أنّه كَذِبٌ، فهو أحدُ الكاذِبَيْن" (^٢). وذلك أنَّ مَن حدَّث بكُلِّ ما سَمِع؛ من ثِقَةٍ وغير ثقة، لم يُؤمَنْ عليه أن يُحدِّثَ بالكذب، واللَّهُ أعلم.
حدَّثني أحمدُ بنُ قاسم وسعيدُ بنُ نصر، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ أبو إسماعيلَ التِّرمذيُّ، قال: حدَّثنا نُعيمُ بنُ حمّاد، قال: حدَّثنا ابنُ المُبارك، قال (^٣): سمِعتُ يحيى بنَ عُبيدِ اللَّه، قال: سمِعتُ أبي
_________________
(١) في الأم ٦/ ١١٢.
(٢) سيأتي بإسناد المصنِّف مع تخريجه قريبًا.
(٣) في مسنده (١٩)، وفي الزهد (٧٣٥). وأخرجه ابن عدي في الكامل ٧/ ٢٠٣، والبغوي في شرح السنة ١٤/ ٣١٩ من طريق ابن المبارك، وسنده ضعيف جدًّا؛ يحيى بن عُبيد اللَّه بن موهب متروك الحديث كما في التقريب (٧٥٩٩)، وقد رُويَ من وجوه أخرى صحيحة عن أبي هريرة ﵁، وسيأتي بعض منها قريبًا.
[ ١ / ٢٣١ ]
يقول: سمِعتُ أبا هريرةَ يقول: قال رسولُ اللَّه -ﷺ-: "كفى بالمرءِ كَذِبًا أن يُحدِّثَ بكلِّ ما سَمِع".
قال ابنُ المبارك (^١): وأخبَرنا إسماعيلُ بنُ أبي خالد، عن قيسِ بنِ أبي حازم، قال: سمعتُ أبا بكرٍ الصِّدِّيقَ يقول: إيّاكُمْ والكَذبَ، فإنَّه مُجانِبٌ الإيمانَ.
ورَوَيْنا (^٢) عن الثوريِّ، قال: قال حَبِيبُ بنُ أبي ثابت: الذي يروي الكذبَ هو الكذّاب.
حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حمّاد، قال: حدَّثنا مُسدَّد، قال: حدَّثنا يحيى القَطّان.
وأخبرنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أبو عليٍّ الحسنُ بنُ سلّام السُّويقيُّ، قال: حدَّثنا عفّانُ بنُ مسلم، قالا: حدَّثنا شعبةُ، عن الحكم، عن عبد الرحمنِ بنِ أبي ليلى، عن سَمُرَةَ بن جُنْدُب، قال: قال رسولُ اللَّه -ﷺ-: "مَن روَى عنِّي حديثًا وهو يرى أَنَّه كَذِبٌ، فهو أحدُ الكاذِبين" (^٣).
_________________
(١) في الزُّهد (٧٣٦)، ورجال إسناده ثقات. ويروى من وجه آخر عن أبي هريرة ﵁، أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٢٦٠١٠)، ومن طريقه مسلم في مقدمة صحيحه (١/ ١٠)، وأبو داود في سننه ٧/ ٣٤٤ (٤٩٩٢)، وابن حبان في صحيحه ١/ ٢١٤ (٣٠)، والحاكم في المستدرك ١/ ١٩٥ (٣٨١)، وأبو القاسم في الحنّائيات ١/ ٧٠٩ (١٢٨) من طرق عن علي بن حفص المدائني عن شعبة عن حبيب بن عبد الرحمن عن حفص بن عاصم عن أبي هريرة، قال: "كفى بالمرء إثمًا. . . ". وقد روي مرسلًا عن حفص بن عاصم، ورجح بعضهم كالدارقطني (الإلزامات ١٣٠ - ١٣١ (٨» الرواية المرسلة.
(٢) الضبط من الأصل.
(٣) أخرجه الطيالسي في مسنده ٢/ ٢١٧ (٩٣٧)، ومن طريقه ابن قانع في معجم الصحابة ١/ ٣٠٦، وابن أبي شيبة في مصنفه (٢٦٠٠٨)، ومن طريقه مسلم في مقدمة صحيحه ١/ ١٨، وابن ماجة في السنن (٣٩) بلفظ: "مَنْ حدّث"، وأحمد في مسنده ٣٣/ ٣٣٣ (٢٠١٦٣)، =
[ ١ / ٢٣٢ ]
قال أبو عمر: عند شعبةَ في هذا إسنادٌ آخر.
أخبرنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أبو عليٍّ الحسنُ بنُ أحمدَ بنِ سلّام السُّويقيُّ، قال: حدَّثنا عفانُ بنُ مسلم وعليُّ بنُ الجَعْد (^١)، قالا: حدَّثنا شعبةُ، عن حبيبِ بنِ أبي ثابت، عن ميمونِ بنِ أبي شبيب، عن المغير بنِ شعبة، عن النبيِّ -ﷺ-، قال: "مَنْ حدَّث عنِّي بحديثٍ وهو يرى أَنَّه كَذِبٌ، فهو أحدُ الكاذِبَيْن".
ورواه الثوريُّ، عن حبيبٍ بإسنادِه مثلَه.
حدَّثنا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهير، قال:
_________________
(١) = وابن أبي الدنيا في الصمت (٥٣٤)، والبزار (٤٥٣٦) بلفظ "من حدث"، والنسائي في الإغراب (٨٣) من ثلاث طرق، اثنتان منهما بلفظ: "وهو يعلم"، وأبو القاسم البغوي في الجعديات ٧١ (١٤٣)، ومن طريقه ابن عساكر في معجمه ١/ ٣٠١ (٣٥٦)، والطحاوي في مشكل الآثار ١/ ٣٧٣ (٤٢٢) بلفظ: "من حدث"، والخرائطي في مساوئ الأخلاق ٨٠ (١٦١) بلفظ: "من حدث"، وابن حبان في صحيحه ١/ ٢١٢ - ٢١٣ (٤٢٢) بلفظ: "من حدث"، والطبراني في الكبير ٧/ ١٨٠ (٦٧٥٧)، وابن عدي في الكامل ١/ ٩٢، والقطيعي في الفوائد ٤٦٦ (٣١٦)، وأبو نعيم في المستخرج بلفظ: "من يفري" ١/ ٤٦ (٢٨)، والخطيب في تاريخه ٥/ ٢٦٣ من طرق عن شعبة به.
(٢) الجعديات ١٨٣ (٥٤٣) لأبي القاسم البغوي. ومن طريقه أخرجه القيسراني في السماع (٦٠)، والبغوي في شرح السنة ١/ ٢٦٦ (١٢٣). وأخرجه أحمد في المسند ٣٠/ ١٢١ - ١٢٢ (١٨١٨٤)، ومسلم في مقدمة صحيحه ١/ ١٨، وابن أبي الدنيا في الصمت (٥٣٣)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (٤٢٣) و(٤٢٤) و(٤٢٥)، وابن حبان في المجروحين ١/ ٧، والطبراني في المعجم الكبير ٢٠/ حديث (١٠٢٠)، وابن عدي في الكامل ٢/ ٤٠٧، والحاكم في المدخل إلى الصحيح (١٠٣)، وأبو نعيم في الحلية ٤/ ٣٧٨، والخطيب في الجامع ٢/ ١٣٤ (١٣٢٢) من طرق عن شعبة بن الحجّاج به. وإسناده منقطع، فإنّ ميمون بن أبي شبيب يبعد سماعه من المغيرة بن شعبة، وقال الفلّاس: لم أُخبرَ أن أحدًا يزعم أنه سمع من أصحاب النبيّ -ﷺ- كما في تهذيب الكمال ٢٩/ ٢٠٧.
[ ١ / ٢٣٣ ]
حدَّثنا أبو نُعيم، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن حبيبِ بنِ أبي ثابت، عن ميمونِ بنِ أبي شَبيب، عن المغيرةِ بنِ شعبة، قال: قال رسولُ اللَّه -ﷺ-، فذكَره (^١).
حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ اللَّه بنِ محمد، قال: حدَّثنا المَيْمونُ بنُ حمزةَ الحَسَنيُّ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ الطَّحاويُّ، قال: حدَّثنا المُزَنيُّ (^٢). وحدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ يوسف، قال: حدَّثنا سليمانُ بنُ أيوبَ، قال: حدَّثنا أسْلمُ بنُ عبدِ العزيز، قال: حدَّثنا الرَّبيعُ بنُ سليمان، قالا: حدَّثنا الشافعيُّ، قال (^٣): حدَّثنا سفيانُ بنُ عيينة، عن محمدِ بنِ عَمْرو، عن أبي سَلَمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ اللَّه -ﷺ-: "حدِّثوا عن بني إسرائيلَ ولا حرجَ، وحدِّثوا عنِّي ولا تكذِبوا عليَّ".
قال الشافعيُّ (^٤) ﵀: هذا أشدُّ حديثٍ رُوِيَ في تحريج الرِّواية عمَّن لا يُوثَقُ بخبرِه عن النبيِّ -ﷺ-؛ لأنَّه -ﷺ- معلومٌ منه أنه لا يُبيحُ اختلاق (^٥) الكذبِ على بني إسرائيلَ ولا على غيرِهم، فلمَّا فرَّق بين الحديثِ عن بني إسرائيلَ وبين
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٢٦٠٠٧)، ومن طريقه مسلم ١/ ١٨، وابن ماجة (٤١)، وأبو نعيم في المستخرج ١/ ٩٤، وأحمد في مسنده ٣٠/ ١٥٠ (١٨٢١١) بلفظ: "الكذّابين"، والترمذي في جامعه (٢٦٦٢)، والخرائطي في مساوئ الأخلاق (١٥٩)، والطبراني في الكبير ٢٠/ ٤٢٢ (١٠٢١) من طرق عن سفيان الثوريّ، به. وإسناده منقطع كما بيّنّا في سابقه.
(٢) في ف ١: "المدني"، محرفة.
(٣) في مسنده، ترتيب السندي (١٧)، وفي الرسالة ص ٣٩٧ - ٣٩٨. وأخرجه الحميديُّ في مسنده (١١٩٩) عن سفيان بن عيينة، به. وهو عند أحمد في المسند ١٦/ ١٢٥ (١٠١٣٠) و١٦/ ٣١٣ (١٠٥٢٩)، وأبي داود (٣٦٦٢) من طرق عن محمد بن عمرو، به. وهو حديث صحيح، وهذا إسنادٌ حسن لأجل محمد بن عمرو: وهو ابن علقمة بن وقاص الليثي، فهو حسن الحديث، وباقي رجاله ثقاتٌ. أبو سلمة: هو ابن عبد الرحمن بن عوف.
(٤) في الرسالة ص ٣٩٨ - ٤٠٠ بمعناه.
(٥) في ف ١: "اختلاف".
[ ١ / ٢٣٤ ]
الحديثِ عنه -ﷺ-، لم يَحتمِلْ إلّا أَنَّه أباح الحديثَ عن بني إسرائيلَ عن كلِّ أحد، وأنّه مَن سَمِع عنهم شيئًا جاز له أن يُحدِّثَ به عن كُلِّ مَن سَمِعه منه، كائنًا مَن كان، وأنْ يُخبِرَ عنهم بما بلَغه؛ لأنَّه -واللَّهُ أعلمُ- ليس في الحديثِ عنهم ما يَكْدَحُ في الشَّريعة، ولا يُوجِبُ فيها حكمًا، وقد كانت فيهم الأعاجيبُ، فهي التي يُحدَّث بها عنهم، لا شيء من أُمورِ الدِّيانة، وهذا الوجهُ المباحُ عن بني إسرائيلَ هو المحظورُ عنه -ﷺ-، فلا يَنبغي لأحدٍ أن يُحدِّثَ عنه -ﷺ- إلّا عمَّن يَثقُ بخبرِه، ويَرضَى دينَه وأمانتَه؛ لأنها ديانة.
أخبرنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ وسعيدُ بنُ نصر، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ التِّرمذيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللَّه الأنصاريُّ، قال (^١): حدَّثنا سليمانُ التَّيميُّ، عن أنسِ بنِ مالك، قال: قال رسولُ اللَّه -ﷺ-: "مَن كذَب عليَّ مُتعمِّدًا، فلْيَتبوَّأْ مَقعدَهُ مِن النّار".
أخبرنا محمدُ بنُ عبدِ الملك، قال: أخبرنا ابنُ الأعرابيِّ، قال: حدَّثنا سَعْدانُ بنُ نصر، قال (^٢): حدَّثنا سفيانُ، عن هشام بنِ حُجَيْر، عن طاووس، قال: كنتُ عندَ
_________________
(١) في حديثه (٢). وأخرجه ابن الأعرابي في معجمه ٣/ ١٠٠٣ (٢١٤٢)، والطبراني في "طرق حديث من كذب عليّ" (١٠٣)، وتمام الرازي في الفوائد ١/ ٣٤١ (٨٧٢)، ومن طريقه ابن الجوزي في الموضوعات ١/ ٩١ (١٣١)، وأبو نعيم في الحلية ٣/ ٣٣، والخطيب في الكفاية ١/ ٣٠٠، وقاضي المارستان في مشيخته ٢/ ٤١٤ (١٧)، وعنه ابن عساكر في معجم الشيوخ ٢/ ٦٠٥ (٧٤٥)، وحديث أهل حوران (١٤) (مطبوع ضمن أجزاء)، وابن المُقَرَّب الكرخي في الأربعين حديثًا من أربعين شيخًا ١١٩ - ١٢٠ (٣٧) من طرق عن محمد بن عبد اللَّه الأنصاري، وهو كذاب، ولكن متن الحديث صحيح معروف عن عدد من الصحابة.
(٢) في جُزئه (١٣)، ومن طريقه ابن عديّ في الكامل ١/ ٤٨. وأخرجه عبد اللَّه بن أحمد في العلل ٣/ ٣٨ (٤٠٦٩)، والدارمي في مسنده (٤٢٦)، ومسلم في المقدمة ١/ ١٢ - ١٣ من طريق سفيان بن عيينة، به.
[ ١ / ٢٣٥ ]
ابنِ عبّاسٍ وبُشَيرُ بنُ كعبٍ العَدَويُّ يُحدِّثُه، فقال ابنُ عبَّاس: عُدْ لحديثِ كذا وكذا. فعاد له، ثم إنَّه حدَّث، فقال له ابنُ عبَّاس: عُدْ لحديثِ كذا وكذا. فعادَ لَه، ثم إنَّه حدَّث، فقال له بُشيرٌ: مالكَ تسألُني عن هذا الحديثِ من بين حديثي كلِّه، أأنكَرتَ حديثي كلَّه وعرفْتَ هذا؟ أو: عرفْتَ حديثي كلَّه وأنكَرتَ هذا؟ فقال له ابنُ عبَّاس: إنّا كُنّا نُحدِّثُ عن رسولِ اللَّه -ﷺ- إذ لم يكنْ يُكذَبُ عليه، فلمَّا ركِب النَّاسُ الصَّعبَ والذَّلُولَ، تَركْنا الحديثَ عنه.
وفي هذا دليلٌ على أنَّ الكذبَ على النبيِّ -ﷺ- قد كان أحسَّ به ابنُ عبّاسٍ في عصرِه.
وقال رجلٌ لابنِ المبارك: هل يمكنُ أن يكذِبَ أحدٌ على رسولِ اللَّه -ﷺ-؟ فانتهَره، وقال: وما ذا مِن الكَذب (^١)!
وقال حمّادُ بنُ زيد: وضعَتِ الزَّنادِقةُ على رسولِ اللَّه -ﷺ- اثنيْ عشَرَ ألفَ حديثٍ بَثُّوها في الناس (^٢).
قال أبو عمر: تخويفُ رسولِ اللَّه -ﷺ- أُمتَه بالنارِ على الكذبِ، دليلٌ على أَنَّه كان يَعلَمُ أنه سيُكذَبُ عليه -ﷺ-.
حدَّثنا خلفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الحسن بن إسحاقَ الرَّازيُّ، قال: حدَّثنا أبو الزِّنْباع رَوْحُ بنُ الفرج القطّانُ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ عبدِ اللَّه بنِ بُكَير ويزيدُ بنُ مَوْهَب، قالا: حدَّثنا اللَّيثُ بنُ سعد، قال: حدَّثني ابنُ شهاب،
_________________
(١) أخرجه العقيلي في الضعفاء ١/ ١١٠ نحو هذه الرواية بسنده إلى سفيان بن عبد الملك، قال: قلت لعبد اللَّه بن المبارك: أيكذب الرجل في العلم؟ فقال: "مرحبًا، كيف قدمت؟ نعم هكذا" وقال بيده: هكذا.
(٢) أخرجه العقيلي في الضعفاء ١/ ١١٠، ومن طريقه ابن الجوزي في الموضوعات ١/ ١٩ - ٢٠ (٦)، وابن شاهين في الضعفاء (٤٠)، والخطيب في الكفاية ٢/ ٥٥٤ (١٣١١) من طرق عن حمّاد بن زيد، به. ووقع عند ابن الجوزي "أربعة عشر ألف" بدل "اثني عشر ألف".
[ ١ / ٢٣٦ ]
عن أنسِ بنِ مالك، عن النبيِّ -ﷺ-، قال: "مَن كذَب عليَّ -حَسِبتُ أنَّه قال: مُتعمِّدًا- فلْيَتبوَّأْ بيتَه منَ النّار" (^١).
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهير، قال (^٢): حدَّثنا إبراهيمُ بنُ عبدِ اللَّه الهَرَويُّ، قال: حدَّثنا أبو غِياثٍ أصْرَمُ بنُ غياث، قال: حدَّثني أبو سِنان، عن هارونَ بنِ عنترةَ، قال: قال أبو هريرة: إنَّ هذا العِلْمَ دينٌ، فانظُروا عمَّن تأخُذونه.
حدَّثنا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهير، قال (^٣): حدَّثنا الوليدُ بنُ شجاع، قال: حدَّثنا ابنُ المبارك، عن ابن لَهِيعة، عن خالدِ بنِ
_________________
(١) أخرجه أحمد في مسنده ٢١/ ٤٧ (١٣٣٣٢)، وابن ماجة في سننه (٣٢)، والترمذي في جامعه (٢٦٦١)، والسراج في حديثه - تخريج الشحامي ٢/ ٣٨٧ (٥١٩٨)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق ٥٠/ ٣٤٢، والطحاوي في شرح مشكل الآثار ١/ ٣٦٢ (٤٠٣)، وابن حبان في صحيحه ١/ ٢١٤ (٣١)، والطبراني في "طرق حديث من كذب علي" (١١٢)، والخلّال في جزء "ذكر من لم يكن عنده إلا حديث واحد" (٦٩)، وعنه الخطيب في تاريخه ٦/ ٥٤٥ من طرق عن الليث بن سعد، به. وإسناده صحيح.
(٢) في تاريخه الكبير، السفر الثالث ٣/ ٢٦٧ (٤٧٨٨). وأخرجه ابن عدي في الكامل ١/ ١٥٠، والخطيب في الجامع ١/ ١٩٥ (١٤٠) من طرق عن أصرم بن غياث به، وإسناده ضعيفٌ جدًّا، ولا يصحُّ من هذا الوجه عن أبي هريرة ﵁، أصرم بن غياث: هو النيسابوري، قال البخاري وأحمد والدارقطني: منكر الحديث، وقال النسائي: متروك الحديث. ينظر: لسان الميزان ١/ ٢٧٣ (١٠١٨)، والصحيح ما سيأتي أنه من قول محمد بن سيرين.
(٣) في تاريخه الكبير، السفر الثالث ١/ ٣١٤ (١١٤٤) و٣/ ٢٦٨ (٤٧٩١). وأخرجه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ٢/ ٢٨ - ٢٩، والطبراني في الكبير ١٧/ ٢٦٨، وابن شاهين في تاريخ الثقات (١٦٤٩)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة ٤/ ٢١٦٠ (٥٤١٧)، والخطيب في الكفاية ١/ ١٣٠ (٤٩) من طرق عن عبد اللَّه بن لهيعة، به. وفي إسناد ابن أبي حاتم وأبي نعيم "عمّار بن سعد التُّجِيبيّ" بدل "عامر بن سعد"، وصوّب الخطيب رواية من ذكر "عمار بن سعد". وابن لهيعةَ: ضعيف.
[ ١ / ٢٣٧ ]
يزيدَ، عن عامرِ بنِ سعد، أنَّ عُقبةَ بنَ نافع قال لبنيه: يا بَنيَّ، لا تَقبَلُوا الحديثَ عن رسولِ اللَّه -ﷺ- إلّا من ثِقَة.
ورَويْنا (^١) عن ابنِ مَعينٍ أنّه قال: كان فيما أوصى به صُهيبٌ بيته أن قال: يا بَنيَّ، لا تَقبَلوا الحديثَ عن رسولِ اللَّه -ﷺ- إلّا من ثِقَة.
وقال ابنُ عون: لا تأخُذوا العلمَ إلّا ممّن شُهِد له بالطَّلَب (^٢).
وفيما أجاز لنا عبدُ بنُ أحمد، وحدَّثناهُ عبدُ اللَّه بنُ سعيدٍ عنه، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عمر، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مسلم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ هشام بنِ البَخْتَريِّ، قال: حدَّثنا هِشامُ بنُ هارون، قال: حدَّثنا الحسينُ بنُ خالد، عن حمّادِ بنِ زيد، عن شعيبِ بنِ الحَبْحاب، قال: غدَوتُ إلى أنسِ بنِ مالك، فقال: يا شعيبُ، ما غدا بك؟ فقلت: يا أبا حمزة، غدَوْتُ لأتعلَّمَ منك، وألتَمِسَ ما ينفَعُني. فقال: يا شعيبُ، إنَّ هذا العلمَ دِينٌ، فانظُرْ ممَّن تأخُذُه.
وقال سعيدُ بنُ عبدِ العزيز: عن سليمانَ بنِ موسى، قال: لا يُؤخَذُ العلمُ من صُحُفِيّ (^٣).
وقال القاسمُ بنُ محمد: أقْبَحُ مِن الجهلِ أن أقولَ بغيرِ علم، أو أحدِّثَ عن غيرِ ثقة (^٤).
_________________
(١) الضبط من الأصل.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ٢/ ٢٨، وابن شاهين في تاريخ الضعفاء ١/ ٤٠ من طرق عن إبراهيم بن المنذر، عن أيوب بن واصل، عن عبد اللَّه بن عون، مثله.
(٣) أخرجه أبو زرعة في تاريخه ١/ ٣١٨ بإسناده إلى سعيد به، وابن عدي في الكامل ١/ ٢٥٩ بإسناده إلى سعيد، قال: كان يقال: لا تأخذوا القرآن من مصحفي ولا العلم من صحفي. والصُّحُفي: الذي يأخذ العلم من الصُّحف من غير أن يلقى فيه العلماء، فيقع في التغيير والتصحيف. ينظر: تصحيفات المحدّثين للعسكري ١/ ٢٤.
(٤) أخرجه مسلم في مقدمة صحيحه (١/ ١٤ - باب الكشف عن معايب رواة الحديث) عن القاسم بن محمد بنحوه. =
[ ١ / ٢٣٨ ]
حدَّثنا عبدُ الوارث (^١)، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهير، قال (^٢): حدَّثنا أحمدُ بنُ يونس، قال: حدَّثنا زائدَة، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ حسان، قال: قال محمدُ بنُ سِيرين: انظُروا عمَّن تأخُذُون هذا الحديث، فإنّما هو دينُكم.
حدَّثنا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهير، قال (^٣): حدَّثنا إبراهيمُ بنُ محمدٍ الشافعيُّ، قال: حدَّثنا فُضَيلُ بنُ عِياض، عن هشام، عن ابنِ سِيرين، قال: إنَّما هذا العلمُ دينٌ، فانظُروا عمَّن تأخُذُونه.
حدَّثنا أحمدُ بنُ قاسم بنِ عيسى المُقرئ، قال: حدَّثنا أبو الحسنِ محمدُ بنُ أحمدَ بنِ سَمْعون ببغداد، قال (^٤): حدَّثنا محمدُ بنُ محمدِ بنِ أبي حُذَيفة، قال: حدَّثنا ربيعةُ بنُ الحارث، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ زياد، قال: حدَّثنا هُشَيمٌ، عن
_________________
(١) = ورُوي عن القاسم بلفظ: "لأن يعيش الرجل جاهلًا بعد أن يعلم حقّ اللَّه عليه خيرٌ له من أن يقول ما لا يعلم". وأخرجه الدارمي في مسنده ١/ ٢٣٦ (١١٢)، والفسوي في المعرفة والتاريخ ١/ ٥٤٨، وأبو زرعة في تاريخه ١/ ٥١٧، وأبو نعيم في الحلية ٢/ ١٨٤، والبيهقي في المدخل إلى السنن الكبرى ٤٣٤ (٨٠٦)، وابن عساكر في تاريخ دمشق ٤٩/ ١٧٥ من طريق أبي نعيم وطرق أخرى، جميعهم عن القاسم بن محمد نحوه.
(٢) هو عبد الوارث بن سفيان بن جبرون القرطبي، وشيخه قاسم: هو ابن أصبغ البيانيّ.
(٣) في تاريخه الكبير، السفر الثالث ٣/ ٢٦٧ (٤٧٨٧). وأخرجه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ٢/ ١٥ من طريق أحمد بن عبد اللَّه بن يونس، به. وأخرجه عبد اللَّه بن أحمد في العلل ٣/ ٦٧ (٤١٩٩)، ومسلم في مقدمة صحيحه ١/ ١٤، وابن عدي في الكامل ١/ ٢٥٢.
(٤) في تاريخه الكبير، السفر الثالث ١/ ٣١٣ (١١٤١). وأخرجه مسلم في مقدمة صحيحه ١/ ١٤، وابن عدي في الكامل ١/ ١٥١ من طريق فضيل بن عياض، عن هشام بن حسّان، به.
(٥) في أماليه (٧٣). وأخرجه أبو إسماعيل عبد اللَّه بن محمد الأنصاري الهرويّ في ذمّ الكلام وأهله (٨٢١) من طريق ربيعة بن الحارث الحمصي، به. وزادا في آخره: "ثم أخذنا عنه".
[ ١ / ٢٣٩ ]
المُغيرَة، عن إبراهيمَ، قال: إنَّ هذه الأحاديثَ دِينٌ، فانظُروا عمَّن تأخُذون دينَكم. قال المُغيرةُ: كُنّا إذا أتينا الرجلَ لنَأخُذَ عنه، نظَرنا إلى سَمْتِه وصَلاتِه.
وقد روَى جماعةٌ، عن هُشيم، عن مُغيرةَ، عن إبراهيمَ، قال: كانوا إذا أتوا الرجلَ ليَأخُذوا عنه، نظَروا إلى هَدْيِه وسَمْتِه وصَلاتِه، ثم أخَذُوا عنه (^١).
أخبرنا عبدُ الوارث (^٢)، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أبو إسماعيلَ التِّرمذيُّ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي أُوَيْس، قال: سمعتُ خالي مالكَ بنَ أنس يقول: إنَّ هذا العلمَ دِينٌ، فانظُروا عمَّن تأخُذُون دينَكم، لقد أدْرَكْتُ سبعين. فذكَر الحديث، وهو بتمامِه في الباب الذي بعدَ هذا، في أخبارِ مالكٍ ﵀ (^٣).
حدَّثنا خلفُ بنُ أحمدَ وعبدُ الرحمنِ بنُ يحيى، قالا: حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيد، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ بنِ النُّعمان، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عليِّ بنِ مروانَ، قال: سمِعتُ عفّانَ بنَ مُسلم، قال: سمِعتُ يحيى بنَ سعيدٍ القطّانَ يقول:
_________________
(١) أخرجه الدارمي في مسنده (٤٢١)، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ٢/ ١٦، وابن حبان في المجروحين ١/ ٢٣، ومن طريقه الهروي في ذم الكلام ٤/ ٩٠ (٨٣٥)، وابن شاهين في تاريخ الضعفاء (١٣٣)، وابن سمعون في أماليه ١/ ١٢٨ - ١٢٩ (٧٢)، وأبو نعيم في الحلية ٤/ ٢٢٥، والخطيب في الكفاية ١/ ٤٦٣ (٤٦١).
(٢) هو ابن سفيان بن جبرون القرطبي، وشيخه قاسم: هو ابن أصبغ البيّاني.
(٣) جاء في حاشية الأصل التعليق الآتي: "كان أبو عمر بن عبد البر ﵀ قد بَوّب بعد هذا في صدر هذا الديوان بابًا ذكر فيه فضائل مالك وتوقيه في النقل وجملة من سيره وإمامته في الدين فلما ألف كتاب الانتقاء في فضل الثلاثة الفقهاء نقل ذلك الباب إليه وأزاله عن التمهيد، فلذلك سقط ذلك الباب من هذه النسخة وأكثر النسخ، وبقيت الإحالة عليه في هذا الموضع". قلنا: بقي هذا الباب في نسختي ق، ف ١، ومن هنا حذفنا هذا الباب من طبعتنا، وهو الصواب. على أننا ألحقناه في آخر المجلد للفائدة. علمًا أن الذي في "الانتقاء" يختلف من حيث الترتيب عما ورد هنا، فضلًا عن وجود بعض النصوص في هذا النص غير موجودة في "الانتقاء".
[ ١ / ٢٤٠ ]
سمِعتُ عبدَ الرَّحمنِ بنَ مهديٍّ يقول: سألتُ شعبةَ وابنَ المباركِ والثوريَّ ومالكَ بنَ أنسٍ عن الرجلِ يُتَّهَمُ بالكذب، فقالوا: انشُرْهُ فإنَّه دِينٌ (^١).
ورَوَيْنا عن حمّادِ بنِ زيدٍ أَنَّه قال: كلَّمْنا شعبةَ في أن يَكُفَّ عن أبانَ بنِ أبي عَيّاشٍ لسِنِّه وأهلِ بَيتِه، فقال لي: يا أبا إسماعيل، لا يَحِلُّ الكفُّ عنه؛ لأنَّ الأمرَ دِينٌ (^٢).
حدَّثنا خلفُ بنُ أحمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيد (^٣)، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ محمدُ بنُ عمرِو بنِ موسى العُقَيليُّ، قال (^٤): حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيل، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ عليٍّ، قال: سمِعتُ يزيدَ بنَ هارونَ يقول: حدَّث سليمانُ التَّيْميُّ بحديثٍ عن ابنِ سيرين، فأتى ابنَ سيرين (^٥)، فذكَر له الحديث، فقال له ابنُ سيرين:
_________________
(١) أخرجه العقيلي في الضعفاء ١/ ١٠٢، وأبو عبد اللَّه الحسين بن الحسن الغضائري في جزئه (٣٤)، ومن طريقه البيهقي في دلائل النبوة ١/ ٤٥، والخطيب في الكفاية ص ٤٣ من طريق عفان بن مسلم الصفار، به. وفيه عندهم أن السائل يحيى بن سعيد القطان وليس عبد الرحمن بن مهدي. وأخرجه عبد اللَّه بن أحمد في العلل ٣/ ١٥٤ (٤٦٨٤)، ومن طريقه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ٢/ ٢٤، والبخاري في التاريخ الكبير ١/ ٢٦٦ - ٢٦٧ (٨٥٣)، وعنه الترمذي في علله الصغير الملحق بجامع ٦/ ٢٣١، ومسلم في مقدمة صحيحه ١/ ١٧ من طرق عن يحيى بن سعيد القطان، قال: "سألت شعبة وسفيان. . . " فورد من قول يحيى وليس فيه ذكر ابن مهدي، وعندهم جميعًا "سفيان بن عيينة" بدلًا من "ابن المبارك" وبلفظ: "بيِّنْ أمرَه" ونحوه.
(٢) أخرجه العقيلي في كتابه الضعفاء ١/ ١٥٣ (بتحقيقنا)، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ١/ ١٧١، وابن حبان في المجروحين، وأبو نعيم في الحلية ٧/ ١٥٠، وفي المستخرج ١/ ٥٥ (٥٢) من طرق عن حماد بن زيد بمعناه.
(٣) هو أحمد بن سعيد بن حزم بن يونس الصدفي، من أهل قرطبة، رحل إلى مكة سنة ٣١١ هـ وسمع بها من العقيلي (تاريخ ابن الفرضي ١/ ٨٨ - ٨٩ بتحقيقنا).
(٤) في الضعفاء ١/ ١٠٤.
(٥) قوله: "فأتى ابن سيرين" سقط من م.
[ ١ / ٢٤١ ]
ما هذا يا سليمانُ، اتَّقِ اللَّهَ ولا تكذِبْ عليَّ. فقال سليمانُ: إنَّما حدَّثنا مُؤذِّنُنا، أين هو؟ فجاء المُؤذِّنُ، فقال سليمانُ: أليس حدَّثْتَني عن ابنِ سيرينَ بكذا وكذا؟ فقال: إنَّما حدَّثنيه رجلٌ عن ابنِ سيرين.
أخبرنا خلفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ إسحاقَ بنِ مِهرانَ السَّرّاجُ، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ أحمدَ بنِ الفرج الدُّوريُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ سعيدِ بنِ غالب، قال: حدَّثنا نصرُ بنُ حمّادٍ -يعني الوَرّاق- قال: كنا قعودًا على بابِ شعبةَ نتذاكرُ الحديثَ، فقلت: حدَّثنا إسرائيلُ (^١)، عن أبي إسحاق، عن عبدِ اللَّه بنِ عطاء، عن عقبةَ بنِ عامرٍ الجُهَنيِّ، قال: كُنّا نتناوبُ رِعْيَةَ (^٢) الإبلِ على عهدِ رسولِ اللَّه -ﷺ-، فجِئتُ ذات يوم والنبيُّ ﵇ حولَه أصحابُه، فسمِعتُه يقول: "مَنْ تَوضَّأ، ثم صلَّى ركعتين، ثمّ استغفَر اللَّهَ، غُفِرَ له". قلت: بَخٍ بَخٍ. قال: فجذَبني رجلٌ من خَلْفي، فالتَفَتُّ، فإذا عمرُ بنُ الخطّاب، فقال: مالك تبخْبِخُ؟ فقلت: عجبًا بها. قال: لو سمِعتَ التي قبلَها كانت أعجبَ وأعجب. قلتُ: وما قال؟ قال: قال رسولُ اللَّه -ﷺ-: "مَنْ شهِد أن لا إلهَ إلّا اللَّهُ، وأنَّ محمدًا رسولُ اللَّه، قيل له: ادخُلْ من أيِّ أبوابِ الجنةِ شِئتَ". قال: قال نصرٌ: فخرَج علينا شعبةُ فلطَمني، ثم رجَع فدخَل، قال: فتَنحَّيتُ ناحيةً أبكي، ثم خرَج فقال: ما له بعدُ (^٣) يبكي؟ فقال له عبدُ اللَّه بنُ إدريس: إنَّك أسأتَ إليه. قال: انظُرْ ما يُحدِّثُ به عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبدِ اللَّه بنِ عطاء، عن عقبةَ بن عامر، عن النبيِّ -ﷺ-! أنا قلتُ لأبي إسحاق: مَن حدَّثك؟ قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ عطاء، عن عقبةَ بنِ عامر، عن النبيِّ -ﷺ-. فقلتُ لأبي إسحاق:
_________________
(١) هو ابن يونس بن أبي إسحاق السَّبيعيّ، وشيخه أبو إسحاق. هو جدُّه: عَمْرو بن عبد اللَّه.
(٢) في ف ١: "رعاية"، والمثبت من الأصل، ق.
(٣) في ف ١: "ما له؟ إنه قعد يبكي"، وما أثبتناه من الأصل، ق.
[ ١ / ٢٤٢ ]
أوَ سمِع عبدُ اللَّه مِن عقبة؟ قال: فغضِبَ، ومِسْعَرُ بنُ كِدام حاضرٌ، فقال لي مِسْعَرٌ: أغْضَبتَ الشَّيخَ. فقلتُ: ليُصَحِّحَنَّ هذا الحديثَ أو لأرْمِينَّ بحديثِه. فقال لي مِسْعَرٌ: هذا عبدُ اللَّه بنُ عطاءٍ بمكّة. قال شعبةُ: فرحَلتُ إلى مكَّةَ لم أُرِدِ الحجَّ، أردتُ الحديثَ، فلَقِيتُ عبدَ اللَّه بنَ عطاء، فسألتُه، فقال: سعدُ بنُ إبراهيمَ حدَّثني. قال شعبةُ: فلقِيتُ مالكَ بنَ أنس، فسألْتُه عن سعد، فقال: سعدُ بنُ إبراهيمَ بالمدينة، لم يحُجَّ العام. فرحَلتُ إلى المدينة، فلقيتُ سعدَ بنَ إبراهيمَ بالمدينة، فسألتُه، فقال: الحديثُ من عندِكم (^١)؛ حدَّثني زيادُ بنُ مِخْراق. قال شعبة: فلمَّا ذكَر زيادَ بنَ مِخْراقٍ قلت: أيُّ شيءٍ هذا؟ بينما هو كوفيٌّ (^٢)، إذ صار مدنيًّا، إذ صار بَصْريًّا! قال شعبةُ: فرحَلتُ إلى البصرة، فلقِيتُ زيادَ بنَ مِخراق، فسألتُه، فقال: ليس الحديثُ من بابتِك (^٣). فقلتُ: حدِّثْني به. قال: لا تُرِدْهُ. قلت: حدِّثْني به. قال: حدَّثني شهْرُ بنُ حَوْشَب. قلتُ: ومَن لي بهذا الحديث! لو صحَّ لي مثلُ هذا عن رسولِ اللَّه -ﷺ- كان أحبَّ إليَّ من أهلي ومالي ومنَ الناسِ أجمعين (^٤).
_________________
(١) إلى هنا انتهى الحديث في ق.
(٢) في ف ١: "مكّي"، وما أثبتناه من النسخ الأخرى وموارد التخريج، وهو الأولى.
(٣) أي: ليس من شرطك. ينظر: تاج العروس (بوب).
(٤) روي هذا الخبر وجاء في بعض طرقه مختصرًا وبتفاوت في ألفاظه. وأخرجه العقيلي في الضعفاء ٢/ ٣٠٠، وابن حبان في المجروحين ١/ ٢٨ - ٣٠، والرامهرمزي في المحدث الفاصل (٣١٣ - ٣١٥)، وابن عدي في الكامل ٤/ ٣٦ - ٣٧، ومن طريقه البيهقي في القراءة خلف الإمام ٢٠٧ - ٢٠٨ (٤٤٣) من طرق عن نصر بن حمّاد الوراق. وأخرجه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ١/ ١٦٧ مختصرًا عن بشر بن المفضل وليس فيه نصر بن حمّاد. وإسناده ضعيفٌ جدًّا، نصر بن حمّاد الورّاق متروك الحديث كما هو مبيّنٌ في تحرير التقريب (٧١٠٩)، وكما سيذكر المصنف قريبًا، وعبد اللَّه بن عطاء: وهو الطائر المكيّ لم يدرك عقبة بن عامر الجهني كما في تهذيب الكمال ١٥/ ٣١٢، وتحفة التحصيل ص ١٨٢.
[ ١ / ٢٤٣ ]
وذكَره الدّارقُطنيُّ (^١)، عن أبي عُبَيدٍ القاسم بنِ إسماعيلَ المَحامليِّ ومحمدِ بنِ مَخْلَدِ بنِ حفصٍ العَطّار، قالا: حدَّثنا أبو يحيى محمدُ بنُ سعيدِ بنِ غالب، قال: سمِعتُ نصرَ بنَ حمادٍ يقول: كنا قعودًا على بابِ شعبة. فذكَر مثلَه إلى آخرِه.
وقد (^٢) رُويَ هذا المعنى من وُجوهٍ عن شعبةَ، ولذلك ذكَرتُه عن نَصْرِ بنِ حمَاد، لأنَّ نَصْرَ بنَ حمّادٍ الوَرّاقَ يروي عن شعبةَ مناكير؛ ترَكوه، وقد رواه الطَّيالسيُّ عن شعبة.
حدَّثنا خلفُ بنُ أحمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ خالد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ اللَّه الصَّنْعانيُّ، قال: سمِعتُ أبا حفصٍ -يعني الفلّاس- يقول: سمِعتُ أبا داودَ يقول: كنا عندَ شعبة، فجاء بشرُ بنُ المُفضَّل، فقال له: أتحفَظُ عن أبي إسحاق، عن عبدِ اللَّه بنِ عطاء، عن عقبةَ بنِ عامر، عن النبيِّ -ﷺ-: "ما منْ مسلم يتوضَّأ"؟ فضحِك شعبةُ، فقال بشرٌ: إنّا نراك قد سقَط عنك حديثٌ جيِّدٌ من حديثِ أبي إسحاقَ وتضحكُ! قال: فقال شعبةُ: كنتُ عندَ أبي إسحاقَ، فحدَّث بهذا الحديث، فقال: حدَّثني عبدُ اللَّه بنُ عطاء، عن عقبةَ بنِ عامر. قال شعبةُ: وكان أبو إسحاقَ إذا حدَّثني عن رجلٍ لا أعرفُه قلتُ: أنت أكبرُ أم هذا؟ فقال: حدَّثني ذاك الفتى. فتحوَّلْتُ، فإذا شابٌّ جالسٌ، فسألتُه، فقال: صدَق، أنا حدَّثتُه. فقلت: وأنت مَن حدَّثك؟ فقال: حدَّثني نُعَيْمُ بنُ أبي هند. فأتيتُ نعيمَ بنَ أبي هند، فقلت: مَن حدَّثك؟ قال: زيادُ بنُ مِخراق.
_________________
(١) هذه الفقرة لم ترد في ق، ف ١.
(٢) هذه الفقرة لم ترد في ق أيضًا، وجاء في مكانها في ف ١ ما يأتي: "قال أبو عمر: هذا خبرٌ مليح حسن لولا أنه عن نصر بن حمّاد الوراق، وليس بشيء، ولكن قد روى نحوه بخلاف بعض معناه عن شعبة: أبو داود الطيالسي".
[ ١ / ٢٤٤ ]
قال شعبةُ: فقَدِمْتُ البصرةَ، فلَقِيتُ زيادَ بنَ مِخراق، فسألْتُه، فقال: حدَّثني رجلٌ من أهلِ البصرةِ لا أدري من هو، عن شَهْرِ بنِ حَوْشب (^١).
قال أبو عُمر: هكذا يكونُ البحثُ والتَّفتيشُ، وهذا معروفٌ عن شعبة، ولهذا وشِبْهِه قال أبو عبدِ الرحمن النَّسائيُّ (^٢): أُمَناءُ اللَّه ﷿ على حديثِ رسولِه ثلاثةٌ؛ مالكُ بنُ أنس، وشعبةُ بنُ الحجاج، ويحيى بنُ سعيدٍ القطّان.
قال أبو عُمر: الحديثُ الذي جرَى ذِكرُه بين شعبةَ وبشرِ بنِ المُفَضَّل من حديثِ أبي إسحاق، حدَّثناه سعيدُ بنُ نَصر، قال: حدَّثنا قاسمٌ (^٣)، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ أبي شيبة، قال: حدَّثنا أبو الأحوص (^٤)،
_________________
(١) أخرجه البخاري في التاريخ الكبير ٥/ ١٦٥ - ١٦٦ (٥٢٣)، ويعقوب بن سفيان في المعرفة والتاريخ ٢/ ٤٢٥ - ٤٢٦، وابن عديّ في الكامل ٤/ ١٦٨ من طريق أبي داود الطيالسي، به. وإسناده ضعيفٌ ومنقطع؛ شهر بن حوشب ضعيف، وعبد اللَّه بن عطاء الطائر لم يدرك عقبة بن عامر الجهني كما أوضحنا في التعليق السابق، فضلًا عن جهالة الرجل المشار إليه بين زياد بن مخراق، وشهر بن حوشب. ويغني عنه ما وقع عند أحمد في المسند ٢٨/ ٦١٥ - ٦١٦ (١٧٣٩٣)، ومسلم (٢٣٤) من حديثي أبي إدريس الخولانيّ وجُبير، عن عقبة بن عامر ﵁ قال: كانت علينا رعاية الإبل فجاءت نوْبَتي، فروّحْتُها بعشيٍّ، فأدركتُ رسول اللَّه -ﷺ- قائمًا يُحدِّث الناسَ، فأدركتُ من قوله: "ما مِنْ مسلم يتوضّأ فيُحسنُ وُضوءَهُ، ثم يقومُ فيُصلّي ركعتَين، مُقْبِلٌ عليهما بقلْبِه ووَجْهِه إلّا وجبَتْ له الجنّةُ"، الحديثَ.
(٢) أسئلة للنسائي في الرجال (٧٥ - ضمن مجموع رسائل للنسائي)، وتسمية من لم يرو عنه غير رجل واحد له أيضًا ص ١٢٢، وهما رسالتان مرويّتان من طريق علي بن منير الخلال، عن الحسن بن رشيق عنه. ومن طريق خلف بن القاسم بن سهل عن الحسن بن رشيق، به. وأخرجه المصنِّف في الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمّة ص ٣١. وينظر: سير أعلام النبلاء ٨/ ١٠٦ و٩/ ١٨١.
(٣) هو ابن أصبغ البيانيّ، وشيخه ابن وضاح: هو محمد بن وضاح بن بزيع المرواني.
(٤) هو سلّام بن سُليم الحنفيّ، وشيخه أبو إسحاق: هو عمرو بن عبد اللَّه السَّبيعي.
[ ١ / ٢٤٥ ]
عن أبي إسحاق، عن عبدِ اللَّه بنِ عطاء، عن عُقبةَ بنِ عامر، قال: كُنّا مع رسولِ اللَّه -ﷺ- في سفر، فكنّا نتناوبُ الرِّعيَة، فلمَّا كانت نوبتي سَرَّحْتُ (^١)، ثم رُحْتُ فجئْتُ ورسولُ اللَّه -ﷺ- يَخطُبُ الناس، فسمِعتُه يقول: "ما من مسلم يتوضَّأُ فيُسْبغُ الوضوءَ، ثم يقومُ في صلاتِه، فيعلَمُ ما يقولُ فيها، إلّا انْفَتَل وهو كيومَ ولَدتْه أمُّه من الخطايا، ليس عليه ذنبٌ". قال: فما ملَكتُ نفسي عندَ ذلك أن قلتُ: بَخٍ بَخٍ (^٢).
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهَير، قال: حدَّثنا عُبَيدُ اللَّه بنُ عمرَ القواريرِيُّ، قال: سمِعتُ يحيى بنَ سعيدٍ القَطّانَ يقول: ما رأيتُ الكذبَ في أحدٍ أكثرَ منه فيمَن يُنسَبُ إلى الخيرِ والزُّهد. وقال عفان: سمِعتُ محمدَ بنَ يحيى بنِ سعيدٍ القَطّانَ يقول: سمِعتُ أبي يقول: ما رأيتُ الصالحين أكذَبَ منهم في الحديث (^٣).
قال أبو عُمر: هذا معناه، واللَّهُ أعلم، أَنَّه يُنسَبُ إلى الخير، وليس كما نُسِبَ إليه وظُنَّ به، وقد رُوِيَ عن النبيِّ -ﷺ- أَنَّه قيل له: أيكونُ المُؤمِنُ كذّابًا؟
_________________
(١) الضبط من الأصل.
(٢) أخرجه ابن ماجة (٤٧٠) مختصرًا، والطبراني في الكبير ١٧/ ٣٤٧ (٩٥٦) كلاهما من طريق أبي بكر بن أبي شيبة، به. وأخرجه الحاكم في المستدرك ٢/ ٤٠٠ من طريق أبي الأحوص سلّام بن سُليم الحنفي، به. وسلف التعليق على إسناده قريبًا.
(٣) أخرجه عبد اللَّه بن أحمد في العلل ٢/ ٤٤٨ (٢٩٩٠)، ومن طريقه العقيلي في الضعفاء ١/ ١٠٩، وابن عدي في الكامل ١/ ١٤٤، والحاكم في المدخل إلى الإكليل (٦٠)، وابن حبان في المجروحين ١/ ٦٧ عن الحسن بن سفيان، والخطيب في الجامع ١/ ٢١٢ (١٧٠)، ومن طريقه ابن الجوزي في الموضوعات ١/ ٢٥ (١٨) من طريق أبي الفتح الأزدي عن الحسن المخرمي، جميعهم عن القواريري، به. وأخرجه مسلم في مقدمة صحيحه ١/ ١٧ من طريق محمد بن يحيى بن سعيد عن أبيه مثله، وبعده قال مسلم مفسِّرًا هذا القول: "يجري الكذب على لسانهم ولا يتعمّدون الكذب".
[ ١ / ٢٤٦ ]
قال: "لا" (^١). وهذا أيضًا على أَنَّه لا يَغلِبُ عليه الكذبُ، أو لا يكذِبُ في دينِه ليُضلَّ غيرَه. وقد تكَلَّمْنا على هذا المعنى في بابِ صفوانَ بنِ سُليم، والحمدُ للَّه.
حدَّثنا خلفُ بنُ سعيد، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ عليٍّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ خالد، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ العزيز. وحدَّثنا إبراهيمُ بنُ شاكر، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ عثمان، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ خُمَيْر (^٢) وسعيدُ بنُ عثمان، قالا: حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ اللَّه بنِ صالح، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللَّه الرَّقاشيُّ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُرَيْع، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسحاق، قال: حدَّثني عاصمُ بنُ عمرَ بنِ قتادة، عن محمودِ بنِ لَبيد، قال: أمَّرَني يحيى بنُ الحكم على جُرَشَ (^٣)، فقَدِمتُها، فحدَّثوني أنَّ عبدَ اللَّه بنَ جعفرٍ حدَّثهم أنَّ رسولَ اللَّه -ﷺ- قال: "اتَّقُوا صاحبَ هذا الدَّاء -يعني الجُذامَ- كما يُتَّقَى السَّبُعُ، إذا هبَط واديًا فاهبِطُوا غيرَه". فقلتُ: واللَّه لئن كان ابنُ جعفرٍ حدَّثكم هذا ما كذَبكم. قال: فلمَّا عزَلني عن جُرَشَ قدِمتُ المدينةَ، فلقِيتُ عبدَ اللَّه بنَ جعفر، فقلتُ له: يا أبا جعفر، ما حديثٌ حدَّثه عنك أهلُ جُرَشَ؟ ثم حدَّثْتُه الحديث. فقال: كذَبوا، واللَّه ما حدَّثْتُهم، ولقد رأيتُ عمرَ بنَ الخطّابِ يدعو بالإناءِ فيه الماءُ، فيُناوِلُه مُعَيْقِيبًا، وقد كان أسرَع فيه هذا الدّاءُ، ثم يَتناوَلُه فيَتيَمَّمُ بفَمِه مَوضِعَ فَمِه، نَعْلَمُ أَنَّه إنَّما يَصنَعُ ذلك كَراهيةَ أن يَدخُلَ نفسَه شيءٌ من العَدْوَى، ولقد كان يَطلُبُ له الطِّبَّ من كلِّ مَن سمِع عندَه بطبٍّ، حتى قَدِم عليه رجلان من أهلِ اليمن، فقال: هل عندَكما من طبٍّ لهذا الرجل؛ فإنَّ هذا الوجعَ قد أسرَع فيه؟
_________________
(١) هذا لفظ الحديث السابع لصفوان بن سُليم المرسل المقطوع، وهو في الموطأ ٢/ ٥٨٩ (٢٨٣٢)، وسيأتي مع الكلام عليه في موضعه إن شاء اللَّه تعالى.
(٢) قيده ابن ناصر الدين في توضيح المشتبه ٣/ ٣٣٦، وهو مترجم في تاريخ الإسلام ٧/ ٣٥.
(٣) جُرَش: مدينة في اليمن. ينظر: معجم البلدان ٢/ ١٢٦.
[ ١ / ٢٤٧ ]
قالا: أمّا شيءٌ يُذهِبُه فلا، ولكنّا نُداوِيه دواءً يَقِفُه فلا يَزيدُ. قال عمرُ: عافيةٌ عظيمةٌ. قالا: هل تُنبِتُ أرضُك هذا الحَنْظَلَ؟ قال: نعم. قالا: فاجمَعْ لنا منه. قال: فأمَر عمرُ، فجُمِع منه مِكْتَلان عظيمان (^١)، فأخَذا كلَّ حَنظَلَةٍ فشقّاها باثنين، ثم أخَذ كلُّ واحدٍ منهما بقَدم مُعَيقيب، فجَعَلا يَدْلُكان بطُونَ قدمَيْه، حتى إذا امَّحَقتْ طرَحاها وأخَذا أُخرى، حتى رأينا مُعَيقيبًا يتَنَخَّمُه أخضرَ مُرًّا، ثم أرسلاه. قال: فواللَّه ما زال مُعَيقِيبٌ منها مُتماسكًا حتى مات (^٢).
قال أبو عُمر: فهذا محمودُ بنُ لَبيدٍ يحكي عن جماعةٍ أنّهم حدَّثوه عن عبدِ اللَّه بنِ جعفرٍ بما أنكَره ابنُ جعفرٍ ولم يعرِفْه، بل عرَف ضِدَّه، وهذا في زمنٍ فيه الصَّحابةُ، فما ظَنُّك بمَنْ بعدَهم؟ وقد تقدَّم في هذا الباب عن ابنِ عبّاسٍ في عصرِه نحوُ هذا المعنى.
حدَّثنا خلفُ بنُ أحمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيدِ بنِ حزم، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ خالد، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح (^٣)، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سعد، قال: حدَّثنا عمِّي سعيدُ بنُ أبي مريم، عن اللَّيثِ بنِ سعد، قال: قدِم علينا رجلٌ من أهلِ المدينة يريدُ الإسكندريّةَ مُرابطًا، فنزَل على جعفرِ بنِ ربيعة، قال: فعرَضوا له بالحُمْلان (^٤)، وعرَضوا له بالمَعونَة، فلم يَقبَل، واجتَمع هو وأصحابُنا؛ يَزيدُ بنُ أبي حبيبٍ وغيرُه، فأقبَل يحدِّثهم: حدَّثني نافعٌ، عن عبدِ اللَّه بنِ عمر، عن رسولِ اللَّه -ﷺ-. قال: فجمَعوا تلك الأحاديث، وكتَبوا بها إلى ابنِ نافع، وقالوا له: إنَّ رجلًا قدِم علينا، وخرَج إلى الإسكندريّةِ مُرابطًا، وحدَّثنا، فأحْبَبنا ألا يكونَ بينَنا وبينَك
_________________
(١) في الأصل، ق: "مكتلتين عظيمتين"، والمثبت من ف ١.
(٢) أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى ٤/ ١١٠، والطبري في تهذيب الآثار - مسند علي ٢٩ (٧٤) -مختصرًا- من طريق محمد بن إسحاق، به.
(٣) هو محمد بن وضّاح بن بزيع المرواني.
(٤) الحُمْلان: ما يُحمل عليه من الدوابّ في الهِبة خاصّة. ينظر: العين ٣/ ٢٤٠.
[ ١ / ٢٤٨ ]
فيها أحدٌ. فكتَب إليهم: واللَّه ما حدَّث أبي من هذا بحرفٍ قطُّ، فانْظروا عمَّن تأخُذون، واحذروا قُصّاصَنا ومن يأتيكم (^١).
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الجَهْم، قال: حدَّثنا يَعْلَى (^٢)، عن إسماعيلَ بنِ أبي خالد، عن الشَّعْبيِّ، عن الرَّبيع بنِ خُثَيْم، قال: "من قال: لا إله إلّا اللَّهُ، وحدَه لا شريكَ له، له الملكُ وله الحمدُ، يحيي ويميتُ، وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ. عشْرَ مرّات، كان له كعِتْقِ رقابٍ أو رقَبَة (^٣) ". قال الشَّعبيُّ: فقلتُ للرَّبيع بنِ خُثَيم: مَن حدَّثك بهذا الحديث؟ فقال: عَمرُو بنُ مَيْمونٍ الأودِيُّ (^٤). فلَقِيتُ عَمْرَو بنَ مَيْمون، فقلتُ: مَن حدَّثك بهذا الحديث؟ فقال: عبدُ الرَّحمن بنُ أبي ليلى. فلَقِيتُ ابنَ أبي ليلى فقلتُ: مَن حدَّثك؟ قال: أبو أيوبّ الأنْصاريُّ، صاحِبُ رسولِ اللَّه -ﷺ- (^٥).
فعلى هذا كان النَّاسُ على (^٦) البحثِ عن الإسناد، وما زالَ الناسُ يُرسِلون الأحاديث، ولكنَّ النَّفسَ أسكنُ عند الإسنادِ وأشدُّ طُمأنينةً، والأصلُ ما قدَّمنا.
حدَّثني خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا أبو المَيْمونِ عبدُ الرَّحمن بنُ عمرَ بنِ راشدٍ البَجَليُّ بدمشق، قال: حدَّثنا أبو زُرْعةَ الدِّمشقيُّ، قال (^٧): حدَّثنا
_________________
(١) أخرجه أبو حاتم الرازي في الزهد جزء منتقى (رقم ١١٢) من طريق ضِمام بن إسماعيل المعافريّ عن الليث بن سعد، قال: كتب إليَّ عبد اللَّه بن نافع: "لا تسمعوا من قُصّاصنا ما يخبون به من الحديث".
(٢) هو ابن عُبيد الطنافسيّ.
(٣) كتب ناسخ الأصل في الحاشية "خ: رقبات" أي في نسخة أخرى.
(٤) في ف ١: "الأزدي".
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه (٦٤٠٤) من طريق إسماعيل بن أبي خالد، به. وأخرجه مسلم (٢٦٩٣) من طريق عامر بن شراحيل الشعبيّ، به.
(٦) أشار ناسخ الأصل أنه في نسخة أخرى: "من".
(٧) في تاريخه ١/ ٦١٢.
[ ١ / ٢٤٩ ]
الحسنُ بنُ الصَّبّاح، قال: حدَّثنا أبو قَطَن (^١)، عن أبي خَلْدَة، عن أبي العالية، قال: كُنّا نَسمعُ الرِّوايةَ بالبصرةِ من أصحابِ رسولِ اللَّه -ﷺ-، فما رَضِينا حتى رحَلنا إليهم فسمِعناها من أفواهِهم.
حدَّثنا أبو عمرَ أحمدُ بنُ محمدِ بنِ أحمد، قال: حدَّثنا أبو عليٍّ الحسنُ بنُ سَلَمةَ بنِ المُعَلَّى، قال: حدَّثنا أبو عبدِ اللَّه بنُ بَحْرٍ المِصريُّ، قال: حدَّثنا الحسينُ بنُ الحسنِ المَرْوَزيُّ، قال: سمعتُ ابنَ المباركِ يقول: لولا الإسنادُ فقال كلُّ من شاء ما شاء، ولكن إذا قيل له: عمن؟ بَقِي (^٢).
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حمّاد، قال: حدَّثنا مُسَدَّدٌ، قال: حدَّثنا عبدُ الواحد، قال: حدَّثنا عاصمٌ الأحوَلُ، عن أبي العالية، قال: حدَّثني مَن سمِعَ من رسولِ اللَّه -ﷺ- يقول: "أعْطُوا كلَّ سورةٍ حظَّها من الرُّكُوع والسُّجُود". قال عاصمٌ: فقلتُ لأبي العالية: أنسِيتَ مَن حدَّثك؟ قال: لا، وإنِّي لأذكُرُه وأذكُرُ المكانَ الذي حدَّثني فيه (^٣).
_________________
(١) هو عمرو بن الهيثم بن قطن القُطَعي، وشيخه أبو خلدة: هو خالد بن دينار التميمي السعدي. وأخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى ٩/ ١١٢، والدارمي في مسنده (٥٦٤)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق ١٨/ ١٧٥، وابن العديم في تاريخ حلب ٨/ ٣٦٨٥، وابن عدي في الكامل ٣/ ١٦٢، والخطيب في الجامع ٢/ ٣٣٥ - ٣٣٦ (١٧٤٦) من طرق عن أبي خلدة، به.
(٢) أخرجه مسلم في مقدمة صحيحه ١/ ١٦، والترمذي في العلل الملحق بالجامع ٦/ ٢٣٥، ومن طريقه التجيبي في برنامجه (١٤)، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ٢/ ١٦، وابن حبان في المجروحين ١/ ٢٦، والرامهرمزي في المحدث الفاصل (٩٦)، والحاكم في معرفة علوم الحديث (٦)، والخطيب في الكفاية ٢/ ٤٥٣ (١٢٢٩)، والهروي في ذم الكلام ٤/ ٢١٤ (١٠١٦)، والطيوري في الطيوريات - رواية السِّلفي ١/ ٧٩ - ٨٠ (٦٢)، وغيرهم من طرق عن عبدان عن ابن المبارك بزيادة لفظ: "الإسناد عندي من الدين" في أوله عند جميعهم -سوى الرامهرمزي- وبدون الشطر الثاني (ولكن إذا قيل-) عند أكثرهم.
(٣) أخرجه البيهقي في الكبرى ٣/ ١٠ (٤٨٨٢) من طريق مسدّد بن مسرهد، به. =
[ ١ / ٢٥٠ ]
حدَّثنا خلفُ بنُ أحمدَ الأُمويُّ مولًى لهم، قال: أخبَرنا أحمدُ بنُ سعيد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ خَيْرُون، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ البَغْداديُّ، قال: سمعتُ أحمدَ بنَ حنبلٍ يقول: سمِعْتُ يحيى بنَ سعيدٍ يقول: الإسنادُ من الدِّين. قال يحيى: وسمِعْتُ شعبةَ يقول: إنَّما يُعلَمُ صحَّةُ الحديثِ بصحَّةِ الإسناد (^١).
وقرأتُ على خلفِ بنِ القاسم، أنَّ أبا المَيْمُونِ عبدَ الرَّحمنِ بنَ عمرَ الدِّمَشقيَّ حدَّثهم بدمشق، قال: حدَّثنا أبو زُرْعَة، قال (^٢): حدَّثنا أبو مُسْهِرٍ، قال: حدَّثنا عقبةُ صاحبُ الأوزاعيِّ، قال: سمعتُ الأوزاعيَّ يقول: ما ذهابُ العلْم إلّا ذهابُ الإسناد.
أخبرنا أبو محمدٍ إسماعيلُ بنُ عبدِ الرَّحمن القرشيُّ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ بكرِ بنِ عِمْران، قال: حدَّثنا أبو الفتح محمدُ بنُ الحسين الأزْدِيُّ الموصليُّ الحافظُ، قال: حدَّثنا عِمْرانُ بنُ موسى، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ (^٣) المُثَنّي، قال: حدَّثنا الحسينُ بنُ عبدِ الرَّحمن، قال: حدَّثنا ابنُ عون، قال: كان الحسنُ يحدِّثنا بأحاديثَ لو كان يُسنِدُها كان أحبَّ إلينا (^٤).
قال أبو عُمر: اختلَف الناسُ في مراسيلِ الحسن، فقبِلها قومٌ، وأباها آخرون، وقد روَى حمّادُ بنُ سلمة، عن عليِّ بنِ زيد، قال: ربَّما حدَّثْتُ بالحديثِ
_________________
(١) = وأخرجه محمد بن نصر الروزي في قيام الليل ص ١٦٢ من طريق عبد الواحد بن زياد، به. وهو عند ابن أبي شيبة في مسنده ٢/ ٤١٧ (٩٤٩)، وأحمد في المسند ٣٤/ ١٩٧ (٢٠٥٩٠)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٣٤٥ (٢٠٣١) من طرق عن عاصم بن سليمان الأحول، به.
(٢) ينظر: شرح علل الترمذي لابن رجب الحنبلي ١/ ٣٦٠.
(٣) هو أبو زرعة الدمشقي، وهو في تاريخه ١/ ٣١٧، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق ٣٥/ ١٨٦.
(٤) قوله: "محمد بن" سقط من ف ١.
(٥) ينظر: شرح علل الترمذي لابن رجب الحنبلي ١/ ٣٦٠.
[ ١ / ٢٥١ ]
الحسن (^١)، ثم أسمَعُه بعدُ يُحدِّثُ به، فأقول: من حدَّثك يا أبا سعيد؟ فيقول: ما أدري، غيرَ أنِّي قد سمِعتُه من ثقة. فأقول: أنا حدَّثْتك به (^٢).
وقال عبّادُ بنُ منصور: سمِعتُ الحسنَ يقول: ما حدَّثني به رجلانِ قلت: قال رسولُ اللَّه -ﷺ-.
وقال ابنُ عون (^٣): قال بكرٌ المُزَنيُّ للحسنِ وأنا عنده: عمّن هذه الأحاديثُ التي تقولُ فيها: قال رسولُ اللَّه -ﷺ-؟ قال: عنك وعن هذا.
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهير، قال (^٤): حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا يَزيدُ بنُ هارون، قال: حدَّثنا بقيّةُ بنُ
_________________
(١) في ف ١: "الحسن الحديث"، وما أثبتناه من الأصل، ق.
(٢) أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى ٩/ ١٦٦، والفسوي في المعرفة والتاريخ ٢/ ٣٦ - بزيادة واختلاف في الألفاظ- وابن أبي خيثمة في التاريخ الكبير، السفر الثالث ١/ ٣١٧ (١١٤٩)، وابن عدي في الكامل ٥/ ١٩٧، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق ٤١/ ٤٩٢، والخطيب في الكفاية ٢/ ٤٠٦ (١١٨٦) من طرق عن حماد بن سلمة، به.
(٣) هو عبد اللَّه بن عون بن أرطبان، وأخرجه بإسناده عنه يعقوب بن سفيان الفسويّ في المعرفة والتاريخ ٢/ ٤٣.
(٤) في تاريخه الكبير، السفر الثالث ٣/ ٢٦٨ (٤٧٩٢). وأخرجه ابن عديّ في الكامل ١/ ١٤٢ من طريق يزيد بن هارون، به. وأخرجه الخطيب البغدادي في الكفاية ٢/ ٣٢ - ٣٣ من طريق بقيّة بن الوليد، به. وأخرجه الدولابي في الكنى والأسماء ٢/ ٧٩٩ (١٣٨٨)، والعقيلي في الضعفاء ٤/ ٤٠٩ (بتحقيقنا)، وابن عدي في الكامل ١/ ١٤٢، وعند ثلاثتهم زيادة عبد اللَّه بن زياد بعد أبي العلاء هارون بن هارون في السند، وابن شاهين في تاريخ الضعفاء (٣٩)، والحاكم في المدخل إلى الصحيح (١٠٦ - ١٠٧)، وعنه البيهقي في القضاء والقدر (٤١٩)، والخطيب في الكفاية ١/ ١٣٣ (٥٤)، واللالكائي في شرح الاعتقاد ٤/ ٦٩٨ (١١٢٩) من طرق عن بقية عن أبي العلاء هارون، به. وإسناده ضعيف لأجل أبي العلاء الأزديّ، وهو: هارون بن هارون. كما في الضعفاء للعقيلي، وأبي عبد اللَّه التيمي كما في الكامل لابن عديّ، وكلاهما ضعيف. وبقيّة بن الوليد ضعيف أيضًا.
[ ١ / ٢٥٢ ]
الوليد، قال: حدَّثنا أبو العلاء، عن مجاهد، عن ابنِ عبّاس، قال: قال رسولُ اللَّه -ﷺ-: "هلاكُ أمتي في القَدَريّة، والعَصَبِيّة، والرِّوايةِ عن غيرِ ثَبْتٍ".
هذا حديثٌ انفرد به بقيّةُ (^١) عن أبي العلاء، وهو إسنادٌ فيه ضعفٌ لا تقومُ به حُجَّةٌ، ولكنّا ذكَرناه ليُعرَفَ، والحديثُ الضَّعيفُ لا يُدْفَعُ (^٢) وإن لم يُحتَجَّ به، وربَّ حديثٍ ضعيفِ الإسنادِ صحيحُ المعنى.
حدَّثنا أبو عثمانَ سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ التِّرمذيُّ، قال: حدَّثنا الحُمَيديُّ، قال: حدَّثنا سفيانُ، قال: سمعتُ سعدَ بنَ إبراهيمَ يقول: لا يُحدِّثُ عن رسولِ اللَّه -ﷺ- إلّا الثِّقات (^٣). وهذا
_________________
(١) لم ينفرد به كما ذكر ﵀، فقد أخرجه الفريابي في القدر ٢١٨ - ٢١٩ (٣٨٨)، وعنه العقيلي في الضعفاء ٤/ ٤٠٨، والطبراني في المعجم الكبير ١١/ ٨٩ (١١١٤٢)، ومن طريق العقيلي عن الفريابي أخرجه ابن الجوزي في الموضوعات ١/ ٤٥٦ (٥٣٩)، وابن عدي في الكامل ١/ ٢٤٤، واللالكائي في شرح الاعتقاد ٤/ ٦٩٨ (١١٣٥) بطرق عن محمد بن شعيب بن شابور، عن أبي العلاء، به. وأخرجه ابن أبي عاصم في السنة ١/ ٢٣٣ (٣٣٥)، ومن طريقه أبو نعيم في المستخرج ١/ ٥٠ (٣٩)، والبزار في كشف الأستار للهيثمي ١/ ١٠٧ (١٩١)، والرامهرمزي في المحدث الفاصل (٤١٢)، وابن عدي في الكامل ١/ ٢٤٤ من طرق عن سعيد الحمصي، عن أبي العلاء، به. فلو قال: تفرّد به هارون بن هارون لكان أحسن، فالعلّة فيه، ولهذا قال ابن عديّ: "رُواة هذا الحديث شوّشوا الإسناد، وبلاء هذه الأحاديث من هارون بن هارون، وهو منكر الحديث". وقال البزار: "لا نعلمه يُروى بهذا اللفظ من وجهٍ صحيح، وإنما ذكرناه؛ إذ لا يُحفظ من وجهٍ أحسن من هذا، وهارون ليس بالمعروف بالنقل". قلنا: ولهذا قال عنه أبو زرعة الرازي حين سُئل عنه: "لا أعرفه". ينظر: الضعفاء له ٣/ ٨٣٢ (٢٣٨)، والجرح والتعديل لابن أبي حاتم ٩/ ٩٨ (٤٠٥).
(٢) في م: "يرفع"، وهو تصحيف.
(٣) أخرجه مسلم في مقدمة صحيحه ١/ ١٥، والدارمي في مسنده (٤١٥)، والفسوي في المعرفة والتاريخ ١/ ٦٨١، وأبو زرعة الدمشقي في تاريخه ١/ ٥٤٦، وعبد اللَّه بن أحمد في العلل (٢٩٨٦)، والبغوي في الجعديات ٦٦٢ (١٥٨٤)، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ٢/ ٣١، وابن شاهين في الثقات (١٦٥٠)، والخطيب في الكفاية ٢/ ١٣١ - ١٣٢ (٥٢ - ٥٣) من طرق عن سفيان بن عيينة، به.
[ ١ / ٢٥٣ ]
معناه: لا يُحدِّثُ عن رسولِ اللَّه -ﷺ- مَن لم يلْقَه، إلّا من يَعرِفُ كيف يُؤخَذُ الحديثُ وعمَّن يُؤخَذُ، وهو الثِّقة.
حدَّثنا خلفُ بنُ أحمدَ الأُمَويُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيدٍ الصَّدَفيُّ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ العُقَيليُّ، قال: حدَّثنا جدِّي (^١). وحدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ يوسف، قال: حدَّثنا يوسفُ بنُ أحمد، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ محمدُ بنُ عَمْرِو بنِ موسى العُقَيليُّ، قال (^٢): حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ العزيز، قالا: حدَّثنا القَعْنَبيُّ (^٣)، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ عيّاش، عن مُعانِ بنِ رِفاعةَ السَّلاميِّ، عن إبراهيمَ بنِ عبدِ الرَّحمن العُذْرِيِّ، قال: قال رسولُ اللَّه -ﷺ-: "يَحمِلُ هذا العلْمَ من كلِّ خلَفٍ عدولُه، يَنفُون عنه تحريفَ الغالين، وانتحالَ المُبطِلين وتأويلَ الجاهلين" (^٤).
وحدَّثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الرَّحمن، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ بكر (^٥)، قال:
_________________
(١) هو يزيد بن محمد بن حمّاد العقيليّ.
(٢) في الضعفاء ٤/ ٣٥٦ (بتحقيقنا).
(٣) هو عبد اللَّه بن مسلمة.
(٤) أخرجه ابن قتيبة في عيون الأخبار ٢/ ١٣٥، وابن وضاح في البدع ١/ ٢٦ (١)، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ٢/ ١٧، وابن عدي في الكامل ١/ ١٤٦، وابن بطة العكبري في الإبانة ١/ ١٩٨ (٣٣)، وابن عساكر في تاريخ دمشق ٧/ ٣٨. والحديث لا يصح بهذا الإسناد، أولًا لأنه مرسل، فإبراهيم العذري تابعي مقل (لسان الميزان ١/ ٣١٢ (١٩٢)، ثم فيه معان بن رفاعة السلامي، وهو ضعيف، ضعفه ابن معين والجوزجاني وأبو حاتم وابن عدي والفسوي وغيرهم. انظر: المعرفة والتاريخ ٢/ ٤٥١، والجرح والتعديل ٨/ ٤٢١ - ٤٢٢، والمجروحين ٣/ ٣٦ (١٠١٨)، والكامل لابن عدي ٨/ ٣٧ (١٨٠٨)، وتهذيب الكمال ٢٨/ ١٥٧ - ١٥٩، وقال العقيلي: "ولا يعرف إلا به، وقد رواه قوم مرفوعًا من جهة لا تثبت".
(٥) في ف ١: "بكير"، وما أثبتناه من الأصل، ق. وهو إبراهيم بن بكر الموصلي، من الذين قدموا الأندلس ودخلوا إشبيلية وحدّثوا بها عن أبي الفتح محمد بن الحسين الأزدي، وترجمته في جذوة المقتبس (٢٦٩)، والصلة لابن بشكوال (٢١٨) وغيرهما.
[ ١ / ٢٥٤ ]
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ الأزْدِيُّ، قال: حدَّثنا أبو يعلى وعبدُ اللَّه بنُ محمد، قالا: حدَّثنا أبو الربيع الزَّهْرانيُّ، عن حمّادِ بنِ زيد، عن بَقِيَّةَ بنِ الوليد، عن مُعانِ بنِ رِفاعة، عن إبراهيمَ بنِ عبدِ الرَّحمن العُذْريِّ، قال: قال رسولُ اللَّه -ﷺ-: "يَحمِلُ هذا العلْمَ من كلِّ خلَفٍ عُدُولُه؛ يَنفُونَ عنه تحريفَ الغالين، وتأويلَ الجاهلين، وانتحالَ المبطلين" (^١).
حدَّثنا خلفُ بنُ أحمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيد، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ محمدُ بنُ عمرِو بنِ موسى العُقَيليُّ، قال (^٢): حدَّثنا أحمدُ بنُ داود القُومِسيُّ، قال:
_________________
(١) أخرجه ابن عدي في الكامل ١/ ١١٨، وابن حبّان في الثقات ٤/ ١٠ (١٦٠٧)، والآجريّ في الشريعة ١/ ٢٦٩، وأبو نعيم في معرفة الصحابة ١/ ٢١١ (٧٣٢)، والبيهقي في الكبرى ١٠/ ٢٠٩ (٢١٤٣٩)، وفي دلائل النبوة ١/ ٤٣ - ٤٤، والخطيب البغدادي في شرف أصحاب الحديث ص ٢٩ من طريق أبي الربيع الزهرانيّ، به. وهو مرسل ضعيف كما بيّنا سابقًا، ولكن ذكر الخلّال عن أحمد بن حنبل كما في شرف أصحاب الحديث ص ٢٩ بعد أن ذكر له هذا الحديث حيث قال له: "فقلت لأحمد: كأنه كلام موضوع؟ قال: لا، فقلت: ممّن سمعتَه أنت؟ قال: من غير واحد، قلت: من هم؟ قال: حدثني به مسكين، إلا أنه يقول: مُعان، عن القاسم بن عبد الرحمن. قال أحمد: معان بن رفاعة لا بأس به. ولكن قال ابن القطان الفاسي في بيان الوهم والإيهام ٣/ ٤٠ في ردّه على ما نُقل عن أحمد: "وخفي على أحمد من أمره ما علمه غيره" ثم ذكر تضعيف ابن معين وأبي حاتم الرازي والسعدي وابن عديّ وابن حبّان لمعان بن رفاعة السلاميّ، ثم قال: "وإلى هذا، فإن إبراهيم بن عبد الرحمن العُذري مُرسِلَ هذا الحديث لا نعرفُه البتّة في شيءٍ من العلم غير هذا، ولا أعلم أحدًا صنّف الرجالَ ذكَرَه، مع أنّ كثيرًا منهم ذكر مُرسَله هذا في مقدّمة كتابه، كابن أبي حاتم، وأبي أحمد، والعقيلي فإنهم ذكروه، ثم لم يذكروا إبراهيم بن عبد الرحمن في باب مَن اسمه إبراهيم، فهو عندهم غاية المجهول، فكيف يُعرَضُ عن مثل هذه العلّة التي هو بها في جملة ما لا يحتجّ به أحدٌ إلى الاقتصار على الإرسال الذي يكون به في جملة ما يختلف فيه، فاعلم ذلك".
(٢) "الضعفاء" ١/ ١١٣ (بتحقيقنا). وأخرجه البزار في مسنده ١٦/ ٢٤٧ (٩٤٢٢)، والسِّلفي في معجم السفر ٤٦٢ - ٤٦٣ (١٥٨٥) من طريق خالد بن عمرو، به. =
[ ١ / ٢٥٥ ]
حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ عمرَ الخَطّابيُّ، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ عمرو، عن اللَّيْثِ بنِ سعد، عن يزيدَ بنِ أبي حبيب، عن أبي قَبِيل، عن عبدِ اللَّه بنِ عمرٍو وأبي هريرة، قالا: قال رسولُ اللَّه -ﷺ-: "يحملُ هذا العلْمَ من كلِّ خلفٍ عُدُولُه"، فذكَره.
ورُوي أيضًا من حديثِ القاسم أبي عبد الرَّحمن، عن أبي أُمامة، عن النبيِّ -ﷺ- مثلَه سواءً (^١).
حدَّثنا خلفُ بنُ أحمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيد، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ الفرج الزَّطَنيُّ (^٢)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ زكريّا الجَوهريُّ، قال: سمعتُ أبا رجاءٍ يقول: بلَغني أنَّ عبدَ الرَّحمنِ بنَ مهديٍّ قال لابنِ المبارك: أمَا تَخشى على هذا الحديثِ أن يُفْسِدُوه؟ قال: كلّا، فأين جهابِذَتُه؟
_________________
(١) = وإسنادُه تالفٌ؛ خالد بن عمرو: هو ابن محمد بن عبد اللَّه بن سعيد بن العاص الأموي، أبو سعيد الكوفي، والأئمة على تضعيفه، قال أبو حاتم: متر وك الحديث، وقال البخاري والساجي: منكر الحديث، وقال يحيى بن معين: كان كذابًا يكذب، وقال أحمد: ليس بثقة يروي أحاديث بواطيل. ينظر: تهذيب الكمال ٨/ ١٣٨ - ١٤١.
(٢) أخرجه العقيلي في الضعفاء ١/ ١١٣، وابن عدي في الكامل ١/ ١٤٦ من طريق محمد بن عبد العزيز الرملي، قال: حدثنا بقية، عن رزيق أبي عبد اللَّه الألهاني، عن القاسم بن أبي عبد الرحمن، عن أبي أمامة مثله. وإسناده ضعيف، محمد بن عبد العزيز الرملي، ضعيف يعتبر بحديثه كما في تحرير التقريب (٦٠٩٣)، وبقيّة: هو ابن الوليد ضعيف ويدلس تدليس التسوية كما هو مبيَّن في تحرير التقريب (٧٣٤)، ولم يصرّح بالسماع. وقد روي هذا الحديث من طرق كثيرة لا تخلو من مقال، وورد من حديث أبي الدرداء ومعاذ بن جبل وأسامة بن زيد وعبد اللَّه بن مسعود وعلي بن أبي طالب وجابر بن سمرة وابن عباس.
(٣) قيد أبو سعد السمعاني هذه النسبة في "الأنساب" بتشديد الطاء المهملة، وتبعه على ذلك عز الدين ابن الأثير في "اللباب"، وقيّده الإمام معين الدين ابن نقطة بفتح الزاي والطاء المهملة من غير تشديد، وقال: "نقلته مضبوطًا من خط أبي سعد البغدادي الحافظ وغيره" (إكمال الإكمال ٢/ ٧٣٧)، وتبعته على ذلك كتب المشتبه.
[ ١ / ٢٥٦ ]
حدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ جعفرِ بنِ الوَرْد، قال: حدَّثنا أبو عليٍّ الحسنُ بنُ ياسرٍ البَغْداديُّ، قال: حدَّثنا أبو حاتم الرّازيُّ، قال: حدَّثنا عَبدَةُ بنُ سليمانَ المَرْوَزيُّ، قال: قلتُ لابنِ المبارك: أمَا تَخشى على العلْم أن يجيءَ المُبتَدِعُ فيزيدَ في الحديثِ ما ليس منه؟ قال: لا أخشى هذا بعيشِ الجَهابِذَةِ النُّقّاد (^١).
قال أبو عُمر: لعلْم الإسنادِ طرقٌ يصعبُ سلوكُها على من لم يصلْ بعنايتِه إليها، ويقطَعْ كثيرًا من أيامِه فيها. ومن اقتَصَر على حديثِ مالكٍ ﵀، فقد كُفِيَ تعبَ التَّفتيشِ والبحث، ووضَع يدَه من ذلك على عُروةٍ وُثْقَى لا تَنفصِمُ؛ لأنَّ مالكًا قد انتقَد وانتقَى، وخلَّص، ولم يَرْوِ إلّا عن ثقةٍ حُجَّة. وسترى موقعَ مُرْسَلاتِ كتابِه، ومَوضعَها من الصِّحَّةِ والاشتهارِ في النَّقل في كتابِنا هذا إن شاء اللَّه.
وإنَّما روَى مالكٌ عن عبدِ الكريم بن أبي المُخارِقِ (^٢) وهو مُجتَمَعٌ على ضعفِه وتَرْكِه؛ لأنه لم يَعرِفْه، إذْ لم يكنْ من أهلِ بلَدِه، وكان حسنَ السَّمتِ والصَّلاة، فغَرَّهُ ذلك منه، ولم يُدخِلْ عنهُ في كتابه حُكْمًا أفرَده به (^٣).
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ٢/ ١٨ عن أبيه، به، ومن طريقه ابن عديّ في الكامل ١/ ١٠٣، والخطيب في الكفاية ١/ ١٤٨ (٦٦) بلفظ: "هذه الأحاديث المصنوعة؟ قال: يعيش لها الجهابذة".
(٢) ينظر: الكامل لابن عدي ٧/ ٣٤ - ٤١، وتهذيب الكمال ١٨/ ٢٥٩ - ٢٦٥.
(٣) زاد ناشر م من نسخة ف ١ (وهو في ق أيضًا) فصلًا عنوانه: "باب ذكر عيون من أخبار مالك بن أنس ﵀ وذكر فضل موطئه "ظنًا منه أنه سقط من الأصل، وتابعه على ذلك مَن نشر الكتاب أو نصوصه استنادًا إلى طبعته، وقد بيّنا في تعليق سابق أن المصنّف كتبه أولًا ثم حذفه من الكتاب بعد، حينما كتب "الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء" حيث تناول هذا الموضوع هناك. على أننا ألحقناه في آخر هذا المجلد زيادة في الفائدة.
[ ١ / ٢٥٧ ]