قال أبو عُمر: هذه أسماءٌ اصطلاحيةٌ، وألقابٌ اتَّفَق الجميعُ عليها، وأنا ذاكرٌ في هذا البابِ مَعانيَها، إن شاء اللَّه.
اعلمْ -وفَّقَك اللَّهُ- أنّي تأمَّلْتُ أقاويلَ أئمَّةِ أهلِ (^١) الحديث، ونظرْتُ في كُتب مَن اشترَط الصحيحَ في النَّقل منهم ومَن لم يَشْترِطْه، فوجدْتُهم أجمَعوا (^٢) على قَبولِ الإسنادِ المُعَنْعَن، لا خلافَ بينَهم في ذلك إذا جمَع شُروطًا ثلاثة، وهي: عدالةُ المُحَدِّثين في أحوالِهم، ولقاءُ بعضِهم بعضًا مجُالَسةً ومشاهدَة، وأن يكونوا بُرآءَ من التَّدْليس، والإسنادُ المُعَنعَن: فُلان، عن فُلانٍ، عن فُلان.
وقد حدَّثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الرحمن، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ بكر (^٣)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ بنِ أحمدَ الأزْديُّ الحافظُ المَوْصليُّ، قال: حدَّثنا
_________________
(١) "أهل" لم ترد في ف ١.
(٢) دعوى الإجماع في هذه المسألة لا تصحُّ، فقد خالف علماء اشتراط ثبوت اللقاء، منهم: الإمام مسلم كما في مقدمة صحيحه ١/ ٢٢ - ٢٣، والحاكم في معرفة علوم الحديث (٣٤) ولم يقيده باللقاء، وغيرهما. ومبحث المعنعن تجده عند: الحاكم في معرفة علوم الحديث (٣٤ - ٣٥)، والخطيب البغدادي في الكفاية ٢/ ٢٢٩، وابن الصلاح في علوم الحديث (٦١ - ٦٧)، وابن دقيق العيد في الاقتراح (٢١٥ - ٢١٧)، والذهبي في الموقظة (٤٤ - ٤٦)، والزركشي في النكت ٢/ ٥٦١ - ٥٨٦، وابن رجب في شرح العلل ١/ ٣٥٩ - ٣٧٥، والعراقي في التقييد والإيضاح ١/ ٤١٦ - ٤١٧، وابن حجر في النكت ٢/ ٥٨٣ - ٥٩٣، والسخاوي في فتح المغيث ١/ ٢٨٦ - ٣٠٢، والأنصاري في فتح الباقي ١٥٣ - ١٥٩، والسيوطي في تدريب الراوي ١/ ٢٤٤ - ٢٤٨.
(٣) هو: إبراهيم بن بكر بن عمران بن عبد العزيز، أبو إسحاق اللخميّ، من أهل إلبيرة، والمتوفى بإشبيلية سنة ٣٨٥ هـ (تاريخ ابن الفرضي ١/ ٥٦ وتعليقنا عليه).
[ ١ / ٢٠٣ ]
ابنُ زاطِيَا (^١)، قال: حدَّثنا أبو مَعْمَر، عن وَكيع، قال: قال شعبةُ: فُلانٌ عن فلان. ليس بحديث. قال وكيعٌ: وقال سفيانُ: هو حديثٌ (^٢).
قال أبو عُمر: ثم إنَّ شُعبةَ انصرَف عن هذا إلى قولِ سفيان. وقد أعْلَمْتُكَ أنَّ المُتأخِّرين من أئمةِ الحديث، والمُشْتَرِطين في تصنيفِهم الصحيح، قد أجمَعوا على ما ذكرْتُ لك، وهو قولُ مالكٍ وعامّةِ أهلِ العلم، والحمدُ للَّه، إلا أن يكونَ الرجلُ معروفًا بالتَّدليس، فلا يُقبلُ حديثُه حتى يقول: حدَّثنا، أو: سمعتُ. فهذا ما لا أعلمُ فيه أيضًا خلافًا.
_________________
(١) في الأصل: "زاكيًا"، محرف، وهو عليّ بن إسحاق بن عيسى بن زاطيا، أبو الحسن المخرّمي البغداديّ المتوفى سنة ٣٠٦ هـ، وترجمته في تاريخ الخطيب ١٣/ ٢٦٤ والتعليق عليه.
(٢) روي هذا الأثر عن شعبة في باب المحدِّث إذا حدَّث حديثًا بإسناده ثم أخرجه بإسناد آخر فقال: "مثله"، فهذا الذي منعه شعبة، وليس المقصود هنا العنعنة. ويشهد لهذا تبويبُ الخطيب البغدادي في الكفاية ٢/ ٣٠ "باب ما جاء في المحدث يروي حديثًا ثم يتبعه بإسناد آخر" ثم ساق بأسانيده إلى شعبة ما يؤيده، ومنها ما أخرجه بسند صحيح من طريق محمود بن غيلان عن وكيع قال: قال شعبة: "مثله" ليس بحديث، وقال سفيان: "مثله" حديث. واستدل بمثل هذا ابن الصلاح متابعًا للخطيب، فأخرج بسنده إلى عمرو بن محمد الناقد عن وكيع عن شعبة قال: "فلان عن فلان مثله: لا يجزئ". قال وكيع: وقال سفيان الثوري: "يجزئ". (علوم الحديث ٢٣١). وقد أخرجه عبد اللَّه بن أحمد في العلل (٣٠٢٦) عن عمرو الناقد، والبغوي في "الجعديات" ٢٧٣ (٣٤) من طريق عمرو الناقد عن وكيع به. ورواه العجلي في الثقات (٦٦٥) من طريق وكيع عن شعبة به (بدون ذكر قول سفيان). يتضح مما سبق أن جميع الروايات جاءت بلفظ: "فلان عن فلان مثله" بزيادة مثله، على عكس ما أخرجه ابن عبد البر عن شعبة بدون زيادة "مثله". وسند ابن عبد البر ضعيف، ففيه أبو الفتح الأزدي الموصلي وكان صاحب مناكير وغرائب، لهذا لا يصح الاستدلال بهذا الأثر الذي أخرجه ابن عبد البر على أن شعبة كان يضعف الحديث المعنعن ثم رجع عنه (كما استدل ابنُ رُشَيد في السنن الأبين، ص ٥٠، على هذا)، فمذهبه واحد وهو قبول الحديث المعنعن بشروطه، واللَّه أعلم.
[ ١ / ٢٠٤ ]