ذكر المؤلف في تمهيد الحديث الرابع لابنِ شهابٍ، عن عُروةَ، عن عائشةَ، أنَّ رسولَ اللَّه -ﷺ- كان يُصلِّي مِن الليلِ إحدَى عشْرةَ ركعةً، يُوترُ منها بواحدةٍ، فإذا فرَغ منها اضطَجَع على شِقِّه الأيمن.
عِلّته: أن أصحابَ ابنِ شهابٍ، روَوْا هذا الحديثَ عن ابنِ شهابٍ بإسنادِه هذا، فجعَلوا الاضطِجاعَ بعدَ ركعتَي الفجرِ لا بعدَ الوترِ، وذكَر بعضُهم فيه عن ابنِ شِهابٍ، أنَّه كان يُسلِّمُ مِن كلِّ ركعتَيْنِ في الإحدَى عَشْرةَ ركعةً، ومنهم مَن لم يذكُرْ
[ ١ / ١٠٧ ]
ذلك، وكلُّهم ذكَر اضْطِجاعَه بعدَ ركعتَي الفجرِ في هذا الحديثِ. وزعَم محمدُ بنُ يحيَى وغيرُه أنَّ ما ذكَروا مِن ذلك هو الصَّوابُ دونَ ما قالَه مالكٌ.
قال المؤلف: لا يدفعُ ما قالَه مالكٌ مِن ذلك، لحفظِه وإتقانِه وثبوتِه في ابنِ شِهابٍ وعِلْمِه بحديثه. (٥/ ٤٢٢).
فتعقبناه بقولنا: إن الذين خالفوا مالكًا في لفظه جماعةٌ، ذكر منهم الدارقطني في الأحاديث التي خُولف فيها مالك، ص ٦٦، قال: "خالفَه في لفظه جماعةٌ، منهم عُقيل ويونس وشُعيب بن أبي حمزة وابنُ أبي ذئب والأوزاعيُّ وغيرُهم،. . . ذكروا أنه كان يركعهما قبل الاضطجاع على شِقِّه الأيمنِ، وقبل إتيان المؤذِّن، وزادوا في الحديث ألفاظًا لم يأت بها".
قلت: واجتماع أصحاب الزُّهريّ على قولهم: إنّ الاضطجاع كان بعد الفجر هو المحفوظ كما نصَّ عليه الحفّاظ، فقد نقل ابن القيِّم في زاد المعاد ١/ ٣١٠ عن الخطيب البغدادي قوله: "فذكر مالكٌ أن اضطجاعه كان قبل ركعتي الفجر، وفي حديث الجماعة أنه اضطجع بعدهما، فحَكَم العلماءُ أن مالكًا أخطأ وأصاب غيرُه" وعلى هذا جاء قول البيهقيِّ في الكبرى بإثر رواية مالك ٣/ ٤٤ (٥٥٨٢) فقال بعد أن عزاها لمسلم عن يحيى بن يحيى: "كذا قاله مالكٌ، والعددُ أوْلى بالحفظ من الواحد" وقال - بإثر إخراجه لحديث أبي هريرة ٣/ ٤٥ (٥٠٨٠): إنّ رسول اللَّه -ﷺ- كان يفصِل بين ركعتيهِ من الفجر، وبين الصُّبح بضَجْعةٍ على شِقِّه الأيمنِ: "وهذا أوْلى أن يكون محفوظًا لموافقتِه سائر الروايات عن عائشة وابن عباس". وقد تابعه على هذا القول الحافظ ابن حجر، فقال في الفتح ٣/ ٤٤ بعد أن ذكر رواية مالكٍ: "فقد خالفه أصحاب الزُّهريّ عن عروة؛ فذكروا الاضطجاع بعد الفجر، وهو المحفوظ".
قلت: فيتبيَّن من ذلك أنَّ رواية مالكٍ بالنسبة لحديث ابن شهاب شاذّة، واللَّه أعلم. وإن كان بعضهم حاول الجمع بين روايتي الاضطجاع قبل ركعتي الفجر وبين رواية الاضطجاع بعدها لإمكان فعل الأمرين، كالنَّوويِّ في شرحه لمسلم
[ ١ / ١٠٨ ]
٦/ ١٩، ولكن الأوْلى ما ذكرناه عن الحفّاظ في هذا، واللَّه تعالى أعلم. وينظر تعليقنا على "الموطأ" برواية الليثي.
وذكر المؤلف في تمهيد الحديث الثاني عشر لابن شهاب عن عروة، في قصة رضاعة الكبير أنَّ يونس بن يزيد سمَّى في هذا الحديث التي أنكحَ أبو حذيفةَ سالمًا هي هند بنت الوليد بن عتبة، وأما مالك فذكر أنَّها فاطمة بنت الوليد بن عتبة، وذكر أنَّ ما نصَّ عليه مالك هو الصواب. (٥/ ٥٦٥).
فتعقبناه بقولنا: إنَّ قوله: "وهو الصَّواب" تجوُّزٌ، فلم ينفرد يحيى بن سعيد الأنصاري ويونس بن يزيد الأيلي بتسميتها "هند بنت الوليد"، وإنما تابعهما على ذلك عُقيل بن خالد الأيلي وشعيب بن أبي حمزة، وروايتهما عند البخاري (٤٠٠٠) و(٥٠٨٨)، وكذا أخرج رواية شعيب النسائي (٣٢٢٣)، وهما ثقتان ثبتان، فقد ذكر ابن معين كما في التقريب (٢٧٩٨) أن شعيبًا من أثبت الناسِ في الزُّهريّ.
فهؤلاء أربعة رواة ثقات أثبات، وهم من جملة من ذكرهم ابن معين أنهم أثبت الناس في الزُّهريّ، مضمومًا إليهم معمر بن راشد ومالك وابن عيينة كما في تحرير التقريب (٧٩١٩)، وقد توافق الأربعة -وهم على الدرجة المذكورة عنهم في الحفظ والإتقان- على تسميتها "هند بنت الوليد"، وخالفهم مالك فقال: "فاطمة بنت الوليد"، فلا يستقيم -والحالة هذه- قول ابن عبد البَرّ: "وهو الصواب" إلّا أن يُحمل كلامه هذا على أنَّه تقليدٌ لمالك كما ذكر العينيُّ في عمدة القاري ١٧/ ١٠٨، فقال بعد أن ذكر رواية الأربعة: "وكذا سمّاها الزُّبير، وخالفهم مالك. . .، وكذا قال أبو عمر تقليدًا لمالكٍ"، وقال في موضع آخر ٢٠/ ٨٤: "ووقع عند مالكٍ: وأنكحه بنت أخيه فاطمة. ولا كلام فيه؛ لأنَّها ربّما كانت تسمّى باسمين"، وهو بذلك متابعٌ لما ذهب إليه الحافظ ابن حجر في الفتح ٧/ ٣١٥ سالكًا سبيل الجمع بين الروايتين، فقال: "رواه يونس ويحيى بن سعيد وشعيب وغيرهم عن الزُّهري فقالوا: هند. وروى مالكٌ عنه فقال: فاطمة. واقتصر أبو عمر في الصحابة على فاطمة بنت الوليد،
[ ١ / ١٠٩ ]
فلم يُترجم لهند بنت الوليد، ولا ذكرها محمد بن سعد في الصحابة، ووقع عنده فاطمة بنت عتبة، فإمّا نسبها لجدِّها، وإمّا كانت لهندٍ أختٌ اسمُها فاطمة. . .، ويُمكن الجمعُ بأنّ بنتَ أبي حذيفة كان لها اسمانِ، واللَّه أعلم".
إلّا أن الدارقطني جنح إلى تصويب رواية الجماعة فيما نقل عنه ابن الأثير في أسد الغابة ٦/ ٢٩٥ فقال: "سمّاها أبو عمر: فاطمة. وقال الدارقطني: سمّاها مالك: فاطمة. وخالفه غيره عن الزُّهريّ، فقالوا: هند، وهو الصواب".
ذكر المؤلف في تمهيد الحديث الثامن من مراسِيلِ ابن شِهاب: أنَّ عائشةَ وحَفْصةَ زَوْجيِ النَّبيِّ -ﷺ- أصْبَحتا صائمتينِ مُتَطوِّعتينِ، فأُهدِيَ لهُما طَعامٌ. . الحديث.
وذكر المصنّف أنَّ هذا الحديث قد روي موصولًا من غير طريق مالك، وساق عددًا من الأحاديث الموصولة، ثم قال: "وأحسنُ حديثٍ في هذا البابِ إسنادًا، حديثُ ابن وَهْب، عن حَيْوةَ، عن ابن الهادِ، عن زُمَيلٍ مولى عُروةَ، عن عُروةَ، عن عائشةَ". (٧/ ٤٤٦).
فتعقبناه بقولنا: هكذا قال، وقال مسلم في "التمييز" (١٥٨): "وأما حديث زميل مولى عروة، فزميل لا يُعرف له ذكر في شيء إلَّا في هذا الحديث فقط، وذكره بالجرح والجهالة". وحديث زميل هذا أخرجه العقيلي في الضعفاء ٢/ ٨٣ وقال: "وهذا الحديث يروى من حديث الزهري، عن عروة، عن عائشة، وهو من معلول حديثه"، وكان قبل ذلك نقل في ترجمته عن البخاري قوله: "لا يعرف لزميل سماع من عروة ولا ليزيد سماع من زميل، فلا تقوم به الحجة".
وذكر المؤلف في تمهيد الحديث الرابع لعبدِ الرَّحمنِ بن أبي صعصعةَ أن الصدقة على الأقارب وذوي الأرحام أفضل من العتق، وساق لأجل ذلك حديث ابنِ إسحاقَ، عن بُكَيرِ بن عبدِ اللَّه بن الأشجِّ، عن سُليمانَ بن يَسارٍ، عن ميمُونةَ، قالت: كانَتْ لي جارِيةٌ فأعْتَقتُها، فدخَلَ عليَّ رسُولُ اللَّه -ﷺ-، فأخبَرتُهُ بعِتقِها، فقال: "آجَرَكِ اللَّه، أما إنَّكِ لو أعْطَيتِها أخوالَكِ، لكانَ أعظَمَ لأجرِكِ".
[ ١ / ١١٠ ]
وذكر أن ابن وَهْبٍ، رواه عن عَمرِو بن الحارِثِ، عن بُكَيرٍ، عن كُريبٍ، عن ميمُونةَ، ثم قال: والقولُ في إسنادِ هذا الحديثِ قولُ ابنِ إسحاقَ، واللَّه أعلمُ. (١٢/ ٢١٧).
فتعقبناه بقولنا: هكذا قال، وفي قوله نظر شديد، فابن إسحاق مدلس وقد عنعن، وحديثه أخرجه أحمد في مسنده ٤٤/ ٤٠٠ (٢٦٨١٧)، وإسحاق بن راهوية (٢٠٢٩)، وعبد بن حميد (١٥٤٨)، وأبو داود (١٦٩٠)، والنسائي في السنن الكبرى ٥/ ٢٢ (٤٩١١)، والطبراني في الكبير ٢٣/ ٤٤٠ (١٠٦٦)، والحاكم في المستدرك ١/ ٤١٤.
وقد خولف في هذا الحديث، فرواه يزيد بن أبي حبيب عند البخاري (٢٥٩٢) وعمرو بن الحارث، كما تقدم، وهو عند مسلم (٩٩٩)، عن بكير بن عبد اللَّه بن الأشج، فقال: عن كُريب عن ميمونة، قال الدارقطني: "يرويه بكير بن عبد اللَّه بن الأشج واختلف عنه: فرواه عمرو بن الحارث ويزيد بن أبي حبيب عن بكير عن كريب عن ميمونة، وخالفهما محمد بن إسحاق، رواه عن بكير، عن سليمان بن يسار، عن ميمونة. وقيل: عن محمد بن سوقة، عن بكير، وهو وهم من قائله، وإنما هو محمد بن إسحاق". العلل (٤٠١٤).
وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري ٥/ ٢١٩: "قال الدارقطني: ورواية يزيد وعمرو أصح".
فالقول ما قاله الحافظان الدارقطني وابن حجر؛ أن الرواية الصواب هي التي في الصحيحين، عن كريب عن ميمونة.