قال يعقوبُ: وسألتُ عليَّ بنَ المَدينيِّ عن الرجلِ يُدَلِّسُ، أيكونُ حُجَّةً فيما لم يَقُلْ: حدَّثنا؟ فقال: إذا كان الغالبُ عليه التَّدْليسَ، فلا، حتى يقول: حدَّثنا. قال عليٌّ: والناسُ يحتاجون في صحيح حديثِ سفيانَ إلى يحيى القَطّان، يعني عليٌّ أنَّ سفيانَ كان يُدَلِّسُ، وأنَّ القَطّانَ كان يُوقِفُه على ما سمِع وما لم يسْمَع.
وستَرى في الباب الذي بعدَ هذا ما يَدُلُّك على ذلك، ويكْشِفُ لك المذْهبَ والمرادَ فيه إن شاء اللَّه.
فأمَّا المُرْسَلُ (^٢)، فإن هذا الاسمَ أوْقَعوه بإجماع على حديثِ التّابعيِّ
_________________
(١) أخرجه ابن عدي في الكامل ١/ ١٠٧ من طريق أحمد بن موسى -مختصرًا- والخطيب في الكفاية من طريق محمد بن أحمد بن يعقوب، كلاهما عن يعقوب بن شيبة به.
(٢) مبحث المرسل تجده عند: الشافعي في الرسالة (٤٦١ - ٤٦٧)، وأبي داود في رسالته إلى أهل مكة (٣٢ - ٣٣)، والحاكم في معرفة علوم الحديث (٢٥ - ٢٧)، والخطيب في الكفاية ٢/ ٤٣٥ - ٤٤٦، وابن الصلاح في علوم الحديث (٥٢ - ٥٦)، وابن دقيق العيد في الاقتراح، ص ٢٠٨، والذهبي في الموقظة (٣٨ - ٤٠)، والعلائي في جامع التحصيل، ص ٨ وما بعدها، والزركشي في النكت ١/ ٤٥٩ - ٥٤٣، وابن رجب في شرح العلل (١/ ٢٧٣ - ٢٨٠)، والعراقي في التقييد ١/ ٣٧٥ - ٤٠٧، وابن حجر في النكت ٢/ ٥٤٠ - ٥٧١، والسخاوي في فتح المغيث ١/ ٢٣٨ - ٢٧٥، والسيوطي في تدريب الراوي ١/ ٢١٩ - ٢٣٤، وزكريا الأنصاري في فتح الباقي ١٤١ - ١٤٩.
[ ١ / ٢٠٩ ]
الكبيرِ عن النبيِّ -ﷺ- (^١)، مثلَ أن يقولَ عُبيدُ اللَّه بنُ عَدِيِّ بنِ الخيار، أو أبو أُمامَةَ بنُ سَهْلِ بنِ حُنَيْف، أو عبدُ اللَّه بنُ عامرِ بنِ رَبيعَة، ومَن كان مثلَهم: قال رسولُ اللَّه -ﷺ-. وكذلك مَن دونَ هؤلاء؛ مثلُ سعيدِ بن المُسيِّب، وسالِم بنِ عبد اللَّه، وأبي سلمةَ بنِ عبدِ الرحمن، والقاسم بنِ محمد، ومَن كان مثلَهم. وكذلك عَلقمَةُ بنُ قَيْس، ومَسروقُ بنُ الأجْدَع، والحسنُ، وابنُ سِيرينَ، والشعبيُّ، وسعيدُ بنُ جُبَير، ومَن كان مثلَهم من سائرِ التّابعين الذين صَحَّ لهم لقاءُ جماعةٍ من الصحابةِ ومُجالَسَتُهم. فهذا هو المُرسَلُ عندَ أهلِ العلم.
ومثلُه أيضًا، ممّا يَجري مَجراه عند بعضِ أهلِ العلم، مُرسَلُ مَن دونَ هؤلاء؛ مثلُ حديثِ ابنِ شهاب، وقَتادة، وأبي حازم، ويحيى بنِ سعيد، عن النبيِّ -ﷺ- يُسَمُّونه مرسَلًا، كمرسَلِ كبارِ التّابعين.
وقال آخَرون: حديثُ هؤلاءِ عن النبيِّ -ﷺ- يُسَمَّى مُنقَطِعًا؛ لأنهم لم يَلقَوا من الصَّحابةِ إلّا الواحدَ والاثنين، وأكثرُ روايتهم عن التّابعين، فما ذكَروه عن النبيِّ -ﷺ- يُسَمَّى مُنقَطِعًا.
_________________
(١) نقل ابن الصلاح هذا التعريف للمرسل "علوم الحديث" (٥١) دون أن ينسبه لأحد فظنّ البعض أنَّ أول من قاله هو ابن الصلاح! وليس الأمر كما ظنُّوا، فقد قال الزركشي في النكت ٢/ ٤٦١ إنَّ ابن الصلاح أخذ هذا الكلام من ابن عبد البر ونقل كلامه من التمهيد، قال: "وإنما ذكرت هذا لأني رأيت كثيرًا من الناس يتوهّمون أنّ ابن الصلاح أبو عذرةِ هذا القول، ويوجهون المؤاخذة عليه، وليس كذلك". وجمهور المحدثين على عدم تقييد المرسل بالتابعي الكبير؛ قال ابن حجر في النكت ٢/ ٥٤٣: "ولم أر تقييده بالكبير صريحًا عن أحد، ولكن نقله ابن عبد البرّ عن قوم، بخلاف ما يُوهِمُه كلام المصنِّف". فالمشهور التسوية بين التابعين أجمعين في ذلك كما ذكر ابن كثير وغيره. ينظر: الباعث الحثيث، ص ٤٨.
[ ١ / ٢١٠ ]