بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمدُ للَّه رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله محمد الأمين، والتحية لأهل بيته، ورضي اللَّه عن صحابته والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فإن التراث مرآة الأمة وخزانة تجاربها على أنحاء شتى من المعارف الإنسانية، يتقدمها ما أبدعه العَقْل المسلم من تآليف ماتعة نافعة في فقه كتاب اللَّه العزيز وسنة رسوله المبعوث رحمة للعالمين بما يهدف إلى إسعاد البشرية وتقدمها ورقيها والنهوض بحقوق عباد اللَّه الذين أعمرهم أرضه وأمرهم أن ينتشروا فيها ويبتغوا من فضله، فأثروا الحضارة الإنسانية ببديع تلكم التآليف التي طار صيتها في مشارق الأرض ومغاربها.
ويسعدني باسم مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي أن أقدم اليوم كتاب "التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد" لحافظ عصره الإمام العلامة الجهبذ ابن عبد البر النمري القرطبي دَرّة من درر هذا التراث الخالد، ولعلنا لا نبالغ إذ قلنا: إنه يعدل ألوفًا في جلالة القدر وخلود الذكر، فهو من أعظم شروح موطأ إمام دار الهجرة مالك بن أنس الأصبحي وأشهرها ذكرًا وأعلاها قدرًا وأغزرها فائدة حين أبان فيه عن نكت أغفلها الفقهاء، ففتح أقفالها وقيودها وأغلالها بما آتاه اللَّه من فكر نيّر وعقل نَصِيح، فصار كتابه هذا من أمهات كتب الفقه المقارن، بحرًا لا تكدره الدلاء اتسعت أبعاده وتعددت جوانبه، بحيث قال فيه الإمام العلامة أبو محمد بن حزم الظاهري: "لا أعلم في الكلام على فقه الحديث مثله فكيف أحسن منه"، وقال عنه العلامة أبو علي الجياني: "هو كتاب لم يتقدمه أحد إلى مثله"، وقال القاضي عياض:
[ ١ / ٥ ]
"ألّف أبو عمر كتاب التمهيد. . . وهو كتاب لم يصنع أحد مثله في طريقته"، وقال ابن بشكوال: "لم يتقدمه أحد إلى مثله".
ومؤلف هذا الأثر النفيس أبو عمر ابن عبد البر غني عن التعريف إذ طارت شهرته في الآفاق وسارت بتآليفه الركبان وخضع لعلمه علماء الزمان حين أصلح الفاسد وأقام المائد وقوّم الحائد بما آتاه اللَّه من بسطة في العلم أهلته بأن يكون سداد هذا الأمر وعماده، فهو ممن بلغ رتبة الأئمة المجتهدين له القدح المعلى في "سعة العلم وقوة الفهم وسيلان الذهن" على حد تعبير إمام المؤرخين شمس الدين الذهبي، فلم يقم في زمانه ببلاد الأندلس أحد مقامه في العلم مع الكفاية والأمانة والصرامة في إظهار الحق؛ إن أبصر زيغًا عَدَّله، وإن صادف ميلًا قوّمه لا يحابي في ذلك أحدًا، وكثيرًا ما خالف أئمة مذهبه المالكي حينما وجد الحق مع غيرهم.
وأنا على يقين بأن أهل العلم سيتلقون هذا الأثر النفيس بما هو أهله من إحسان الذكر وإيفاء الشكر، بعد أن أجاد مؤلفه في تحضير فصوله ونهج فيه منهجًا حميدًا في تمهيد مباحثه والعلم بمصادره وموارده مما عاد بنُجْح مطلبه.
لقد قضى ابن عبد البر أكثر من ثلاثين عامًا في تنقيح هذا الكتاب حتى ظهر بهذه الهيئة الرائقة والصفة البارعة النافعة التي قل نظيرها.
ومثلما هيأ اللَّه تعالى لموطأ الإمام مالك مَن يظهر نكته الفقهية والعلمية ويبين عن إشاراته وإثاراته، فقد هيأ اللَّه له شيخ محققي العصر العلامة الأستاذ الدكتور بشار عواد معروف ليحققه تحقيقًا علميًا نقديًا قائمًا على خبرة عميقة شاملة أنتجت أكثر من ثلاث مئة مجلد، شهد له أساطين أهل العلم بجودة التحقيق والأمانة والدقة المتناهية في إتقان هذا الفن والعناية به.
جمع المحقق نسخ الكتاب الخطية وتتبعها في خزائن الكتب بالخافقين، فوقف على جُل ما عرف لهذا الكتاب من مجلدات مخطوطة في بلاد المغرب، والشام،
[ ١ / ٦ ]
ومصر، والعراق، وتركيا، وجزيرة العرب وغيرها، فدرسها وصَنّفها وأبان عن مزاياها واكتشف دون غيره أنَّ النسخ الخطية المتوفرة من هذا الكتاب تمثل إبرازتين: إبرازة أولى كانت المسوّدة، ثم إبرازة أخرى هي المبيضة، فعمل بما توفر له من خبرة في هذا الشأن امتدت على أكثر من نصف قرن على تمييز الإبرازة الأخيرة التي ارتضاها ابن عبد البر في آخر الأمر بعد أن حذف ما رآه حريًا بالحذف، وزاد ما فاته من نصوص وآراء نضيجة في الإبرازة الأولى، فأفاد وأجاد.
بذل المحقق الدكتور بشار عواد معروف جهدًا متميزًا في تحقيق هذا الكتاب امتد على أكثر من عشرين عامًا، وهو ينعم النظر في هذا النص ويبديه، لأنه يعده أمانة وديانة يعينه في ذلك كله، بعض تلامذته النّجب ومنهم ولده الدكتور محمد بشار، فيعيد المقابلة بين النسخ أكثر من مرة، وينظم مادة النص، ويضبطه بما يدفع عنه اللبس وسوء الفهم ويؤدي إلى قراءة سليمة تعين المستفيد منه في قابل الأيام، ويرجح بين الروايات بعد تعليلها، ويشير إلى مناجمه ويقابل النص بها وينبّه إلى أي خُلْف قد يقع عند الاقتباس، ويعيد الآراء الفقهية إلى مظانها، كل مذهب من موارده المعتبرة، وموارد الفقه المقارن، والأصول التي اعتمدها المؤلف عند الاقتباس.
وعني المحقق عناية خاصة بتخريج الأحاديث التي اعتمدها المؤلف وأبان عن قوتها وضعفها وعللها الظاهرة والخفية؛ لأن الأحكام إنما تتأتى استنادًا إلى ثبوتها عن النبي -ﷺ- من عدمه، وهو فارس هذا الميدان الخطير الذي استشف بواطنه وعرف خفاياه، فتراه يصول فيه ويجول يبين المبهم ويوضح الخفي ويكشف عما خفي من علل الأحاديث ويظهر وجه الصواب فيها.
إن المقدمة العلمية النقدية الوسيعة التي صدر بها المحقق عمله تنبئ عن الجهد المحمود الذي بُذل في إخراج هذا الكتاب بهذه الهيئة التي آمل أن تسر كل محب للتراث حريص عليه، وتكون أُنموذجًا يحتذى في جودة إخراج النصوص والعناية بها.
[ ١ / ٧ ]
ورأى المحقق أن لا بد من تيسير الإفادة من هذا النص بعمل الكشافات التي يتوصل بها المستفيد من الباحثين والدارسين إلى المعلومات والبيانات المطلوبة بأسرع وقت وأقل جهد، فعمل فهارس للأحاديث المرفوعة والآثار الموقوفة على الصحابة والتابعين والخالفين، وأعاد في الفهرس الفقهي ترتيب كتاب التمهيد القائم على شيوخ الإمام مالك بن أنس إلى أبواب الموطأ الفقهية كما جاءت في نشرته المتميزة لموطأ مالك برواية الليثي تيسيرًا منه للمعنيين بالدراسات الفقهية في الوقوف على مسائل الفقه والقواعد الفقهية والفقه المقارن في كل باب من أبوابه، ثم عمل كشافًا لشيوخ المؤلف، وآخر للمواضع والبلدان، وفهرسًا للقوافي، وختمه بجريدة المصادر والمراجع المعتمدة في تحقيقه.
لقد تكافأت الأحوال بين محققه ومؤسستنا على إظهار هذا الأثر المتميز والتنبيه على موقعه وتيسيره للباحثين والدارسين ما بين مشرق للشمس ومغيب.
نسأل اللَّه ﵎ أن يجزي الدكتور بشار عواد معروف ومساعديه خيرًا على ما بذلوه من جهد كبير في تحقيق هذا الكتاب القيم، كما أسأله تعالى أن يجعل عملنا كله خالصًا لوجهه، وأن يرزقنا التوفيق في المقاصد كلها إلى طاعته ومرضاته ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾، وآخر دعوانا أن الحمد للَّه رب العالمين.
أحمد زكي يماني
رئيس مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي
[ ١ / ٨ ]