وقد يتوهم المصنِّف في إسنادٍ ما، مما يتعيّن التنبيه عليه، وبيان الصواب فيه، فمن ذلك مثلًا لا حصرًا:
ما جاء في تمهيد الحديث الثالث لعبد اللَّه بن عمر، حينما ساق حديث عبدِ اللَّه بن الحارِثِ قال: خَطَبنا ابنُ عبّاسٍ في يوم ذي ريح، فلمّا بلَغَ المؤذِّنُ حيَّ على الصَّلاةِ، أمرهُ أن يُنادي: الصَّلاةُ في الرِّحال. قال: فنظَرَ القومُ بعضُهُم إلى بعضٍ، فقال: كأنَّكُم أنكَرتُمْ هذا، قد فعَلَ هذا من هُو خير مِنِّي. فقال (٨/ ٣٦٩): "وذكَرَهُ أبو داود، عن مُسدَّدٍ، عن حمّاد، عن عبدِ الحميدِ، عن عبدِ اللَّه بن الحارِثِ، عن ابن عبّاسٍ. وزاد فيه: إنَّ الجُمُعةَ عَزْمةٌ، وإنِّي كَرِهتُ أن أُخْرِجَكُم فتَمْشُون في الطِّينِ والمَطَرِ".
فتعقبناه على ذكره حمادًا في هذا الإسناد بقولنا: هو خطأ صوابه: إسماعيل -وهو ابن عُليّة- كما في سنن أبي داود (١٠٦٦). وبيّنا أن الذي أوقع المؤلف في هذا الخطأ أنَّ مسددًا يرويه عن حماد أيضًا وهو ابن زيد، كما في صحيح البخاري (٦١٦) ولكنه يرويه عن أيوب، عن عبد الحميد صاحب الزيادي، في حين يرويه إسماعيل ابن علية، عن عبد الحميد صاحب الزيادي من غير واسطة. وكذلك أخرجه البخاري (٩٠١).
ومنها ما جاء في تمهيد الحديث الحادي والخمسين لنافع، عن ابن عُمرَ، سياقته الحديثَ الآتي: "أخبرنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا أبو عَوانةَ، عن أبي بِشرٍ، عن ميمُونِ بن مِهرانَ، عن سَعِيد بن جُبير، عن ابن عبّاسٍ، قال: نَهَى رسُولُ اللَّه -ﷺ- عن أكْلِ كلِّ ذي نابٍ من السِّباع، وعن كلِّ ذي مخِلَبٍ من الطَّيرِ" (٩/ ٤٤٢).
[ ١ / ٧٣ ]
فتعقبناه على ذكره لسعيد بن جبير في هذا الإسناد، إذ المفروض في هذا الإسناد أن يرويه ميمون بن مهران عن ابن عباس مباشرةً، فقلنا: هو وهم من المؤلف كما يظهر لاتفاق النسخ عليه والصواب حذفه. انظر: مصادر التخريج، وانظر: أيضًا تحفة الأشراف ٤/ ٧٢٣ (٦٥٠٦). وقد سلف من طريق علي بن الحكم، عن ميمون بن مهران، عن سعيد بن جبير، به. في شرح حديث ابن شهاب، عن عبد اللَّه والحسن ابنَي محمد بن علي بن أبي طالب. وسلف تخريجه هناك. وقد أخرجه البزار في مسنده ١١/ ٢٣٠ (٤٩٩٩) من طريق علي بن الحكم هذا، وقال: وهذا الحديث لا نعلم رواه أحد عن ميمون بن مهران، عن سعيد بن جبير، إلا علي بن الحكم. وقد رواه أبو بشر والحكم، عن ميمون بن مهران، عن ابن عباس، ولم يذكرا سعيد بن جبير، بين ميمون بن مهران، وبين ابن عباس. وينظر بلا بد: تعليقنا على "تحفة الأشراف".
ومنها ما جاء في تمهيد الحديث الثامن عشَر لعبدِ اللَّه بن دينارٍ، عنِ ابنِ عُمرَ (١٠/ ٤٧٩) حينما ساق الإسناد الآتي: "أخبرنا أحمدُ بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي دُليم، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ، قال: حدَّثنا مَعْنُ بن عيسى، عن سُليمان بن بلالٍ، عن جعفرِ بن محمدٍ، عن أبيه، قال: كان الحسنُ والحُسينُ يَتَختَّمانِ في أيسارِهِما".
فتعقبناه بقولنا: هكذا نقل عن أبي بكر بن أبي شيبة فوهم في الإسناد، ذلك أن ابن أبي شيبة روى عن معن بن عيسى، عن سليمان بن بلال، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، أن أبا بكر وعمر وعثمان تختموا في يسارهم (المصنف، رقم ٢٥٦٧٤) أما تختم الحسن والحسين ﵄، فقد رواه عن شيخه حاتم بن إسماعيل، عن جعفر عن أبيه (٢٥٦٧٣)، وإنما وقع في هذا الوهم لتقارب النصين، واللَّه أعلم. وأخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ٤/ ٢٦٦ من طريق سليمان بن بلال، به. وهذه الأسانيد كلها منقطعة، فإن محمد بن علي بن الحسين لم يلق أبا بكر وعمر وعثمان، كما أنه لم يلق جَدَّيْه الحسن والحُسين، كما في جامع التحصيل للعلائي (٧٠٠).
[ ١ / ٧٤ ]
ومن ذلك ما جاء في تمهيد حديث عبد اللَّه بن الفضل قول المصنِّف (١٢/ ٤٥) "حدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال: حدَّثنا عُثمانُ بن أبي شَيْبةَ، قالا: حدَّثنا جرِيرُ بن حازِم، عن أيُّوبَ، عن عِكرِمةَ، عن ابنِ عبّاسٍ: أنَّ جارِيةً بكرًا أتَتِ النَّبيَّ -ﷺ-، فذكرَتْ له أنَّ أباها زوَّجها وهي كارِهةٌ، فخيَّرها النَّبيُّ -ﷺ-".
قلنا: هكذا ورد هذا الإسناد في النسخ كافة، مما يرجِّح أنه من أوهام المؤلف، لأن هذا الإسناد بهذه الصيغة لا يصح، فعثمان بن أبي شيبة إنما يرويه عن شيخه الحسين بن محمد، كما في سنن أبي داود (٢٠٩٦). كما أخرجه أحمد في مسنده ٤/ ٢٧٥ (٢٤٦٩)، وابن ماجة (١٨٧٥)، والنسائي في الكبرى ٥/ ١٧٦ (٥٣٦٦)، وأبو يعلى (٢٥٢٦)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٤/ ٣٦٥، من طريق الحسين بن محمد، بهذا الإسناد. ولذلك زدنا "الحسين بن محمد" بين حاصرتين، وذكرنا أن الإسناد لا يصح إلا بهذه الزيادة.
ومن ذلك ما جاء في تمهيد الحديث العاشر لسهيل بن أبي صالح عن أبيه أنَّ رسولَ اللَّه -ﷺ- قال: "إن اللَّهَ يرضَى لكم ثلاثًا، ويسخَطُ لكم ثلاثًا" الحديثَ، فقال (١٣/ ٥٠٢): "وعند مالكٍ فيه إسناد آخر، رواه عنه عبدُ العزيز بنُ أبي روّاد، عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، وأخشَى أن يكونَ هذا الإسنادُ غيرَ محفوظ، وأن يكونَ خطأً، لأن ابنَ أبي روّادٍ هذا قد روَى عن مالكٍ أحاديثَ أخطَأ فيها".
فتعقبناه بقولنا: كذا ذكر هنا "عبد العزيز بن أبي روّاد"، وهذا وهم منه ﵀، فالمحفوظ أن هذا الحديث عن مالك إنما هو من رواية ابنه "عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي روّاد"، يرويه عنه نوح بن حبيب القُومسي، فقد أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء ٦/ ٣٤٢، والقضاعي في مسند الشهاب ٢/ ١٩٦ (١١٧٣)، وأبو طاهر السِّلفي في الطيوريات ٣/ ٩٧٧ (٩٥٨)، وابن عساكر في تاريخ دمشق ٦٢/ ٢٣٥ من طرق عن نوح بن حبيب القومسي، عن عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي روّاد، به.
[ ١ / ٧٥ ]
وقال أبو حاتم كما في العلل لابنه ٢/ ٢٦٤ (٣٦٢) وقد سُئل عن حديث يحيى القومسي عن عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي روّاد فقال: "حديثٌ باطلٌ ليس له أصلٌ، إنما هو: مالك عن يحى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن علقمة بن وقّاص، عن عمر، عن النبيِّ -ﷺ-".
وذكره الدارقطني في علله ٢/ ١٩٣ (٢١٣) فقال: "رواهُ عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي روّاد عن مالك عن زيد لن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد، ولم يُتابع عليه، وأمّا أصحاب مالك الحفّاظ عنه، فرووه. . . " فذكر مثل كلام أبي حاتم المذكور قبله، فلم يقع عندهما ولا في مصادر التخريج ذكرٌ لأبيه عبد العزيز من أنه رواه عن مالك، فالمحفوظ كما ذكرنا أنَّ هذا الخطأ إنما هو من ابنه عبد المجيد، وقد نقل الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب ٦/ ٣٨٢ (٧٢٤) في ترجمة عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي روّاد كلام المصنِّف المذكور هنا ولم يُنبِّه على ما وقع عنده من خطأ بذكره أنه من رواية أبيه عبد العزيز.
ومثل ذلك غير قليل في تعقباتنا على النص.