من المعلوم أنَّ الحكم على الرجال قد استقرَّ عند الجهابذة المتقدمين أهلِ المعرفةِ والإتقان، وأنَّ مَن جاء بعدهم إنما يعوِّل على أحكامهم، وأنَّ مخالفتهم والشذوذ عما حكموا به مما يتعيَّن التنبيه عليه، ومن ثَمّ فإننا رأينا من أهم الواجب علينا التنبيه على ما يقع منه في ذلك، فمما ذكرناه على سبيل المثال لا الحصر:
ما جاء في الحديث السادس والعشرين لزيد بن أسلم، قوله في عاصم بن عمر بن قتادة: إنه "ليس بالقوي" (٣/ ٤٢١).
[ ١ / ٦٨ ]
فتعقبناه بقولنا: بل هو ثقة، وثقه يحيى بن معين وأبو زرعة والنسائي (تهذيب الكمال ١٣/ ٥٣٠). وقال ابن سعد: "وكانت له رواية للعلم، وعلم بالسيرة ومغازي رسول اللَّه -ﷺ-، وكان ثقة كثير الحديث، عالمًا" (الطبقات، القسم المتمم، ص ١٢٨). ونقل مغلطاي عن البزار قوله: "ثقة مشهور"، إلا أنه نقل عن عبد الحق قوله: "هو ثقة عند أبي زرعة وابن معين، وقد ضعَّفه غيرهما" وقد رد عليه ابن القطان وقال: "بل هو ثقة كما ذكر عنهما، وكذلك قاله غيرهما، ولا أعرف أحدًا ضعّفه ولا أحدًا ذكره في جملة الضعفاء". ينظر: إكمال الإكمال ٧/ ١١٦ - ١١٧ وأخذه ابن حجر فذكره في تهذيب التهذيب ٥/ ٥٤، وفتح الباري ١٠/ ١٤٠.
ومنها ما جاء في تمهيد الحديث الثاني لابن شهاب، عن حُميد بن عبد الرحمن بن عوف (٥/ ٢٠٨): "لا يَصِحُّ هذا الإسنادُ عن مالكٍ، ومحمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ بَحيرٍ وأبوه يُتَّهمان بوضْع الأحاديثِ والأسانيد".
قلنا: لا يُسلَّم لابن عبد البر ﵀ اتهامُ عبد الرحمن بن بَحير بن ريسان والد محمد بوضع الحديث، فقد وثقه ابنُ يونس وابن ماكولا، وذكر الخطيب البغدادي في تلخيص المتشابه في الرسم لما ترجم له أنَّ ابنَه روى عنه أحاديث منكرة، الحملُ فيها على ابنه. قلنا: فهذا هو الصحيح، فإن ابنه قال عنه ابن يونس: غير مأمون، وقال عنه ابن عدي: روى عن الثقات بالمناكير، وعن أبيه عن مالك بالبواطيل. وقال الدارقطني: يضع الحديث، وكذَّبه الخطيب (ينظر: المؤتلف للدارقطني ١/ ١٥٦، والإكمال لابن ماكولا ١/ ٢٠٠، والكشف الحثيث (٩٦١)، وتاريخ الإسلام ٥/ ٦١٤.
ومنه ما جاء في الحديث الحديث العاشر لابن شِهاب، عن عُبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة في تضعيفه للمُحِلِّ بن خليفة الطائي الكوفي (٦/ ٢٢٢).
فتعقبناه بقولنا: المُحلُّ ليس بضعيف، بل هو ثقة ولم يذكر أحدٌ أنَّه ضعيف سوى المصنِّف، وقال ابن حجر في تهذيب التهذيب ١٠/ ٦٠: ولم يُتابَع ابن عبد البر على ذلك، وقد وثقه أبو حاتم وابن معين والنسائي بالإضافة إلى ابن حبان كما ذكر
[ ١ / ٦٩ ]
المِزي في تهذيب الكمال ٢٧/ ٢٩٥، وابنُ خزيمة كما ذكر ابنُ حجر، والدَّارقطنيُّ كما في سؤالات البرقاني، له (٤٨٥). فلا شك بعد هذا أنَّ قول ابن عبد البر وهمٌ منه، فلعله ظنه رجلًا آخر، واللَّه أعلم.
ومن ذلك قوله في تمهيد الحديث الثامن للعلاءِ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن أبيهِ، عن أبي هريرةَ قوله (١٣/ ٩٥): "وهشامُ بن عُبيدِ اللَّه الرّازِّيُّ هذا ثِقةٌ، لا يختلِفُونَ في ذلك".
فتعقبناه بقولنا: بل يختلفون في ذلك، قال ابن حبان في المجروحين ٣/ ٩٠: "كان يهم في الروايات ويخطئ إذا روى عن الأثبات، فلما كثر مخالفته الأثبات بطل الاحتجاج به" ثم ساق له هذا الحديث مما استنكر عليه. وذكره الذهبي في تاريخ الإسلام ٥/ ٧١٩ - ٧٢٠ وذكر أنَّ أبا حاتم قال عنه صدوق، وحَسَّنَ الرأي فيه، ونقل تضعيف ابن حبان فيه، وقال أيضًا: وذكره أبو إسحاق في طبقات الحنفية مختصرًا فقال: هو ليّن في الرواية (ينظر طبقات أبي إسحاق الشيرازي، ص ١٣٨)، ثم ذكره في الميزان ٤/ ٣٠٠ - ٣٠١ وساق هذا الحديث عن ابن حبان من منكراته وذكر أنه حديث باطل. وذكر البرذعي، قال: حدثنا إسحاق بن موسى الجرجاني، قال: حدثنا أبو بكر الأعين، قال: سألت أحمد بن حنبل: أكتب عن هشام بن عُبيد اللَّه؟ فقال: لا ولا كرامة. (سؤالات البرذعي ٢/ ٧٥٧). وذكر الدارقطني في تعليقه على المجروحين لابن حبان (ص ٢٧٦) هذا الحديث وقال: "أخطأ فيه هشام بن عبيد اللَّه أو من رواه عنه، وهو حمدان (كذا) ابن المغيرة الهمداني، والخطأ بحمدان في هذا الحديث أشبه".
ومنها ما جاء في الحديث الثالث لأبي النَّضْر مولى عمرَ بن عبيدِ اللَّه، عن عُمَيرٍ مولى ابن عباس، عن أمِّ الفضل بنتِ الحارث، قوله (١٣/ ٣٥٠): "هذا حديثٌ انفردَ به موسى بن عُلَيّ عن أبيه، وما انفردَ به فليس بالقوي".
فتعقبناه بقولنا: كذا ذكر ﵀، ولم نجد له في ذلك سلفًا ولا متابعًا، فإنّ موسى بن عُليّ ثقة حافظ ثبْتٌ فيما يرويه عن أبيه وغيره، ولم يُنقل عن أحد توهين روايته عن أبيه خاصةً، بل المعروف عنه أنه مُتقِنٌ لحديثه حافظٌ لما يرويه، فقد نقل
[ ١ / ٧٠ ]
ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ٨/ ١٥٤ (٦٩١) عن أبيه قوله: "كان رجلًا صالحًا، وكان يُتقِنُ حديثه، لا يزيد ولا ينقص، صالح الحديث، وكان من ثقات المصريين". ووثّقه أحمد بن حنبل والبخاري ويحيى بن معين وابن سعد والنسائي وغيرهم، ولم يذكر أحدٌ منهم ما ذكره المصنِّف بشأن ما ينفرد بروايته عن أبيه من كونها ضعيفة، وهذا الحديث حكم بصحَّته الترمذي وابن خزيمة وابن حبّان والحاكم، فجعلوا زيادته من قبيل زيادة الثقة التي تخلو من المنافاة للأحاديث الثابتة في استحباب صوم يوم عرفة لإمكان حمله على حاضري عرفة، وإلى هذا ذهب ابن جرير الطبري في تهذيب الآثار ١/ ٣٥٠ (مسند عمر) فقال بعد أن ساق بإسناده الروايات التي تبدو في ظاهرها متعارضة ومن بينها حديث موسى بن عُلي بن رباح عن أبيه: "إن جميع هذه الأخبار صحاحٌ، ومعانيها متّفقة غير مختلفة، وبعض ذلك يؤيِّد بعضًا، وبعضه يُصحِّح بعضًا" وقال: "وليس في قوله -ﷺ- "يوم عرفة ويوم النحر، وأيام التشريق. . . " دلالة على نهيه عن صوم شيء من ذلك. . . فكذلك يوم عرفة لا يمنع كونه عيدًا من أن يصومه بغير عرفة مَن أراد صومه، بل له على ذلك الثواب الجزيل والأجر العظيم". ونحو ذلك ذكر الطحاوي في شرح مشكل الآثار ٧/ ٤١١، وقال ابن رجب في فتح الباري له ١/ ١٧٣ بخصوص هذا الحديث: "وحمله بعضهم على أهل الموقف، وهو الأصح".
ومنها ما جاء في الحديث التاسع لأبي النَّضْر، عن عُبيدِ اللَّه بنِ عبدِ اللَّه بنِ عُتْبة، شذوذه في قوله عن الإمام الأوزاعي (١٣/ ٣٩٧): "وكان في حفظِه شيء، لم يكن بالحافظ".
فتعقبناه بقولنا: لا يصحُّ إطلاق مثل هذا القول في إمام حافظ وجليل كعبد الرحمن بن عمرو الأوزاعيّ، وقد أجمع الأئمّة على توثيقه وإمامته، فقد عدّه عبد الرحمن بن مهدي أحد أئمّة الحديث الأربعة مع مالك وسفيان الثوري وحمّاد بن زيد، وقال أبو حاتم: إمامٌ متَّبع لما سمع، وقال سفيان بن عيينة: كان إمام أهل زمانه، وقال ابن سعد:
[ ١ / ٧١ ]
"كان ثقة مأمونًا، صدوقًا فاضلًا خيِّرًا، كثير الحديث والعلم والفقه". إلّا أنه تُكلِّم في بعض ما يرويه عن الزُّهري، فقد ذكر عثمان بن سعيد الدارمي في تاريخه عن ابن معين، ص ٤٥ (٢٣) أنه سأله عن الأوزاعي ما حالُه في الزهري؟ فقال: "ثقة، ما أقلّ ما روى عن الزُّهري"، ونقل ابن طهمان عنه كما في كلام أبي زكريا يحيى بن معين في الرجال ص ١٢٣ (٤٠٠): "قيل له: الأوزاعي مثل مالك؟ قال: لا، فقيل له: معمر؟ قال: لا، مالكٌ أكبر الناس كلِّهم في الزُّهري وأثبتُهم عندي"، وذكر الحافظ ابن حجر في تهذيبه ٦/ ٢٤١ عن يعقوب بن شيبة عن ابن معين قوله: "الأوزاعي في الزُّهري ليس بذاك". قال يعقوب: "والأوزاعي ثقة ثبتٌ، وفي روايته عن الزُّهري خاصة شيءٌ"، ونقل ابن رجب في فتح الباري له ٥/ ٣١٧ عن الأثرم قوله: "وسمعت أبا عبد اللَّه -يعني أحمد- يضعِّف رواية الأوزاعيّ عن الزُّهري". قلنا: ولا يعني هذا تضعيف كلِّ ما رواه عن الزُّهري جملةً، بل اكثره في عِداد الصحيح، احتجَّ بها الشيخان؛ البخاري ومسلم، ولكن قد يقع في بعض ما يرويه عنه بعض الوهم والخطأ كما نُقل عن غير واحد، وهذا لا يطعن في حفظه، وأنه لم يكن بالحافظ كما ذكر المصنِّف. وأما ما ذكره البيهقي بإسناده إلى إبراهيم الحربي كما في تهذيب التهذيب ٦/ ٢٤١ - ٢٤٢ أنه قال عن أحمد بن حنبل: "حديثه ضعيف، ثم قال مفسِّرًا لذلك: يريد أحمد بذلك بعض ما يحتجُّ به لأنه أضعف في الرواية، والأوزاعي إمام في نفسه ثقة. لكنه يحتجُّ في بعض مسائله بأحاديث مَن لم يقف على حاله، ثم يحتجُّ بالمقاطيع". قلنا: هذا شيءٌ انفرد به إبراهيم الحربيّ - إن صحّ عنه عن الإمام أحمد، وما نقله المُتقِنون الثقات عن أحمد يخالفه، فقد وثَّقه أحمد مطلقًا كما في علله ١/ ٣٦٩، وكما نقل عنه أبو زرعة الدمشقي في تاريخه، ص ٤٦١ قوله: "كان الأوزاعي من الأئمّة". ثم إن ما ذكر عن الأوزاعي أنه خالف فيه رواية الجماعة كابن أبي ذئب ويونس ومعمر وغيرهم، قد وقع في روايته عن الزُّهري مثل روايتهم وذكر فيه "ابن عباس"، فقد أخرج النسائي في الكبرى ٨/ ٤٥٣ (٩٦٨٣) من طريق هقل بن زياد، والطبراني في الكبير ٥/ ٩٤ (٤٦٩٢) من طريق الوليد بن مسلم، كلاهما عن الأوزاعي، عن الزُّهري، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه عن ابن عباس عن
[ ١ / ٧٢ ]
أبي طلحة، به. وهذا يعني أنه اختُلف فيه على الأوزاعي أيضًا، فمرة رُوي عنه بذكر ابن عباس ومرة دون ذكره، فيكون الخطأ ممن هو دُونه لا منه. وإن كان الصواب عدم ذكر "ابن عباس" كما وقع في إحدى رواياته، فإن رواية سالم أبي النضر التي رواها مالك عنه تعضدها، فلا يكون قد انفرد بعدم ذكر ابن عباس، واللَّه أعلم.