على أنَّنا في الوقت نفسه كان الحقُّ نصبَ أعيننا، ومِن ثمَّ رددنا على بعض مَن انتقدَ ابنَ عبدِ البرّ بعضَ آرائه في الترجيح.
[ ١ / ١٢١ ]
مثال ذلك ترجيحه رواية مالك المرسَلة لسليمان بن يسار: أنَّ رسول اللَّه -ﷺ- بعث أبا رافع مولاه ورجلًا من الأنصار فزوَّجاه ميمونةَ بنتَ الحارث، حيث ذهب الدارقطني وابن القطان الفاسي والبيهقي إلى تصحيح الرواية الموصولة. (٢/ ٥٢٥ - ٥٢٦).
فقلنا: وإلى هذا ذهب أبو حاتم فيما نقل عنه ابنه في المراسيل ص ٨١ (٢٩٣) على أنَّه مرسل.
ولكن رجَّح آخرون اتصاله، وردُّوا على ما ذكره ابن عبد البرِّ هنا، ومن بينهم ابن القطّان الفاسي، فإنه ذهب إلى صحَّة سماع سليمان بن يسار من أبي رافع، فقال في كتابه بيان الوهم والإيهام ٢/ ٥٦١: "وقد يعرِض في سماع سليمان بن يسار من أبي رافع شكٌّ لمَن يقف على كلام أبي عمر ابن عبد البَرِّ، فإنه لمّا ذكر حديث مالكٍ عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن سليمان بن يسار"، فساق كلامه الوارد هنا، ثم أعقبه بقوله: "وأنا أظنُّ أنّ الحديث المذكور متَّصل، باعتبار أن يكون الصحيح في مولد سليمان قولَ من قال: سنة سبع وعشرين، فتكون سنُّه نحو ثمانية أعوام يومَ مات أبو رافع، وقد يصحُّ سماعُ مَن هذه سِنُّه". ثم دلَّل على ذلك بما نقله عن ابن أبي خيثمة في تاريخه الكبير، السفر الثاني ١/ ٧٦ (١٧٠) ما أخرجه عن سفيان بن عيينة عن صالح بن كيسان عن سليمان بن يسار قال: قال أبو رافع: لم يأمرني رسول اللَّه -ﷺ- أن أنزل الأبطح حين خرج من منًى، ولكني جئت فنزلت، فجاء، فنزل. والحديث أخرجه من طريقه مسلم (١٣١٣) (٣٤٢)، فقال -يعني ابن القطّان الفاسي-: "ففي ذكر هذا سماعه منه".
وما ذكره بعضهم من إعلال الرواية الموصولة من جهة ضعف مطر الورّاق، فقد ذهب الدارقطني إلى تصحيح روايته لمتابعة بشر بن السَّري -وهو ثقةٌ متقن من أصحاب مالك- له عن مالك، ولأنهما ثقتان عنده، فقال في علله ٧/ ١٣ (١١٧٥) بعد أن ذكر الاختلاف فيه على ربيعة بن أبي عبد الرحمن: "وحديث مطرٍ وبشر بن السَّريّ متّصلًا، وهما ثقتان". بل وذهب البيهقيُّ إلى أبعد من ذلك، فقال في معرفة السُّنن والآثار ٧/ ١٨٥ (٩٧٥٠) بإثر تخريجه لرواية مطرٍ المرفوعة، فيما نقله عن
[ ١ / ١٢٢ ]
أحمد بن حنبل: "مطرُ بن طهمان الورّاق، قد احتجَّ به مسلم بن الحجّاج، ومن يحتجُّ في كتابه بمثل أبي بكر بن أبي مريم، والحجّاج بن أرطاة، وموسى بن عبيدة، وابن لهيعة، ومحمد بن دينار الطاحيّ، وبمَن هو أضعف منهم، لا ينبغي له أن يرُدَّ رواية مطرٍ الوراق، كيف والحُجَّة عليه في أصله برواية مالك قائمة".
قلنا: توثيق الدارقطني لمطر الوراق هنا فيه نظر، فقد قال هو في التتبع (ص ٢٠٩): "ليس بالقوي"، وقد ضعّفه الأئمة: يحيى بن سعيد القطان، وأحمد بن حنبل، وابن معين، والنسائي، وأبو داود، وابن سعد، والعقيلي، وابن عدي، وشَدّد بعضهم على تضعيفه في عطاء خاصة، وقال أبو زرعة وأبو حاتم: صالح الحديث، وقال البزار: ليس به بأس (تحرير التقريب ٦٦٩٩، وتهذيب الكمال ٢٨/ ٥١ - ٥٥ وتعليقنا عليه)، فمثله ومثل بشر بن السري لا يقفان أمام رواية مالك وسليمان بن بلال والدراوردي الذين رووه مرسلًا، فالمرسل هو الأصح. أما قول البيهقي واستدلاله برواية مسلم له، فإن مسلمًا، بل والبخاري، ينتقيان ما صح من أحاديث الضعفاء، وهذا ليس منها.
وذكر ابنُ عبد البر في الحديث الرابع لابن شهابٍ، عن أبي سلمةَ بنِ عبدِ الرحمن، عن أبي هريرةَ:
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا حامدُ بنُ يحيى، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ عُيَيْنةَ، عن الزُّهريِّ، قال: أنْبأَنا أبو سلمةَ، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ اللَّه -ﷺ- قال: "مَنْ قامَ رمضانَ إيمَانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِه وما تَأخَّر، ومَنْ قامَ ليلةَ القدرِ إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِه". هكذا قال حامدُ بنُ يحيى عنه: "قامَ رمضانَ". ولم يقل: صامَ. وزاد: "ما تَأخَّر"، وهي زيادةٌ مُنكرةٌ في حديثِ الزُّهريِّ. (٥/ ١١١).
وقد خالف الحافظُ ابن حجر في الفتح ٤/ ١١٦ ابنَ عبد البر في استنكاره هذه الزيادة، فقال: استنكره ابن عبد البر، وليس بمنكر، فقد تابعه قتيبة كما ترى، وهشام بن عمار وهو في الجزء الثاني عشر من فوائده، والحسين بن الحسن المروزي
[ ١ / ١٢٣ ]
أخرجه في كتاب الصيام له، ويوسف بن يعقوب النجاحي أخرجه أبو بكر بن المقرئ في فوائده، كلهم عن سفيان، والمشهور عن الزهري بدونها، وقد وقعت هذه الزيادة أيضًا في حديث عبادة بن الصامت عند الإمام أحمد من وجهين وإسناده حسن.
قلنا: لكن القول ما قال ابنُ عبد البر، فلم يطَّرد قتيبةُ على زيادتها، فقد وردت روايته عند النسائي في عدة مواضع من السنن الكبرى دون سائر المواضع، وأما يوسف النجاحي فالراوي عنه مجهول، وأما هشام بن عمار فكبر فصار يتلقّن، وأما الحسين المروزي فهو صدوق، وإذا كان حالُ هؤلاء كذلك فلا نستطيع الجزم بصحة هذه الزيادة خصوصًا مع عدم ورودها في رواية كبار أصحاب سفيان كعلي بن المديني والحميدي وأحمد والشافعي وابن راهوية، كيف وقد قال أحمد أيضًا كما قدمنا قريبًا: سمعته من سفيان أربع مرات. فمن البعيد جدًا أن تفوتهم هذه الزيادة لو صحت، واللَّه تعالى أعلم، فضلًا عن أن البخاري قد أخرجه (٢٠٥٨) من غيرها.
وذكر المؤلف في تمهيد الحديث الأول لابنِ شِهابٍ، عن عُرْوة في وقوت الصلاة أنَّ الأعمشَ روَى عن أبي صالح، عن أبي هريرةَ حديثَ المَواقيتِ، وفيه أنَّ أوَّل وقتِ المَغْربِ حينَ تغرُبُ الشمسُ، وآخرَها حينَ يغيبُ الأُفُقُ. قيل له: هذا الحديثُ عندَ جميعِ أهلِ الحديثِ حديثٌ منكرٌ، وهو خطأٌ، لم يروِه أحدٌ عن الأعمشِ بهذا الإسنادِ إلَّا محمدَ بنَ فُضيل، وقد أنكرُوه عليه.
ثم ساق الروايات التي تبين أنَّ هذا الحديث خطأ ليس له أصل، وأنه روي عن مجاهد مرسلًا. (٥/ ٣٨٢ - ٣٨٤).
وهذا الحديث أخرجه ابن أبي شيبة في المصنَّف (٣٢٤١)، وأحمد في المسند ١٢/ ٩٤ (٧١٧٢) عن محمد بن فضيل، عن الأعمش سليمان بن مهران، به.
وأخرجه الترمذي (١٥١)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ١٤٩ (٩٠٧)، والدارقطني في السُّنن ١/ ٤٩٢ (١٠٣٠)، وابن حزم في المحلّى ٣/ ١٦٨، والبيهقي في الكبرى ١/ ٣٧٥ (١٨٣٢) من طرقٍ عن محمد بن فضيل عن الأعمش، به.
[ ١ / ١٢٤ ]
وقد نقلنا من أقوال الجهابذة ما يؤيد ما ذهب إليه، من نحو قول الإمام الترمذي: "سمعت محمدًا (يعني البخاريّ) يقول: حديث الأعمش عن مجاهد في المواقيت أصحُّ من حديث محمد بن فُضيل عن الأعمش؛ وحديثُ محمد بن فُضيل خطأ، أخطأ فيه محمد بن فُضيل" ثم قال الترمذيُّ: "حدَّثنا هنّاد، قال: حدَّثنا أبو أسامة، عن أبي إسحاق الفزاريّ، عن الأعمش، عن مجاهد، قال: كان يُقال إنّ للصّلاة أَوّلًا وآخِرًا؛ فذكر نحو حديث محمد بن فضيل، عن الأعمش، نحوه بمعناه".
وقول الدارقطني بإثر الحديث في سننه: "هذا لا يصحُّ مسندًا، وَهِمَ في إسناده ابنُ فُضيل، وغيرُه يرويه عن الأعمش عن مجاهدٍ مرسلًا" ثم ساق بإسناده حديث الأعمش عن مجاهد بنحو اللفظ المذكور عند الترمذيّ، ثم قال: "ثمّ ذكر هذا الحديث، وهو أصحُّ من قول ابن فُضيل" ثم ساق بإسناده رواية قدامة بن زائدة وعبثر بن القاسم، كلاهما عن الأعمش عن مجاهد".
وهو عند البيهقي في الكبرى ١/ ٣٧٦ (١٨٣٣) من طريق زائدة بن قدامة عن الأعمش عن مجاهد مرسلًا.
وبنحو ما ذكره الدارقطني نقل ابن أبي حاتم في علله ٢/ ١٤٥ (٢٧٣) عن أبيه، فقال: "هذا خطأ، وَهِمَ فيه ابن فُضيل، يرويه أصحاب الأعمش عن الأعمش عن مجاهدٍ قوله".
وقال العقيلي في الضعفاء ٤/ ١١٩ عن رواية زائدة عن الأعمش: "وهذا أوْلى".
قال بشار: إلّا أنّ بعض أهل العلم من المتأخرين ردُّوا هذا القول، فصحَّحوا رواية محمد بن فضيل بن غزوان، ومنهم ابن حزم في المحلّى ٣/ ١٦٨ حيث قال: "وكذلك لم يَخْفَ علينا مَن تعلَّل في حديث أبي هريرة بأن محمد بن فُضيل أخطأ فيه، وإنما هو موقوفٌ على مجاهدٍ، وهذا أيضًا دعوى كاذبة بلا برهان، وما يَضُرُّ إسنادُ مَن أسنَدَ إيقافَ مَن أوقَفَ".
[ ١ / ١٢٥ ]
وإلى هذا ذهب ابن الجوزيّ في التحقيق في مسائل الخلاف ١/ ٢٧٩، فردَّ دعوى أن يكون ابن فضيل قد أخطأ فيه، فقال: "قلنا: ابن فُضيل ثقة، فيجوز أن يكون الأعمش قد سمعَه من مجاهد مرسلًا، وسمعه من أبي صالح مرسلًا". ومثل ذلك نقل الزيلعي في نصب الراية ١/ ٢٣١ عن ابن القطان، فقال: "وقال ابن القطان: ولا يبعدُ أن يكون عند الأعمش في هذا طريقان، إحداهما: مرسلة، والأخرى مرفوعة، والذي رفعَه صدوق من أهل العلم، وثقه ابن معين، وهو محمد بن فضيل".
قلنا: والثقة يخطئ، وحديث يعله جهابذة المحدثين المتقدمين المتقنين: البخاري، والترمذي، وابن معين، وأبو حاتم الرازي، والعقيلي، والدارقطني وغيرهم لا ينفعه تصحيح بعض المتأخرين.
وقال المؤلف في حديث عائشة ﵂ أنَّها قالت: يُغتسلُ من أربع: من الجنابةِ، والجُمُعةِ، والحِجامةِ، وغُسلِ الميِّتِ: هُو حديثٌ ليس بالقويِّ. وأنها تذهب في غسل الجمعة إلى أنه ليس بواجب، وتذكر في العلة ما ذكر ابنُ عمر. (٦/ ٥١١).
وهو حديث أخرجه ابن أبي شيبة في المصنَّف (٤٨٦) و(٥٠٣٢) و(١١٢٥٩)، وأحمد ٤٢/ ١٠٦ (٢٥١٩٠)، وإسحاق بن راهوية (٥٤٩)، وأبو داود (٣٤٨)، والدارقطني في سننه ١/ ١١٣، والحاكم في المستدرك ١/ ١٦٣، والبيهقي في السنن الكبرى ١/ ٢٩٩ - ٣٠٠، والبغوي (٣٨٣): من طريق ابن الزبير، عن عائشة، به مرفوعًا.
فنقلنا عن أهل العلم ما يؤيد ما ذهب إليه من تضعيف هذا الحديث، حيث قال الترمذي: قال محمد (يعني: البخاري): وحديث عائشة في هذا الباب ليس بذاك. ترتيب علل الترمذي الكبير (٢٤٦). وقال ابن أبي حاتم: سألت أبا زرعة عن الغسل من الحجامة، قلت: يروى عن النبيّ -ﷺ- الغسل من أربع، فقال: لا يصح هذا، رواه مصعب بن شيبة، وليس بقوي. قلت لأبي زرعة: لم يرو عن عائشة من غير حديث مصعب؟ قال: لا. العلل (١١٣). وأخرجه العقيلي في الضعفاء ٦/ ٢٧ في ترجمة مصعب بن شيبة باعتباره من منكراته. وقال الدارقطني، بعد أن أخرجه في
[ ١ / ١٢٦ ]
السنن، كما مرّ: مصعب بن شيبة ليس بالقوي ولا بالحافظ، وقال في موضع آخر: ضعيف. وذكر المزّي أنَّ أبا داود قال عقب روايته: حديث مصعب ضعيف ليس العمل عليه. تحفة الأشراف، حديث رقم (١٦١٩٣).
وذكر المؤلف حديث الوليد بن مُسلِم، عن ثور، عن رَجاءِ بن حَيْوةَ، عن كاتِبِ المُغيرةِ بن شُعبةَ، عن المُغيرةِ، أنَّ رسُولَ اللَّه -ﷺ- توضَّأ، فمسَحَ أعْلَى الخُفِّ وأسفلَهُ. (٧/ ٢٩٩).
وهو حديث أخرجه أحمد في مسنده ٣٠/ ١٣٤ (١٨١٩٧)، وأبو داود (١٦٥)، والترمذي (٩٧)، وابن ماجة (٥٥٠)، وابن الجارود (٨٤)، والدارقطني في سننه ١/ ٣٥٩ (٧٥٢)، والبيهقي في الكبرى ١/ ٢٩٠، من طريق الوليد بن مسلم به.
ونقل المؤلف قول أبي بكرٍ الأثرمِ: سألتُ أحمدَ بن حَنْبل، عن هذا الحديثِ، فقال: ذكرتُهُ لعبدِ الرَّحمنِ بن مهديٍّ، فذكَرَ عن ابن المُباركِ، عن ثورٍ، قال: حُدِّثتُ عن رجاءِ بن حَيْوةَ، عن كاتبِ المُغيرةِ، وليسَ فيه المُغيرةُ. ثم قال: وهذا إفسادٌ لهذا الحديثِ، بما ذكرَ من الإخلالِ في إسْنادهِ. (٧/ ٣٠٠ - ٣٠١).
فانتصرنا للمؤلف على من صحح هذا الحديث بهذا الإسناد، فقلنا: قال الترمذي: "وهذا حديث معلول، لم يسنده عن ثور بن يزيد غير الوليد بن مسلم، وسألت أبا زرعة ومحمدًا (يعني: البخاري) عن هذا الحديث فقالا: ليس بصحيح، لأنَّ ابن المبارك روى هذا عن ثور عن رجاء، قال: حُدِّثتُ عن كاتب المغيرة: مرسل عن النبي ولم يذكر فيه المغيرة" (الجامع، عقيب حديث ٩٧).
وقال الدارقطني بعد أن بَيّن الاختلاف فيه: "وحديث رجاء بن حيوة الذي فيه ذكر أعلى الخُف وأسفله لا يثبت؛ لأنَّ ابن المبارك رواه عن ثور بن يزيد مرسلًا" (العلل ١٢٣٨).
وقال ابن حجر في التلخيص ١/ ١٦٨: "قال الأثرم عن أحمد: إنه كان يضعفه ويقول: ذكرته لعبد الرحمن بن مهدي، فقال: عن ابن المبارك عن ثور حُدِّثت عن
[ ١ / ١٢٧ ]
رجاء عن كاتب المغيرة، ولم يذكر المغيرة. قال أحمد: وقد كان نعيم بن حماد حدثني به عن ابن المبارك كما حدثني الوليد بن مسلم به عن ثور، فقلت له: إنما يقول هذا الوليد، فأما ابن المبارك فيقول: حُدّثت عن رجاء، ولا يذكر المغيرة، فقال لي نعيم: هذا حديثي الذي أسأل عنه. فأخرج إليَّ كتابه القديم بخطٍ عتيق، فإذا فيه ملحق بين السطرين بخطٍ ليس بالقديم عن المغيرة، فأوقفته عليه وأخبرته أنَّ هذه زيادة في الإسناد لا أصل لها، فجعل يقول للناس بعد، وأنا أسمع: اضربوا على هذا الحديث". ومثل ذلك قال الدارقطني.
وقال العلامة أحمد شاكر ﵀ متعقبًا هذا الكلام: "فكلام أحمد وأبي داود والدارقطني يدلُّ على أنَّ العلة أنَّ ثورًا لم يسمعه من رجاء، وهو ينافي ما نقله المصنف هنا عن البخاري وأبي زرعة أنَّ العلة أنَّ رجاءً لم يسمعه من كاتب المغيرة، وأنا أظن أنَّ الترمذي نسي فأخطأ فيما نقله عن البخاري وأبي زرعة، وهذه العلة التي أعل بها الحديث ليست عندي بشيء". واستدل على ذلك بأنَّ الوليد بن مسلم كان ثقة حافظًا متقنًا فإن خالفه ابن المبارك في هذه الرواية فإنما زاد أحدهما عن الآخر وزيادة الثقة مقبولة، وبأنَّ الدارقطني والبيهقي روياه من طريق داود بن رُشيد -وهو ثقة- عن الوليد، عن ثور: حدثنا رجاء بن حيوة، فثور صرح بالسماع من رجاء، وبأن الشافعي رواه عن إبراهيم بن يحيى عن ثور كرواية الوليد بن ثور.
قلنا: وهذا كلام مردود لعدة أمور:
أولًا: أنَّ جهابذة أهل الحديث -أبو زرعة والبخاري وأحمد وأبو داود والترمذي والدارقطني- قد حكموا بانقطاعه وإرساله معًا، ولا أدري كيف فهم الشيخ كلامهم على غير هذا، فحينما قال ابن المبارك: "حُدّثت عن كاتب المغيرة مرسل عن النبي -ﷺ-، ولم يذكر فيه المغيرة". هو حكم واضح بانقطاعه وإرساله.
ثانيًا: أنَّ ابن المبارك أعلى وأغلى وأحفظ من الوليد بن مسلم وأكثر وثاقة منه، والوليد فيه كلام معروف في تدليسه وتساهله، فلا يمكن أن يتعادلا إذا اختلفا.
[ ١ / ١٢٨ ]
ثالثًا: أنَّ رواية إبراهيم بن يحيى الحديث عن ثور كرواية الوليد شبه لا شيء لما هو معروف من شدة ضعف إبراهيم واتفاق أهل العلم على طرح حديثه وأنَّ توثيق الشافعي له شذوذ منه ﵀ لم يوافقه عليه كبير أحد.
وذكر المؤلف مرسل ابن شهاب: أنَّهُ قال: بَلَغني أنَّ رسُولَ اللَّه -ﷺ- قال لِرجُل من ثَقِيفٍ أسلَمَ وعندَهُ عشْرُ نِسْوةٍ حِينَ أسلَمَ: "أمْسِكْ منهُنَّ أربعًا، وفارِق سائرَهُنَّ".
وقال: ووصَلهُ مَعْمرٌ، فرَواهُ عن ابن شِهاب، عن سالم، عن ابن عُمر.
وحديث معمر الموصول هذا أخرجه أحمد في مسنده ٩/ ٣٩٢، ٣٩٣ (٥٥٥٨)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٣/ ٢٥٤، والدارقطني في سننه ٤/ ٤٠٤ (٣٦٨٥)، والحاكم في المستدرك ٢/ ١٩٢، من طريق يزيد بن هارون، به. وأخرجه الترمذي (١١٢٨)، والبزار في مسنده ١٢/ ٢٥٧ (٦٠١٧)، والحاكم في المستدرك ٢/ ١٩٢، والبيهقي في الكبرى ٧/ ١٤٩، ١٨٢ من طريق سعيد بن أبي عروبة، به. وأخرجه عبد الرزاق في المصنَّف (١٢٦٢١)، وابن أبي شيبة في المصنَّف (١٧٤٦٧)، وأحمد ٨/ ٢٢٠، ٢٥١ و٩/ ٦٩ (٤٦٠٩، ٤٦٣١، ٥٠٢٧)، وابن ماجة (١٩٠٣)، والبزار في مسنده ١٢/ ٢٥٧ (٦٠١٦)، وأبو يعلى (٥٤٣٧)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٣/ ٢٥٢، وابن حبان ٩/ ٤٦٣، ٤٦٦ (٤١٥٦، ٤١٥٨)، والدارقطني في سننه ٤/ ٤٠٣ (٣٦٨٤)، والحاكم في المستدرك ٢/ ١٩٣، والبيهقي في الكبرى ٧/ ١٨١، من طريق معمر، به.
وأعله المؤلف بقوله: "ويقولون: إنَّهُ من خَطأِ مَعْمر، ومِمَّا حدَّثَ به بالعِراقِ من حِفْظِهِ، وصَحِيحُ حديثهِ ما حدَّثَ به باليمَنِ من كُتُبِهِ". ثم قال: "وقد ذكَرَ يعقوبُ بن شَيْبةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شبُّويَةَ، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّزّاقِ، قال: لم يُسنِد لنا مَعْمرٌ حديثَ غَيْلانَ بنِ سلَمةَ: أنَّهُ أسلَمَ وعندَهُ عشْرُ نِسْوة. (٧/ ٤٣٠ - ٤٣١)، وذكر أن الأحاديث المروية في هذا الباب كلها معلولة وليست أسانيدها بالقوية. (٧/ ٤٣٤).
[ ١ / ١٢٩ ]
قلنا: ذهب ابن القطان الفاسي في بيان الوهم والإيهام ٣/ ٤٩٥، وابن كثير في التفسير ٢/ ٢١١، والعلامة ناصر الدين الألباني في إرواء الغليل ٦/ ٢٩٤، وغيرهم من المتأخرين إلى تصحيح هذا الحديث، وأسانيده كلها معلولة كما قال المؤلف. وقد قال البخاري في حديث معمر: هو حديث غير محفوظ، إنما روى هذا معمر بالعراق. وقد روي عن معمر، عن الزهري هذا الحديث، مرسلًا. وروى شعيب بن أبي حمزة وغيره عن الزهري قال: حدثت عن محمد بن سويد الثقفي، أنَّ غيلان بن سلمة أسلم.
قال البخاري: وهذا أصح، وإنما روى الزهري، عن سالم، عن أبيه؛ أنَّ عمر قال لرجل من ثقيف طلق نساءه، فقال: لتراجعن نساءك أو لأرجمن قبرك كما رجم النبي -ﷺ- قبر أبي رغاله. (ترتيب علل الترمذي الكبير ٢٨٣).
وقال البخاري: قال مروان بن معاوية: عن معمر، عن الزهري عن سالم، عن أبيه، عن النبي -ﷺ-.
وقال أهل اليمن: عن معمر، عن الزهري، عن النبي -ﷺ- مرسلًا.
والأول بإرساله أصح، ولم يثبت في ذلك خبر عن النبي -ﷺ-، ولا في الأختين إذا أسلم وعنده أختان. (التاريخ الأوسط ٣/ ٢٠٨).
وقال أبو زرعة الرازي، بعد أن ساق طرق الخلاف فيه: مرسل أصح. (علل الحديث ١١٩٩).
وقال ابن أبي خيثمة: سئل يحيى بن معين، عن حديث ابن علية، عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه؛ أنَّ غيلان بن سلمة أسلم وعنده عشر نسوة. قال: خطأ؛ إنما كان معمر أخطأ فيه. (تاريخ ابن أبي خيثمة ٣/ ١/ ٣٢٨).
وقال أبو حاتم الرازي: هو وهم، إنما هو: الزهري، عن ابن أبي سويد، قال: بلغنا أنَّ النبي -ﷺ-. (علل الحديث ١٢٠٠).
وقال البزار: هذا الحديث لا نعلم أحدًا رواه عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، إلَّا أهل البصرة، وأفسده باليمن فرواه مرسلًا. (مسنده ٦٠١٧).
[ ١ / ١٣٠ ]
وقال الدارقطني: يرويه الزهري، واختلف عنه:
فرواه معمر بالبصرة، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن النبي -ﷺ-.
حدث به ابن علية، ومروان بن معاوية، وابن أبي عروبة.
وقيل: عن سفيان الثوري، وبزيد بن زريع، والفضل بن موسى، ويحيى بن أبي كثير، وغندر، عن معمر كذلك.
وخالفهم عبد الرزاق، رواه عن معمر، عن الزهري، مرسلًا.
ورواه بحر السَّقاء، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه.
وكذلك رواه يحيى بن سلّام، عن مالك، عن الزهري.
ورواه يونس، عن الزهري: أنه بلغه عن عثمان بن محمد بن أبي سويد، عن النبي -ﷺ- مرسلًا.
وقول يونس أشبهها بالصواب.
ورواه سرار بن مُجَشِّر، وهو أبو عبيدة، ثقةٌ، من أهل البصرة، عن أيوب، عن نافع، وسالم، عن ابن عمر، أن غيلان بن سلمة الثقفي أسلم وعنده عشر نسوة، فأمره النبي -ﷺ- أن يمسك منهن أربعًا. تفرد به سيف بن عبيد اللَّه الجرمي، عن سرار.
حدثنا عبد اللَّه بن محمد بن أبي سعيد، قال: حدثنا أحمد بن يوسف التغلبي، قال: حدثنا أبو عبيد القاسم بن سلام، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان، قال: حدثني معمر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن النبي -ﷺ-، أسلم غيلان وتحته عشر نسوة، فأمره رسول اللَّه -ﷺ- أن يختار منهن أربعًا.
تفرد به أبو عبيد، عن يحيى القطان، عن الثوري. (العلل ٢٩٩٧).
قال ابن حجر: وقد كشف مسلم في كتاب "التمييز" عن علته، وبينها بيانًا شافيًا، فقال: إنه كان عند الزهري في قصة غيلان حديثان، أحدهما مرفوع، والآخر موقوف، قال: فأدرج معمر المرفوع على إسناد الموقوف.
فأما المرفوع؛ فرواه عقيل، عن الزهري، قال: بلغنا عن عثمان بن محمد بن أبي سويد، أن غيلان أسلم وتحته عشر نسوة. . . الحديث.
[ ١ / ١٣١ ]
وأما الموقوف، فرواه الزهري، عن سالم، عن أبيه، أن غيلان طلق نساءه في عهد عمر، وقسم ميراثه بين بنيه. . . الحديث. (الإصابة ٨/ ٤٩٥).
ونظرًا لما تقدم يتعين طرح هذا الحديث، ولا يُلْتفت إلى محاولة ابن القطان الفاسي وابن كثير وغيرهما تصحيحَ هذا الحديث، فإن إطباق الجهابذة: أحمد والبخاري ومسلم وأبي حاتم وأبي زرعة وغيرهم من المتأخرين كابن عبد البر هنا وابن حجر على ترجيح المرسل هو المعوّل عليه.
وقال المؤلف في تمهيد الحديث الثاني والأربعين لنافع عن ابن عمر: وروى مالكٌ (١٣٧٠)، عن نافع، عن ابن عُمرَ، قال: من قال: واللَّه، ثُمَّ قال: إن شاءَ اللَّه، لم يَحْنَثْ.
ثم ساقه من طريق الحُسين بن سيّارٍ، عن أبي خالدٍ الأحمر، عن عُبيدِ اللَّه بن عُمرَ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، قال: قال النَّبيُّ -ﷺ-: "من حلَفَ فقال: إن شاءَ اللَّه، فلا حِنْثَ عليه". (أخرجه أبو الشيخ في طبقات المحدثين بأصبهان (٥٤١)، والصيداوي في معجم الشيوخ، ص ٨٥، وأبو نعيم في أخبار أصبهان ٢/ ١٠٥ (٢٠٧٤) من طريق عبيد اللَّه، به). وقال: جَعَلهُ مالكٌ موقُوفًا على ابن عُمرَ. (٩/ ٢٦٣).
فقلنا منتصرين للموقوف: وهو الصواب إن شاء اللَّه، فقد قال الترمذي: "حديث ابن عمر حديث حسن. وقد رواه عبيد اللَّه بن عمر وغيره عن نافع عن ابن عمر موقوفًا، وهكذا روي عن سالم عن ابن عمر موقوفًا، ولا نعلم أحدًا رفعه غير أيوب السختياني، وقال إسماعيل بن إبراهيم: وكان أيوب أحيانًا يرفعه وأحيانًا لا يرفعه". الجامع (١٥٣١).
وقال في العلل الكبير (٤٥٥): "سألت محمدًا (يعني: البخاري) عن هذا الحديث، فقال: أصحاب نافع رووا هذا الحديث، عن نافع، عن ابن عمر موقوفًا إلَّا أيوب فإنه يرويه عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي -ﷺ-، ويقولون: إنَّ أيوب في آخر أمره أوقفه".
وقال البزار في مسنده (٥٧٩٥): "وهذا الحديث لا نعلم أسنده إلَّا أيوب عن نافع عن ابن عمر. ورواه عُبيد اللَّه عن نافع عن ابن عمر موقوفًا".
[ ١ / ١٣٢ ]
وذكر المصنف في تمهيد حديث مالك عن عبدِ اللَّه بن الفضل، حديث الحسين بن محمد المرُّوذي، عن جرِير بن حازِم، عن أَيُّوبَ، عن عِكرِمةَ، عن ابنِ عبّاسٍ: أنَّ جارِيةً بكرًا أَتَتِ النَّبِيَّ -ﷺ-، فذكرَتْ له أنَّ أباها زوَّجها وهي كارِهةٌ، فخيَّرها النَّبيُّ -ﷺ-. (١٢/ ٤٤).
وهو حديث أخرجه أحمد في مسنده ٤/ ٢٧٥ (٢٤٦٩)، وابن ماجة (١٨٧٥)، وأبو داود في سننه (٢٠٩٦)، والنسائي في الكبرى ٥/ ١٧٦ (٥٣٦٦)، وأبو يعلى (٢٥٢٦)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٤/ ٣٦٥ من طريق الحسين بن محمد، والبيهقي في الكبرى ٧/ ١١٧ من طريق جعفر بن محمد بن شاكر الصائغ، كلاهما عن جرير بن حازم، به.
وقال ابن عبد البر: "هذا حديثٌ انفردَ به جرير بن حازم، لم يروهِ غيره، عن أَيُّوبَ، عن عكرمَة، عن ابن عبّاسِ. وقد رُوي من حديثِ جابرٍ، وابنِ عُمرَ، مثلُ ذلك، وليسَ محفوظًا".
فانتصرنا له بقولنا: هذا حديث معلول بالإرسال، فقد رواه عبد الرزاق (١٠٣٠٥)، وأبو داود في السنن (٢٠٩٧) وفي المراسيل (٢٣٢)، والبيهقي في الكبرى ٧/ ١١٧ من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن وأيوب السختياني عن عكرمة أنَّ ثيبًا أنكحها أبوها. . . الحديث مرسلًا.
قال أبو داود: لم يذكر "ابن عباس" وهكذا رواه الناس مرسلًا معروف.
وقال ابن أبي حاتم الرازي: سألت أبي، وسئل أبو زرعة عن حديث رواه حسين المروذي، عن جرير بن حازم، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس أنَّ رجلًا زوَّج ابنته وهي كارهة، ففرَّق النبي -ﷺ- بينهما. قال أبي: هذا خطأ، إنما هو كما رواه الثقات، عن أيوب، عن عكرمة؛ "أنَّ النبي -ﷺ-. . . " مرسلًا، منهم: ابن علية، وحماد بن زيد؛ "أنَّ رجلًا تزوّج"؛ وهو الصحيح.
قلت: الوهم ممن هو؟ قال: من حسين، ينبغي أن يكون، فإنه لم يروه عن جرير غيره.
[ ١ / ١٣٣ ]
قال أبي: رأيت حسينًا المروَرّوذي، ولم أسمع منه.
قال أبو زرعة: حديث أيوب ليس هو بصحيح. علل الحديث (١٢٥٥).
وقال الدَّارقطنيُّ عقب رواية جرير بن حازم، عن أيوب: تابعه أيوب بن سويد، عن الثوري، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس، وغيره يرسله عن الثوري، عن أيوب، عن عكرمة، عن النبي -ﷺ-، والصحيح مرسل. السنن (٣٥٦٦).
ومع كل هذا الذي قاله الجهابذة حاولى بعض المتأخرين مثل ابن التركماني في الجوهر النقي ٧/ ١١٧، وابن حجر في فتح الباري ٩/ ١٩٦ القول بصحته على قاعدة زيادة الثقة وأنها مقبوله؟! وهو صنيع مناقض لعلم العلل الذي جَوّده الجهابذة المتقدمون.