وربما ذكر ابن عبد البر أحاديثَ أعلها العلماء الجهابذة أهل المعرفة والإتقان، ولم يلتفت إلى هذا الإعلال، فذكرها مُسْتَدِلًّا بها، فكان لا بد من بيان ذلك، لما يترتب على مثل هذا من خطورةٍ حينما تُبنَى عليها أحكامٌ قد تكون غيرَ دقيقةٍ، وهي كثيرةٌ، فمن ذلك مثلًا لا حصرًا:
استدلاله بحديث محمدِ بنِ المنهال، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُريع، قال: حدَّثنا بِسطامُ بنُ مسلمٍ، عن أبي التّيَّاح يزيدَ بنِ حُميد، عن عبدِ اللَّه بن أبي مُليكةَ، أنَّ عائشةَ أقبلَتْ ذاتَ يومٍ من المقابرِ، فقلتُ لها: يا أُمَّ المؤمنينَ، من أين أقبلتِ؟ قالت: من قبرِ أخي عبدِ الرَّحمن بنِ أبي بكرٍ. فقلتُ لها: أليس كان رسولُ اللَّه -ﷺ- نهَى عن زيارةِ القبورِ؟ قالت: نعم، كان نهَى عن زيارتِها، ثم أمَر بزيارتِها. (٦/ ٥٠٩).
وهو حديث أخرجه أبو يعلى في مسنده ٨/ ٢٨٤ (٤٨٧١) عن محمد بن المنهال، به. وأخرجه الحاكم في المستدرك ١/ ٣٧٦، والبيهقي في الكبرى ٤/ ٧٨ (٧٤٥٨) من طريق أبي المثنّى معاذ بن المثنّى عن محمد بن المنهال، به.
وهو عند البخاري في تاريخه الكبير ٢/ ١٢٥ (١٩١٩)، وفي تاريخه الصغير ٢/ ١٢٤ من طريق يزيد بن زُريع، به. وهو عند ابن ماجة (١٥٧٠) من طريق روح بن عبادة، عن بسطام بن مسلم، به.
وهو حديث مُعلٌّ، فقد قال عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل: حدَّثني إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب، قال: ذكر ابن أبي مُلَيكَة زيارة القبور، والأوعية، فقلت: يا أبا بكر، مَن حدَّثك؟ قال: حدَّثني أبو الزِّناد، عن بعض الكوفيِّين. قال أبي: وهذا الحديث يرويه رَوح، عن بِسطام بن مسلم، عن ابن أبي مُلَيكَة، عن عائشة، عن النبيِّ -ﷺ-، في زيارة القبور، وهو خطأ، إنما الحديث حديث أيوب، عن ابن أبي مُلَيكَة، عن أبي الزِّناد، عن بعض الكوفيِّين. (العلل ٣٢٠ و١٢٩٣).
[ ١ / ٨٧ ]
وقال أبو عبد اللَّه البخاري: قال لي ابن أبي الأسود: حدَّثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب، ذكر ابن أبي مُلَيكَة زيارة القبور، والأوعية، فقلت: يا أبا بكر، مَن حدَّثك؟ قال: حدَّثني أبو الزِّناد، عن بعض الكوفيِّين. وحدَّثني أُميّة، قال: حدَّثنا يَزيد بن زُرَيع، عن بِسطام، قال: حدَّثنا أبو التَّيَّاح، قال: حدَّثنا ابن أبي مُلَيكَة، سألت عائشة، عن النبيَّ -ﷺ-. . .، نحوه. قال أبو عبد اللَّه: والأول، بإرساله، أصح. (التاريخ الكبير ٢/ ١٢٥).
وقال الدارقطني: يرويه بِسطام بن مسلم، عن أبي التَّيَّاح يزيد بن حُميد، عن ابن أبي مُلَيكَة، عن عائشة.
وتابعه عثمان بن أبي الكَنات مكيٌّ، ومحمد بن عبد اللَّه بن عُبيد بن عُمَير، عن ابن أبي مُلَيكَة، عن عائشة.
وخالَفهم عبد الجبار بن الوَرد، فرواه عن ابن أبي مُلَيكَة، مرسلًا، عن النبيِّ -ﷺ-.
وقال إسماعيل ابن عُليّة: عن أيوب قال: ذكر ابن أبي مُلَيكَة، زيارة القبور، والأوعية، فقلت: يا أبا بكر مَن حدَّثك؟ قال: حدَّثني أبو الزِّناد، عن بعض الكوفيِّين.
وهذا هو الحديث، وحديث ابن أبي مُلَيكَة، عن عائشة وهمٌ. (العلل ٣٧٠٩).
ومن ذلك استدلاله حديثِ بشرِ بن المُفضَّل، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ، عن الزُّهْريِّ، عن ابن المُسيِّبِ، عن أبي هُريرة، قال: قال رسُولُ اللَّه -ﷺ-: "إذا سَمِعتُمُ المُؤذِّن يَتَشهَّدُ، فقُولُوا مِثل قَولِهِ". (٧/ ١٥).
وهو حديث أخرجه ابن ماجة (٧١٨)، والنسائي في الكبرى ٩/ ٢٠ (٩٧٧٨)، والطبراني في الدعاء (٤٤٨)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ١٤٤ من طريق عبد الرحمن بن إسحاق، به.
وقد استدل به المؤلف من غير أن يبين علته، وهو حديث معلول لا يصح عن أبي هريرة، فهو حديث أبي سعيد الخدري، قال ابن أبي حاتم: سألتُ أبي عن حديث رواه عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة، قال النبي -ﷺ-: "إذا قال المُؤذن فقولوا مثلما يقول". فقال: رواه جماعة، مالك وغيره، عن الزهري، عن عطاء بن يزيد، عن أبي سعيد، عن النبي -ﷺ-، وهو أشبه. (علل الحديث ٢١٦).
[ ١ / ٨٨ ]
وقال أبو عيسى الترمذي: حديث أبي سعيد حديث حسن صحيح، وهكذا روى معمر، وغير واحد، عن الزهري، مثل حديث مالك، وروى عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزهري، هذا الحديث، عن سعيد بن المسيِّب، عن أبي هريرة، عن النبي -ﷺ-، ورواية مالك أصحُّ. (جامع الترمذي ٢٠٨).
وقال أبو عبد الرحمن النسائي: الصواب حديث مالك، وحديث عبد الرحمن بن إسحاق خطأ، وعبد الرحمن هذا يقال له: عبّاد بن إسحاق، وهو لا بأس به، وعبد الرحمن بن إسحاق يروي عنه جماعة من أهل الكوفة، وهو ضعيف الحديث، واللَّه أعلم. (السنن الكبرى ٩٧٧٩).
وأخرجه العقيلي في الضعفاء ٣/ ٣٧٧، في ترجمة عبد الرحمن بن إسحاق، وقال: وأصحاب الزهري يقولون: عن الزهري، عن عطاء بن يزيد، عن أبي سعيد، عن النبي -ﷺ- نحوه، وهذه الرواية أولى.
وقا لط الدارقطني: يرويه الزهري واختُلف عنه:
فرواه عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة.
وخالفه مالك ومعمر وغيرهما، فرووه عن الزهري، عن عطاء بن يزيد، عن أبي سعيد، وهو الصحيح. (العلل ١٣٤٤).
وذكر المؤلف حديث عبد العزيزِ بن رُفيع، عن أبي صالح، عن أبي هُريرةَ، قال: اجْتَمَعنا إلى رسُولِ اللَّه -ﷺ- في يوم عيدٍ ويوم جُمُعةٍ، فقال لنا رسُولُ اللَّه -ﷺ- وهُو في العيدِ: "هذا يومٌ قدِ اجْتَمَعَ لكُم فيه عيدانِ: عيدُكُم هذا، والجُمُعةُ، وإنِّي مُجَمِّعٌ إذا رجَعتُ، فمن أحبَّ مِنكُم أن يشهَدَ الجُمُعةَ، فليَشْهَدْها". قال: فلمّا رجَعَ رسُولُ اللَّه -ﷺ- جمَّعَ بالنّاس. (٧/ ١١٦).
وهو حديث أخرجه ابن عدي في الكامل ٣/ ١٩٢، والبيهقي في الكبرى ٣/ ٣١٨، من طريق عبد العزيز بن رفيع، به.
[ ١ / ٨٩ ]
وهو حديث معلّ بالإرسال؛ قال الدارقطني: "يرويه عبد العزيز بن رفيع، وقد اختلف عنه:
فرواه زياد بن عبد اللَّه البكائي، والمغيرة بن مقسم من رواية بقية عن شعبة عنه.
وقال وهب بن حفص: عن الجُدّي عن شعبة، عن عبد العزيز بن رفيع، ولم يذكر مغيرة.
وقال أبو بلال: عن أبي بكر بن عياش، عن عبد العزيز بن رفيع.
وقال يحيى بن حمزة: عن هذيل الكوفي، عن عبد العزيز بن رفيع؛ كلهم قالوا: عن أبي صالح، عن أبي هريرة. وكذلك قال عبيد اللَّه بن محمد الفريابي، عن ابن عيينة، عن عبد العزيز بن رفيع.
وخالفه الحميدي، عن ابن عيينة فأرسله، ولم يذكر أبا هريرة. . . وكذلك رواه أبو عوانة، وزائدة، وشريك، وجرير بن عبد الحميد، وأبو حمزة السكري، كلهم عن عبد العزيز بن رفيع، عن أبي صالح، مرسلًا، وهو الصحيح" (العلل ١٩٨٤).
وساق المؤلف حديث يزيد بن زُريع، عن خالد الحذّاء، عن أبي قِلابةَ، عن محمدِ بن أبي عائشةَ، عمَّن شهِدَ ذلكَ قال: صلَّى النَّبيُّ -ﷺ-، فلمّا قَضَى صلاتهُ، قال: "أتقْرؤُونَ والإمامُ يَقْرأُ؟ " فسكتُوا. قال: "أتقْرؤُونَ والإمامُ يَقْرأُ؟ " قالوا: إنّا لنفعلُ. قال: "فلا تَفْعلُوا، إلّا أن يَقْرأ أحدُكُم بأُمِّ القُرآنِ في نفسِهِ". (٣/ ١٨٣)
أخرجه عبد الرزّاق في المصنَّف (٢٧٦٦)، وابن أبي شيبة في المصنَّف (٣٧٧٩)، وأحمد في مسنده ٢٩/ ٦١١ و٣٤/ ٢٠٥، ٣٦٤ و٣٨/ ٤٦٥ (١٨٠٧٠، ٢٠٦٠٠، ٢٠٧٦٥، ٢٣٤٨١)، والبخاري في القراءة خلف الإمام (٨٤)، والبيهقي في الكبرى ٢/ ١٦٦، وفي القراءة خلف الإمام (١٥٥، ١٥٦، ١٥٧) من طريق خالد الحذاء، به.
وهو حديث معل بالإرسال، قال الدارقطني: يرويه أيوب السَّخْتياني، وخالد الحذّاء، واختُلف عنه:
[ ١ / ٩٠ ]
فأما أيوب؛ فإن عبيد اللَّه بن عمرو، رواه عن أيوب، عن أبي قِلابة، عن أنس، عن النبي -ﷺ-.
وخالفه سلّام أبو المنذر، فرواه عن أيوب، عن أبي قِلابة، عن أبي هريرة.
وخالفهما الرَّبيع بن بدر، رواه عن أيوب، عن الأعرج، عن أبي هريرة.
وخالفهم ابن عُلَية وابن عيينة وحماد بن زيد، رووه عن أيوب، عن أبي قِلابة، مرسلًا، عن النبي -ﷺ-، وهو صحيح من رواية أيوب.
فأما خالد الحَذّاء، فرواه عن أبي قِلابة، عن محمد بن أبي عائشة، عن رجل من أصحاب النبي -ﷺ-، قال ذلك سفيان الثوري، ويزيد بن زُرَيع، وبِشر بن المُفضل، عن خالد.
ورواه ابن عُلَيّة، وخالد بن عبد اللَّه، وشعبة، وعلي بن عاصم، عن خالد الحَذّاء، عن أبي قِلابة، عن محمد بن أبي عائشة، مرسلًا، عن النبي -ﷺ-.
ورواه هُشَيم، عن خالد، عن أبي قِلابة، مرسلًا، لم يجاوز به أبا قِلابة، والمرسل أصح. (العلل ٢٦٦٤).
واستدل ابنُ عبد البر بحديث أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ رضي اللَّه الذي ذكر أنه روي من وُجُوهٍ شتَّى: أَنَّهُ لّما نزلَتْ: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣] بَكَى وحَزِنَ لذلكَ، وقال: يا رسُولَ اللَّه، أنُجازى بكلِّ ما نَعْملُ؟ فقال لهُ رسُولُ اللَّه -ﷺ-: "يا أبا بكرٍ، ألَسْتَ تَمْرضُ؟ ألَسْتَ تَنْصَبُ؟ ألَسْتَ تُصيبُكَ اللَّأواءُ؟ " قال: بَلَى، قال: "فذلكَ ما تُجزونَ به في الدُّنيا". (٨/ ٢١٨).
وهو حديث أخرجه أحمد في مسنده ١/ ٢٢٩ - ٢٣٠ (٦٨، ٦٩)، وأبو يعلى (٩٨، ٩٩، ١٠٠، ١٠١)، وابن حبان ٧/ ١٧٠، ١٨٩ (٢٩١٠، ٢٩٢٦)، والحاكم في المستدرك ٣/ ٧٤، والبيهقي في الكبرى ٣/ ٣٧٣ من حديث أبي بكر بن أبي زهير، عن أبي بكر الصديق.
[ ١ / ٩١ ]
وهو معلول بالانقطاع وضعفِ بعض رواته، فقال أبو زرعة الرازي: أبو بكر بن أبي زهير الثقفي، عن أبي بكر الصديق مرسل. (المراسيل لابن أبي حاتم ٩٦٠)، وقال مثل ذلك الدارقطني في العلل (٧٤).
وأخرجه أحمد (٢٣)، وعبد بن حميد (٧)، والترمذي (٣٠٣٩)، وأبو يعلى (١٨)، والبزار (٢٠) و(٢١)، والبغوي (١٤٣٩)، وغيرهم من حديث عبد اللَّه بن عمر عن أبي بكر الصديق، وقال الترمذي: "هذا حديث غريب (أي: ضعيف)، وفي إسناده مقال، موسى بن عُبيدة يُضَعّف في الحديث، ضعّفه يحيى بن سعيد وأحمد بن حنبل، ومولى ابن سباع مجهول. وقد روي هذا الحديث من غير هذا الوجه عن أبي بكر، وليس له إسناد صحيح أيضًا.
وذكر الدارقطني أنّ أسانيد هذا الحديث كلها ضعاف. العلل (٢٩)، وقال في موضع آخر: "وليس فيها شيء يثبت" العلل (٥٢٣)، وهو كما قال.
وذكر حديثَ أبي داود (٢٢٥٦) من طريق عبّادِ بن منصُورٍ، عن عِكرِمةَ، عن ابن عبّاسٍ الحديث الطويل في اللِّعان، مستدلًا به من غير أن يبين علته. (٤/ ١٨٨ - ١٨٩).
وهو حديث معلول، ولذلك قال الترمذي: "حسن غريب"، فقد رواه أيوب عن عكرمة مرسلًا لم يذكر فيه ابن عباس، أخرجه عبد الرزاق (١٢٤٤٤). وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن حديث رواه عبّاد بن منصور عن عكرمة عن ابن عباس في قصة اللعان جاء هلال بن أمية، فقال أبي: له بهذا الإسناد عشرة أحاديث. قال: فرأيت في بعض حديث عبّاد بن منصور، عن إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى، عن داود بن حصين، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي -ﷺ-. علل الحديث (١٣٤٥) و(١٤٠٣).
قلنا: يشير إلى أن عباد بن منصور قد دَلَّسه بإسقاط إبراهيم الضعيف وداود، فجعله عن عكرمة، ولذلك قال الدارقطني في أطراف الغرائب والأفراد (٢٧٦٠): "غريب من حديث عباد بن منصور عن عكرمة عن ابن عباس". (٩/ ٣٢٤).
[ ١ / ٩٢ ]
وقال الترمذي: "حسن غريب"، فقد رواه أيوب عن عكرمة مرسلًا لم يذكر فيه ابن عباس، أخرجه عبد الرزاق (١٢٤٤٤). وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن حديث رواه عباد بن منصور عن عكرمة عن ابن عباس في قصة اللعان جاء هلال بن أمية، فقال أبي: له بهذا الإسناد عشرة أحاديث. قال: فرأيت في بعض حديث عباد بن منصور، عن إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى، عن داود بن حصين، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي -ﷺ-. علل الحديث (١٣٤٥) و(١٤٠٣).
قلنا: يشير إلى أن عباد بن منصور قد دَلَّسه بإسقاط إبراهيم الضعيف وداود، فجعله عن عكرمة، ولذلك قال الدارقطني في أطراف الغرائب والأفراد (٢٧٦٠): "غريب من حديث عباد بن منصور عن عكرمة عن ابن عباس".
وذكر ابنُ عبد البر حديث حَفْص بن غِياثٍ، عن الأعْمشِ، عن أبي وائلٍ، عن عبدِ اللَّه بن مسعُودٍ: أنَّ رسُولَ اللَّه -ﷺ- قتَلَ حيَّةً بمِنًى. (٩/ ٤٣٤)
وهو حديث أخرجه أحمد في مسنده ٧/ ٩٨ (٣٩٩٠)، والشاشي (٦٠٨)، والطبراني في الكبير ١٠/ ١٤٤ (١٠١٥١) من طريق عبد الصمد، به.
وعلة هذا الحديث أنَّ روايته عن أبي وائل عن عبد اللَّه بن مسعود غير صحيحة، والصحيح أنه من رواية الأسود عن عبد اللَّه. وسبب ذلك هو الاختلاف فيه على الأعمش. وقد ضعّف الدارقطني هذا الوجه فقال في العلل (٧٢٨): "يرويه الأعمش واختلف عنه:
فرواه المسعودي، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد اللَّه. وتابعه عبد الصمد بن عبد الوارث، عن حفص بن غياث، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد اللَّه.
وخالفه عبد الصمد بن النعمان، فرواه عن حفص، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد اللَّه.
والصحيح عن حفص: ما رواه أبو بكر بن أبي شيبة، وأبو كريب، وأحمد بن حنبل، وابن نمير عنه، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عبد اللَّه. وكذلك
[ ١ / ٩٣ ]
قال شيبان، وأبو معاوية الضرير، والثوري، وأخوه عمر، ويحيى بن أبي زائدة، وحماد بن شعيب".
قلتُ: وحديث الأسود بن يزيد النخعي، عن ابن مسعود في صحيح مسلم (٢٢٣٤) حيث أخرجه عن أبي كريب محمد بن العلاء، عن حفص -يعني ابن غياث- عن الأعمش، عن إبراهيم النخعي، عن الأسود، به.
وذكر المؤلف حديث داود بن عبدِ الرَّحمن العطّار، عن عَمرِو بن دينارٍ، عن عِكْرِمةَ، عن ابن عبّاسٍ، قال: اعتمَرَ رسُولُ اللَّه -ﷺ- أربعَ عُمَرٍ: عُمْرةَ الحُديبيةِ، والثّانيةَ حيثُ تَواطؤوا على عُمْرةِ قابِلٍ، والثّالثةَ من الجِعرانةِ، والرّابعةَ التي قرَنَ مع حَجَتِهِ. (٩/ ٤٧٢)
وهو حديث أخرجه أحمد في مسنده ٤/ ٨٧، و٥/ ١١١ (٢٢١١، ٢٩٥٤)، وأبو داود في سننه (١٩٩٣)، وابن ماجة (٣٠٠٣)، الترمذي (٨١٦)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٢/ ١٤٩ - ١٥٠، وابن حبان ٩/ ٢٦٢ (٣٩٤٦)، والطبراني في الكبير ١١/ ٢٤٦ (١١٦٢٩)، والحاكم في المستدرك ٣/ ٥٠، والبيهقي في الكبرى ٥/ ١٢، من طريق داود بن عبد الرحمن العطار، به.
وقد اقتصر الترمذي على تحسينه لأنه معلول، فقد رواه من حديث عكرمة مرسلًا (٨١٦ م)، ونقل البيهقي ٥/ ١٣ عن أبي الحسن علي بن عبد العزيز أنه قال: "ليس أحد يقول في هذا الحديث: عن ابن عباس إلا داود بن عبد الرحمن"، ثم نقل قول البخاري في داود هذا فقال: "يهم في الشيء". وقال الدوري عن ابن معين ٢/ ٢١٦: "سفيان بن عيينة أحب إليَّ في عمرو بن دينار من داود العطار" وكذا قال في رواية ابن الجنيد عن ابن معين، وقال: "أثبت" بدلًا من "أحب". وممن أخرج هذا الحديث مرسلًا ابن سعد ٢/ ١٧٠ من طريق أبي بكر الهذلي، عن عكرمة، ولم يذكر عمرة الحج. وأخرجه مرسلًا عن سعيد بن جبير أيضًا.
[ ١ / ٩٤ ]
وذكر حديث سُفيانَ، عن أبي الزِّنادِ، عنِ المُرقِّع بن صيفِيٍّ، عن حَنْظلةَ الكاتِبِ، قال: كُنّا معَ رسُولِ اللَّه -ﷺ- في غَزاةٍ، فمَرْرنا بامرأةٍ مَقْتُولةٍ والنّاسُ مجُتمِعُونَ عليها، ففَرَجُوا لهُ، فقال: "ما كانت هذه تُقاتِلُ، الْحَق خالدًا فقُل لهُ: لا تَقتُل ذرِّيّةً، ولا عَسِيفًا". (١٠/ ١٨٠).
أخرجه عبد الرزاق في المصنَّف (٩٣٨٢)، وأحمد في مسنده ٢٩/ ١٥١ (١٧٦١٠)، وابن ماجة (٢٨٤٢)، وابن أبي خيثمة في تاريحه الكبير، السفر الثالث ٣/ ٢٩ (٣٦٩٦)، وأبو عبيد في الأموال (٩٥)، والنسائي في الكبرى ٨/ ٢٧ (٨٥٧٣)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٣/ ٢٢٢، وفي شرح مشكل الآثار ٥/ ٤٣٨ (٦١٣٦)، وابن حبان ١١/ ١١٢ (٤٧٩١)، والطبراني في الكبير ٤/ ١٠ (٣٤٨٩) من طريق سفيان الثوري، به.
قلنا: هذا الحديث مما أخطأ فيه سفيان، فقد قال البخاري: "وقال الثوري عن أبي الزناد، عن مرقِّع، عن حنظلة الكاتب، وهذا وهم" (التاريخ الكبير ٣/ ٣١٤).
وقال الترمذي: حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدثنا سفيان، عن أبي الزناد، عن المُرقِّع بن صيفي، عن حنظلة الكاتب، قال: كنا مع النبي -ﷺ- في غزاة، فمر بامرأة مقتولة. . . الحديث.
قال أبو عيسى: حديث سفيان هذا خطأ إنما هو: عن المُرقِّع، عن رباح بن الربيع، أخي حنظلة الكاتب.
هكذا رواه غير واحد عن أبي الزناد.
وسألت محمدًا (يعني البخاري) عن هذا الحديث؟ فقال: رباح بن الربيع، ومن قال: رياح بن الربيع هو وهم. قال أبو عيسى: رباح بن الربيع أصح. ترتيب علل الترمذي الكبير (٤٧١ و٤٧٢).
وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي، وأبا زرعة، عن حديث رواه سفيان الثوري، عن أبي الزِّناد، عن المُرقِّع بن صيفي، عن حنظلة الكاتب، قال: لما خرج رسول اللَّه -ﷺ-
[ ١ / ٩٥ ]
في بعض مغازيه، نظر إلى امرأة مقتولة، فقال: ما كانت هذه تقاتل، فنهى عن قتل النساء والولدان.
قال أبي وأبو زرعة: هذا خطأ، يقال: إن هذا من وهم الثوري، إنما هو المُرقِّع بن صيفي، عن جدِّه رباح بن الربيع، أخي حنظلة، عن النبي -ﷺ-، كذا يرويه مغيرة بن عبد الرحمن، وزياد بن سعد، وعبد الرحمن بن أبي الزِّناد.
قال أبي: والصحيح هذا. علل الحديث (٩١٤).
واستدل المؤلف بحديث رواهُ مجُاهِدٌ، عن أبي عيّاشٍ الزُّرَقيِّ، عنِ النَّبيِّ -ﷺ- في صلاة الخوف. (١٠/ ٣٢٨)
وهو حديث أخرجه الطيالسي (١٤٤٤)، وعبد الرزاق في المصنَّف (٤٢٣٧)، وأحمد في مسنده ٢٧/ ١٢٥ (١٦٥٨٠)، وأبو داود (١٢٣٦)، والنسائي في المجتبى ٣/ ١٧٧، وفي الكبرى ٢/ ٣٧٤ (١٩٥١)، وابن الجارود (٢٣٢)، وابن حبان (٢٨٧٦)، والطبراني في الكبير ١٣/ ٢٥ - ٢١٤ (٥١٣٢ - ٥١٣٣)، والدارقطني في سننه ٢/ ٤٠٨ - ٤٠٩ (١٧٧٧)، والبيهقي في الكبرى ٣/ ٢٥٤، من طريق مجاهد، به. وهو حديث معلٌّ بالإرسال، قال الترمذي: سألت محمدًا (يعني البخاري) قلت: أيّ الروايات في صلاة الخوف أصحّ؟ فقال: كلّ الروايات عندي صحيحة، وكل يستعمل، وإنما هو على قدر الخوف، إلا حديث مجاهد، عن أبي عياش الزرقي فإني أراه مرسلًا. علل الترمذي الكبير (١٦٥). وهذا المرسل أخرجه عبد الرزاق في المصنَّف (٤٢٣٥)، وابن أبي شيبة في المصنَّف (٨٣٦٣)، والطبري في التفسير ٧/ ٤٣٩، ومع ذلك صحّحه محقّقو مسند أحمد.
وذكر حديث أبي قِلابةَ عبد الملكِ بن محمدٍ الرَّقاشيّ، عن أبيه، عن جعفر بن سُليمانَ، عن عَطاءِ بن السّائبِ، عن أبي عبدِ الرَّحمنِ، عن عبدِ اللَّه بن مَسعُودٍ، قال: قال رسُولُ اللَّه -ﷺ-: "إذا عَطَسَ أحدُكُم فليقُلِ: الحمدُ للَّه ربِّ العالمين. وليُقَلْ لهُ: يرحمُكَ اللَّه. وليَقُلْ: يَغْفِرُ اللَّهُ لنا ولكُم" (١١/ ١٦٩).
[ ١ / ٩٦ ]
أخرجه الحاكم في المستدرك ٤/ ٢٦٦، من طريق أبي قلابة، به. وأخرجه النسائي في السنن الكبرى ٩/ ٩٤ (٩٩٨١) من طريق محمد بن عبد اللَّه الرقاشي، به. وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنَّف (٢٦٥٢٠)، والطبراني في الكبير ١٠/ ٢٠٠ (١٠٣٢٦)، وفي الدعاء (١٩٨٣) من طريق عطاء بن السائب، به.
وهذا حديث فيه ثلاث علل: اختلاط عطاء، والانقطاع، والوقف؛ قال النسائي: "هذا حديث منكر، ولا أرى جعفر بن سليمان إلا سمعه من عطاء بن السائب بعد الاختلاط، ودخل عطاء بن السائب البصرة مرتين، فمن سمع منه أول مرة فحديثه صحيح، ومن سمع منه آخر مرة ففي حديثه شيء".
وقال يحيى بن معين: حدثنا حجاج، عن شعبة قال: لم يسمع أبو عبد الرحمن السلمي من عثمان، ولا من عبد اللَّه بن مسعود، ولكنه قد سمع من علي ﵃. المراسيل لابن أبي حاتم (٣٨٢)، والجرح والتعديل ١/ ١٣١.
وقال ابن أبي حاتم: سألتُ أبي عن حديث رواه أبيض بن أبان، عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن، عن عبد اللَّه، عن النبي -ﷺ-، قال: إذا عطسَ أحدُكم فليقُل: الحمدُ للَّه، وليقُل من عنده: يرحمكَ اللَّه، فإذا قالوا ذلك، فليقُل: يغفرُ اللَّه لي ولكم.
قال أبي: هذا خطأ، الناس يروونه عن عبد اللَّه، موقوفًا، منهم جعفر بن سليمان، وغيره، وأبيض شيخ، وعطاء بن السائب اختلط بأخرة. علل الحديث (٢٢٢٠).
وقال الدارقطني: يرويه عطاء بن السائب واختلف عنه:
فرفعه أبيض بن أبان، وجعفر بن سليمان، عن عطاء.
ووقفه جرير، وعلي بن عاصم، والموقوف أشهر. العلل (٩٢٧).
وذكر حديث الفضل بن مُوسى السيناني، عن عبد اللَّه بن سعيدِ بن أبي هِنْدٍ، عن ثَورِ بن زيدٍ، عن عِكْرِمةَ، عنِ ابنِ عبّاسٍ، قال: كان رسُولُ اللَّه -ﷺ- يَلْحظُ في صَلاتِهِ يمينًا وشِمالًا، ولا يَلْوي عُنُقهُ خلفَ ظَهْرِهِ. (١١/ ٢٢٨).
[ ١ / ٩٧ ]
والحديث أخرجه أحمد في مسنده ٤/ ٢٨٨، و٥/ ١١ (٢٤٨٥، ٢٧٩١)، وأبو داود في رواية الأشناني، كما في تحفة الأشراف (٦٠١٤)، والترمذي (٥٨٧)، والنسائي في السنن الكبرى ١/ ٢٨٧ (٥٣٤)، وابن خزيمة (٤٨٥)، والطبراني في الكبير ١١/ ٢٢٣ (١١٥٥٩)، والحاكم في المستدرك ١/ ٢٣٦، والبيهقي في الكبرى ٢/ ١٣، من طريق الفضل بن موسى، به.
وهو حديث معلٌّ بالإرسال، قال الإمام الترمذي: هذا حديث غريب (أي: ضعيف)، وقد خالف وكيعٌ الفضلَ بنَ موسى في روايته، حدثنا محمود بن غيلان، قال: حدثنا وكيع، عن عبد اللَّه بن سعيد بن أبي هند، عن بعض أصحاب عكرمة: أنَّ النبي كان يلحظُ في الصلاة، فذكر نحوه.
وحديث وكيع المرسل هذا أخرجه عنه ابن أبي شيبة في المصنَّف (٤٥٨٢)، وأحمد في مسنده ٤/ ٢٩٠ (٢٤٨٦). وأخرجه من طرق عن وكيع: الترمذي (٥٨٨)، والدارقطني (١٨٦٥)، والبيهقي ٢/ ١٣، وقال أبو داود: هذا أصح، يعني: من حديث عكرمة عن ابن عباس.
وقد صحح الحاكم والعلامتان الألباني وشعيب -يرحمهما اللَّه- الرواية المتصلة، ولم يلتفتا إلى إعلال الترمذي هذا وأبي داود كذلك، بل يُفهم من علامات التعجب التي وضعها الشيخ شعيب عقب استغراب الترمذي لهذا الحديث وتصحيح أبي داود للرواية المرسلة استعجابه من هذا الصنيع!
والقواعد الحديثية ترجح الرواية المرسلة، فعند الموازنة بين وكيع والفضل بن موسى السيناني لا يشك أحد من أهل العلم بأن وكيعًا أتقن وأحفظ، فضلًا عما عُرف في بعض حديث الفضل بن موسى من المناكير كما قرره علامة الدنيا علي ابن المديني (الميزان: ٣/ الترجمة ٦٧٥٤)، فضلًا عن أقوال العلماء الفهماء من الجهابذة المتقدمين: الترمذي، وأبي داود الذي قال بعد أن ساق المرسل: "وهذا أصح - يعني من حديث عكرمة، عن ابن عباس". وقال الدارقطني بعد أن ساقه متصلًا في السنن (١٨٦٤):
[ ١ / ٩٨ ]
"تفرد به الفضل بن موسى عن عبد اللَّه بن سعيد بن أبي هند متصلًا، وأرسله غيره". وهذا إعلال بيّن للرواية المتصلة.
وذكر المؤلف حديث محمدِ بن إسحاقَ، قال: وقال عبدُ اللَّه بن أبي نَجِيح: حدَّثني مُجاهِدٌ، عنِ ابنِ عبّاس: أنَّ رسُولَ اللَّه -ﷺ- أهْدَى عامَ الحُديبيةِ في هَداياهُ جَملًا لأبي جَهْلِ بن هشام، في رأسِهِ بُرّةٌ من فِضّةٍ ليَغيظ به المُشرِكينَ. (١١/ ٢٥٠).
أخرجه أحمد في مسنده ٤/ ١٩٣ (٢٣٦٢)، وأبو داود (١٧٤٩)، وابن خزيمة (٢٨٩٨)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار ٤/ ٢٧ (١٤٠٤)، والطبراني في الكبير ١١/ ١، ٩٢ (١١١٤٧) و(١١١٤٨)، والحاكم في المستدرك ١/ ٤٦٧، من طرق عن ابن إسحاق، به.
وقد صَرّح ابن إسحاق عند أحمد بالتحديث، لكن تصريحه هنا فيه نظر، فقد نقل الحاكم في "معرفة علوم الحديث" ص ١٠٧ عن علي ابن المديني أنه قال: حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن محمد بن إسحاق، قال: "حدثني من لا أتهم عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس" وقال محققو الجزء الرابع من مسند أحمد عند كلامهم على هذا الحديث: "ومع ذلك فقد توبع ابن إسحاق على رواية هذا الحديث، فيصير الحديث حسنًا إن شاء اللَّه تعالى" (٤/ ١٩٣).
قلت: المتابعة التي أشاروا إليها هي ما رواه أحمد عن الحسين بن محمد المروذي، عن جرير بن حازم، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، به، وهو إسناد ظاهره الصحة لكنه معلول، فقد قال البيهقي بعد أن رواه: "وهذا إسناد صحيح إلا أنهم يرون أن جرير بن حازم أخذه من محمد بن إسحاق ثم دلسه، فإن بُيِّن فيه سماع جرير من ابن أبي نجيح صار الحديث صحيحًا، واللَّه أعلم". (٥/ ٢٣٠)
قلت: جرير لم يبين السماع، فعاد الحديث إلى ابن إسحاق، فلا يمكن تحسينه عندئذٍ، واللَّه أعلم، وقد حكم عليه ابن المديني بالاضطراب، فالحديث من هذا الوجه معلٌّ.
[ ١ / ٩٩ ]
واستدل المؤلف بحديث رَوْح بن عُبادةَ، عن عوف الأعرابي، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرةَ، عنِ النَّبيِّ -ﷺ- قال: "ما مِنَ المُسلِمِين من يمُوتُ لهُ ثَلاثة من الوَلَدِ لم يبلُغُوا الحِنثَ، إلّا أدخلهمُ اللَّهُ وإيّاهُ الجنّةَ بفَضْلِ رحمتِهِ، يُجاءُ بهم يوم القِيامةِ، يُقالُ لهم: ادْخُلوا الجنّةَ. فيقولُونَ: لا، حتّى يَدخُل آباؤُنا، فيُقالُ لهم: ادخُلوا أنتُم وآباؤُكُم بفَضْلِ رَحْمتِي". (١١/ ٣٧٤).
أخرجه أحمد في مسنده ١٦/ ٣٦٤ (١٠٦٢٢)، والنسائي في المجتبى ٤/ ٢٥، وفي الكبرى ٢/ ٤٠١ (٢٠١٦)، وأبو يعلى (٦٠٧٩)، والبيهقي في الكبرى ٤/ ٦٨، وفي شعب الإيمان (٩٧٤٧) من طريق عوف الأعرابي، به.
وهو حديث معلٌّ بالإرسال، ومع ذلك صححه صديقنا العلّامة الشيخ شعيب الأرنؤوط يرحمه اللَّه في تعليقه على مسند أحمد، ولم ينتبه إلى علته، قال إمام العلل أبو الحسن الدارقطني البغدادي في "العلل" (١٤٥٠): "هو حديث يرويه عوف الأعرابي، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، ووهم فيه. وتابعه على ذلك أشعث بن عبد الملك الحُمراني، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، من رواية صلة بن سليمان، عنه، وأشعث من الثقات الحفاظ، ولكن صلة ضعيف الحديث.
وكذلك رُوي عن سلمة بن علقمة، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي -ﷺ-. وسلمة من الثقات الحفاظ، لم يرو عنه غير محمد بن أبي الشمال، ولم يكن بالقوي. وكلها وَهمٌ على ابن سيرين، لأن هذا ليس من حديث محمد بن سيرين، عن أبي هريرة؛ لأن أيوب السَّختياني، وهشام بن حسان، ويحيى بن عتيق، وغيرهم من الحفاظ الأثبات، رووه، عن محمد بن سيرين، عن عَبِيدة السَّلماني، مرسلًا، عن النبي -ﷺ-.
ورُوي عن أبي عاصم النبيل، عن أشعث بن عبد الملك، عن محمد بن سيرين، عن عَبِيدة، عن علي بن أبي طالب، عن النبي -ﷺ-؛ تفرَّد به إسحاق بن الضَّيف، عن أبي عاصم، عن أشعث .. . . حدثناه أبو بكر أحمد بن عبد اللَّه بن محمد الوكيل، عن إسحاق بن الضَّيف بذلك، ولم أجده-عند أحد، عن أبي عاصم، فأحكم بالوهم على إسحاق، واللَّه أعلم.
[ ١ / ١٠٠ ]
وروى هذا الحديث يونس بن عبيد، عن محمد بن سيرين، عن عَبِيدة السَّلماني، عن الزبير بن العوام، عن النبي -ﷺ-، تفرَّد به عبد الحكيم بن منصور، عن يونس، وعبد الحكيم ليس بالقوي، وتفرَّد به أيضًا عاصم بن علي، عن عبد الحكيم.
ورواه عمران بن خالد الخُزاعي، عن محمد بن سيرين، عن عَبِيدة السَّلماني، عن عبد اللَّه بن الزبير، عن النبي -ﷺ-؛ حدث به علي بن عبد الحميد المَعْنيّ، عنه.
والصحيح من ذلك: ما قاله أيوب، وهشام، ويحيى بن عتيق، ومن تابعهم، عن ابن سيرين، عن عَبِيدة مرسلًا، عن النبي -ﷺ-.
وقد روى هذا الحديث مسلمة بن علي الخُشني، وكان ضعيفًا، عن هشام بن حسان، عن حفصة بنت سيرين، عن الزبير بن العوام، عن النبي -ﷺ-، ومَسلَمة متروك".
واستشهد المؤلف بحديث النبي -ﷺ- أنه كانَ يحُضُ في أوَّلِ الإسلام على لُزُوم الحَواضِر للجَماعاتِ والجُمُعاتِ، ويقولُ: "من بَدا جَفا". (١٢/ ١٩٦)
وهو حديث أخرجه أحمد في مسنده ١٤/ ٤٣٠ (٨٨٣٦)، والبزار في مسنده ١٧/ ١٤٤ (٩٧٤٣)، والقضاعي في مسند الشهاب (٣٣٩)، والبيهقي في الكبرى ١٠/ ١٠١، من حديث محمد بن الصباح الدولابي، عن إسماعيل بن زكريا، عن الحسن بن الحكم النخعي، عن عدي بن ثابت، عن أبي حازم، عن أبي هريرة.
وأخرجه ابن حبان في المجروحين ١/ ٢٣٣، وابن عدي في الكامل ١/ ٣١٢ ومن طريقه البيهقي في شعب الإيمان (٩٤٠٣) من طريق أبي الربيع الزهراني عن إسماعيل بن زكريا.
وهو حديث معلول باضطراب الإسناد، فقد خولف فيه إسماعيل بن زكريا، فرواه يعلى ومحمد ابنا عبيد الطنافسي عن الحسن بن الحكم، عن عدي بن ثابت، عن شيخ من الأنصار، عن أبي هريرة، أخرجه أحمد ١٥/ ٤٢٧ (٩٦٨٣)، وأخرجه أبو داود (٦٨٦٠) ومن طريقه البيهقي في شعب الإيمان (٩٤٠٤) عن محمد بن عبيد وحده، به. وهذا هو المحفوظ عن عدي بن ثابت.
[ ١ / ١٠١ ]
وأخرجه أحمد ٣٠/ ٥٨٤ (١٨٦١٩)، وأبو يعلى في مسنده (١٦٥٤)، من طريق شريك بن عبد اللَّه النخعي، عن الحسن بن الحكم، عن عدي بن ثابت، عن البراء بن عازب، فجعله من حديث البراء، ولا يصح، وهذا من جملة الاضطراب الواقع فيه، قال الترمذي في العلل الكبير (٦٠٨ - ٦١٠): "سألتُ محمدًا (يعني البخاري) عن هذا الحديث فقال: إنما يروي هذا الحسن بن الحكم، عن عدي بن ثابت، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، عن النبي -ﷺ-، ويقولون: عن أبي حازم، عن رجل من أصحاب النبي -ﷺ-، وكأنه لم يعد حديث شريك محفوظًا". وقال الدارقطني: "تفرد به شريك عن الحسن بن الحكم، عن عدي بن ثابت"، وقال غيره: "عن عدي، عن أبي حازم، عن أبي هريرة". أطراف الغرائب والأفراد (١٤٢١). والحسن بن الحكم وإن كان صدوقًا، لكن هذا الحديث عُدَّ من منكراته كما في المجروحين لابن حبان ١/ ٢٣٣، والميزان للذهبي ١/ ٤٨٦.
ويروى هذا الحديث أيضًا من طريق سفيان الثوري، عنه أبي موسى، عن وهب ابن مُنَبّه، عن ابن عباس، عن النبي -ﷺ-، أخرجه ابن أبي شيبة (٣٣٦٢٨)، وأحمد ٥/ ٣٦١ (٣٣٦١) وأبو داود (٢٨٥٩)، والترمذي (٢٢٥٦)، والنسائي في المجتبى ٧/ ١٩٥، وفي الكبرى (٤٨٠٢)، وإسناده ضعيف لجهالة أبي موسى، فقد تفرد سفيان الثوري بالرواية عنه ولم يوثقه أحد. وينظر: المسند المصنف المعلل ١٣/ ٧٠ (٦٢٢١).
واستدل ابن عبد البر بحديث حاتِم بن إسماعيلَ، عن محمد بن عجلانَ، عن نافع، عن أبي سلَمةَ، عن أبي سعِيدٍ الخُدرِيِّ، أنَّ رسُولَ اللَّه -ﷺ- قال: "إذا خرَجَ ثلاثةٌ في سَفرٍ، فليُؤَمِّرُوا أحدَهُم". قال نافعٌ: فقُلنا لأبي سَلَمةَ: فأنتَ أمِيرُنا. (١٢/ ٣٣٢).
أخرجه أبو داود في سننه (٢٦٠٨)، ومن طريقه البيهقي في الكبرى ٥/ ٢٥٧. وأخرجه أبو يعلى (١٠٥٤، ١٣٥٩)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار ١٢/ ٣٨ (٤٦٢٠)، والطبراني في الأوسط (٨٠٩٣، ٨٠٩٤) من طريق حاتم بن إسماعيل، به.
وهو حديث معلٌّ بابن عجلان، فقد رواه مرسلًا وموصولًا، والصحيح مرسل، فقد قال عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل: حدثني أبو بكر بن خلّاد، قال: سمعتُ يحيى بن
[ ١ / ١٠٢ ]
سعيد القطّان، يقول: كان ابن عجلان مضطرب الحديث، في حديث نافع، ولم يكن له تلك القيمة عنده. (العلل ٤٩٤٥).
وقال ابن أبي حاتم: سألتُ أبي وأبا زُرعة عن حديث رواه حاتم بن إسماعيل، عن محمد بن عجلان، عن نافع، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي -ﷺ-، قال: "إذا كان ثلاثةٌ في سفر فليؤُمّهم أحدُهم"، فقالا: رُويَ عن حاتم هذا الحديث بإسنادين:
فقال بعضهم: عن حاتم، عن ابن عجلان، عن نافع، عن أبي سلمة، عن أبي سعيد.
وقال بعضهم: عن أبي هريرة.
والصحيح عندنا، واللَّه أعلم: عن أبي سلمة، أن النبي -ﷺ-، مرسل.
قال أبي: ورواه يحيى بن أيوب، عن ابن عجلان، عن نافع، عن أبي سلمة، أن النبي -ﷺ-، وهذا الصحيح. ومما يُقَوي قولنا أن معاوية بن صالح، وثور بن يزيد، وفَرَج بن فَضالة، حدثوا عن المُهاصر بن حبيب، عن أبي سلمة، عن النّبي -ﷺ-، هذا الكلام.
قال أبو زُرعة: وروى أصحاب ابن عجلان هذا الحديث، عن أبي سلمة، مرسلًا. قلتُ: من؟ قال: اللّيث، أو غيره. (علل الحديث ٢٢٥).
وقال الدارقطني: اختلف فيه على أبي سلمة: فرواه المُهاصر بن حبيب، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النّبي -ﷺ-، قاله ثور بن يزيد، عنه.
ورواه ابن عجلان، عن نافع، واختلف عنه:
فرواه حاتم بن إسماعيل، عن ابن عجلان، عن نافع، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، وأبي سعيد، وقيل: عنه، عن أبي هريرة، وحده.
وخالفه يحيى القطان، فرواه عن ابن عجلان، عن نافع، عن أبي سلمة، مرسلًا، وهو الصواب. (العلل ١٧٩٥). وانظر: المسند المصنَّف المعلل ٢٨/ ٦٠٢ - ٦٠٤ (١٢٩٩٥).
واستشهد بحديث ليث بن أبي سُليم، عن مجاهد، عن ابن عمر، عن النبيِّ -ﷺ- في كراهة اتباع الجنازة بنار. (١٣/ ٢٤٠) تأييدًا منه لحديث مالك (٦٠٥) عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة الموقوف: أنه نهى أن يُتبع بنار.
[ ١ / ١٠٣ ]
وحديث ليث بن أبي سليم المرفوع مُعلٌّ بالاضطراب، وضعف ليث.
أخرجه أحمد ٩/ ٤٧٩ (٥٦٦٨)، والطبراني في الكبير (١٣٤٩٨)، وإسناده ضعيف لضعف ليث.
وأخرجه ابن ماجة (١٥٨٣)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٤٨٤، والطبراني في الكبير (١٣٤٨٤)، والبيهقي في الكبرى ٤/ ٦٤ من طريق إسرائيل بن يونس، عن أبي يحيى القتات، عن مجاهد، به، وإسناده ضعيف أيضًا لضعف أبي يحيى القتات.
وأخرجه عبد الرزاق (٦٣٠٢)، وابن أبي شيبة (١١٤٠٥) من حديث ليث، عن مجاهد، عن ابن عمر، ولم يرفعه.
وحديث ليث هذا ليس فيه: "النار" إنما جاء فيه: "الرانة"، و"الرّنّة"، وهو الصوت مع البكاء.
أما حديث أبي هريرة المرفوع: "لا تتبع الجنازة بنار ولا صوت"، فقد أخرجه أحمد ١٦/ ٤٨٥ (١٠٨٣١)، وأبو داود (٣١٧١)، والبيهقي في الكبرى ٣/ ٣٩٤، وابن الجوزي في العلل المتناهية (١٥٠٤) من طريق حرب بن شداد، عن يحيى بن أبي كثير، عن باب بن عمير، عن رجل من أهل المدينة، أن أباه حدثه، أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول اللَّه -ﷺ-، فذكره، وهذا إسناد مسلسل بالمجاهيل. وأخرجه أحمد ١٥/ ٣١٦ (٩٥١٥) وغيره من طريق يحيى، عن رجل، عن أبي هريرة، عن النبي -ﷺ-، وهو ضعيف لجهالة الرجل.
وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنَّف (١١٢٩٢) عن وكيع، عن شيبان، عن يحيى بن أبي كثير، عن رجل، عن أبي سعيد الخدري. فهذا اضطراب واضح، ولذلك أعلّه الإمام الدارقطني بالاضطراب، وبيّن أنَّ حديث حرب بن شداد أشبهُ بالصواب. العلل ١١/ ٢٤٤ سؤال (٢٢٦٤)، ومعلوم أنَّ قول علماء العلل: هو الصواب، أو أشبه بالصواب، لا يعني صحة الحديث، وطريق حرب بن شداد شديد الضعف، ومن
[ ١ / ١٠٤ ]
هنا يظهر أن الموقوف هو الصحيح، وأن تحسين محققي مسند أحمد للمرفوع خطأ محض، لأنَّ ما استدلوا به من حديث أبي سعيد الخدري كشاهد، هو علة اضطراب هذا الحديث.
واستشهد المؤلف بحديث وكيع وغيره، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عُروة، عن عائشة، أنَّ النبيَّ -ﷺ- قبَّل امرأةً من نسائه، ثم خرَج إلى الصلاةِ ولم يَتوضَّأ. قال: قلت: مَن هي إلَّا أنت؟! فضحِكَت. (١٣/ ٣٦٧)
أخرجه أحمد في المسند ٤٢/ ٤٢ (٢٥٧٦٥)، وأبو داود (١٧٩)، والترمذي (٨٦)، وابن ماجة (٥٠٢) من طريق وكيع بن الجرّاح، به.
قد طعن العلماء الجهابذة في صحة هذا الحديث، بسبب الانقطاع في إسناده، وأنَّ حديث عروة عن عائشة في هذا إنما روي بمتنٍ آخر، كما سيأتي بيانه، وقد قال الترمذي: سمعتُ أبا بكر العطار البصري يذكر عن علي ابن المديني، قال: ضعَّف يحيى بن سعيد القطان هذا الحديث، وقال: هو شبه لا شيء.
وسمعتُ محمد بن إسماعيل يُضعِّف هذا الحديث، وقال: حبيب بن أبي ثابت لم يسمع من عُروة.
وقد رُويَ عن إبراهيم التَّيمي، عن عائشة، أنَّ النبيَّ -ﷺ- قبَّلها، ولم يتوضأ، وهذا لا يصحُّ أيضًا، ولا نعرفُ لإبراهيم التَّيمي سماعًا من عائشة، وليس يصحُّ عن النبيِّ -ﷺ- في هذا الباب شيءٌ.
أخرجه أبو داود (١٨٠) قال: حدثنا إبراهيم بن مخَلَد الطّالقاني، قال: حدثنا عبد الرحمن، يعني: ابن مغراء، قال: حدثنا الأعمش، قال: حدثنا أصحاب لنا، عن عروة المُزني، عن عائشة، بهذا الحديث.
قال أبو داود: قال يحيى بن سعيد القطّان لرجل: احْكِ عني، أنَّ هذين، يعني: حديث الأعمش هذا، عن حبيب، وحديثه بهذا الإسناد في المستحاضة أنها تتوضأ لكل صلاة، قال يحيى: احْكِ عني أنهما شبه لا شيء.
[ ١ / ١٠٥ ]
قال أبو داود: ورُوي عن الثوري، قال: ما حدثنا حبيب إلَّا عن عروة المُزني، يعني لم يحدِّثهم عن عروة بن الزُّبير بشيء.
قال أبو داود: وقد روَى حمزة الزَّيات، عن حبيب، عن عروة بن الزُّبير، عن عائشة حديثًا صحيحًا.
قال أبو عيسى الترمذي: سألتُ محمدًا (يعني البخاري) عن حديث الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عروة، عن عائشة: أنَّ رسول اللَّه -ﷺ- قبَّل بعض نسائه، ثم خرج إلى الصلاة، ولم يتوضأ، فقال: حبيب بن أبي ثابت لم يسمع من عروة. ترتيب علل الترمذي الكبير (٥٦).
وقال ابن أبي حاتم: سمعتُ أبي يقول: لم يصح حديث عائشة في ترك الوضوء من القبلة. . . وسئل أبو زرعة عن الوضوء من القبلة فقال: لم يصح حديث عائشة. علل الحديث (١١٥).
وذكره الدارقطني في كتابه العلل (٣٨٣٧) وقال: "والصحيح عن عروة عن عائشة أنّ النبي -ﷺ- كان يقبّل وهو صائم". قال بشار: ومن ثم أتراجع عن تعليقي على ابن ماجة (٥٠٢)، والترمذي (٨٦) في تصحيح الحديث، فإن إعلال سفيان الثوري ويحيى بن سعيد القطان والبخاري والترمذي وأبي حاتم وأبي زرعة الرازيين لا ينفعه تصحيح ابن عبد البر وأحمد شاكر والغماري وبشار وغيرهم، واللَّه الموفق للصواب، وينظر كتابنا: المسند المصنّف المعلل ٣٦/ ٣٩٨ - ٤٠١ (١٧٥٥٩).