وإنَّما اعتمدْتُ على روايةِ يحيى بن يحيى المذكورة خاصّةً؛ لموضعِه عند أهلِ بلدِنا من الثِّقةِ والدِّينِ والفَضْلِ والعلْم والفَهْم، ولكثْرَةِ استعمالِهم لروايته وِراثةً عن شيوخِهم وعلمائِهم (^١)، إلّا أن يسْقُطَ من رِوايته حديثٌ من أُمَّهاتِ أحاديثِ الأحْكام أو نحوِها، فأذْكُرَه من غيرِ روايته، إن شاء اللَّه. فكلُّ قوم ينبغي لهم امتثالُ طريقِ سلَفِهم فيما سبَق إليهم من الخير، وسُلوكُ مِنْهاجِهم فيما احتَملوا عليه من البرِّ، وإن كان غيرُه مُباحًا مَرْغوبًا فيه.
والرِّواياتُ في مرفوعات "الموطّأ" مُتقاربةٌ في النَّقْصِ والزِّيادة، وأمَّا اختلافُ رُواتِه في الإسنادِ والإرْسال، والقَطْع والاتِّصال، فأرْجو أن ترَى منها ما يَكفي ويَشفي في كتابِنا هذا، ممّا لا يُخرِجُنا عن شَرْطِنا إن شاء اللَّه، لارْتباطِه به، واللَّهُ المُستَعان.
فأمَّا رِوايتُنا "للموطّأ" من طريقِ يحيى بن يحيى الأنْدَلُسيِّ ﵀:
فحدَّثنا بها أبو عثمانَ سعيدُ بنُ نصرٍ لفظًا منه، قراءةً عليَّ من كتابِه ﵀، وأنا أنظرُ في كتابي، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصْبغَ ووَهْبُ بنُ مسَرَّة، قالا: حدَّثنا محمدُ بنُ وَضّاح (^٢)، قال: حدَّثنا يحيى بنُ يحيى، عن مالك.
_________________
(١) قال أفقر العباد بشار بن عواد: ومع كلّ هذه الشهرة التي نالتها رواية يحيى في بلاد الأندلس والمغرب فإنها لم تكن مشهورةً عند المشارقة بدلالة أن أحدًا من أصحاب الدواوين الحديثية كأصحاب الكتب الستة وأحمد وعبد الرزاق وابن أبي شيبة وابن خزيمة وأبي يعلى وغيرهم لم يعتمدها البتة، وربما كان ذلك لقلة شهرة يحيى بن يحيى الليثي بطلب الحديث، ووقوعه في روايته في أخطاء حديثية ليست بالقليلة، فضلًا عن توفر روايات أكثر إتقانًا مثل: رواية عبد اللَّه بن مسلمة القعنبي، وعبد اللَّه بن يوسف التنيسي، وعبد الرحمن بن مهدي، وأبي مصعب الزهري، ومعن بن عيسى القزّاز، ويحيى بن يحيى النيسابوري، ونحوهم. يضاف إلى ذلك: قلة الاتصال بين أهل الأندلس والمغرب مع المشارقة في تلك المدة، وأعتناء أهل الأندلس يومئذ بالفقه أكثر من عنايتهم بالحديث، واللَّه أعلم.
(٢) هو: أبو عبد اللَّه محمد بن وضّاح المرواني (١٩٩ - ٢٨٧ هـ)، أحد الرواة المتميِّزين عن يحيى بن يحيى الليثي، وكان عالمًا بالحديث بصيرًا بطرقه متكلّمًا على علله، وبه وببقيّ بن مخلد الأندلسي =
[ ١ / ٢٠١ ]
وحدَّثنا به أيضًا أبو الفضلِ أحمدُ بنُ قاسم، قراءة منِّي عليه، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبد اللَّه بن أبي دُلَيم ووَهْبُ بنُ مسَرَّة، قالا: حدَّثنا ابنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا يحيى، عن مالك.
وحدَّثنا به أيضًا أبو عمرَ أحمدُ بنُ محمدِ بنِ أحمد، قراءةً منِّي عليه، قال: حدَّثنا وَهْبُ بنُ مسَرَّة، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا يحيى، عن مالك.
وحدَّثني به أيضًا أبو عمرَ أحمدُ بنُ محمدِ بنِ أحمدَ المذكورُ ﵀، قال: حدَّثنا أبو عمرَ أحمدُ بنُ مُطَرِّفٍ وأحمدُ بنُ سعيد (^١)، قالا: حدَّثنا عبيدُ اللَّه بنُ يحيى بن يحيى، قال: حدَّثني أبي، عن مالك.
وبين رِواية عبيدِ اللَّه وروايةِ ابنِ وَضّاح حروفٌ قد قيَّدْتُها في كتابي (^٢).
واللَّهَ أسْألُه حُسنَ العَوْنِ على ما يُرْضِيه ويُقَرِّبُ منه، فإنّما نحن به، لا شريكَ له، وحسبُنا اللَّهُ ونِعم الوكيل.
_________________
(١) = صارت الأندلس دار حديث. وقد أصلح عند روايته لرواية الليثي كثيرًا من الأخطاء التي وقع فيها الليثي، فانتشرت في المخطوطات المروية من طريقه، ثم انتقلت بعد ذلك إلى بعض طبعات الموطأ. وينظر في ذلك كتابنا "تحقيق النصوص بين أخطاء المؤلفين وإصلاح الرواة والنسّاخ والمحقّقين" (دار الغرب الإسلامي).
(٢) هو: أحمد بن سعيد بن حزم بن يونس، أبو عمر الصدفي الأندلسي المتوفى سنة ٣٥٠ هـ (تاريخ الإسلام ٧/ ٨٨٣).
(٣) قال بشار: هذا الاختلاف بين الروايتين سببه أنّ ابن وضّاح تسوّر على رواية يحيى فأصلح بعض أخطائها، بينما رواها عبيد اللَّه على الوجه محتفظًا بما أخطأ فيه والده.
[ ١ / ٢٠٢ ]