وقد ضعَّف المؤلف بعض الأحاديث الصحيحة الثابتة، فكان لا بد لنا أن نبيّنَ الصواب فيها، فمن ذلك مثلًا لا حصرًا:
قوله في تمهيد حديث إبراهيم بن عُقْبَةَ، وذِكرِه لحديث حسين المعلِّم، عن عبد اللَّه بن بريدة، عن عِمرانَ بنِ حُصين، أن فيه زيادةً ليسَتْ موجودةً في غيرِه
[ ١ / ١١١ ]
وهي: "وصلاةُ الرّاقدِ مثلُ نِصفِ صلاةِ القاعدِ". ثم قال: وجمهورُ أهلِ العلم لا يُجيزونَ النافلةَ مُضْطَجِعًا، وهو حديثٌ لم يَرْوِه إلّا حُسينٌ المعلِّمُ، وهو حُسينُ بنُ ذَكْوان، عن عبدِ اللَّه بنِ بُريدة، عن عِمرانَ بنِ حُصين، وقد اختُلِفَ أيضًا على حُسينٍ المعلِّم في إسنادِه ولفظِه اختلافًا يُوجبُ التَّوقُّفَ عنه. (١/ ٢٧٢).
وهذا الحديث أخرجه أحمد في المسند ٣٣/ ١١٧ (١٩٨٨٧)، والبخاري (١١١٥)، وأبو داود (٩٥١).
وكلام المؤلف في هذا الحديث كلامٌ خطيرٌ في حديث أخرجه البخاري في صحيحه لم يسبقه فيه أحد من أهل العلم، ولا نعرف نقدًا لهذا الحديث في كتب العلم عامة وكتب العلل خاصة، وقد قال تلميذ البخاري النجيب أبو عيسى الترمذي: "حديث عمران بن حصين حديث حسن صحيح". وقد توهّم بعض غير العارفين أنّ إسناد هذا الحديث منقطع بين: عبد اللَّه بن بريدة وعمران بن حصين، وقد ردّ عليهم ابن حبّان بعد أن أخرج الحديث (٢٥١٣) بقوله: "هذا إسناد قد توهّم من لم يُحْكِم صناعةَ الأخبار ولا تفقه في صحيح الآثار، أنه منفصل غير متّصل، وليس كذلك؛ لأنَّ عبد اللَّه بن بريدة ولد في السنة الثالثة من خلافة عمر بن الخطاب سنة خمس عشْرةَ هو وسليمان بن بريدة أخوه توأمه، فلمّا وقعت فتنة عثمان بالمدينة خرج بريدة عنها بابنَيْه وسكن البصرة، وبها إذ ذاك عمران بن حصين وسمرة بن جندب، فسمع منهما، ومات عمران سنة اثنتين وخمسين في ولاية معاوية، ثم خرج بريدة منها بابنَيْه على سجستان فأقام بها غازيًا مدة، ثم خرج منها إلى مرو على طريق هراة، فلمّا دخلها وطَنَها، ومات سليمان بن بريدة بمرو وهو على القضاء بها سنة خمس ومئة، فهذا يدلك على أنَّ عبد اللَّه بن بريدة سمع عمران بن حصين". وينظر كتابنا المسند المصنّف المعلل ٢٣/ ٢٠٣ - ٢٠٥ (١٠٤١٥).
وذكر في تمهيد الحديث الأوَّل لمحمدِ بن عبدِ اللَّه بن عبدِ الرَّحمنِ بن أبي صَعْصَعةَ، حديث مالك (٦٥٣) عن محمدِ بن عبدِ اللَّه بن عبدِ الرَّحمنِ بن أبي صَعْصعةَ
[ ١ / ١١٢ ]
الأنصاريِّ ثُمَّ المازِنيِّ، عن أبيه عن أبي سَعيدٍ الخُدريّ: أنَّ رسُولَ اللَّه -ﷺ- قال: "ليسَ فيما دُونَ خَمْسةِ أوسُقٍ مِنَ التَّمرِ صَدَقةٌ، وليسَ فيما دُونَ خَمْسِ أواقٍ من الوَرِقِ صَدَقةٌ، وليسَ فيما دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ من الإبِلِ صَدَقةٌ".
ثم قال: هكذا هذا الحديثُ عِندَ جَميع الرُّواةِ عن مالكٍ في "المُوطَّأ". وفي "المُوطَّأ" أيضًا (٦٥٢) لمالكٍ عن عَمرِو بن يحيى المازِنيِّ، عن أبيهِ، عن أبي سَعيدٍ الخُدْريِّ، عن النَّبيِّ -ﷺ- مِثلُهُ سَواءٌ.
وهذا الإسْنادُ عِندَ أهلِ العِلْم بالحديثِ أصحُّ من الأوَّل، لأنَّهُ اختُلِفَ على محمدِ بن عبدِ اللَّه بن عبدِ الرَّحمنِ بن أبي صَعْصعةَ في حديثهِ، ولم يُختَلَف على عَمرِو بن يحيى بن عُمارةَ.
والحديثُ ليحيى بن عُمارةَ، والدِ عَمرِو بن يحيى، عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ محفُوظٌ، ولم يروِ هذا الحديث عن النبي -ﷺ- أحَدٌ من الصَّحابةِ بإسنْادٍ صحيح، غيرُ أبي سعيدٍ الخُدريِّ. وحديثُهُ الصَّحيحُ عنهُ: ما رواهُ عَمرو بن يحيى بن عُمارةَ، عن أبيهِ، عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ.
وأمّا محمدُ بن عبدِ اللَّه بن عبدِ الرَّحمنِ بن أبي صَعْصعةَ، وأبوهُ، وأخُوهُ عبدُ الرَّحمنِ، فليسُوا بالمشاهيرِ، ولم يُخرِّج أبو داود، ولا البُخاريُّ حديث مالكٍ، عن محمدِ بن عبد اللَّه بن عبدِ الرَّحمنِ بن أبي صَعْصعةَ هذا، في الزَّكاةِ، للاختِلافِ عليه فيه، وخرَّجا حديث عَمرِو بن يحيى، عن أبيهِ، عن أبي سَعِيدٍ الخُدْري، من رِوايةِ مالكٍ وغيرِهِ.
ثم ذكر بعض الروايات التي زعم أن فيها اضطرابًا في هذا الحديث، والاختلاف في إسناده. (٨/ ٢١٣ - ٢١٤).
فتعقبناه على قوله: إن حديث يحيى بن عمارة عن أبي سعيد الخدري، لم يروه عن النبي -ﷺ- أحد من الصحابة غير أبي سعيد، بقولنا: هذا كلام غير دقيق، فقد أخرجه مسلم من طريق أبي الزبير عن جابر (٩٨٠) (٦)، وابن خزيمة (٢٢٩٩)، وقال الحافظ ابن حجر في الفتح ٣/ ٣٩٦: "وجاء أيضًا من حديث عبد اللَّه بن عمرو بن
[ ١ / ١١٣ ]
العاص وعائشة وأبي رافع ومحمد بن عبد اللَّه بن جحش، أخرج الأحاديث الأربعة الدارقطني، ومن حديث عمر أخرجه ابن أبي شيبة وأبو عبيد أيضًا".
وتعقبناه على قوله في الاضطراب الواقع في هذا الحديث، بقولنا: في كلام ابن عبد البر هذا أوهام منها: قوله: إنَّ مالكًا قد أخطأ في هذا الإسناد، وفي ذلك نظر شديد، فإن محمد بن عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة قد رواه عن أبيه وعن يحيى بن عمارة وعن عباد بن تميم، وهذا ليس باضطراب، فإن روايته عن الثلاثة جائزة، وأنَّ هذه الطرق محفوظة جميعًا، كما قرره محمد بن يحيى الذهلي فيما نقله عنه البيهقي (٤/ ١٣٤)، وابن حجر في الفتح ٣/ ٤١٢، وكما سيأتي من أدلة. وأما قوله: إنَّ محمدًا، وأباه، وأخاه ليسوا بالمشاهير فمردود عليه أيضًا، فهم ثقات معروفون في كتب العلم. وأما قوله: إنَّ البخاري لم يخرج حديث مالك عن محمد، عن أبيه في الزكاة للاختلاف عليه فيه فهو خطأ فاحش منه ﵀، فقد أخرجه البخاري في موضعين من الصحيح: الأول من طريق عبد اللَّه بن يوسف التنيسي، عن مالك (٢/ ١٤٧ حديث ١٤٥٩)، والثاني من طريق يحيى بن سعيد القطان عن مالك (٢/ ١٥٦ حديث ١٤٨٤). وقد ساق الروايات جميعًا في ترجمة محمد بن عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة من تاريخه الكبير (١/ الترجمة ٤٢١).
ولو كان يعتقد أن في هذه الروايات اضطرابًا لما ساقها في الصحيح.
وقال المؤلف في تمهيد الحديث نفسه، موهِّمًا الإمامَ مالك بقوله: "اتَّفقَ ابنُ إسحاقَ والوليدُ بن كثيرٍ، على مخُالَفةِ مالكٍ في هذا الحديثِ، فجَعلاهُ: عن محمدٍ هذا، عن يحيى بن عُمارةَ وعبّادِ بن تميم، عن أبي سعيدٍ. وجعلهُ مالكٌ: عن محمدٍ، عن أبيهِ، عن أبي سعيدٍ. وهُو عِندَ أكثرِ أهل العِلم بالحديثِ وهمٌ من مالكٍ، واللَّهُ أعلمُ". (٨/ ٢١٦).
فتعقبناه بقولنا: هذا الكلام قاله الدارقطني في الأحاديث التي خولف فيها مالك (٥١)، لكنه لَمْ يرجح. على أن إخراج البخاري لهذا الحديث من طريق مالك
[ ١ / ١١٤ ]
يدل على أنَّ البخاري كان يصححه، والوليد بن كثير ومحمد بن إسحاق لا يعلوان على مالك. ونقل الحافظ ابن حجر في فتح الباري ٣/ ٣٢٣ عن محمد بن يحيى الذهلي أن محمد بن عبد اللَّه بن عبد الرحمن هذا قد سمعه من ثلاثة أنفس وأن الطريقين محفوظان.
وذكر المؤلف في حديث مالك، عن نافع، عن عبدِ اللَّه بن عُمرَ، أنَّ رسُولَ اللَّه -ﷺ- قال: "من أعتَقَ شِركًا لهُ في عَبْدٍ، فكان لهُ مالٌ يَبْلُغُ ثمنَ العَبْدِ، قُوِّمَ عليه قِيمَةُ العَدْلِ، فأُعْطِىَ شُرَكاؤهُ حِصَصهُم، وأعَتَقَ عليه العبدُ، وإلّا فقد عَتقَ منهُ ما عَتقَ". (٩/ ١٦٠).
ثم ذكر حديث رَوْح بن عُبادةَ، عن سَعِيد بن أبي عَرُوبةَ، عن قَتادةَ، عن النَّضرِ بن أَنَسٍ، عن بَشيرِ بن نَهيكٍ، عن أبي هُريرةَ، أنَّ رسُولَ اللَّه -ﷺ- قال: "من أعتقَ شِقْصًا من مملُوكٍ، فعَلَيهِ خَلاصُهُ من مالِهِ، فإن لَمْ يَكُن لهُ مالٌ، قُوِّمَ المملُوكُ قِيمةَ عَدْلٍ، ثُمَّ اسْتَسْعى غيرَ مَشْقُوقٍ عليه". وقال: وكذلك رواهُ يزيدُ بن زُريع، وعَبْدةُ بن سُليمان، وعليُّ بن مُسهِر، ومحمدُ بن بِشْرٍ، ويحيى، وابنُ أبي عَدِيٍّ، عن سَعِيدِ بن أبي عَرُوبةَ.
كما رواهُ رَوْحُ بن عُبادةَ سواءً، حرفًا بحرفٍ. ولم يُخْتَلَف على سعيدِ بن أبي عرُوبةَ في هذا الحديثِ، في ذِكْرِ السِّعايةِ فيه، على حَسَبِ ما ذكَرْنا. وتابَعهُ أبانُ العطّارُ، عن قَتادةَ، على مِثلِ ذلك.
ورواه من طريق أبي داود (٣٩٣٩)، ثم نقل عنه قوله: ورواهُ جَريرُ بن حازِم وموسى بن خلفٍ، عن قَتادةَ، بإسنادِهِ مِثلَهُ، وذكَرا فيه السِّعايةَ.
ثم قال: رواهُ هشامٌ الدَّستُوائيُّ وشُعبةُ وهمّامٌ، عن قَتادةَ، بإسنادِهِ مِثلَهُ، لَمْ يذكُرُوا فيه السِّعايةَ.
وقال: فاتَّفقَ شُعبةُ وهشامٌ وهمّامٌ، على تركِ ذِكْرِ السِّعايةِ في هذا الحديثِ، والقولُ قولُهُم في قَتادةَ عندَ جميع أهلِ العِلم بالحديثِ، إذا خالَفهُم في قتادةَ غيرُهُم، وأصحابُ قَتادةَ الذين هُم حُجَّةٌ فيه، هؤُلاءِ الثَّلاثةُ: شُعبةُ، وهشامٌ الدَّستُوائيُّ،
[ ١ / ١١٥ ]
وسعيدُ بن أبي عَرُوبةَ، فإنِ اتَّفقُوا، لَمْ يُعرَّج على من خالَفهُم في قَتادةَ، وإنِ اختلَفُوا نُظِرَ، فإنِ اتَّفقَ منهُمُ اثنانِ، وانفردَ واحدٌ، فالقولُ قولُ الاثنينِ، لا سيَّما إن كان أحدُهُما شُعبةَ، وليسَ أحدٌ بالجُملةِ في قَتادةَ مِثلَ شُعبةَ؛ لأنَّهُ كان يُوقِفُهُ على الإسنادِ والسَّماع، وهذا الذي ذكرتُ لكَ قولُ جماعةِ أهلِ العِلم بالحديثِ.
وقدِ اتَّفقَ شُعبةُ وهشامٌ في هذا الحديثِ على سُقُوطِ ذِكْرِ الاسْتِسعاءِ فيه، وتابَعهُما همّامٌ، وفي هذا تَقْويةٌ لحديثِ ابن عُمرَ، وهُو حديثٌ مدنيٌّ صحيحٌ، لا يُقاسُ به غيرُهُ، وهُو أولى ما قيلَ به في هذا البابِ، وباللَّه التَّوفيقُ. (٩/ ١٧١).
فتعقبناه بقولنا: هكذا قال، وفي قوله نظر، فقد قال الترمذي: سألتُ محمدًا (يعني: البخاري) عن هذا الحديث، يعني: حديث السعاية، فقلت: أي الروايتين أصح؟ فقال: الحديثان جميعًا صحيحان، والمعنى فيه قائم، وذكر فيه عامتهم عن قتادة السعاية إلَّا شعبة، وكأنّه قوى حديث سعيد بن أبي عروبة في أمره بالسعاية. ترتيب علل الترمذي (٣٦٢).
وهذا الحديث مما تتبعه الدارقطني على البخاري ومسلم لإخراجهما السعاية فيه، وأنها مدرجة (التتبع، رقم ٢٥)، وقال الحافظ ابن حجر بعد أن أورد أقوال من قال بالإدراج، وأجاد: "وهكذا جزم هؤلاء بأنه مُدْرج، وأبى ذلك آخرون، منهم صاحبا الصحيح فصححا كون الجميع مرفوعًا، وهو الذي رجحه ابنُ دقيق العيد وجماعة؛ لأنَّ سعيد بن أبي عروبة أعرف بحديث قتادة لكثرة ملازمته له وكثرة أخذه عنه من همام وغيره، وهشام وشعبة -وإن كانا أحفظ من سعيد- لم ينافيا ما رواه، وإنما اقتصرا من الحديث على بعضه، وليس المجلس متحدًا حتى يتوقف في زيادة سعيد، فإن ملازمة سعيد لقتادة كانت أكثر منهما فسمع منه ما لم يسمعه غيره، وهذا كله لو انفرد، وسعيد لم ينفرد، وقد قال النسائي في حديث أبي قتادة عن أبي المليح في هذا الباب بعد أن ساق الاختلاف فيه على قتادة: هشام وسعيد أثبت في قتادة من همام، وما أعل به حديث سعيد من كونه اختلط أو تفرد به مردود؛ لأنه في الصحيحين
[ ١ / ١١٦ ]
وغيرهما من رواية مَن سمع منه قبل الاختلاط كيزيد بن زريع، ووافقه عليه أربعة تقدم ذكرهم وآخرون معهم لا نطيل بذكرهم، وهمام هو الذي انفرد بالتفصيل، وهو الذي خالف الجميع في القدر المتفق على رفعه، فإنه جعله واقعة عين وهم جعلوه حكمًا عامًا، فدل على أنَّه لم يضبطه كما ينبغي. . . ".
قال ابن دقيق العيد: ". . . وكأن البخاري خشي من الطعن في رواية سعيد بن أبي عروبة فأشار إلى ثبوتها بإشارات خفية كعادته، فإنه أخرجه من رواية يزيد بن زُريع عنه وهو من أثبت الناس فيه وسمع منه قبل الاختلاط، ثم استظهر له برواية جرير بن حازم بمتابعته لينفي عنه التفرد، ثم أشار إلى أن غيرهما تابعهما ثم قال: اختصره شعبة، وكأنه جواب عن سؤال مقدَّر، وهو أن شعبة أحفظ الناس لحديث قتادة فكيف لم يذكر الاستسعاء، فأجاب بأن هذا لا يؤثر فيه ضعفًا؛ لأنه أورده مختصرًا وغيره ساقه بتمامه، والعدد الكثير أولى بالحفظ من الواحد واللَّه أعلم". (فتح الباري ٥/ ١٥٨).
وذكر المؤلف حديث مالكٌ، عن أبي النَّضْر، عن عُبيدِ اللَّه بنِ عبدِ اللَّه بنِ عُتْبة، أنه دخَل على أبي طَلْحةَ الأنصاريِّ يَعودُه، قال: فوجَدنا عندَه سهلَ بنَ حُنيف. قال: فدعا أبو طلحةَ إنسانًا، فنزَع نَمَطًا كان تحتَه. فقال له سهلٌ: لِمَ نزعتَه؟ قال: لأنَّ فيه تصاوير، وقد قال رسولُ اللَّه -ﷺ- فيها ما قد علِمتَ. قال سهلٌ: أوَ لم يقل: "إلّا ما كان رَقْمًا في ثَوب؟ " قال: بلي، ولكنه أطيَب لنفسي. (١٣/ ٣٩٢).
وقال: "لم يختلفِ الرواةُ عن مالكٍ في إسنادِ هذا الحديث ومتنِه في "الموطأ". وفيه عن عُبيد اللَّه، أنه دخَل علي أبي طلحةَ. فأنكَر ذلك بعضُ أهل العلم"، ثم نقل عن أبي رزعة حديث أنس: أنَّ أبا طلحة سرد الصوم، لعد النبي -ﷺ- أربعين سنة، واستنتج من ذلك أنَّ وفاته كانت بعد سنة خمسين من الهجرة.
وأيّده في ذلك الذهبي في السِّيَر (٢/ ٢٩)، وابن حجر في تهذيب التهذيب (٣/ ٤١٥).
[ ١ / ١١٧ ]
ثم قال: وأما سهلُ بنُ حُنيف، فلا يَشُكُّ عالمٌ بأن عُبيدَ اللَّه بنَ عبدِ اللَّه لم يَرَه، ولا لقِيه، ولا سمِع منه، وذِكْرُه في هذا الحديث خطأٌ لا شكَّ فيه؛ لأنَّ سهلَ بنَ حُنيف توفِّي سنةَ ثمانٍ وثلاثين، وصلَّى عليه عليٌّ، ﵁، ولا يُدْرِكُه في الأغلب عُبيدُ اللَّه بنُ عبدِ اللَّه؛ لصغَر سنِّه يومئذٍ، والصوابُ في ذلك، واللَّهُ أعلم، عثمانُ بنُ حُنيف، لا سهلُ بنُ حُنيف.
وكذلك رواه محمدُ بنُ إسحاق، عن أبي النضر سالم، عن عُبيدِ اللَّه بنِ عبدِ اللَّه، قال: انصرفتُ مع عثمانَ بنِ حُنيفٍ إلى أبي طلحةَ نعودُه، فوجَدنا تحتَه نَمَطًا. وساق الحديثَ بمعنى حديثِ مالك، عن أبي النَّضر.
فصحَّ بهذا وَهمُ مالكٍ في سهلِ بنِ حُنيف. وكذلك وَهَمَ أبو النَّضْر في روايتِه له عن عُبيدِ اللَّه بنِ عبدِ اللَّه، عن أبي طلحةَ، ولم يُدخِلْ بينَهما ابنَ عباس. والصحيحُ في هذا الحديث روايةُ الزهريِّ له عن عُبيدِ اللَّه بنِ عبدِ اللَّه، عن ابن عباس، عن أبي طلحةَ. كذا قال عليُّ بنُ المدينيِّ وغيرُه، وهو عندي كما قالوه، واللَّهُ أعلم. (١٣/ ٣٩٤).
وذكرنا في تعليقنا أن الحافظ ابن حجر قال في "الفتح" عقيب حديث للزهري، عن عبيد اللَّه، عن ابن عباس، عن أبي طلحة في التصاوير (٥٩٤٩) بعد ذكره لحديث مالك هذا: "فلعل عبيد اللَّه سمعه من ابن عباس، عن أبي طلحة، ثم لقي أبا طلحة لما دخل يعوده، فسمعه منه، ويؤيد ذلك زيادة القصة في رواية أبي النضر، لكن قال ابن عبد البر: الحديث لعبيد اللَّه، عن ابن عباس، عن أبي طلحة، فإن عبيد اللَّه لم يدرك أبا طلحة (كذا) ولا سهل بن حنيف. كذا قال، وكأن مستنده في ذلك أنَّ سهل بن حنيف مات في خلافة علي وعبيد اللَّه لم يدرك عليًا، بل قال علي بن المديني: إنه لم يدرك زيد بن ثابت ولا رآه، وزيد مات بعد سهل بن حنيف بمدة، ولكن روى الحديث المذكور محمد بن إسحاق، عن أبي النضر، فذكر القصة لعثمان بن حنيف لا لسهل، أخرجه الطبراني، وعثمان تأخر بعد سهل بمدة وكذلك أبو طلحة، فلا يبعد أن يكون عبيد اللَّه أدركهما".
[ ١ / ١١٨ ]
فتعقبناهما بقولنا: كلام الحافظين ابن عبد البر وابن حجر قد بني على أنَّ عُبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة لا يحتمل سماعه من سهل بن حنيف المتوفي سنة ثمان وثلاثين للهجرة، وأنَّ الزهري قد رواه عن عبيد اللَّه، عن ابن عباس، عن أبي طلحة. وفيما ذهبا إليه نظر من عدة أوجه:
الأول: أنَّ حديث الزهري هو غير حديث أبي النضر، لأنَّ في حديث الزهري عموم الصور دون استثناء شيء منها، فضلًا عن زيادة أبي النضر للقصة، فإعلال حديث أبي النضر بحديث الزهري غير جيد، بل لا يجوز، والدليل على ذلك أنَّ الترمذي قد ذكر الحديثين في جامعه في موضعين مختلفين.
الثاني: أنَّ أحدًا من أهل التواريخ والسير لم يذكر السنة التي ولد فيها عبيد اللَّه بن عبد اللَّه، أو يذكر عمره سنة وفاته التي كانت سنة ثفَإن وتسعين في أصح الأقوال. ومن ثم، فإن الجزم بعدم إدراكه لسهل بن حنيف فيه نظر؛ لأنه لم يبن على وقائع ثابتة، بل قد يكون الصحيح صحة سماعه منه للأساب الآتية:
أ - قول الذهبي في السير ٤/ ٤٧٥: "ولد في خلافة عمر أو بُعيدها".
ب - رواية مالك لهذا الحديث وفيه الإجماع من الرواة عنه أنه سهل بن حنيف، لا عثمان بن حنيف.
جـ - تصحيح الترمذي لحديث مالك وفيه سهل بن حنيف.
د - أنَّ أحدًا ممن ألف في المراسيل لم يذكر أنَّ عبيد اللَّه أرسل عن سهل بن حنيف، أو أنَّ روايته عنه منقطعة.
هـ - لم يشر المزي عند ذكر رواية عبيد اللَّه عن سهل بن حنيف في تهذيب الكمال (١٢/ ١٨٥ و١٩/ ٧٣) إلى أنَّها مرسلة، كما هي عادته في مثل هذا الأمر مما يدل على أنَّه رآها متصلة.
وعلى هذا، فإن القول بتقدير ولادة عبيد اللَّه في خلافة عمر ﵁ أو بُعيدها هو المرجح الذي ليس من دافع يدفعه.
[ ١ / ١١٩ ]
الثالث: أنَّ إعلال رواية مالك عن أبي النضر، بما رواه محمد بن إسحاق عن أبي النضر، فيه نظر، لما هو معروف من علو مالك في الدقة والضبط والإتقان على ابن إسحاق، وليس عندنا ممن رواه غيرهما.
مما يتقدم يتبين صحة حديث مالك هذا، كما قال الإمام الترمذي، واللَّه أعلم بالصواب.
وذكر المؤلف حديث مالك، عن يزيدَ بنِ عبدِ اللَّه بنِ الهادِ، عن محمدِ بنِ إبراهيمَ بنِ الحارثِ التَّيميِّ، عن أبي سَلَمة بنِ عبدِ الرحمن، عن أبي هريرة أنه قال: خرَجْتُ إلى الطُّورِ فلَقِيتُ كعبَ الأحبار، فجَلَسْتُ معه فحدَّثَني عن التّوراة. . . الحديث، وفيه: قال أبو هريرة: فلَقيتُ بَصْرَةَ بنَ أبي بَصْرَةَ الغِفارِيَّ فقال: من أينَ أقبلْتَ؟ فقلت: من الطُّور. . . إلى آخره. (١٤/ ٤٠٠).
ثم قال: لا أعلمُ أحدًا ساقَ هذا الحديثَ أحسنَ سِياقةً من مالكٍ عن يزيدَ بن الهادِ، ولا أتمَّ معنًى منه فيه، إلّا أنه قال فيه: "بَصْرَةَ بنَ أبي بَصْرَةَ" ولم يُتابعْهُ أحدٌ عليه، وإنّما الحديثُ معروفٌ لأبي هريرة: "فلَقِيتُ أبا بَصْرَةَ الغِفاريَّ"، كذلك رواه يحيى بنُ أبي كثيرٍ عن أبي سَلَمة، عن أبي هريرة، وكذلك رواه سعيدُ بنُ المسيِّبِ وسعيدٌ المقبُريُّ عن أبي هريرة -كلُّهم يقولُ فيه: "فلَقِيتُ أبا بَصْرَةَ الغِفاريَّ" لم يقُلْ واحدٌ منهم: "فلَقِيتُ بَصْرَةَ بنَ أبي بَصْرَةَ" كما في حديث مالكٍ عن يزيدَ بنِ الهادِ، وأظُنُّ الوهمَ فيه جاء مِنْ قِبَل مالك، أو من قِبَلِ يزيدَ بنِ الهادِ، واللَّهُ أعلم. (١٤/ ٤٠١ - ٤٠٢).
قلنا معقبِّين: ومثل هذا قال في الاستيعاب ١/ ١٨٤ (٢١٧)، ومما قاله هناك: "فإنّ هذا الحديث لا يوجد هكذا إلّا في الموطأ لبَصْرة بن أبي بَصْرة، وإنما الحديث لأبي هريرة: فلقيت أبا بصرة؛ يعني أباه"، وكلامه هذا احتمل خطأين: الأول: ذِكْرُه أنّ قوله: "بصرة بن أبي بصرة، لم يقع إلّا في الموطأ"، والثاني: يتعلق بنسبة الوهم فيه إلى مالك.
وأما الأول فهو مردودٌ بما تعقّبه به ابن الأثير في أسد الغابة ١/ ٢٣٧ بعد أن ساق طرفًا من الحديث، وذكر بإثره كلام المصنِّف، فقال: "قول أبي عمر: لا يوجد هكذا إلَّا في
[ ١ / ١٢٠ ]
الموطأ، وهمٌ منه، فإنه قد رواه الواقديُّ عن عبد اللَّه بن جعفر، عن ابن الهاد مثل رواية مالك، عن أبي بصرة بن أبي بصرة، فبان بهذا أنّ الوهمَ من ابن الهاد، أو من محمد بن إبراهيم، فإنّ أبا سلمة روى عنه غير محمد، فقال: عن أبي بصرة، واللَّه أعلم".
ونضيف على ما ذكره ابن الأثير لنؤكِّد بأنّ الوهم فيه ليس من مالك، فنقول بأنَّ هذا الحديث قد رواه جماعة عن يزيد بن عبد اللَّه بن الهاد، فذكروا فيه ما قاله مالكٌ في الموطأ، ومن هؤلاء: عبدُ العزيز بن أبي حازم عند الحميديِّ في مسنده (٩٤٤)، ويعقوبَ بن سفيان في المعرفة والتاريخ ٢/ ٢٩٤، والفاكهيّ في أخبار مكّة ٢/ ٩٠ (١٢٠٣)، والبغويّ في معجم الصحابة ١/ ٣٤٨ - ٣٥٢ (٢٢٢).
وكذلك رواه الليث بن سعد عنه، وحديثه عند يعقوب بن سفيان ٢/ ٢٩٤، والطحاويّ في شرح مشكل الآثار ٢/ ٥٤ (٥٨٥) و٢/ ٥٨ (٥٨٩).
ورواه نافع بن يزيد الكلاعي، أبو يزيد البصري، وحديثه عند الطحاويّ في شرح مشكل الآثار ٢/ ٥٦ (٥٨٣).
ورواه بكر بن مُضَر المِصْريُّ، وحديثُه عند النسائيّ في المجتبى (١٤٣٠)، وفي الكبرى ٢/ ٢٩٣ (١٧٦٦)، وابن مندة في التوحيد (٥٦).
ورواه عبد العزيز بن محمد الدراوَرْديُّ، وحديثه عند ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني ٢/ ٢٤٧ (١٠٠١)، وابن قانع في معجم الصحابة ١/ ٩٩ - ١٠٠.
ورواية الواقديِّ التي أشار إليها ابن الأثير أخرجها أبو نعيم في معرفة الصحابة ١/ ٤١٧ (١٢٣٤) من طريق الحارث بن أبي أسامة، عنه، عن عبد اللَّه بن جعفر، به، ستَّتُهم عن يزيد بن عبد اللَّه بن الهاد، به. مثل رواية مالك، فقالوا: "بصرة بن أبي بصرة" وهذا يؤكِّد أنَّ الوهم فيه من يزيد بن عبد اللَّه بن الهاد وليس من مالك أو من غيره.