وهو المجلد الأول من نسخة لعلها كانت تتكون من أربع مجلدات، إذ يكوّن هذا المجلد الربع الأول من الكتاب، لكنه من الإبرازة الأولى المتمثلة بمسودة المؤلف.
وهي نسخة جميلة الخط جيّدة الضبط، يتكون المجلد من (٣٤٠) ورقة، مسطرتها (٢٥) سطرًا، في كل سطر بحدود ١٤ - ١٥ كلمة، كتبت بخط نسخي نفيس.
_________________
(١) هكذا في النسخة، ولعل الصواب: "الملكية".
(٢) ترجمته في وفيات ابن رافع ٢/ ٣٣٧ - ٣٣٨، والدرر الكامنة ٢/ ١٦٥ وغيرهما.
[ ١ / ٢٩ ]
وقد ذهبت وريقات من أوله، وأوله أثناء كلام المؤلف على بيان التدليس: ". . . سليمان الباغندي، قال: حدثنا علي بن عبد اللَّه المديني، قال: حدثنا يحيى بن سعيد القطان، عن سفيان الثوري، قال: حدثنا سليمان الأعمش، عن إبراهيم التيمي عن أبيه، عن أبي ذر، عن النبي -ﷺ-، قال: "من بنى للَّه مسجدًا ولو كمفحص قطاة بنى اللَّه له بيتًا في الجنة". قال علي ابن المديني: قال يحيى بن سعيد: قال سفيان وشعبة: لم يسمع الأعمش هذا الحديث من إبراهيم التيمي".
وآخر ما في المجلد هو آخر تمهيد حديث طلحة بن عبد الملك الأيلي الذي روى عنه مالك حديثًا واحدًا مُسندًا صحيحًا وليس عند يحيى عن مالك. وجاء في آخره: "كمل بعون اللَّه تعالى كتاب التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، والحمد للَّه رب العالمين، وصلى اللَّه على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين في عشية يوم الجمعة وهو يوم عرفة التاسع من شهر ذي الحجة سنة تسع وثلاثين وسبع مئة على يد العبد الفقير إلى رحمة ربه محمد بن محمد بن يونس التونسي الخطيب بمشهد عَذْرَى ظاهر دمشق المحروسة عفا اللَّه عنه".
وقد تبيّن لنا أن هذه النسخة منقولة من نسخة بخط الإمام أبي الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن عبد اللَّه بن أحمد التجيبي الإشبيلي المالكي المعروف بابن الحاج، إمام محراب المالكية بجامع دمشق (٦٣٨ - ٧١٨ هـ) (^١)، إذ نص على ذلك ناسخ هذه النسخة في حاشية ظهر الورقة (١٥٢) حيث قال: "آخر السفر الأول من الأصل المنقول منه، وهو بخط الشيخ أبو (كذا) الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن عبد اللَّه بن أحمد التجيبي القُرطبي المالكي الإمام بالجامع الأموي بدمشق". حيث يأتي بعده باب الدال.
_________________
(١) ترجمته في معجم شيوخ الذهبي ٢/ ١٣٥، وأعيان العصر للصفدي ٤/ ٢٣٨، والدرر الكامنة لابن حجر ٣/ ٤٤٠ - ٤٤١ وغيرها.
[ ١ / ٣٠ ]
وكتب السيد عبد الرحمن النقيب (١٢٦١ - ١٣٤٥ هـ) (^١) في صدر هذا المجلد عن الوسيلة التي وصلت إليه هذه النسخة فقال: "اعلم أن شهرة كتاب التمهيد شرح موطأ الإمام مالك بن أنس أحد الأئمة الأربعة ﵃ للإمام ابن عبد البر المالكي القُرطبي قد ملأت أسماع أولي العلم قديمًا وحديثًا، ولذلك لا زلت متشبثًا بالأسباب التي تستوجب الحصول عليه. وبينما أنا كذلك إذ رأيتُ هذه القطعة منه عند زيارتي للأخ في اللَّه الفاضل اللوذعي آلوسي زادة السيد نعمان أفندي رحمه اللَّه تعالى فسررت لذلك وأمعنت النظر في مطالعة بعض المباحث المتفرقة منها في ذلك المجلس فأعجبني مسلك المؤلف في التحقيق، وأيقنت أن التمهيد بالإطراء والاعتناء حقيق، فسألتُ المرحوم الموما إليه نعمان أفندي عن كيفية وصول هذه القطعة من التمهيد إليه، فأجابني بأنها ليست له، وإنما هي معارة له من مالكها بالإرث عُبيد اللَّه أفندي ابن المرحوم عبد الغفور أفندي الحيدري. ثم بعد مدة رأيتها عند الأخ الصالح السيد أحمد أفندي شيخ التكية الخالدية وسألت منه عنها فأجابني بمثل ما أجابني به المرحوم نعمان أفندي، فقلتُ له بناءً على ما أعلمه من المودة التي بينك وبين عُبيد اللَّه أفندي هل تقتدر أن تشتري لي هذه القطعة منه ولا تبالِ بالثمن، فقال: لا، لأنه كثير الحرص على محافظة ما وصل إليه بالإرث من كتب والده. ثم إني لمزيد رغبتي في التمهيد أوصيتُ أناسًا معتبرين من أهل المغرب عندما قدموا بغداد لزيارة مرقد حضرة جدنا الغوث الأعظم والباز الأشهب الشيخ الجيلاني، قُدِّسَ سره الصمداني، وكلفتهم بأن يسعوا ليحصلوا لي كتاب التمهيد كاملًا بالشراء إن وجد للبيع في البلاد المغربية وإلا فبالاستنساخ إن لم يوجد للبيع. ثم بعد مدة أخذت كتابًا من بعضهم يشعر بعدم الحصول على هذا المطلوب، بل يُستشعر من الإفادة في الكتاب المذكور
_________________
(١) هو السيد عبد الرحمن بن علي بن سلمان القادري الكيلاني، نقيب أشراف بغداد، ورئيس وزارة العراق الأهلية الأولى، تولى نقابة الأشراف سنة ١٣١٥ هـ، ورياسة الوزراء سنة ١٣٣٨ هـ (١٩٢٠ م)، وكان من المرشحين ليكون ملكًا على العراق، ثم تولى رئاسة الوزارة ثانية وثالثة في عهد الملك فيصل بن الحسين طيب اللَّه ثراه.
[ ١ / ٣١ ]
أن كتاب التمهيد كالمفقود في البلاد المغربية، لا حول ولا قوة إلا باللَّه العلي العظيم، فأسفت لذلك أسفًا كبيرًا، لكني ما يأستُ من روح اللَّه. ثم بعد أن مضى زمان انتقل مالك هذه القطعة، وهو عُبيد اللَّه أفندي، إلى رحمة اللَّه تعالى وباع ورثته كتبه كلها، وهذه القطعة من جملتها، فأخذناها بالشراء ووقاها اللَّه تعالى ممن كان بصدد شرائها ليبيعها من أناس لا زالوا يرغبون بشراء الكتب الإسلامية التي تقدم تاريخ كتابتها ليبيعوها في البلاد الإفرنجية، والحمد للَّه على ذلك. في ٢ محرم سنة ١٣٢٧. وكتب الفقير إليه ﷿ السيد عبد الرحمن المحض القادري بوست تشين حضرة جده الغوث الكيلاني والنقيب على السادة الأشراف في بغداد".
وقد رمزنا لهذا المجلد (ق)، وهو مفيد مع أنه من الإبرازة الأولى، لعدم توفر نسخة الأصل بعد المجلد الأول، ولأن ناسخه مجوّد متقن.