حديثٌ أولُ لإسحاقَ عن أنس، مُسنَدٌ
مالكٌ (^١)، عن إسحاقَ بنِ عبدِ اللَّه بن أبي طلحة، أنَّه سمِع أنسَ بنَ مالكٍ يقول: كان أبو طلحةَ أكثرَ أنصاريٍّ بالمدينةِ مالًا من نَخْل، وكان أحبَّ أموالِه إليه بَيْرُحاءَ (^٢)، وكانت مستَقْبِلةَ المسجد، وكان رسولُ اللَّه -ﷺ- يَدخُلُها ويشرَبُ من ماءٍ فيها طيِّب. قال أنسٌ: فلمّا أُنزِلَت (^٣) هذه الآية (^٤): ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]، قام أبو طلحةَ فقال: يا رسولَ اللَّه، إنَّ اللَّهَ يقول: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، وإنَّ أحبَّ أموالي إليَّ بَيْرُحاءُ، وإنَّها صدقةٌ للَّه أرجُو برَّها وذُخرَها عند اللَّه، فضَعْها يا رسولَ اللَّه حيثُ شئْتَ. قال: فقال رسولُ اللَّه -ﷺ-: "بَخٍ! ذلكَ مالٌ رابحٌ، ذلك مالٌ رابحٌ، وقد سمِعتُ ما قلتَ فيه، وإنِّي أرَى أن تجعَلَه في الأقْرَبين". فقال أبو طلحة: أفعلُ يا رسولَ اللَّه. فقَسَمَها أبو طلحةَ في (^٥) أقاربه وبني عمِّه.
_________________
(١) الموطّأ ٢/ ٥٩٤ - ٥٩٥ (٢٨٤٥).
(٢) قال القاضي عياض في مشارق الأنوار ١/ ١١٥: "اختلف الرُّواة في هذا الحرف وضبطه، فرويناه بكسر الباء وضمِّ الراء وفتحها، والمدّ والقصر، وبفتح الباء والراء معًا، ورواية الأندلسيِّين والمغاربة بيْرُحاء بضمِّ الراء وتصريف حركات الإعراب في الراء، وكذا وجدتها بخطِّ الأصيليّ، وقالوا: إنها (بير) مضافة إلى (حاء) اسمٌ مركّبٌ"، ثم نقل عن أبي عبيد البكري وأبي الوليد الباجي وغيره وجوهًا في ضبطه، ثم قال: "وبكسر الباء وفتح الراء والقصر ضبطناها في الموطأ على ابن عتاب وابن حمدين وغيرهما". وقال الباجيُّ: "وقرأنا هذه اللفظة على أبي ذرّ ﵁ بيرحاء بفتح الراء في معنى الرفع والنصب والخفض والجمع، واللفظتان اسمٌ للموضع، وليست بئرٌ مضافة إلى موضع" المنتقى شرح الموطأ ٧/ ٣١٩. وينظر: عمدة القاري للعيني ٩/ ٢٩، فقد أسهَبَ في ذكر جميع وجوه الاختلاف في ضبطها ومعناها.
(٣) في الأصل: "نزلت"، والمثبت من ق، وهو الذي في الموطأ، وكتب ناسخ ق فوقها "معًا"، يعني: "نزلت" و"أنزلت".
(٤) "هذه الآية" من ق، وهي كذلك في الموطأ.
(٥) في ق: "بين"، والمثبت من الأصل، وهو الموافق لما في الموطأ.
[ ١ / ٤٠٢ ]
قال أبو عمر (^١): هكذا قال يحيى وأكثرُ الرُّواةِ عن مالكٍ في هذا الحديث: فقَسَمها أبو طلحة. وممَّن قال ذلك منهم؛ ابنُ القاسم (^٢)، وابنُ وَهْب (^٣)، ويحيى بنُ بُكير (^٤)، ويحيى بنُ يحيى النيسابوريُّ (^٥)، والقعنبيُّ في روايةِ عليِّ بن عبدِ العزيز (^٦)، وإسماعيلُ القاضي (^٧).
كذا ذكَره الدارقطنيُّ، عن عثمانَ بنِ أحمدَ الدَّقّاق وأبي سهل أحمدَ بنِ محمدِ بنِ زياد، عن إسماعيل.
وذكَر إسماعيلُ بنُ إسحاقَ هذا الحديثَ في كتابه "المبسوط"، عن القعنبيِّ، بإسنادِه سواء، وقال في آخره: فقسَمَها رسولُ اللَّه -ﷺ- في أقاربِه وبني عمَّه.
قال أبو عُمر: فأضاف القِسمةَ إلى رسولِ اللَّه -ﷺ-.
وأمّا قوله: "في أقاربِه وبني عمِّه" فمعلومٌ أنّه أراد أقاربَ أبي طلحةَ وبني عمِّه، وذلك محفوظٌ عندَ (^٨) العلماءِ لا يختلِفون في ذلك.
وأمّا إضافةُ القِسمَةِ إلى رسولِ اللَّه -ﷺ-، فهذا وإن كان جائزًا في لسانِ العرب، أن يُضافَ الفعلُ إلى الآمرِ به، فإنَّ ذلك ليس في روايةِ أكثرِ الرُّواة لـ "الموطّأ"، ولا يُجيزُ مثلَ هذه العبارة أهلُ الحديث، ولكنَّها روايةُ مَن روَى ذلك، واللَّهُ أعلم، والمعنَى فيه بيِّنٌ، والحمدُ للَّه.
_________________
(١) قوله: "قال أبو عمر" من ق.
(٢) في موطّئه (١١٦)، ومن هنا إلى قوله: "وذكر إسماعيل" سقط من الأصل، سوى قوله: "والقعنبي في رواية علي بن عبد العزيز".
(٣) كما في شرح معاني الآثار ٢/ ٢٨٩ (٥٤٠٠)، وتفسير ابن أبي حاتم ٣/ ٧٠٣ (٣٨١٢).
(٤) كما في المستخرج لأبي نعيم ٣/ ٨١ (٢٢٤٤)، وغوامض الأسماء المبهمة ٣/ ٦٩١.
(٥) وعنه أخرجه البخاري (٢٣١٨)، ومسلم (٩٩٨).
(٦) عند الجوهري في مسند الموطأ (٢٨٣).
(٧) عند البيهقي في الكبرى ٦/ ٢٧٥ (١٢٩٨٢).
(٨) في ف ١: "عن"، والمثبت من الأصل، ق.
[ ١ / ٤٠٣ ]
وروَى هذا الحديثَ عبدُ العزيزِ بنُ أبي سلمةَ الماجِشُون، عن إسحاقَ بنِ عبدِ اللَّه بنِ أبي طلحة، عن أنسِ بنِ مالك، قال: لما نزَلت هذه الآية: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، جاء أبو طلحةَ ورسولُ اللَّه -ﷺ- على المنبر. قال: وكانت (^١) دارُ ابنِ جعفرٍ والدارُ التي تَلِيها إلى قصرِ ابنِ حُدَيلةَ (^٢) حوائطَ لأبي طلحة. قال: وكان قصرُ ابنِ حُدَيلةَ حائطًا لأبي طلحةَ يُقال لها: بَيْرُحاء. وكان النبيُّ -ﷺ- يَدخُلُها وَيشرَبُ من مائها، ويأكُلُ من ثمرِها، فجاءَ أبو طلحةَ ورسولُ اللَّه -ﷺ- على المنبر، فقال: إنَّ اللَّهَ ﷿ يقولُ في كتابه: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، وإنَّ أحبَّ أموالي إليَّ بَيْرُحاءَ، فهي للَّه ولرسولِه، أرجُو برَّه وذُخرَه، اجعَلْه يا رسولَ اللَّه حيثُ أراكَ اللَّهُ. فقال رسولُ اللَّه -ﷺ-: "بخ (^٣)، ذلكَ يا أبا طلحةَ مالٌ رابحٌ، قد قبِلناهُ منك، وردَدْناه عليك، فاجعَلْه في الأقربين". قال: فتصدَّقَ به أبو طلحةَ على ذوي رَحِمِه؛ فكان منهم أُبيُّ بنُ كعب، وحسّانُ بنُ ثابت. قال: فباع حسّانُ نصيبَه من مُعاوية، فقيل له: يا حسّان، تبيعُ صدقةَ أبي طلحة؟ فقال: ألا أبيعُ صاعًا من تمرٍ بصاع من دراهم (^٤)؟
_________________
(١) في ق، ف ١: "وكان".
(٢) حُدَيلة: بضمِّ الحاء وفتح الدال، وهي محلَّة بالمدينة نُسِبتْ إلى بني حُديلة، بطنٌ من الأنصار، قاله القاضي عياض في المشارق ١/ ٣٥٥، وزاد ابن حجر في الفتح ٥/ ٣٨٨: "ووَهِمَ مَنْ قاله بالجيم؛ فنُسِبَ إليهم القصرُ بسبب المجاورة، وإلّا فالذي بناهُ معاوية بن أبي سفيان".
(٣) قوله: "بخ" تُقال بإسكان الخاء، وبكسرها مع التنوين، فمَن سكّنَ شبَّهها بـ "هل" و"بل"، ومَن كسرها ونوَّنها أجراها مجرى صهٍ ومَهٍ، وشبَّهها بالأصوات. ينظر: المشارق للقاضي عياض ١/ ٧٩.
(٤) أخرجه البخاري (٢٧٥٨)، قال: "قال إسماعيل: أخبرني عبد العزيز بن عبد اللَّه بن أبي سلمة"، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٣/ ٢٨٨ (٥٣٩٧) من طريق أحمد بن خالد الوَهْبي، عن عبد العزيز بن عبد اللَّه بن أبي سلمة الماجشون، عن إسحاق، به. =
[ ١ / ٤٠٤ ]
وذكَر الطَّحاويُّ (^١)، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ مرزوق، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللَّه الأنصاريُّ، قال: حدَّثنا حُميدٌ، عن أنسٍ وأبي (^٢)، عن ثُمامة، عن أنس -وهذا لفظُ حديثهِ- قال: قال أنسٌ: كانت لأبي طلحةَ أرضٌ، فجعَلها للَّه ﷿، فأتى النبيَّ -ﷺ- فقال له: "اجعَلْها في فُقراءِ أقاربِك". فجعَلها لحسّانَ وأُبيٍّ. قال أنسٌ: وكانا أقربَ إليه منِّي.
وفي هذا الحديثِ من الفقهِ والعلم وُجوه، فمنها: أنَّ الرجلَ الفاضلَ العالمَ قد يُضافُ إليه حُبُّ المال، وقد يُضيفُه هو إلى نفسِه، وليس في ذلك نقيصةٌ عليه، ولا على مَن أضاف ذلك إليه، إذا كان ذلك من وجهِ حِلِّه وما أباح اللَّهُ منه،
_________________
(١) = وقد اختلف في صنيع البخاري، هل أراد منه التعليق أم الوصل، وقد ذكر ابن حجر في الفتح ٥/ ٣٨٧ أنه وقع في أصل الدِّمياطي بخطِّه: "حدثنا إسماعيل"، ثم نقل الاختلاف أيضًا في تعيين إسماعيل، فذكر أنه على مقتضى ما وقع في أصل الدِّمياطي إن كان محفوظًا تعيَّن أنه ابن أبي أويس ونقل عن المزِّيّ الجزم بذلك، وإلّا فهو إسماعيل بن جعفر على ما وقع في الأطراف لأبي مسعود، وجزم به أبو نعيم في المستخرج. قال بشار: نص المزي على أنه ابن أبي أويس في تحفة الأشراف ١/ ٢١٢ (١٨١)، وتعقبه ابن حجر في "النكت الظراف" فقال: "هذه الطريق ما هي في رواية أبي الوقت، ولا في رواية أبي ذر، عن النسفي. ونقل المزي في الهامش عن أبي مسعود أنه جزم بأنه ابن جعفر، وردَّ عليه. وقد وافق أبو نعيم في المستخرج أبا مسعود، وقال: إنه رآه كذلك في نسخة أبي عمرو التي كتبها عن الفربري".
(٢) في شرح مشكل الآثار ١٢/ ١٢٦ (٤٧٠١)، وشرح معاني الآثار ٣/ ٢٨٩ (٥٣٩٨) و(٥٣٩٩) و٤/ ٣٨٦ (٧٣٩٢) و(٧٣٩٣). وهذا إسناد حسن، عبد اللَّه بن المثنى بن عبد اللَّه بن أنس الأنصاري صدوقٌ حسن الحديث كما هو موضحٌ في تحرير التقريب (٣٥٧١). حميدٌ: هو ابن أبي حُميد الطويل، وثمامة: هو ابن عبد اللَّه بن أنس بن مالك: وهو ثقة، وثّقه أحمد بن حنبل والنسائي والعجلي وابن شاهين كما هو موضحٌ في تحرير التقريب (٨٥٣).
(٣) والقائل: "أبي" هو محمد بن عبد اللَّه الأنصاري، وأبوه هو: عبد اللَّه بن المثنّى بن أنس بن مالك الأنصاريّ.
[ ١ / ٤٠٥ ]
وكان أبو طلحةَ من خيارِ أصحابِ النبيِّ -ﷺ-، وقد أخبرَ اللَّهُ ﷿ عن الإنسانِ أنَّه ﴿لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٨]. قال المفسِّرون: الخيرُ هاهنا المالُ.
وفيه إباحةُ اتِّخاذِ الجنّاتِ والحوائط، وهي التي تُعرفُ عندَنا بالمُنَى، في الحواضِرِ وغيرِها.
وفيه إباحةُ دخولِ العلماءِ والفضلاءِ البَساتينَ وما جانسَها من الجنّاتِ والكروم وغيرِها، طلبًا للرّاحةِ والتَّفرُّج، والنَّظرِ إلى ما يُسلِّي النَّفس، وما يُوجبُ شُكرَ اللَّه ﷿ على نِعَمِه.
وفيه ما يدُلُّ على إباحةِ كسْبِ العَقار، وفي ذلك ردٌّ لما رُوِيَ عن ابنِ مسعودٍ، أنّه قال: لا تتَّخذوا الضَّيعَةَ فترغَبوا في الدُّنيا (^١). وفي كسبِ رسولِ اللَّه -ﷺ- العَقارَ ممّا أفاءَ اللَّهُ عليه من بني النَّضير، وفَدَكَ، وغيرِها، وكسبِ الصحابةِ ﵃ من الأنصارِ والمهاجرين للأرَضينَ والحوائط، وكسبِ التابعينَ بعدَهم بإحسانٍ لذلك، أكثرُ من أن يُحصَى.
ولا خلافَ علِمْتُه في أنَّ كَسْبَ العَقارِ مُباح، إذا كان من حِلِّه، ولم يكنْ سببَ ذلٍّ وصَغار، فإنَّ ابنَ عمرَ ﵁ كرهَ كَسْبَ أرضِ الخراج، ولم يرَ شراءَها، وقال: لا تَجعَلْ في عُنقِكَ صَغارًا (^٢).
_________________
(١) أخرجه الحميدي في مسنده (١٢٢)، وأحمد في المسند ٦/ ٥٤ (٣٥٧٩) عن سفيان بن عيينة، عن شِمْر بن عطية، عن سليمان بن مهران الأعمش، عن مغيرة بن سعد بن الأخْرَم، عن أبيه، عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁، به، مرفوعًا، وإسناده ضعيف لجهالة مغيرة بن سعد، وجهالة أبيه. وأخرجه الطيالسي في مسنده (٣٧٧)، والبخاري في التاريخ الكبير ٤/ ٥٤ (١٩٣٥)، والترمذي (٢٣٢٨)، وابن أبي عاصم في الزُّهد (٢٠٢)، وأبو يعلى في مسنده ٩/ ١٢٦ (٥٢٠٠) من طرق عن سليمان بن مهران الأعمش، به. وإسناده ضعيف، كما تقدّم.
(٢) أخرجه عبد الرزاق في المصنَّف ٦/ ٩٣ (١٠١٠٨) و٨/ ٩٢ (١٤٤٤٩) و١٠/ ٣٣٧ (١٩٢٨٨)، وابن زنجوية في الأموال (٣١٣)، والبيهقي في الكبرى ٩/ ١٤٠ (١٨٨٦٦) من طرق عن كليب بن وائل، عنه ﵄.
[ ١ / ٤٠٦ ]
وفيه إباحةُ الشُّربِ من ماءِ الصَّدِيقِ بغيرِ إذنِه. وماءُ الحوائطِ والجنّاتِ والدُّورِ عندَنا مملوكٌ لأهلِه، لهم المنعُ منه، والتَّصرُّفُ فيه بالبيع وغيرِه، وسنَذكُرُ معنَى نَهيِه -ﷺ- عن بيع الماء، وعن بيع فضلِ الماء، في بابِ أبي الرِّجالِ محمدِ بنِ عبدِ الرَّحمن، عندَ قولِه -ﷺ-: "لا يُمنَعُ نَقعُ بئرٍ" (^١)، إن شاء اللَّه.
وإذا جاز الشُّربُ من ماءِ الصديقِ بغيرِ إذنِه، جاز الأكلُ من ثمارِه وطعامِه، إذا عَلِم أنَّ نفسَ صاحبه تطيبُ به؛ لتَفاهتِه ويَسِير مُؤنتِه، ولِمَا بينهما من المودَّة، وقد قال اللَّه ﷿: ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا (٦١)﴾ [النور: ٦١].
ذكَر محمدُ بنُ ثور، عن معمر، قال: دخلْتُ بيتَ قتادة، فأبصرْتُ رُطَبًا، فجعَلتُ آكلُه، فقال: ما هذا؟ قلت: أبصرْتُ رُطبًا في بيتكَ فأكلْتُ. قال: أحسنْتَ، قال اللَّهُ ﷿: ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾.
وذكَرَ عبدُ الرَّزّاق (^٢)، عن مَعْمَر، عن قتادةَ في قوله: ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾. قال: إذا دخَلْتَ بيتَ صديقِكَ من غيرٍ مُؤامَرتِه لم يكنْ بذلك بأسٌ.
قال معمرٌ: ودخَلْتُ بيتَ قتادة، فقلتُ له: أأشربُ من هذا الحُبِّ (^٣)؟ لحُبٍّ فيه ماء، فقال: أنت لنا صديقٌ (^٤).
قال معمرٌ: وقال قتادةُ، عن عكرمة، قال: إذا ملَك الرجلُ المفتاحَ فهو خازنٌ، فلا بأسَ أن يَطعَمَ الشيءَ اليسير (^٥).
_________________
(١) في الحديث الأوّل له، وهو عن أُمِّه عمرة بنت عبد الرحمن، وهو في الموطأ ٢/ ٢٨٩ (٢١٧٠)، وسيأتي في موضعه إن شاء اللَّه تعالى.
(٢) في تفسيره ٢/ ٦٤.
(٣) المراد بالحُبِّ هنا: الجرّة الضَّخمة، ويُجمع على حِبَبة وحِباب. ينظر: العين واللسان (حبب).
(٤) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٦٥.
(٥) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٦٥.
[ ١ / ٤٠٧ ]
قال: وأخبَرنا معمرٌ، عن منصور (^١)، عن أبي وائل، قال: كنّا نغزُو فنمرُّ بالثِّمار فنأكُلُ منها.
قال أبو عُمر: هذا على ما قلنا، واللَّهُ أعلم، مما يُعلمُ أنَّ صاحبَه تَطيبُ به نفسُه، وكان يسيرًا لا يُتشاحُّ في مثلِه. وقد كان لهم في سفرِهم ضيافةٌ مندوبٌ إليها، وقد يكونُ هذا منها، وقد قال -ﷺ-: "لا يَحتلِبَنَّ أحدٌ ماشيةَ أحدٍ إلّا بإذنِه" (^٢). وقال: "لا يَحِلُّ مالُ امرئ مسلم إلّا بطيبِ نَفْسِه" (^٣).
وسيأتي هذا المعنى مُمهَّدا في باب نافع، عن ابنِ عمر (^٤) إن شاء اللَّه.
وفيه: إباحةُ استعذابِ الماء، وتفضيلُ بعضه على بعض، بما فضَّلَه اللَّهُ ﷿ في خلقتِه (^٥)، قال اللَّهُ ﷿: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ [فاطر: ١٢]،. وقد رُوِيَ عن النبيِّ -ﷺ- أنّه كان يُستَعْذَبُ له الماءُ
_________________
(١) هو ابن المعتمر، وشيخه أبو وائل: هو شقيق بن سلمة الأسَديّ.
(٢) أخرجه مالك في الموطّأ ٢/ ٥٦٤ (٢٧٨٢) عن نافع، عن عبد اللَّه بن عمر ﵄. وهو الحديث الثاني والثلاثون لنافع مولى عبد اللَّه بن عمر، وسيأتي مع تمام تخريجه والكلام عليه في موضعه إن شاء اللَّه تعالى.
(٣) يُروى بأسانيد ضعيفة، منها حديث أبي حرَّة الرقاشيّ، عن عمِّه، في أثناء حديث طويل، أخرجه أحمد في المسند ٣٤/ ٢٩٩ - ٣٠١ (٢٠٦٩٥)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني ٣/ ٢٩١ (١٦٧١)، والبزار كما في كشف الأستار ٢/ ٢٠٣ (١٥٢٤)، وأبو يعلى في مسنده ٣/ ١٤٠ (١٥٧٠) من طريق حمّاد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أبي حرّة الرقاشي، واسمه حنيفة، وقيل: حكيم، به. عليّ بن زيد: هو ابن جدعان: ضعيفٌ، وعم أبي حرّة الرقاشي، قيل: اسمه حِذْيم بن حنيفة، وقيل: عمر بن حمزة. وسيأتي في أثناء شرح الحديث الثالث لابن شهاب الزهري عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁، وفي أثناء الحديث الثاني والثلاثين لنافع عن عبد اللَّه بن عمر ﵄ في موضعه إن شاء اللَّه تعالى.
(٤) في الموضع المشار إليه في التعليق السابق.
(٥) قوله: "في خلقته" لم يرد في ق، ف ١، وهو ثابت في الأصل.
[ ١ / ٤٠٨ ]
من بئرِ السُّقيا (^١). وفي هذا المعنى، واللَّهُ أعلم، قولُ أنسٍ في هذا الحديث، أنَّ رسولَ اللَّه -ﷺ- كان يأتي بَيْرُحاءَ ويَشرَبُ من ماءٍ فيها طيِّب، فوصَفه بالطَّيِّب.
وفيه استعمالُ ظاهرِ الخِطابِ وعُمومِه، وأنَّ الصحابةَ ﵃ لم يَفهَموا من فحوَى الخطابِ غيرَ ذلك، ألا ترَى أنَّ أبا طلحةَ حينَ سمع: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ لم يَحتَجْ أن يقِفَ حتى يَرِدَ عليه البيانُ عن الشيء الذي يريدُ اللَّهُ أن يُنفِقَ منه عبادُه بآيةٍ أُخرى، أو سُنّةٍ مُبيِّنةٍ لذلك، فإنَّهم يُحبُّون أشياءَ كثيرة. وفي بدارِ أبي طلحةَ إلى استعمالِ ما وقَع عليه معنَى حُبِّه في الإنفاق منه، دليلٌ على استعمالِه معنى العموم، وما احتمَل الاسمُ الظاهرُ منه، في أقلِّ ذلك أو أكثرِه. وفي هذا ردٌّ على مَن أبى من استعمالِ العُموم لاحتمالِه التَّخصيص، وهذا أصلٌ من أُصولِ الفقهِ كبيرٌ، خالفَ فيه أهلُ الكوفةِ أهلَ الحجاز، وهو مذكورٌ في كُتبِ الأُصولِ بحُجَجِه ووُجُوهِه، والحمدُ للَّه. والاستدلالُ على ذلك بأنَّ أبا طلحةَ بَدَر مما يُحِبُّ إلى حائطِه، فأنفَقه وجعَله صدقةً للَّه
_________________
(١) أخرجه ابن سعد في الطبقات ١/ ٥٥٦، وابن راهوية (٨٤١) و(٩٠٥)، وأحمد في المسند ٤١/ ٢٢٣ (٢٤٦٩٣)، وأبو داود (٣٧٣٥)، وابن حبّان في صحيحه ١٢/ ١٤٩ (٥٣٣٢)، وأبو يعلى في مسنده ٨/ ٨٢ (٤٦١٣)، وأبو الشيخ في أخلاق النبي ص ٢٢٧، وأبو نعيم في أخبار أصبهان ٢/ ١٢٥، والبيهقي في شعب الإيمان (٦٠٣٢) وغيرهم من طرق عن عبد العزيز بن محمد الدراوَرْديّ، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂. ورجال إسناده ثقات. عبد العزيز بن محمد الدراورديّ ثقة، وثّقه مالك ويحيى بن معين ويعقوب بن سفيان وغيرهم كما هو موضّح في تحرير التقريب (٤١١٩)، ولكن قال الإمام أحمد: "ما رواه إلا الدراوردي ولم يكن في أصل كتابه". (المعرفة والتاريخ ١/ ٤٢٨). ووقع عند أحمد وأبي داود وابن حبان: "بيوت السُّقيا" ونقل أبو داود عن شيخه فيه قتيبة بن سعيد قوله: "هي عينٌ بينهما وبين المدينة يومان". وقال البغويُّ في شرح السُّنة ١١/ ٣٨٤: "والسُّقيا من طرف الحَرَّة عند أرض بني فُلان" قلنا: والحَرَّة أرضٌ بضواحي المدينة ذات حجارة سود. وبنو فلان: هم بنو زُريق من الأنصار.
[ ١ / ٤٠٩ ]
استدلالٌ صحيح، وكذلك فعَل زيدُ بنُ حارثة؛ بدَرَ مما يحبُّ إلى فرسٍ له، فجعَلها صدقةً؛ لأنَّ ذلك كلَّه داخلٌ تحت عُموم الآية.
ذكَر أسدُ بنُ موسى، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ عُيينة، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ المُنكَدِر، قال: لما نزلت: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾. قال زيدُ بنُ حارثة: اللَّهُمَّ إنَّكَ تعلَمُ أنّه ليس لي مالٌ أحبَّ إليَّ من فرسي هذا. وكان له فرسٌ يقالُ له: سَبَلٌ. فجاءَ به إلى النبيِّ -ﷺ- فقال: هذا في سبيلِ اللَّه، فقال لأسامةَ بنِ زيد: "اقْبِضهُ"، فكأنَّ زيدًا وجَد من ذلك في نفسِه، فقال رسولُ اللَّه -ﷺ-: "إنَّ اللَّهَ قد قَبِلها منك" (^١).
ورواه حمّادُ بنُ زيد، عن عمرِو بنِ دينار، عن ابنِ المنكدرِ مثلَه (^٢).
وذكَر الحسنُ بنُ عليٍّ الحُلْوانيُّ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ منصورِ بنِ حيّان، قال: حدَّثنا عاصمُ بنُ محمد، عن أبيه، قال: دخَل عبدُ اللَّه بنُ عمرَ على صفيّةَ بنتِ أبي عُبيد، فقال لها: أشعَرْتِ أنِّي أُعطِيتُ بنافع ألفَ دينار؛ أعطاني به عبدُ اللَّه بنُ جعفر. قالت: فما تَنتِظرُ أن تبيعَ؟ قال: فهلّا خيرٌ من ذلك؟ قالت: وما هو؟ قال: هو حُرٌّ لوجهِ اللَّه. قال: أظنُّه تأوَّلَ قولَ اللَّه ﷿: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (^٣).
_________________
(١) أخرجه سعيد بن منصور في التفسير (٥٠٧)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٠٤ (٣٨١٤) من طريقين عن سفيان بن عيينة، به.
(٢) أخرجه ابن المنذر في تفسيره (٦٩١).
(٣) أخرجه أحمد بن حنبل في الزهد (١٠٧٩)، وابن حبّان في الثقات ٥/ ٤٦٧ (٥٧٥٧)، وأبو نعيم في حلية الأولياء ١/ ٢٩٦، والبيهقي في شعب الإيمان ٤/ ٦٩ (٤٣٤٢) من طرق عن عاصم بن محمد بن زيد، به. وإسناده إلى محمد بن زيد بن عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب، والد عاصم صحيح، ومحمد بن زيد ثقة.
[ ١ / ٤١٠ ]
ورَوَيْنا عن الثوريِّ أنّه بلَغَه أنَّ أُمَّ ولدِ الربيع بنِ خُثَيم، قالت: كان إذا جاء السائل، يقول لي: يا فُلانة، أعطي السائلَ سُكَّرًا؛ فإنَّ الرَّبيعَ يُحبُّ السُّكَّر. قال سفيان: يتأوَّلُ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾؛ حدَّثناه خلفُ بنُ أحمد (^١)، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيدٍ وأحمدُ بنُ مُطرِّف، قالا: حدَّثنا سعيدُ بنُ عُثمان (^٢)، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إسماعيل، قال: حدَّثنا المؤمَّلُ، قال: حدَّثنا سُفيانُ. فذكَره.
وقال الحسنُ ﵀: إنَّكم لا تَنالونَ ما تُحبُّون إلّا بتركِ ما تَشتَهون، ولا تُدرِكُون ما تأمُلُونَ إلّا بالصبرِ على ما تَكرَهون (^٣).
وفيه أنَّ لفظَ الصدقةِ يُخرِجُ الشيءَ المتصدَّقَ به عن ملكِ الذي يَملِكُه قبلَ أن يَتصَدَّقَ به، فإنْ أخرَجها إلى مالك، وملَّكَه إيّاها، استَغْنَى بهذه اللفظةِ عن غيرِها ولم يكنْ له الرُّجوعُ في شيءٍ منها؛ لأنَّ لفظَ الصدقةِ يدُلُّ على أنَّه أراد اللَّهَ بها مُعطيها؛ لما وعَد اللَّهُ ورسولُه على الصدقةِ من جزيلِ الثَّواب، وما أُريدَ به اللَّهُ فلا رُجوعَ فيه، وهذا مما أجمَعَ المسلمون عليه.
وفي هذا حُجَّةٌ لمالكٍ في إجازتِه للموهُوبِ له والمتصدَّقِ عليه المطالبةَ بالصدقةِ وإنْ لم يَحُزْها حتى يَحُوزَها، وتصحُّ له ما دام المتصدِّقُ أو الواهبُ حيًّا، وإن لم تُقبَضْ. وغيرُه لا يَجعَلُ اللفظَ بالصدقةِ ولا بالهبةِ شيئًا، سواءٌ كان مُعَيَّنًا (^٤)
_________________
(١) هو ابن أبي جعفر، أبو القاسم الأموي، وشيخه أحمد بن سعيد: هو ابن حزم بن يونس الصّدَفيّ، وشيخه الثاني أحمد بن مطرّف: هو ابن عبد الرحمن المعروف بابن المشّاط صاحب الصلاة.
(٢) هو ابن سعيد التُّجيبي، أبو عثمان الأعنافيّ.
(٣) ينظر: البيان والتبيين للجاحظ ٣/ ١١٣. ويُعزى هذا القول لعيسى ابن مريم ﵇، أخرجه الدينوري في المجالسة ٣/ ٢٦٥، وابن عساكر في تاريخ دمشق ٤٧/ ٤٥٢ من طريق عمران بن سليمان أنه بلغه عن عيسى أنه قال لأصحابه؛ فذكراه.
(٤) في الأصل: "سواء كان لمُعَيَّن ولا لغير مُعيَّن"، والمثبت من بقية النسخ.
[ ١ / ٤١١ ]
أو غيرَ مُعيَّن، حتى تُقبَضْ، وليس للموهوبِ له عندَهم ولا للمُتَصدَّقِ عليه أن يُطالبَ واهبَها بإخراجِها إليه، ولا يُوجِبُ عندَهم لفظُ الصدقةِ أو الهبةِ من غيرِ قبضٍ حُكمًا. وممّن ذهَب إلى هذا: الشافعيُّ، وأبو حنيفة، والثَّوريُّ. وسنذكُرُ اختلافَهم في هذا المعنى وما شاكَلَه من معاني الهبَاتِ في بابِ ابنِ شهاب، عن حُميدِ بنِ عبدِ الرَّحمن ومحمدِ بنِ النُّعمانِ بنِ بشير، إن شاءَ اللَّه (^١)، ونُبيِّنُ وُجوهَ أقاويلِهم، واعتلالَهم لمذاهبِهم هناك، بحولِ اللَّه وعونِه، لا شريكَ له.
وفي هذا الحديثِ دليلٌ على أنَّ الكلامَ قد أوجَب حُكمًا، أقلُّه المطالبةُ -على ما قال مالكٌ- للمُعيَّنِ الموهُوبِ له. ومن طريقِ القياس، لولا الكلامُ المتقدِّمُ، ما كان القبضُ يُدرَى ما هو، وباللَّه التَّوفيق.
فإذا قال المُتصدِّقُ: مالي هذا صدقةٌ للَّه ﷿، ولم يُملِّكْه أحدًا، جاز للإمام أن يَصرِفَه في أيِّ سبيل من سُبلِ اللَّه شاء، غيرَ أنَّ الأفضلَ من ذلك أولى، هذا إذا لم يَبِنْ مرادُ المتصدِّق، فإن بانَ مرادُه لم يُتَعَدَّ ذلك الوجْهُ.
وفيه أنَّ الصدقةَ على الأقاربِ من أفضلِ أعمالِ البرِّ؛ لأنَّ رسولَ اللَّه -ﷺ- لم يُشِرْ بذلك على أبي طلحةَ إلّا وهو قد اختار ذلك له، ولا يَختارُ له إلّا الأفضلَ لا محالة، ومعلومٌ أنَّ العِتْقَ (^٢) من أفضلِ أعمالِ البرِّ، وقد فضَّلَ رسولُ اللَّه -ﷺ- الصدَقةَ على الأقاربِ (^٣) على العِتْق.
حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ أسد، قال: حدَّثنا حمزةُ بنُ محمد (^٤)، قال:
_________________
(١) وهو الحديث السادس لابن شهاب الزُّهري، وهو في الموطّأ ٢/ ٢٩٨ (٢١٨٨)، وسيأتي في موضعه إن شاء اللَّه تعالى.
(٢) في ف ١: "عتق الرقاب"، والمثبت من الأصل.
(٣) قوله: "على الأقارب" لم يرد في ف ١.
(٤) هو ابن عليّ الكنانيّ.
[ ١ / ٤١٢ ]
حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيب، قال (^١): حدَّثنا هنّادُ بنُ السَّريِّ، عن عبْدة، عن ابنِ إسحاق، عن بُكيرِ بنِ عبدِ اللَّه بنِ الأشجّ، عن سليمانَ بنِ يسار، عن ميمونة، قالت: كانت لي جاريةٌ فأعتَقتُها، فدخَل عليَّ رسولُ اللَّه -ﷺ- فأخبرتُه، فقال: "آجَرَكِ اللَّهُ، أمَا إنَّك لو أعْطَيْتِها أخوالَك (^٢) كان أعظمَ لأجْرِكِ".
وروَى مالكٌ (^٣) هذا الحديث، عن ابنِ أبي صَعْصعةُ، بقريبٍ من هذا العنى. وقد ذكَرناه في موضعِه من كتابِنا هذا.
وقد قال رسولُ اللَّه -ﷺ- لزينبَ الثَّقفِيّة زوجةِ ابنِ مسعود، وزينبَ الأنصاريّة، حينَ أتتاه تسألانِه عن النَّفقةِ على أزواجِهما، وعلى أيتام في حُجورِهما، هل يُجْزِئُ ذلك عنهما من الصدقة؟ فقال رسولُ اللَّه -ﷺ-: "لكما أجْران؛ أجرُ القَرابة، وأجرُ الصدقة" (^٤).
_________________
(١) يعني النسائي، وهو في الكبرى ٥/ ٢٢ (٤٩١١). وأخرجه أبو داود (١٦٩٠) عن هنّاد بن السَّرِيّ، به. وأخرجه أحمد في المسند ٤٤/ ٤٠٠ (٢٦٨١٧)، وعبد بن حميد في المنتخب (١٥٤٦)، والطبراني في الكبير ٢٣/ ٤٤٥ (١٠٦٦)، والحاكم في المستدرك ١/ ٤١٣ - ٤١٤ من طرق عن محمد بن إسحاق بن يسار، به. وهذا إسنادٌ ضعيفٌ، محمد بن إسحاق مدلّس، ولم يصرِّح بالتحديث، وقد خالف في إسناده يزيد بن أبي حبيب وعمرو بن الحارث المصري، فروياه عن بُكير بن عبد اللَّه بن الأشج، فقال: عن كريب، عن ميمونة زوج النبيِّ -ﷺ-. قال الحافظ ابن حجر في الفتح ٥/ ٢١٩: "وقال الدارقطني: ورواية يزيد وعمرو أصحُّ". قلنا: رواية يزيد بن أبي حبيب عند البخاري (٢٥٩٢)، ورواية عمرو بن الحارث المصري عند مسلم (٩٩٩).
(٢) في الأصل: "أخواتك"، خطأ بين، والمثبت من ق، وهو يوافق ما في سنن النسائي ومصادر التخريج الأخرى.
(٣) في الموطّأ ٢/ ٥٥٩ (٢٧٧٤)، وابن أبي صعصعة هو عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة، وهو الحديث الرابع له، وسيأتي في موضعه إن شاء اللَّه تعالى.
(٤) أخرجه أحمد في المسند ٢٥/ ٤٩٠ (١٦٠٨٢)، والبخاري (١٤٦٦)، ومسلم (١٠٥٠) من حديث عمرو بن الحارث بن أبي ضرار الخزاعي، عن زينب الثقفية زوجة عبد اللَّه بن مسعود ﵄.
[ ١ / ٤١٣ ]
وروَى الزُّهريُّ، عن حُميدِ بنِ عبدِ الرَّحمن، عن أُمِّه، قالت: قال رسولُ اللَّه -ﷺ-: "إنَّ أفضلَ الصدقةِ على ذي الرَّحم الكاشِح" (^١).
قيل في تأويلِ الكاشِح هاهنا: القريبُ. وقيل: المبغِضُ المُعادي، وهو الصحيحُ، واللَّهُ أعلم (^٢).
وفيه إجازةُ تولِّي المُتَصدِّقِ قَسْمَ صدَقَتِه، وذلك عندَ أصحابِ مالكٍ إذا كان منه إخراجًا لها عن مِلْكِه ويدِه، وتمليكًا لغيرِه.
وفيه ردٌّ على مَن كرِهَ أكلَ الصدقةِ التَّطوُّع للغنيِّ من غيرِ مسألة؛ لأنَّ أقاربَ أبي طلحةَ الذين قسَم عليهم صَدَقتَه تلك، لم يَبِنْ لنا أنَّهم فُقراءُ ممّن يَحِلُّ لهم أخذُ
_________________
(١) أخرجه الحميديُّ في مسنده (٣٢٨)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني ٥/ ٤٧٧ (٣١٧٣)، وابن خزيمة في صحيحه ٤/ ٧٧ (٢٣٨٦)، والخرائطي في مكارم الأخلاق (٢٩٤)، والحاكم في المستدرك ١/ ٤٠٥، والبيهقي في الكبرى ٧/ ٢٧ (١٣٦٠٣). أمُّ حميد بن عبد الرحمن بن عوف الزُّهري: هي أم كلثوم بنت عُقبة بن أبي مُعيط الأموية. قال بشار: وهذا حديث لا يصح، فقد اختلف فيه على الزهري، فقال الحميدي عن ابن عيينة: أخبروني عن الزهري، وتابعه إبراهيم بن بشار الرمادي، عن ابن عيينة، ورواه غيرهما: عن ابن عيينة عن الزهري. أما حجاج بن أرطاة، فقال مرة عن الزهري عن أيوب بن بشير، عن حكيم بن حزام، وقال مرة: عن الزهري عن حكيم بن بشير، عن أبي أيوب الأنصاري، قال الإمام الدارقطني: وكلاهما غير محفوظ (العلل، رقم ٤٠٦٤). وحديث أبي أيوب أخرجه أحمد ٣٨/ ٥١١ (٢٣٥٣١) وغيره، وأما حديث أيوب بن بشير عن حكيم بن حزام فأخرجه أحمد أيضًا ٢٤/ ٣٦ (١٥٣٢٠)، وقال الدارقطني في العلل (١٠١٧): "ولا يثبت"، ومع ذلك صححه صديقنا العلامة الشيخ شعيب الأرنؤوط في تعليقه على المسند الأحمدي ولم يقف على علته. وينظر كتابنا: المسند المصنف المعلل ٢٦/ ٢٠٩ - ٢١٠ (١١٨١٩) و٤٠/ ٥٧٩ - ٥٨٠ (١٩٤٥٦)، واللَّه الموفق للصواب.
(٢) جاءت العبارة في النشرة الأولى، كما في ق وغيرها: "والكاشح المبغض كأنه طوى كشحه على بغضته وعداوته. وقيل في الكاشح: إنه القريب هنا، والصحيح أنه المبغض، واللَّه أعلم"، والمثبت من الأصل.
[ ١ / ٤١٤ ]
الصَّدقةِ المفروضة، وقد ذكَر بعضُ أهلِ العلم أنَّ أُبيَّ بنَ كعبٍ كان من أيسَرِ أهلِ المدينة، وهو أحدُ الذين قسَم عليهم أبو طلحةَ صدقتَه هذه، وقد عارَضَه بعضُ مُخالفِيه، فزعَم أنَّ أُبيًّا كان فقيرًا، واحتجَّ بروايةِ مَن روَى في هذا الحديث: "فقسَمها أبو طلحةَ بينَ فُقراءِ أقاربه" (^١). وهي لفظةٌ مختلفٌ فيها، لا تثبُتُ، وعلى أيِّ وجْهٍ كان، فإنَّ الصدقةَ التَّطوُّعَ جائزٌ قبولُها من غيرِ مسألةٍ لكلِّ أحد، غنيًّا كان أو فقيرًا، وإن كان التَّنزُّهُ عنها أفضلَ عندَ بعضِ العُلماء، وسنُبيِّنُ وجوهَ هذا المعنى في بابِ زيدِ بنِ أسلَمَ من كتابِنا (^٢) هذا إن شاءَ اللَّه.
وفيه دليلٌ على صحّةِ ما ذهَب إليه فُقهاءُ الحجازيِّين، حيثُ قالوا فيمن تصدّقَ على رجلٍ أو على قوم بصَدَقةِ حُبُسٍ (^٣)، ذكَر فيها أعقابَهم أو لم يَذكُر، ولم يجعلْ لها بعدَهم مرجعًا، مثل أن يقول: على المساكين. أو: على ما لا يُعدمُ وُجودُه من صفاتِ البرِّ، فماتوا وانقَرَضوا، أنَّها ترجعُ حُبْسًا على أقربِ الناس بالمُحَبِّس يومَ ترجِعُ لا يومَ حَبَّسَ.
ألا ترَى أنَّ أبا طلحةَ إذ جعَل حائطَه ذاك صدقةً للَّه ولم يذكُرْ وجْهًا من الوجوهِ التي يُتقرَّبُ بها إلى اللَّه ﷿، أمرَه رسولُ اللَّه -ﷺ- أن يَجعلَها في أقاربِه، فكذلك كلُّ صدقةٍ لا يُجعلُ لها وجْهٌ، ولا يُذكَرُ لها مَرجعُ تصرفٍ على
_________________
(١) وهي رواية إسماعيل بن إسحاق القاضي عن عبد اللَّه بن مسلمة القعنبي. كما ذكر في أول شرح هذا الباب.
(٢) في أثناء شرح الحديث الثاني عشر له، عن عطاء بن يسار، وهو في الموطأ ٢/ ٥٩٩ (٢٨٥٤)، وسيأتي في موضعه إن شاء اللَّه تعالى.
(٣) قوله: "بصَدَقةٍ حُبُسٍ" الحُبُس بالضمِّ، جمع الحَبِيس، يقع على كلِّ شيءٍ وقفَهُ صاحبُه وقْفًا مُحرَّمًا، لا يُورَثُ، ولا يُباع؛ من أرضٍ ونخلٍ وكرْم ومُستغلّ، ويُحبَّس -أي يُوقَف- أصلُه وقْفًا مؤبَّدًا، وتُسبَّل ثمرتُه تقرُّبًا إلى اللَّه تعالى. ينظر: تهذيب اللغة للأزهريّ ٤/ ١٩٨. وقال النووي في تهذيب الأسماء ٤/ ١٩٤: "الوقْفُ والتَّحبيس والتّسبيل بمعنًى واحدٍ".
[ ١ / ٤١٥ ]
أقاربِ المُتصدِّق، بدليلِ هذا الحديث، وهذا عندَ مالكٍ فيما لم يُردْ به صاحبُه حياةَ المُتصدَّقِ عليه، فإنّه إذا أرادَ ذلك فهيَ عندَه العُمْرَى، ومذهبُه في العُمْرَى أنَّها على مِلْكِ صاحبِها، تَرجعُ إليه عندَ انقضاءِ عُمُرِ المُعمَّر، أو إلى ورثتِه ميراثًا، وسنذكُرُ قولَه وقولَ غيرِه في العُمْرَى عندَ ذكرِ الحديثِ فيها في بابِ ابنِ شهاب (^١) من كتابِنا هذا، ونُبيِّنُ وُجوهَ ذلك إن شاءِ اللَّه ﷿.
وقد اختلَف قولُ مالكٍ فيمَن قال: هذه الدّارُ، أو هذا الشيءُ، حُبُسٌ على فلان، أو على قوم، ولم يُعقِبْهم، ولا جعَل لها مرجعًا إلى المساكينِ ونحوِهم، فمرَّةً قال: ترجِعُ مِلكًا إلى ربِّها، إذا هلَك المحبَّسُ عليه (^٢)، كالعُمْرَى، ومرَّةً قال: لا تَرجعُ إليه أبدًا (^٣). وهو تحصيلُ مذهبِه عندَ أهل المغربِ من أصحابِه، وحكَوا عنه منصوصًا فيمَن حبَّسَ حُبُسًا على نَفَرٍ ما عاشوا، فانقَرَضوا، فالحُبُسُ راجعٌ إلى عَصَتةِ المحبِّسِ حُبُسًا، ولا يَرجعُ إلى مَن حبَّسَه، وإنْ كان حيًّا، ويدخُلُ النِّساءُ في الغَلَّةِ معهم والسُّكْنى (^٤).
ولو تَصدَّقَ بصَدَقَةٍ حُبُسٍ على ولدِه، وولدِ ولدِه، ولم يَجعَلْ له مَرجعًا غيرَ ذلك، فانقَرضَ ولدُه، وولدُ ولدِه، إلّا رجلًا واحدًا، فأراد بيعَه، فلا سبيلَ له إلى ذلك، فإذا انقرَضَ فهو حُبُسٌ صَدَقةٌ على عَصَبةِ المحبِّس، لا يُباعُ ولا يُوهبُ (^٥). وإذا انقرَضَ أقربُ الناس إليه عَصَبتِه، فإلى الذين يلُونَهم، فإذا انقرَضَ كلُّ مَن تَمَسُّه به رَحِمٌ من عَصَبَتِه، رجَعَتْ على ما عليه أحباسُ المسلمين،
_________________
(١) في أثناء شرح الحديث السادس له، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، عن جابر بن عبد اللَّه ﵄، وهو في الموطّأ ٢/ ٣٠٢ (٢٢٠٠)، وسيأتي في موضعه إن شاء اللَّه تعالى.
(٢) الموطّأ ٢/ ٣٥٣ (٢٢٠٢)، والمدوّنة ٤/ ٣٩٢، ٤٥١.
(٣) المدوّنة ٤/ ٣٩٢، ٣٩٣، ٤٢٠.
(٤) المدوّنة ٤/ ٤٢٠.
(٥) المدوّنة ٤/ ٤٢٢.
[ ١ / ٤١٦ ]
يَجتهِدُ الحاكمُ في وضع غَلَّتِها وكِرائِها بعدَ مَرَمَّتِها (^١)، ولا يُباعُ ولا يورثُ شيءٌ من العقارِ إذا جَرَى عليه اسمُ الصدقةِ الحُبُس (^٢). ولفظُ الولدِ في التَّحبيسِ يدخُلُ فيه ولدُ الولدِ أبدًا، وكذلك لَفْظُ البناتِ يدخُلُ فيه بناتُ البنين أبدًا، إذا اجتَمَعوا، ولا يُفضَّلُ الأعيانُ إلَّا على قدرِ الحاجة، وليسَ ولدُ البناتِ من العَقِبِ ولا من الولَدِ، إذ ليسُوا من العَصَبات. هذا كلُّه تحصيلُ مذهبِ مالكٍ وأصحابه، إلّا أنّ عن بعضِ البغداديِّينَ المالكيِّينَ خلافًا في بعض هذا (^٣)، والحمد للَّه.
قال أحمدُ بنُ المعذَّل: قيل لمالك: فلو قال في صدَقَتِه: هذا (^٤) حُبُسٌ على فُلان، هل تكونُ بذلك محُبَّسةً؟ قال: لا؛ لأنّها لمن ليسَ بمجهول، وقد حبَّسها على فُلان، فهي عُمْرَى؛ لأنّه أخبَر أن تَحبيسَها غيرُ ثابتٍ ولا دائم، وأنّه إلى غاية. قيل: فلو قال: هي صَدقةٌ محُبَّسةٌ، وفلانٌ يأخذُها ما عاش؟ قال: إذنْ تكونَ مُحبَّسة. قال: وكذلك لو قال (^٥): هي صدقةٌ على فُلانٍ وهي مُحبَّسةٌ.
والألفاظُ التي بها يَنقطِعُ مِلكُ الشيءِ عن ربِّه، ولا يعودُ إليه أبدًا، عندَ مالكٍ وأصحابِه، أن يقول: حبُسٌ صدقةٌ، أو حبُسٌ لا يُباع، أو حبُسٌ على أعقابٍ ومجهولين، مثلَ الفقراءِ والمساكين، أو في سبيلِ اللَّه. فإنَّ هذا كلَّه عندَهم مؤبَّدٌ، لا يَرجعُ مِلكًا أبدًا. وأمّا إذا قال: سُكنَى، أو عُمرَى، أو حياةَ المحبَّس عليه، أو إلى أجلٍ من الآجال. فإنّها ترجعُ ملكًا إلى صاحبِها، أو إلى ورثتِه، ولا يكونُ حبسًا مؤبَّدًا. ومعنَى قولِ مالك: في أقربِ الناسِ بالمحبَّس، يريدُ: عَصَبَتَه.
_________________
(١) الرَّمُّ: إصلاح الشيء الذي فسد بعضُه، من نحو حَبْل يَبْلى فتَرُمُّه، أو دار تَرُمُّ شأنها مَرَمّةً. تهذيب اللغة ١٥/ ١٣٨.
(٢) المدوّنة ٤/ ٤٢٢.
(٣) ينظر: المدوّنة ٤/ ٣٩٣، ٤٢٠.
(٤) في ق: "هي".
(٥) قوله: "لو قال" لم يرد في الأصل، وهو ثابت في ق، ف ١.
[ ١ / ٤١٧ ]
واختلَف قولُه، وكذلك اختلَف أصحابُه، فيمن يدخُلُ في ذلك من النِّساء؛ فقال ابنُ القاسم (^١): كلُّ مَن كان من النساء لو كان رجلًا كان عَصَبةً وارثًا، دخَل في مَرجع الحبس، ومن لم يكن منهُنَّ كذلك، فلا مَدْخَلَ له فيه. ورُوِيَ ذلك عن مالك (^٢). وقال ابنُ القاسم (^٣): تدخُلُ الأمُّ في مرجع الحبُس، ولا تدخُلُ الأخواتُ للأمّ.
وقال ابنُ الماجِشون (^٤): لا يدخُلُ من النساء إلّا مَن يرِثُ، فأمّا عمّةٌ، أو ابنةُ عمٍّ، أو ابنةُ أخ، فلا. وروَى أشهبُ، عن مالك، أنَّ الأمَّ لا تدخُلُ في مرجع الحبُس. ولهم في هذا البابِ اضطرابٌ يَطولُ ذِكرُه (^٥).
وأمّا الشافعيُّ فمذهبُه نحوُ مذهبِ مالكٍ في مرجع الحُبُس خاصّة، قال الشافعيُّ (^٦): وإذا قال: تَصدَّقْتُ بداري على قوم، أو على رجلٍ حيٍّ معروف، يومَ تصدَّقَ، أو قال: صدقةً محُرَّمة. أو قال: صدقةً موقوفةً. أو قال: صدقةً مُسبَّلة. فقد خرَجَتْ من مِلكِه، فلا تَعودُ ميراثًا أبدًا. قال: ولا يجوزُ أن يُخرِجَها من مِلكِه إلّا إلى مالك مَنفَعَتِها يومَ يُخرِجُها إليه، وإنْ لم يُسَبِّلْها على مَن بعدَهم كانت مُحرَّمةً أبدًا، فإذا انقرَض المتصدَّقُ بها عليه كانت بحالِها أبدًا، وردَدْناها إلى أقربِ الناسِ بالذي
_________________
(١) نقله عنه ابن رشد في البيان والتحصيل ١٢/ ١٩١.
(٢) المدوّنة ٤/ ٣٩١ - ٣٩٢.
(٣) المدوّنة ٤/ ٤٢١ - ٤٢٢.
(٤) نقله عنه ابن رشد في البيان والتحصيل ١٢/ ١٩١.
(٥) ذكر هذه الأقوال والروايات عن مالك وأصحابه ابن رشد في البيان والتحصيل ١٢/ ١٩٠ - ١٩١، ومن جُملتها رواية أشهب عن مالك في عدم دخول الأمّ في مرجع الحُبُس، قال: لأنهنَّ ليس من حرم نسب المُحبِّس.
(٦) نقله عنه بهذا السياق المختصر المُزنيُّ في مختصره ٨/ ٢٣٣ - ٢٣٤، والطحاوي في مختصر اختلاف العلماء ٤/ ١٦١، وينظر تمام كلام الشافعي في هذا الأمّ ٤/ ٥٩.
[ ١ / ٤١٨ ]
تَصدَّقَ بها يومَ ترجِعُ، وهي على شرطِه من الأثَرَةِ والتَّقدمةِ والتَّسويةِ بينَ أهلِ الغِنَى والحاجة، ومن إخراج مَن أخرَج منها بصفة، أو ردِّه إليها بصفة.
قال أبو عُمر: قول الشافعيّ: "ولا يجوزُ أن يُخرِجَها من مِلكِه إلّا إلى مالكِ مَنفَعَتِها". معناه عندي: أن يكونَ المُحبَّسُ عليه موجودَ العين، ليس يُجْهَلُ (^١)، فإذا كان كذلك فجائزٌ أن يتولّاها له غيرُه إذا أخرجَها المُحبِّسُ من يَدِه، على أنَّ الشافعيَّ يجوزُ عندَه في الأوقافِ من تركِ القَبْضِ ما لا يجوزُ في الهِباتِ والصَّدَقاتِ المَمْلوكات؛ لأنَّ الوقفَ عندَه يَجري مجرَى العِتق، يَتمُّ بالكلام دونَ القبض.
قال: ويَحرُمُ على الموقِفِ مِلكُه، كما يَحرُمُ عليه مِلكُ رقبةِ العبدِ إذا أعتَقَه، إلّا أنّه جائزٌ له أن يتولَّى صَدَقَتَه، وتكونَ بيدِه ليفرِّقَها ويسبِّلَها فيما أخرَجها فيه؛ لأنَّ عمرَ بنَ الخطاب لم يزلْ يلي صَدقتَه، فيما بلَغَنا، حتى قَبَضَه اللَّه. قال: وكذلك عليٌّ وفاطمةُ كانا يَلِيانِ صَدقاتِهما (^٢).
قال أبو عُمر: ليس هكذا مذهبُ مالك، بل مذهبُه فيمن حبَّسَ أرضًا أو دارًا أو نخلًا على المساكين، وكانتْ في يديْه، يقومُ بها ويُكرِيها، ويَقسِمُها في المساكين، حتى مات والحُبُسُ في يديْه، أنّه ليس بحُبُس، ما لم يَحُزْه غيرُه، وهو ميراث، والرَّبْعُ (^٣) عندَه والحوائطُ والأرضُ لا يَنفُذُ حُبُسُها ولا يَتِمُّ حَوْزُها حتى يَتولّاه غيرُ مَن حبَّسَه، بخلافِ الخَيْلِ والسلاح. هذا تَحصيلُ مَذهبِه عندَ جماعةِ أصحابِه (^٤).
_________________
(١) في الأصل: "بحمل"، والمثبت من ق، ف ١، وهو الصواب.
(٢) هذا معنى ما ذكره في الأمّ ٤/ ٥٤ - ٥٥، وينظر: مختصر المُزنيّ ٨/ ٢٣٣.
(٣) الرَّبْعُ: المنزل والدار بعينها. اللسان (ربع).
(٤) المدوّنة ٤/ ٤٢٦.
[ ١ / ٤١٩ ]
وأمّا أحمدُ بنُ حنبل، فإنَّ عمرَ بنَ الحسين الخِرَقيَّ ذكَر عنه، قال (^١): إذا وقَفَ وقْفًا، ومات المُوقَفُ عليه، ولم يَجعلْ آخرَه للمساكين، ولم يَبقَ ممّن وُقِف عليه أحدٌ، رجَع إلى وَرَثَةِ الواقِف، في إحدَى الرِّوايتين عنه، والرِّوايةُ الأخرى، يكونُ وقْفًا على أقربِ عَصَبَةِ الواقِف.
وزعَم بعضُ الناسِ أنَّ في هذا الحديثِ ردًّا على أبي حَنيفة وزُفَرَ في إبطالِهما الأحباس، وردِّهما الأوقاف، وليس كذلك؛ لأنَّ هذا الحديثَ ليس فيه بيانُ الوَقْف، ويَحتمِلُ أن تكونَ صَدَقةُ أبي طلحةَ صَدَقةَ تمليكٍ للرَّقبة، بل الأغلبُ الظاهرُ -من قوله: "فقسَمَها أبو طلحةَ بينَ أقاربِه وبني عمِّه"- أنّه قسَم رَقبتَها وملَّكَهم إيّاها ابتغاءَ مرضاتِ اللَّه، وإذا كان ذلك كذلك فلا خلافَ بينَ أبي حنيفةَ وزُفَرَ وسائرِ العلماءِ في جوازِ هذه الصدقةِ إذا حلَّ المتصدَّقُ عليه فيها محلَّ المتصدِّق، وكان له أن يبيعَ، ويَنتفِعَ، ويَهَبَ، ويَتصدَّقَ، ويَصنعَ ما أحبَّ.
وإنّما أنكَر أبو حنيفةَ وزُفَرُ تَحبيسَ الأصلِ على التَّمليكِ وتسبيلَ الغَلَّةِ والثمرة، وهي الأحباسُ المعروفةُ بالمدينة، وفيها تَنازَعَ العلماءُ، وأجازَها الأكثرُ منهم، وقد قال بجوازِها أبو يوسف، ومحمدُ بنُ الحسن (^٢)، رجَع أبو يوسفَ عن قولِ أبي حنيفة في ذلك لمّا حدَّثه ابنُ عُليّة، عن ابنِ عون، عن نافع، عن ابنِ عمر، عن عمر، أنّه استأذَنَ رسولَ اللَّه -ﷺ- في أن يَتصدَّق بسَهْمِه من خيبر، فقال له رسولُ اللَّه -ﷺ-: "احبِسِ الأصل، وسبِّلِ الثَّمَرَة" (^٣). وهو حديثٌ صحيحٌ، وبه يَحتجُّ كلُّ مَن أجاز الأحباس.
_________________
(١) مختصر الخِرقي، كتاب الوقوف والعطايا ص ٨١.
(٢) ينظر ما نُقل عن أبي حنيفة وأصحابه في هذا: مختصر اختلاف العلماء ٤/ ١٥٧ - ١٥٨، وشرح معاني الآثار ٤/ ٩٥ للطحاوي.
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنَّف (٢١٣٣٣) و(٣٧٢٦٦)، وأحمد في المسند ٨/ ٢١٧ (٤٦٠٨) و٩/ ١٦١ (٥١٧٩) عن إسماعيل بن إبراهيم ابن عُليّة، به. وقرن به أحمد في الموضع الثاني يحيى بن سعيد القطان. =
[ ١ / ٤٢٠ ]
ذكَر عيسى بنُ أبان، قال: أُخبِرْتُ أنّه لما بلَغ أبا يوسفَ هذا الحديثُ عن ابنِ عونٍ لقيَ ابنَ عُليّةَ فسألَه عنه، فحدَّثه به عن ابنِ عون، عن نافع، عن ابنِ عمرَ، أنَّ عمرَ أصاب أرضًا بخيبر، فأتى النبيَّ -ﷺ-، وذكَر الحديث (^١).
ومن حُجَّتِهم أيضا على جوازِها: حديثُ عمرِو بنِ الحارثِ أخي (^٢) جُويريةَ بنتِ الحارثِ زوج النبيِّ ﵇، أنَّ رسولَ اللَّه -ﷺ- مات وتخلَّفَ أرضًا موقوفة (^٣). وحديثُ أبي هريرة، وقد ذكرناه في كتاب بيان العلم (^٤) عن النبيِّ -ﷺ-، أنّه قال: "يَنقطِعُ عملُ المرءِ بعدَه إلّا من ثلاث؛ صدقةٍ جاريةٍ بعدَه، وعلم يَنتفِعُ به غيرُه، وولدٍ يدعُو له" (^٥).
فأمّا حديثُ ابنِ عون، فحدَّثناه عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ وأحمدُ بنُ قاسم، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ أبي أُسامة، قال: حدَّثنا
_________________
(١) = وأخرجه الترمذي (١٣٧٥) عن عليّ بن حُجر، عن إسماعيل بن إبراهيم ابن عُليّة، به. وهو عند البخاري (٢٧٣٧) و(٢٧٧٢)، ومسلم (١٦٣٢)، وأبي داود (٢٨٧٨)، وابن ماجة (٢٣٩٦)، والنسائي في المجتبى (٣٥٩٩ - ٣٦٠١)، وفي الكبرى ٦/ ١٣٩ - ١٤٠ (٦٣٩٣ - ٦٣٩٥) و١٠/ ٣٥٤ (١١٦٦١) من طرق عن عبد اللَّه بن عون البصريّ، به.
(٢) أخرجه أبو القاسم عبد اللَّه بن محمد السعدي المعروف بابن أبي العوّام في فضائل أبي حنيفة (٧٥٥) بإسناده إلى عيسى بن أبان، به. وذكره الطحاوي في مختصر اختلاف العلماء عن عيسى بن أبان، به، وعندهما في آخره قول أبي يوسف: "هذا ممّا لا يسَعُ أحدًا خلافُه، ولو تناهى هذا إلى أبي حنيفة لقالَ به، ولمَا خالفَهُ".
(٣) في الأصل: "ابن أخي"، وهو خطأ، والمثبت من بقية النسخ، وينظر: تهذيب الكمال ٢١/ ٥٦٩.
(٤) سيأتي بإسناد المصنِّف مع تخريجه.
(٥) جامع بيان العلم وفضله (٥٢) و(٥٣) من طريقين عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب الحرقي.
(٦) أخرجه أحمد في المسند ١٤/ ٤٣٨ (٨٨٤٤)، والبخاري في الأدب المفرد (٣٨)، ومسلم (١٦٣١)، وأبو داود في السنن برواية أبي الحسن ابن العبد كما في تحفة الأشراف ١٠/ ٢٢١ (١٣٩٧٥)، والترمذي (١٣٧٦)، والنسائي (٣٦٥١) من حديث العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب مولى الحُرقة، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁، به.
[ ١ / ٤٢١ ]
أشهلُ بنُ حاتم، قال: حدَّثنا ابنُ عون، عن نافع، عن ابنِ عُمر، قال: أصاب عمرُ أرضًا بخيبر، فأتى النبيَّ -ﷺ- فاستأْمَره فيها، فقال: يا رسولَ اللَّه، إنِّي أصبْتُ أرضًا بخيبرَ، لم أُصبْ مالًا قطُّ أنفسَ عندي منه، فما تأمُرُني به؟ فقال: "إن شِئْتَ حبَسْتَ أصلَها، وتَصَدَّقْتَ بها". قال: فتصدَّقَ بها عمرُ؛ أنّه لا يُباعُ أصلُها، ولا يُوهبُ، ولا يُورَثُ. قال: فتَصدَّقَ بها قي الفقراء، والقُرَباء (^١)، وفي الرِّقاب، وفي سبيلِ اللَّه، وابنِ السَّبيل، والضَّيف، لا جُناحَ على مَن وَليَها أن يأكلَ منها بالمعروف، أو يُطعِمَ صديقًا، غيرَ متأثِّل (^٢) أو مُتَمَوِّل مالًا (^٣).
وهذا الحديثُ يقولون: إنّه لم يروِه عن نافع إلّا ابنُ عون، وهو ثقةٌ، لم يروِه مالكٌ ولا غيرُه، إلّا أنّ مالكًا (^٤) قد روَى عن زيادِ بنِ سعد، عن ابنِ شهاب، أنَّ
_________________
(١) في ق: "القربى"، والمثبت من الأصل.
(٢) قوله: "غير متأثِّل" أي: غير جامع أو متَّخِذٍ، والمتأثِّل: الجامع، والتأثَّل: اتِّخاذ أصل المال حتى كأنّه عنده قديم. وكلُّ شيءٍ له أصلٌ قديمٌ، أو جُمع حتى يصيرَ له أصلٌ فهو مؤثَّلٌ ومُتأثَّل. ينظر: غريب الحديث لأبي عبيد ١/ ١٩٢، وشرح صحيح مسلم للنووي ١١/ ٨٦.
(٣) أخرجه أبو بكر النَّجاد في مسند عمر بن الخطاب (٤٤) عن الحارث بن أسامة، به. وأخرجه البيهقيُّ في الكبرى ٦/ ١٥٨ (١٢٢٣٣) من طريق أحمد بن يوسف بن خلّاد العطار، عن الحارث بن أبي أسامة، به. وأخرجه أحمد في المسند ٨/ ٢١٧ (٤٦٠٨)، والبخاري (٢٧٣٧) و(٢٧٧٢) و(٢٧٧٣)، ومسلم (١٦٣٢) (١٥)، وأبو داود (٢٨٧٨)، والنسائي (٣٥٩٧ - ٣٦٠٠)، وفي الكبرى ٦/ ١٣٩ - ١٣٨ (٦٣٩١ - ٦٣٩٤) من طرق عن عبد اللَّه بن عون البصريّ، به.
(٤) الموطّأ برواية أبي مصعب الزُّهريّ (٢٩٤٩)، وبرواية سويد بن سعيد (٢٩٥). ورواه عن مالك بالإسناد المذكور عبدُ اللَّه بن وهب المصريّ عند الطحاوي في شرح معاني الآثار ٤/ ٩٦ (٥٨٧٦)، وابن حزم في المحلّى ٩/ ١٨١. وإسناده ضعيف، لانقطاعه، محمد بن شهاب الزُّهري لم يُدرك عمر ﵁. وقال البيهقي في معرفة السُّنن والآثار ٩/ ٣٩ بعد أن ذكره عن ابن شهاب الزُّهريّ: "منقطع، ولا تثبتُ به حُجّة، ومشكوكٌ في مَتْنِه، لا يُدرى كيف قاله".
[ ١ / ٤٢٢ ]
عمرَ بنَ الخطّاب، قال: لولا أنِّي ذكَرْتُ صَدَقتي لرسولِ اللَّه -ﷺ- واستَأمَرْتُه -أو نحوَ هذا- لرجَعْتُ عنها. قال مالك: مخَافةَ أن يعملَ الناسُ بذلك فَرارًا من الحقِّ، ولا يَضَعونَها مواضِعَها.
وليس هذا الحديثُ في أكثرِ "الموطّآت" عن مالك. وممّن رواه عنه عبدُ اللَّه بنُ يوسف، وهذه الصدقةُ هي صدقةُ عمرَ المذكورةُ في حديثِ ابنِ عون، عن نافع، عن ابنِ عمر، واللَّهُ أعلم.
وفي ابنِ عونٍ هذا قال الشاعر:
خُذوا عن مالكٍ وعنِ ابنِ عونٍ ولا تَرْوُوا أحاديثَ ابنِ دابِ (^١)
وأمّا حديثُ عَمْرِو بنِ الحارث، فحدَّثناه عبدُ الوارثِ بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح (^٢)، قال: حدَّثنا يوسفُ بنُ عديّ، قال: حدَّثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن عمرِو بنِ الحارث، قال:
_________________
(١) البيت مع بيت آخر قبله في تاريخ ابن أبي خيثمة، السفر الثالث ١/ ٣١٣ - ٣١٤ (١١٤٣) و٢/ ٣٤٢ (٣٢٦٦) قال: "حدثنا الحزامي -يعني إبراهيم بن المنذر- قال أملى عليَّ ابن مُناذر -يعني محمد بن مُناذر الشاعر-: مَنْ يَبغِ الوصاةَ فإنّ عندي وَصاةٌ للكُهولِ وللشبابِ" ثم ذكر البيت الثاني المذكور هنا. ومن طريق أحمد بن زهير بن أبي خيثمة أخرجه المصنِّف في الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمّة ص ٤٣. وعندهما في آخره قول الحِزاميّ: "فلمّا قدِمتُ العراقَ، إذا هم ينشدونها على غير ما أملاها عليَّ: خذوا عن ابن يونسَ وعن ابن عون. . . ". وهو في تاريخ مدينة السَّلام للخطيب البغدادي ١٢/ ٤٧٢ مع ثلاثة أبيات أخرى، وفي عيون الأخبار لابن قتيبة ٢/ ١٥٤، والعقد لابن عبد ربه ٢/ ١٠١ معزوًّا لمحمد بن مناذر. وابن داب المذكور في نهاية البيت هو محمد بن داب المدنيّ، أحد رواة الحديث والسِّير، اتَّهمه أبو زرعة الرازي وغيره بالكذب. ينظر: تهذيب الكمال ٢٥/ ١٧٢ - ١٧٣.
(٢) هو محمد بن وضّاح بن بزيع.
[ ١ / ٤٢٣ ]
ما ترَك رسولُ اللَّه -ﷺ- دينارًا ولا درهمًا، ولا عَبدًا ولا أمةً، إلّا بَغلتَه البيضاءَ التي كان يَركبُها، وسلاحَه، وأرضًا جعَلها صدقةً في أبناء السَّبيل (^١).
وحديثُ أبي هريرةَ قد ذكَرناه من طُرُقٍ في "كتاب العلم" (^٢).
فهذه الآثارُ وما أشبهَها مما لا مَدخَلَ للتَّأويل فيها، بها احْتجَّ مَن أجاز الأوقاف.
وأمّا حديثُ أنسٍ هذا، فمُحتَمِلٌ للتَّأويلِ الذي ذكَرنا، والأغلبُ فيه عندَنا ما وَصَفْنا، والاحتجاجُ به في مَرْجِع الحُبُس على أقاربِ المحبِّس حُبُسًا حسنٌ قويٌّ، وباللَّه تعالى التوفيق.
قال أبو عُمر: كان منِّي هذا القولُ قبلَ أن أرَى حديثَ عبدِ العزيز (^٣) بنِ أبي سلمة، عن إسحاق (^٤)، عن أنس هذا، وفيه: فباع حسّانُ نصيبَه من معاوية، على ما ذكَرناه فيما تقدَّمَ مُلْحقًا، فعادَ ما ظننَّاه يَقينًا، والحمدُ للَّه.
وأمّا قولُه: "بَخٍ ذلكَ مالٌ رابحٌ" فإنّه أرادَ: مالٌ رابحٌ صاحبُهُ ومُعْطيهُ، فحَذَفَ؛ وذلك مَعْروفٌ من كلام العَرَب يقولون: مالٌ رابحٌ ومَتْجَرٌ رابحٌ، كما قالوا: ليلٌ نائمٌ، أي: يَنامُ فيه. وهكذا رواه يحيى: "مالٌ رابحٌ" من الرِّبْح، وتابعَهُ على ذلك جماعةٌ. ورواه ابنُ وَهْبٍ وغيرُه بالياءِ المَنْقوطة باثنتين من تحتها، وقال في تَفْسيره: إنّه يَرُوحُ على صاحبِه بالأجْرِ العظيم (^٥).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٤٤٦١)، والنسائي في المجتبى (٣٥٩٤)، وفي الكبرى ٦/ ١٣٧ (٦٣٨٨) كلاهما عن قتيبة بن سعيد، عن أبي الأحوص سلّام بن سُليم الحنفيّ، به. أبو إسحاق: هو عمرو بن عبد اللَّه السَّبيعي.
(٢) الذي فيه قوله -ﷺ-: إذا مات الإنسان انقطع عمله إلّا من ثلاثة. . . "، وهو في جامع بيان العلم وفضله (٥٢) و(٥٣)، وقد سلفت الإشارة إليه.
(٣) "عبد العزيز" من ق.
(٤) يعني ابن عبد اللَّه بن طلحة، وقد سلف هذا الحديث مع تخريجه.
(٥) كان هذا النص في مسودة المؤلف، التي نسخت عنها كثير من النسخ، أطول مما هنا، والظاهر أن المؤلف اختصره حينما بيّض الكتاب كما جاء في هذا النص المنقول من الأصل. أما ما كان في المسودة فننقله من نسخة ق وهذا نصه: =
[ ١ / ٤٢٤ ]
وقال الأخفش: أصلُه من الرَّوْحة، أي: هو مالٌ يَروحُ عليكَ ثَمَرُه وخيرُه متى شِئْتَ. والأوّلُ أولى عندي، واللَّهُ أعلم.
قال أبو عُمر: الأقاربُ الذين قسَم أبو طلحةَ صَدَقتَه عليهم: حسانُ بنُ ثابتٍ، وأبيُّ بنُ كعب.
أخبرني عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمن، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرِ بنِ عبدِ الرَّزّاق (^١)، قال: حدَّثنا سليمانُ بنُ الأشعث، قال (^٢): حدَّثنا موسى بن إسماعيل، قال: حدَّثنا حمّادُ بنُ سلمة، عن ثابت، عن أنس، قال: لما نزلت: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، قال أبو طلحة: يا رسولَ اللَّه، أرَى ربَّنا يَسألُنا أموالَنا،
_________________
(١) = "وقوله: "بخ بخ" هي كلمة إعجاب وقد تخفّف وتُثَقّل، فإذا كُررت فالاختيار أن تنوّن الأولى وتسكّن الثانية فيقولون: بَخٍ بَخْ، كما يقولون: صَهٍ صه لن تُسكّتُه، وقد يُخففان جميعًا. قال الشاعر [هو أعشى هَمْدان وهو في ديوانه ١١٣]. بَخْ بَخْ لوالده وللمولود وقوله: "رابح" أراد: رابحٌ صاحبه ومعطيه، فحَذَفَ وذلك معروف من كلام العرب يقولون: مالٌ رابح ومتجرٌ رابح كما قالوا: ليلٌ نائمٌ، أي: يُنام فيه. وحقيقته عند أهل العرفة باللسان أنه على النسب، أي: مال ذو ربح، كما يقولون: همٌّ ناصبٌ وعيشةٌ راضيةٌ، أي: همٌ ذو نَصَبٍ وعيشة ذات رضًا، وهكذا رواه يحيى: "مال رابح" من الربح، وتابعه على ذلك جماعة. ورواه ابنُ وَهْب وغيره بالياء النقوطة باثنتين وقال في تفسيره: "إنه يروح على صاحبه بالأجر العظيم"، وقيل: الرايح: القريب المسافة الذي يروح خيره ولا يَعْرُب نفعه وإلى هذا ذهب الأخفش، قال".
(٢) هو ابن داسة التمّار، ومن طريقه أخرجه البيهقي في الكبرى ٦/ ٢٨٠ (١٣٠٢٢).
(٣) في سننه (١٦٨٩). وأخرجه أحمد في المسند ٢١/ ٤٣١ (١٤٠٣٦)، ومسلم (٩٩٨) (٤٣)، والنسائي في المجتبى (٣٦٠٢)، وفي الكبرى ٦/ ١٤٠ (٦٣٩٦) و١٠/ ٤٧ (١١٠٠١) من طرق عن حمّاد بن سلمة، به. موسى بن إسماعيل: هو المنقري، أبو سلمة التبوذكي، وثابتٌ: هو البُنانيّ.
[ ١ / ٤٢٥ ]
وإنِّي أُشهِدُكَ أنِّي قد جعَلْتُ أرضِي بأرِيْحاء (^١) له. فقال رسولُ اللَّه -ﷺ-: "اجْعَلْها في قَرابَتِك". فقسَمَها بينَ حسّانَ بنِ ثابتٍ وأبيِّ بنِ كعب.
قال أبو داود (^٢): وبلَغني عن محمدِ بنِ عبدِ اللَّه الأنصاريِّ أنَّه قال: أبو طلحةَ الأنصاريُّ: زيدُ بنُ سهلِ بنِ الأسودِ بنِ حرام بنِ عمرِو بنِ زيدِ مناةَ بنِ عديِّ بنِ عمرِو بنِ مالكِ بنِ النَّجّار وحسّانُ بنُ ثابتِ بنِ المنذرِ بنِ حرام، يجتمعانِ في حرام؛ وهو الأبُ الثالث. وأُبيُّ بنُ كعبِ بنِ قيسِ بنِ عتيكِ بنِ زيدِ بنِ معاويةَ بنِ عمرِو بنِ مالكِ بنِ النَّجّار. قال الأنصاريُّ: بينَ أبي طلحةَ وأُبيٍّ ستَّةُ آباء. قال: وعمرُو بنُ مالكٍ يجمعُ حسّانَ وأُبيَّ بنَ كعبٍ وأبا طلحة.
قال أبو عُمر: أما حسّانُ، فيَلقاه أبو طلحةَ عندَ أبيه الثالث، وأمّا أُبيٌّ فيلقاه أبو طلحةَ عندَ أبيه السّابع.
قال أبو عُمر: وفي هذا أيضًا ما يَقضي على القَرابةِ أنّها ما كان في هذا القُعْدُدِ (^٣) ونحوِه، وما كان دونَه فهو أحْرَى أن يَلحَقَه اسمُ القَرابة.
_________________
(١) في الأصل، ف ١: "بيرحا"، والمثبت من ق، وهو الموافق لما في سنن أبي داود وفي صحيح مسلم، من حديث حمّاد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، وهو الذي أخرج أبو داود الحديث من طريقه: "بَرِيحا".
(٢) بإثر الحديث (١٦٨٩).
(٣) القُعْدد، بضم الدال وفتحها، أمْلَك القرابة في النَّسب، يقال: فلان أقعَدُ من فلان؛ أي: أقرب منه إلى جدِّه الأكبر. المحكم ١/ ١٧٢، واللسان (قعد).
[ ١ / ٤٢٦ ]