حديثٌ أولُ لأيُّوبَ السَّخْتيانيّ
مالكٌ (^١)، عن أيوبَ بنِ أبي تميمةَ السَّختيانيِّ، عن محمدِ بنِ سيرين، عن أبي هريرة، أنَّ رسولَ اللَّه -ﷺ- انصرَف من اثنتين، فقال له ذو اليدين: أقَصُرَتِ الصلاةُ يا رسولَ اللَّه أم نسِيتَ؟ فقال رسولُ اللَّه -ﷺ-: "أصَدقَ ذُو اليَدَيْنِ؟ " فقال الناسُ: نعم. فقامَ رسولُ اللَّه -ﷺ- فصلَّى رَكْعتَينِ أُخْرَيينِ ثم سلَّم، ثم كبَّر فسجدَ مثلَ سُجودِه أو أطولَ، ثم رفَع، ثم كبَّر فسجدَ مثلَ سُجودِه أو أطولَ، ثم رفَع.
محمدُ بنُ سيرينَ، يُكْنَى أبا بكرٍ، وهو مولًى لأنسِ بنِ مالكٍ الأنصاريِّ، وهو أحدُ أئمةِ التابعينَ من أهلِ البصرةِ، وُلدَ قبلَ قتلِ عُثمانَ بسنتينِ، وتُوُفِّيَ سنةَ عشرٍ ومئةٍ (^٢). وقد ذكَرْنا الاختلافَ في اسم أبي هريرةَ في كتابِنا في "الصحابةِ" (^٣).
وفي هذا الحديثِ وجوهٌ من الفقهِ والعلم؛ منها أنَّ النسيانَ لا يُعصَمُ منه أحدٌ نبيًّا كان أو غيرَ نبيٍّ؟ قال -ﷺ-: "نسِيَ آدمُ فنسيَتْ ذُرِّيتُه" (^٤).
_________________
(١) الموطّأ ١/ ١٤٧ (٢٤٧). وأخرجه البخاري (٧١٤) و(١٢٢٨) و(٧٢٥٠)، وأبو داود (١٠٠٩)، والنسائي في المجتبى (١٢٢٥)، وفي الكبرى ١/ ٣٠٣ (٥٧٧) من طريق مالك، به.
(٢) ينظر: الطبقات الكبرى لابن سعد ٧/ ١٩٣، والمعرفة والتاريخ ٢/ ٥٤، وتهذيب الكمال ٢٥/ ٣٤٤ (٥٢٨٥).
(٣) الاستيعاب ٤/ ١٧٦٨ (٣٢٠٨).
(٤) جزءٌ من حديث أخرجه الترمذي (٣٣٦٨)، والبزار في مسنده ١٥/ ١٥٠ (٨٤٧٨)، وابن حبّان في صحيحه ١٤/ ٤٠ (٦١٦٧)، وابن مندة في الردّ على الجهمية ص ٢٤، والحاكم في المستدرك ١/ ٦٤، والبيهقي في الكبرى ١٠/ ١٤٧ (٢١٠٢٥) من طرق عن صفوان بن عيسى الزهري، عن الحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذباب، عن سعيد المقبُريّ، عن أبي هريرة. ورجال إسناده ثقات غير الحارث بن عبد الرحمن بن سعد بن أبي ذباب الدَّوْسيّ، فهو صدوق حسن الحديث، كما هو مبيّنٌ في تحرير التقريب (١٠٣٠). =
[ ١ / ٦٠١ ]
وفيه أنَّ اليقينَ لا يَجِبُ تركُه للشكِّ حتى يأتيَ يقين يُزيلُه، ألا ترَى أنَّ ذا اليدَينِ كان على يقينٍ من أنَّ فرضَ صلاتِهم تلك أربعُ رَكْعاتٍ، وكانت إحدَى صلاتي العَشِيِّ (^١) كما رُويَ، فلمَّا أتَى بها رسولُ اللَّه -ﷺ- على غيرِ تمامِها، وأمكنَ في ذلك القَصْرُ من جهةِ الوحي، وأمكنَ الوَهمُ، لَزِمَه الاستفهامُ ليصيرَ إلى يقينٍ يَقطَعُ به الشكَّ.
وفيه أنَّ الواحدَ إذا ادَّعَى شيئًا كان في مجلسِ جماعةٍ لا يُمكنُ في مثلِ ما ادَّعَاه أنْ يَنفَرِدَ بعلمِه دونَ أهلِ المجلسِ، لم يُقطعْ بقولِه حتى تُستَخْبَرَ الجماعةُ، فإنْ خالفُوه سقَط قولُه أو نُظرَ فيه بما يَجِبُ، وإنْ تابعُوه ثبَت، وقد جعَل بعضُ أصحابِنا وغيرُهم من الفقهاءِ هذا أصلًا في رُؤيةِ الهلالِ في غيرِ غَيْم، وهو أصلٌ يطولُ فيه الكلامُ، وليس هذا موضعَه.
وفيه دليلٌ على أنَّ المُحدِّثَ إذا خالفتْه جماعة في نقلِه أنَّ القولَ قولُ الجماعةِ، وأنَّ القلبَ إلى روايتِهم أشدُّ سُكُونًا من روايةِ الواحدِ.
وفيه أنَّ الشكَّ قد يَعودُ يقِينًا بخبرِ أهلِ الصدقِ، وأنَّ خبرَ الصادقِ يُوجبُ اليقينَ، والواجبُ إذا اختَلف أهلُ مجلسٍ في شهادةٍ وتكافئوا في العدالةِ، أنْ يؤخذَ بشهادةِ مَن أثبَتَ علمًا، دونَ مَن نفَاه.
وفيه أنَّ مَن سلَّم ساهيًا في صلاتِه لم يضُرَّه ذلك، وأتمَّها بعدَ سلامِه ذلك، وسجَد لسهوِه، ولم يُؤمَرْ باستئنافِ صلاتِه، بل يبني على ما عمِل فيها ويُتمُّها.
_________________
(١) = وقال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، وقد روي من غير وجهٍ عن أبي هريرة، عن النبيِّ -ﷺ-، من رواية زيد بن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبيِّ -ﷺ-" قلنا: وهو عنده من الوجه المذكور (٣٠٧٦)، وعند ابن سعد في الطبقات ١/ ٢٧، والبزار في مسنده ١٥/ ٣٣٥ (٨٨٩٢)، وأبي يعلى في مسنده ١١/ ٢٦٣ (٦٣٧٧).
(٢) يعني: صلاتي الظُّهر والعصر.
[ ١ / ٦٠٢ ]
وفيه السجودُ بعدَ السلام لِمَنْ عرَض له مثلُ هذا في صلاتِه، أو لِمَنْ زادَ فيها ساهيًا، قياسًا عليه، وسنذكرُ اختلافَ الفقهاءِ في سُجودِ السهوِ في بابِ زيدِ بنِ أسلمَ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ (^١)، وفي بابِ ابنِ شهابٍ، عن عبدِ الرَّحمنِ الأعرج إن شاء اللَّه (^٢).
وفيه أنَّ سجدَتَي السهوِ يُكبَّرُ فيهما، وأنهما على هيئةِ سُجودِ الصلاةِ، وليس في حديثِ مالكٍ هذا السلامُ من سجدتَي السّهْوِ، وذلك محفوظٌ في غيرِه، وسنذكرُ ذلك في هذا البابِ إن شاء اللَّه.
وقد كان ابنُ شهابِ يُنكِرُ أن يكونَ رسولُ اللَّه -ﷺ- سجدَ يومَ ذي اليدين (^٣)، ولا وَجْهَ لقولِه ذلك؛ لأنَّه قد ثبَت عن النبيِّ -ﷺ- في هذا الحديثِ وغيرِه أنَّه سجَد يومَئذٍ بعدَ السلام.
قرأْتُ على خلفِ بنِ القاسم، أنَّ عبدَ اللَّه بنَ جعفرِ بنِ الوردِ حدَّثهم، قال: حدَّثنا يُوسفُ بنُ يزيدَ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ صالح، قال: حدَّثني الليثُ بنُ سعدٍ، عن ابن أبي ذِئْب (^٤)، عن جعفرِ بنِ ربيعةَ، عن عراكِ بنِ مالكٍ،
_________________
(١) وهو الحديث الثاني والعشرون لزيد بن أسلم، وسيأتي في موضعه إن شاء اللَّه تعالى. وهو في الموطّأ ١/ ١٥٠ (٢٥٢).
(٢) هو الحديث الثاني لابن شهاب الزُّهريّ، وسيأتي في موضعه إن شاء اللَّه تعالى، وهو في الموطّأ ١/ ١٥٢ (٢٥٦).
(٣) وذلك فيما أخرجه الطحاويُّ في شرح معاني الآثار ١/ ٤٥١ (٢٦١٢) من طريق عبد الرحمن بن محمد بن أبي ذئب عنه، قال: "سألت أهل العلم بالمدينة، فما أخبرني أحدٌ منهم أنه صلّاهما؛ يعني: سجدتي السّهْوِ يومَ ذي اليَدَيْن".
(٤) هكذا في النسخ كافة، وهو من سهو القلم، صوابه: ابن أبي حبيب، واسمه يزيد، ورواية يزيد بن أبي حبيب عن جعفر بن ربيعة ثابتة في تهذيب الكمال ٥/ ٣٠. ورواية الليث بن سعد عنه ثابتة في تهذيب الكمال أيضًا، إذ هي في الكتب الستة ٢٤/ ٢٥٩.
[ ١ / ٦٠٣ ]
عن أبي هريرةَ، أنَّ النبيَّ -ﷺ- سجَد يومَ ذي اليدَيْنِ سجدَتَيْنِ بعدَ السلام (^١).
وقد زعَم بعضُ أهلِ الحديثِ أنَّ في هذا الحديثِ دليلًا على قَبُولِ خبرِ الواحدِ، وقد ادَّعَى المخالفُ أنَّ فيه حُجةً على مَن قال بخبرِ الواحدِ، والصحيحُ أنَّه ليسَ بحُجَّةٍ في قَبولِ خبرِ الواحدِ ولا في ردِّه.
وفيه أيضًا دليلٌ على أنَّ الكلامَ في الصلاةِ، إذا كان فيما يُصلِحُها وفيما هو منها، لا يُفسِدُها، عمدًا كان أو سهوًا، إذا كان فيما يُصلِحُها، وقد اختلَف في هذا المعنَى جماعةُ الفقهاءِ من أصحابِنا وغيرِهم، على ما نُبيّنُه إن شاء اللَّه.
وفيه أنَّ مَن تكلَّم في الصلاةِ وهو يظنُّ أنَّه قد أتمَّها، وهو عندَ نفسِه في غيرِ صلاةٍ أنَّه يبني ولا تفسُدُ صلاتُه.
فأما قولُ مالكٍ وأصحابِه في هذا البابِ؛ فإنَّهم اختلفوا فيه واضطربَتْ أقاويلُهم ورواياتُهم فيه عن مالكٍ.
فروَى سُحْنُونٌ، عنِ ابنِ القاسم، عن مالكٍ، قال: لو أنَّ قومًا صلَّى بهم رجلٌ رَكْعتين وسَلَّم ساهيًا، فسبَّحوا به فلم يَفقَهْ، فقال له رجلٌ من خلفِه ممن هو معه في الصلاةِ: إنكَ لم تُتمَّ، فأتمَّ صلاتَك. فالتفَت إلى القوم، فقال: أحقٌّ ما يقولُ هذا؟ فقالوا: نعم. قال: يُصلِّي بهم الإمامُ ما بَقِيَ من صلاتِهم، ويُصَلُّون معه بقِيَّةَ صلاتِهم؛ مَن تكلمَ منهم ومَن لم يتكلمْ، ولا شيءَ عليهم، ويفعلون
_________________
(١) أخرجه النسائي في المجتبى (١٢٣٣)، وفي الكبرى ١/ ٣٥٢ (٥٧٥) و٢/ ٥٠ (١١٥٧)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٤٣٩ (٢٥٥٥) من طريق عبد اللَّه بن وهب، عن الليث بن سعد، به. ورجال إسناد المصنِّف ثقات غير عبد اللَّه بن صالح، وهو أبو صالح المصري كاتب الليث بن سعد، فهو صدوق حسن الحديث كما هو مبيّنٌ في تحرير التقريب (٣٣٨٨)، وهو متابع، تابعَهُ عبد اللَّه بن وهب المصري كما في مصادر التخريج. جعفر بن ربيعة: هو الكنديُّ، أبو شرحبيل المصري، وقد سقط ذكره من المطبوع من شرح المعاني، وهو ثقة.
[ ١ / ٦٠٤ ]
في ذلك ما فعَل النبيُّ -ﷺ- يومَ ذي اليدين. هذا قولُ ابنِ القاسم في كتاب "المُدَوَّنَةِ" (^١)، وروايتُه عن مالكٍ، وهو المشهورُ من مذهبِ مالكٍ، وإياه يُقلِّدُ إسماعيلُ بنُ إسحاقَ، واحتجَّ له في كتابِ ردِّه على محمدِ بنِ الحسنِ، وكذلك روَى عيسى (^٢)، عنِ ابنِ القاسم، قال عيسى: سألْتُ ابنَ القاسم عن إمام فعلَ اليومَ كفعلِ النبيِّ -ﷺ- يومَ ذي اليدين، وتكلَّم أصحابُه على نحوِ ما تكلَّم أصحابُ النبيِّ -ﷺ- يومَ ذي اليدين، فقال ابنُ القاسم: يفعلُ كما فعَل النبيُّ -ﷺ- يومَ ذِي اليدَين، ولا يُخالفُه في شيءٍ من ذلك؛ لأنَّها سُنةٌ سنَّها.
زادَ العُتْبِيُّ (^٣) في هذه عن عيسى، عنِ ابنِ القاسم: ولْيرجعِ الإمامُ فيما شكَّ فيه إليهم ويُتِمَّ معهم، ويُجزِئُهم.
قال عيسى: قال ابنُ القاسم: ولو أنَّ إمامًا قامَ من رابعةٍ، أو جلَس في ثالثةٍ، فسُبِّحَ به فلم يَفْقَهْ، فكلَّمَه رجلٌ ممن خلفَه - كان مُحسِنًا، وأجْزَتْه صلاتُه.
قال عيسَى: وقال ابنُ كِنانةَ: لا يجوزُ لأحدٍ من الناسِ اليومَ ما جازَ لمن كان يومَئذٍ مع النبيِّ -ﷺ-؛ لأنَّ ذا اليدَين ظنَّ أنَّ الصلاةَ قد قَصُرَتْ، فاستفْهَمَ عن ذلك، وقد علِمَ الناسُ اليومَ أنَّ قَصْرَها لا يَنزلُ؛ فعلى من تكلَّم الإعادةُ. قال عيسى: فقرأتُه على ابنِ القاسم، فقال: ما أرَى في هذا حُجةً، وقد قال لهم رسولُ اللَّه -ﷺ-: "كلُّ ذلكَ لم يكنْ؟ ". فقالوا له: بلَى. فقد كلَّمُوه عمدًا، بعدَ علمِهم أنَّها لم تُقْصَر وبنَوا معه.
_________________
(١) ١/ ٢١٨.
(٢) يعني عيسى بن دينار بن واقد الغافقيّ، وينظر: التاج والإكليل لمختصر خليل لمحمد بن يوسف العبدريّ ٢/ ٣٢٨.
(٣) هو محمد بن أحمد بن عبد العزيز العُتْبيّ القرطبي، مصنِّف العُتبية.
[ ١ / ٦٠٥ ]
وقال يحيَى، عن ابنِ نافع: لا أُحبُّ لأحدٍ أنْ يفعلَ مثلَ ذلك الفعلِ اليومَ، فإن فعَل لم آمرْه أنْ يستأنفَ.
وروَى أبو قُرَّةَ موسى بنُ طارقٍ، عن مالكٍ، مثلَ قولِ ابنِ نافع، خلافَ روايةِ ابنِ القاسم عنه.
حدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ اللَّه بنِ عبدِ المؤمنِ، قال: حدَّثنا المُفَضَّلُ بنُ محمدٍ الجَنَدي، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ زيادٍ، قال: حدَّثنا أبو قُرَّةَ، قال: سمِعتُ مالكًا يَستحِبُّ إذا تكلَّم الرجلُ في الصلاةِ أن يعودَ لها، ولا يبنيَ. قال: وقال لنا مالكٌ: إنما تكلَّم رسولُ اللَّه -ﷺ- وتكلَّم أصحابُه معه يومَئذٍ؛ لأنَّهم ظنُّوا أنَّ الصلاةَ قد قَصُرَتْ، ولا يجوزُ ذلك لأحدٍ اليوم.
وروَى أشهبُ، عن مالكٍ، في سماعِه، أنَّه قيل له: أبَلَغك أنَّ ربيعةَ صلَّى خلفَ إمام فأطالَ التشهدَ، فخافَ ربيعةُ أنْ يُسلِّمَ، وكانَ على الإمام السجودُ قبلَ السلام، فكلَّمه ربيعةُ، وقال له: إنهما قبلَ السلام؟ فقال: ما بلَغني، ولو بلغني، ما تكلمْتُ به، أيُتكلَّمُ في الصلاةِ؟!
قال أبو عُمر: تَحتمِلُ روايةُ أشهبَ هذه أن يكونَ مالكٌ رجَع فيها عن قولِه الذي حكَاه عنه ابنُ القاسم إلى ما حكَاه عنه أبو قُرَّةَ، ويَحتمِلُ أن يكونَ أنكَر هذا من فعلِ ربيعةَ من أجلِ أنَّه لم يكنْ يلزمُه عندَه الكلامُ فيما تكلَّم فيه؛ لأنَّ أمرَ سُجودِ السهوِ خفيفٌ في أن يُنقَلَ ما كان منه قبلَ السلام فيُجعَلَ بعدَ السلام، فكأنَّ ربيعةَ عندَ مالكٍ تكلَّم فيما لم يكنْ ينبغِي له أن يَتكلَّمَ فيه، ورأى كلامَه كأنَّه في غيرِ شأنِ الصلاةِ، وذهَب ربيعةُ إلى أنَّه تكلَّم في شأنِ الصلاةِ وصلاحِها، واللَّهُ أعلم.
أخبَرنا أحمدُ بنُ عبدِ اللَّه بنِ محمدِ بنِ عليٍّ الباجِيُّ (^١)، قال: أخبرني أبي. وحدَّثنا
_________________
(١) "الباجي" من ق.
[ ١ / ٦٠٦ ]
عبدُ اللَّه بنُ محمّدِ بنِ يوسفَ، قال: أخبرنا عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ علي، قال: أخبرنا عبدُ العزيزِ بنُ مُدركٍ، قال: أخبَرنا ابنُ وَضّاح (^١)، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ مسكينٍ، قال: أصحابُ مالكٍ كلُّهم (^٢) على خلافِ قولِ مالكٍ في مسألةِ ذي اليدين إلَّا ابنَ القاسم وحدَه؟ فإنَّه يقولُ فيها بقولِ مالكٍ، وغيرُهم يأبَونَهُ ويقولون: إنما كان هذا أولَ الإسلام، فأمَّا الآنَ فقد عرَف الناسُ صلاتَهم، فمن تكلَّم فيها أعادَها.
قال ابنُ وَضّاح: وقد قيل: إنَّ ذا اليدين استُشْهِدَ يومَ بدرٍ، وإسلامُ أبي هريرةَ كان عامَ خيبرَ (^٣).
قال أبو عُمر: قد قال جماعةٌ من المُتَقَدِّمين ما قالَه ابنُ وَضّاح، في موتِ ذي اليدين، وليسَ عندَنا كذلك، وإنما المقتولُ ببدرٍ ذُو الشِّمالين، وسنُبَيِّنُ القولَ في ذلك بعدُ في هذا البابِ إن شاء اللَّه.
وذكر سُحْنُونٌ (^٤)، عن ابنِ القاسم، في رجلِ صلَّى وحدَه، ففرَغ عندَ نفسِه من الأربع، فقال له رجلٌ إلى جنبِه: إنكَ لم تُصلِّ إلَّا ثلاثًا. فالتفَتَ إلى آخرَ، فقال: أحقٌّ ما يقولُ هذا؟ قال: نعم! قال: تَفسُدُ صلاتُه، ولم يكنْ ينبغي له أن يُكلمَه، ولا يلتفِتَ إليه.
_________________
(١) هو محمد بن وضاح بن بزيع.
(٢) "كلهم" لم ترد في الأصل.
(٣) عزا هذا القولين في وفاة ذي اليدين ابن حزم في المحلّى لأصحاب أبي حنيفة، حيث نسبوا ذلك لسعيد بن المسيِّب ومحمد بن شهاب الزهري، وردَّه، فقال: "وهذا كلُّه باطل"، ثم ذكر ما سيقوله المصنِّف من أن المقتول يوم بدر هو ذو الشمالين واسمه عبدُ عمرٍو الخُزاعي، وأن المكلِّم لرسول اللَّه -ﷺ- هو ذو اليدين، واسمه الخرباق السلمي.
(٤) المدوّنة ١/ ٢١٨.
[ ١ / ٦٠٧ ]
وهذه المسألةُ عندَ أكثرِ المالكيين البغداديينَ وغيرِهم محمولةٌ من قولِ ابنِ القاسم، على أنَّ المصلِّيَ إنما يجوزُ له الكلام في إصلاح الصلاةِ، للضرورةِ الدافعةِ إليه إذا كان في صلاةِ جماعةٍ، ولا يجوزُ ذلك للمنفردِ؛ لأنَّه لا يُوجَدُ بُدٌّ لمن سُبِّحَ به، ولم يفقَهْ بالتَّسبيح، أن يُكلَّمَ ويُفصَحَ له بالمرادِ للضرورةِ الداعيةِ إلى ذلك في إصلاح الصلاةِ؛ تأسِّيًا بفعل النبيِّ -ﷺ- مع أصحابِه يومَ ذي اليَدَيْنِ.
قال أبو عُمر: فكانوا يُفرِّقُون في هذه المسألةِ بينَ الجماعةِ وبينَ المُنْفَرِد، فيُجِيزون من الكلام في شأنِ الصلاةِ للإمام ومَن معه ما لا يُجيزونه للمنفردِ.
وكان غيرُ هؤلاءِ منهم يَحمِلون جوابَ ابنِ القاسم في المنفردِ في هذه المسألةِ، على خلافٍ من قولِه في استعمالِ حديثِ ذي اليَدَيْنِ، كما اختلَف قولُ مالكٍ في ذلك، وَيذهبون إلى جوازِ الكلام في إصلاح الصلاةِ للمنفردِ والجماعةِ، ويقولون: لا فرقَ بينَ أن يُكلِّمَ الرجلُ في إصلاح الصلاةِ مَن معه فيها، وبينَ أن يُكلِّمَ مَن ليس معه فيها، إذا كان ذلك في شأنِ إصلاحِها وعَمَلِها، كما أنَّه لا فرقَ بينَ أن يُكلِّمَ رجلٌ مَنْ معه فيها ومَنْ ليسَ معه فيها بكلامٍ في غيرِ إصلاحِها، في أنَّ ذلك يُفسِدُها.
قالوا: وإذا كانت العِلَّةُ شأنَ إصلاح الصلاةِ، فالمنفردُ قد شمِلتْه تلكَ العِلَّةُ، فلا يَخرُجُ عنها.
قالوا: وقد تكلَّم النبيُّ -ﷺ- وأصحابُه يومَ ذي اليدَينِ في شأنِ الصلاةِ، وبنَوا على ما صلَّوا، ولو كان بينَ المنفردِ والجماعةِ فرقٌ لبَيَّنَه رسولُ اللَّه -ﷺ-، ولقال: إنما هذا لمن كان مع إمامِه خاصةً دونَ المنفرِدِ. ولمَا سكَتَ عن ذلك لو اختلَف حُكمُه، واللَّهُ أعلم.
[ ١ / ٦٠٨ ]
قال أبو عُمر: من حُجَّةِ مَن ذهَب إلى الوجْهِ الأولِ، ممنْ يقولُ بقولِ ابنِ القاسم في هذا البابِ، أنَّ النهيَ عن الكلام في الصلاةِ على ما ورَد في حديثِ ابنِ مسعودٍ (^١) وغيرِه، إنما خَرَجَ على ردِّ السلام في الصلاةِ، وعلى مجُاوبةِ مَن جاءَ فسألَ: بكمْ سُبِقَ من الصلاةِ؟ وعلى مَن عرَضَتْ له حاجةٌ فأمَر بها وهو في صلاةٍ، وقد كان في مندوحةٍ عن ذلك حتى يَفرُغَ من صلاتِه، فعلى هذا خَرَجَ النهيُ عن الكلام في الصلاةِ وجاءَ خبرُ ذي اليدين بجوازِ الكلام في إصلاح الصلاةِ إذا لم يُوجدْ بُد من الكلام، فوجَب استعمالُ الأخبارِ كلِّها، وإلَّا يَسقُطْ بعضها ببعضٍ، ولا سبيلَ إلى ذلك إلّا بهذا التخريج والتوجيهِ، واللَّهُ أعلم.
وهذا ليس للمنفردِ؛ لأنَّ المنفردَ قد أُمرَ بالبناءِ على يقينِه، فكان له في ذلك مندوحةٌ عن الكلام؛ لأنَّ الكلامَ إنما جازَ فيما لا يُوجَدُ منه مندوحةٌ، واللَّهُ أعلم.
فهذا ما لمالكٍ وأصحابِه في روالة ابنِ القاسم وغيرِه في مسألةِ ذِي اليدين. وأمَّا سائرُ العلماءِ فنحنُ نذكرُ ما صحَّ في ذلك عندَنا عنهم أيضًا بعونِ اللَّه.
أمَّا أحمدُ بنُ حنبلٍ فذكَر الأثْرَمُ عنه أنَّه قال: ما تكلَّم به الإنسانُ في صلاتِه لإصلاحِها لم تَفسُدْ عليه صلاتُه، فإنْ تكلَّم بغيرِ ذلك فسَدتْ عليه (^٢).
وقال في موضع آخرَ: سمِعتُ أحمدَ بنَ حنبلٍ يقولُ في قصةِ ذِي اليدين: إنما تكلَّم ذُو اليدين وهو يرَى أنَّ الصلاةَ قد قَصُرَتْ، وتكلَّم النبيُّ ﵇ وهو دافع لقولِ ذي اليدين، فكلَّم القومَ فأجابُوه؛ لأنَّه كان عليهم أن يُجيبُوه (^٣).
_________________
(١) سيأتي بإسناد المصنِّف مع تخريجه.
(٢) ومثل ذلك روى عنه ابنه عبد اللَّه في مسائله ص ١٠١ (٣٦٠) و(٣٦٤). وإسحاق بن منصور الكوسج في مسائل الإمام أحمد وإسحاق بن راهوية ٢/ ٦٢٢ - ٦٢٤ (٢٧١).
(٣) وهذا القول نقله عنه إسحاق بن منصور الكوسج في مسائل الإمام أحمد وإسحاق بن راهوية ٢/ ٦٢٢ - ٦٢٤ (٢٧١)، وينظر: المغني لابن قدامة/ ط مكتبة القاهرة ٢/ ٣٨.
[ ١ / ٦٠٩ ]
وذكَر الخِرَقِيُّ (^١) أنَّ مذهبَ أحمدَ بنِ حنبلٍ فيمن تكلَّم عامدًا أو ساهيًا بطَلَتْ صلاتُه، إلَّا الإمامَ خاصةً، فإنَّه إذا تكلَّمَ لمصلحةِ صلاتِه لم تَبطُلْ صلاتُه.
وأمَّا الأوزاعيُّ فمذهبُه جوازُ الكلام في الصلاةِ في كُلِّ ما يَحتاجُ إليه المصلِّي مما يُعذرُ فيه، قال الأوزاعِيُّ (^٢): لو أنَّ رجلًا قال لإمام جهَر بالقراءةِ في العصرِ: إنَّها العصرُ. لم يكنْ عليه شيءٌ. قال: ولو نظَر إلى غُلام يريدُ أن يَسقُطَ في بئرٍ فصاحَ به، أو انصرَف إليه، أو جبَذه، لم يَكُنْ بذلك بأس.
وأمَّا الشافعيُّ فقال (^٣): لا يَشُكُّ مُسلم أنَّ النبيَّ -ﷺ- لم يَنصرِفْ إلَّا وهو يرَى أنْ قد أكمَل الصلاةَ، وظنَّ ذُو اليدين أنَّ الصلاةَ قد قَصُرَتْ بحادثٍ من اللَّه، ولم يَقبَلْ رسولُ اللَّه -ﷺ- من ذي اليَدَينِ إذْ سألَ غيرَه، ولمَّا سألَ غيرَه، احتمَلَ أن يكونَ سألَ مَن لم يسمعْ كلامَه، فيكونون مثلَه -يعني مثلَ ذي اليدين- واحتمَل أن يكونَ سألَ مَن سمِع كلامَه ولم يَسمع النبِيَّ -ﷺ- حينَ ردَّ عليه، فلمَّا لم يَسمع النبيَّ ﵇ ردَّ عليه (^٤)، كان في معنَى ذي اليَدَينِ؛ من أنَّه لم يدْرِ أقَصرَتِ الصلاةُ أم نسِيَ رسولُ اللَّه -ﷺ-؟ فأجابَه ومعنَاه معنَى ذي اليدين، مع أنَّ الفرضَ عليهم جوابُه، ألا ترَى أنَّ النبيَّ -ﷺ- لمَّا أخبَرُوه فقبِل قولَهم لم يَتكلَّمْ ولم يَتكلَّموا حتى بنَوْا على صلاتِهم؟
_________________
(١) كما في المغني لابن قدامة ٢/ ٣٨، والشرح الكبير لعبد الرحمن بن محمد بن قدامة ١/ ٦٧٥، وشرح الزركشي على مختصر الخرقيّ ٢/ ٢٥.
(٢) كما في الأوسط لابن المنذر ٣/ ٤١٥، والمغني لابن قدامة ٢/ ٣٩.
(٣) في الأمّ ١/ ١٤٩.
(٤) في الأصل: "من ردّ عليه"، وما أثبتناه من بقية النسخ، وهو الذي في "الأمّ" للشافعي.
[ ١ / ٦١٠ ]
قال (^١): فلمَّا قُبضَ رسولُ اللَّه -ﷺ- تناهَتِ الفرائضُ؛ فلا يُزادُ فيها ولا يُنقَصُ منها أبدًا. قال: فهذا فرقُ ما بينَنا وبينَه إذا كان أحدُنا إمامًا اليوم.
قال أبو عُمر: فالذي حصل عليه قولُ مالكٍ وأصحابِه، والشافعيِّ وأصحابِه، في هذه المسألةِ، ممَّا لا يَختلفون فيه، أنَّ الكلامَ والسلامَ ساهيًا في الصلاةِ لا يُفسِدُها، ولا يَقدَحُ في شيءٍ منها، وتُجْزِئُ منه سجدتَا السهوِ، وليستا هاهُنا بواجبةٍ فرضًا، عندَ واحدٍ منهم، ومَن نسِيَهما ولم يسجُدْهما لم يضُرَّه، ويسجُدُهما عندَ مالكٍ وأصحابِه متى ما ذكَر، وإنما الخلافُ بينَ مالكٍ والشافعيِّ أنَّ مالكًا يقولُ: لا يُفسِدُ الصلاةَ تَعَمُّدُ الكلام فيها إذا كان في إصلاحِها وشأنِها. وهو قولُ ربيعةَ، وابنِ القاسم، إلَّا ما رُويَ عنه في المنفرد.
وقال الشافعيُّ وأصحابُه ومن تابعَهم من أصحابِ مالكٍ وغيرِهم: إنَّه إن تعمَّدَ الكلامَ، وهو يَعلمُ أنَّه لم يُتمَّ الصلاةَ وأنَّه فيها، أفسَد صلاتَه، وإنْ تكلَّم ساهيًا، أو تكلَّم وهو يَظنُّ أنَّه ليس في صلاةٍ -لأنَّه قد أكمَلها عندَ نفسِه- فهذا يَبني، ولا يُفسِدُ عليه كلامُه هذا صلاتَه.
وأجمَع المسلمون طُرًّا أنَّ الكلامَ عامدًا في الصلاةِ -إذا كان المصلِّي يعلمُ أنَّه في صلاةٍ، ولم يكنْ ذلك في إصلاح صلاتِه- يُفسِدُ الصلاةَ (^٢)، إلَّا ما رُويَ عن الأوزاعيِّ أنَّه مَن تكلَّم لإحياءِ نَفْسٍ، أو مثلِ ذلك من الأمورِ الجِسام، لم تَفسُدْ بذلك صلاتُه، وهو قولٌ ضعيفٌ في النَّظَرِ؛ لقولِ اللَّه ﷿: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨].
قال زيدُ بنُ أرقمَ: كُنَّا نتكلمُ في الصلاةِ حتى نزلَتْ: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾.
_________________
(١) في الأمّ ١/ ١٤٩.
(٢) ينظر: الإجماع لابن المنذر ١/ ٣٩ (٤٦).
[ ١ / ٦١١ ]
فأُمِرْنا بالسكُوتِ ونُهِينَا عنِ الكلام (^١). وقال ابنُ مسعود: سمِعْتُ رسولَ اللَّه -ﷺ- يقولُ: "إنَّ اللَّهَ قدْ أحدَث من أمرِه ألَّا تَكَلَّمُوا في الصلاةِ" (^٢).
وقال مُعاويةُ بنُ الحكم: سمِعتُ رسولَ اللَّه -ﷺ- يقولُ: "إنَّ صلاتَنَا هذه لا يَصلُحُ فيها شيءٌ منْ كلام الناسِ" (^٣). وليس الحادثُ الجسيمُ الذي يَجِبُ له قطعُ الصلاةِ، ومن أجلِه يُمنَعُ منَ الاستئنافِ، فمن قطَع صلاتَه لِمَا يرَاه من الفضلِ في إحياءِ نَفْسٍ، أو ما كان بسبيلِ ذلك، استأنَفَ صلاتَه ولم يَبْنِ. هذا هو الصحيحُ إن شاء اللَّهُ. وأجمَعوا على (^٤) أنَّ السلامَ فيها عامدًا قبلَ تمامِها يُفسِدُها.
قال أبو عُمر: وأما العراقيون؛ أبو حنيفةَ وأصحابُه، والثورِيُّ، فذهَبوا إلى أنَّ الكلامَ في الصلاةِ يُفسِدُها، على أيِّ حالٍ كان؛ سهوًا أو عمدًا، لصلاح الصلاةِ كان أو لغيرِ ذلك (^٥).
واختلَف أصحابُ أبي حنيفةَ في السلام فيها ساهيًا قبلَ تمامِها؛ فبعضهم أفسَد صلاةَ المسَلِّم ساهيًا، وجعَله كالمتكلم ساهيًا، وبعضُهم لم يُفسِدْها بالسلام فيها ساهيًا، وكلُّهم يُفسِدُها بالكلام ساهيًا وعامدًا، وهو قولُ إبراهيمَ النَّخَعيِّ، وعطاءٍ، والحسنِ، وحمَّادِ بنِ أبي سُليمانَ، وقتادةَ (^٦).
_________________
(١) سيأتي بإسناد المصنِّف مع تخريجه.
(٢) سيأتي بإسناد المصنِّف مع تخريجه.
(٣) جزءٌ من حديث أخرجه أحمد في المسند ٣٩/ ١٧٥ - ١٧٦ (٢٣٧٦٢)، والدارمي (١٥٠٢)، ومسلم (٥٣٧)، وأبو داود (٩٣٠)، والنسائي في المجتبى (١٢١٨)، وفي الكبرى ١/ ٢٩٧ (٥٦١) و٢/ ٤٤ (١١٤٢) من حديث عطاء بن يسار، عنه ﵁.
(٤) لم يرد حرف الجر في الأصل، وهو ثابت في ق، ف ١.
(٥) ينظر: مختصر اختلاف العلماء للطحاوي ١/ ٢٦٩، والأوسط لابن المنذر ٣/ ٤١٩.
(٦) ينظر: المصنَّف لعبد الرزاق ٢/ ٣٢٩ (٣٥٦٦) و٢/ ٣٣٠ (٣٥٧٠) و(٣٥٧١) و(٣٥٧٣)، والمصنَّف لابن أبي شيبة باب (في الكلام في الصلاة) (٨١٩٤ - ٨١٩٦).
[ ١ / ٦١٢ ]
وزعَم أصحابُ أبي حنيفةَ أنَّ حديثَ أبي هريرةَ هذا في قصةِ ذي اليدَيْنِ منسوخٌ بحديثِ ابنِ مسعودٍ وحديثِ زيدِ بنِ أرقمَ اللذين ذكرْنا. قالوا: وفي حديثِ ابنِ مسعودٍ بيانُ أنَّ الكلامَ كان مُباحًا في الصلاةِ ثم نُسِخَ. قالوا: فحديثُ ابنِ مسعودٍ ناسخٌ لحديثِ أبي هريرةَ في قصةِ ذي اليدينِ. قالوا: وإن كان أبو هريرةَ مُتأخرَ الإسلام فإنَّه أرسَل حديثَ ذي اليدَيْنِ كما أرسَل حديثَ: "منْ أدركَهُ الفجرُ جُنبًا فلا صومَ له" (^١)، ثم أضافَه إلى مَن حدَّثَه به إذ سُئلَ عنه. قالوا: وكان كثيرَ الإرسالِ، وجائزٌ للصاحبِ إذا أخبرَه الصحابةُ بشيءٍ أن يُحدِّثَ به عن رسولِ اللَّه -ﷺ- إذا لم يقلْ: سمِعتُ. ألا ترَى أنَّ ابنَ عباسٍ حدَّث عن رسولِ اللَّه -ﷺ- بما لا يَكادُ يُحصَى كثرةً من الحديثِ، ومعلومٌ أنَّه لم يَسمعْ منه إلا أحاديثَ يسيرةً؟
وقالوا: ألا ترَى إلى أنسِ بنِ مالكٍ، يقولُ: ما كُلُّ ما نُحدِّثُكُم سمِعناه من رسولِ اللَّه -ﷺ-، ولكنْ منه ما سمِعْنا ومنه ما أخبَرَنا أصحابُنا (^٢). وكلُّ حديثِ الصحابةِ مقبولٌ عندَ جماعةِ العلماءِ على كُلِّ حالٍ.
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق في المصنَّف ٤/ ١٨٠ (٧٣٩٨)، ومن طريقه مسلم (١١٠٩) كلاهما عن عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبيه، قال: سمعت أبا هريرة يقول في قَصَصِه؛ فذكره. وفيه بعده "فانطلق عبد الرحمن وانطلقت معه، حتى دخلنا على عائشة وأمِّ سلمة ﵄، فسألهما عبدُ الرحمن عن ذلك، قال: فكلتاهما قالت: كان النبيُّ -ﷺ- يُصبحُ جُنبًا من غير حُلُم، ثم يصوم" وفي آخره: فرجع أبو هريرة عما كان يقول في ذلك. قلت لعبد الملك: أقالتا: في رمضان؟ قال: كذلك كان يُصبح جُنُبًا من غير حُلُم ثم يصوم". قال البغويُّ في شرح السُّنة ٦/ ٢٨١: "رُويَ عن ابن المسيِّب أن أبا هريرة رجع عن فُتياه فيمن أصبح جُنبًا أنه لا يصوم. وتأوّل بعضُهم حديثَ أبي هريرة على أن يُدركَه الفجرُ وهو مجامع، فلا صوم له".
(٢) أخرجه ابن أبي عاصم في السُّنة (٨١٦)، والطبراني في الكبير ١/ ٢٤٦ (٦٩٩)، والحاكم في المستدرك ٣/ ٥٧٥، والخطيب البغدادي في الجامع لأخلاق الراوي (١٠٠) بإسناد صحيح من طريق حميد الطويل، عنه ﵁.
[ ١ / ٦١٣ ]
قالوا: فغيرُ نكير أن يُحدِّثَ أبو هريرةَ بقصةِ ذي اليدين وإنْ لم يشهَدْها.
قالوا: وممَّا يدلُّ على أنَّ حديثَ أبي هريرةَ منسوخ أنَّ ذا اليدين قُتلَ يومَ بدرٍ لا خلافَ بينَ أهلِ السيرِ في ذلك. قالوا: فيومُ ذي اليَدَيْنِ، كان قبلَ يوم بدرٍ. واحتَجُّوا بما روَاه ابنُ وَهْبٍ، عن العُمَريِّ، عن نافع، عن ابنِ عُمرَ، أنَّ إسلامَ أبي هريرةَ كان بعدَ موتِ ذي اليَدَين (^١).
قالوا: وهذا الزُّهرِيُّ مع علمِه بالأثرِ والسِّيرِ، وهو الذي لا نظيرَ له في ذلك، يقولُ: إنَّ قصةَ ذي اليَدَينِ كانت قبلَ بدرٍ. حكَاه معمرٌ وغيرُه عن الزُّهريِّ، قال الزُّهريُّ: ثم استحكمَتِ الأمورُ بعدُ (^٢). وهو قولُ (^٣) أبي معشرٍ؛ أنّ ذا اليَدَيْنِ قُتِل يومَ بدرٍ. وهو قولُ ابنِ عمر وجماعةِ أهلِ السِّيرِ قالوا: وحديثَ ابنِ مسعودٍ (^٤) كان بمكّةَ في حين مُنصَرَفِه من أرضِ الحبشةِ، وذلك قبلَ الهجرةِ، وحديثَ أبي هُريرةَ كان بالمدينةِ في قصةِ ذي اليدَينِ، هذا ما لا يدفعُه حاملُ أثرٍ ولا ناقلُ خبرٍ، وابنُ مسعودٍ شهدَ بعدَ قُدومِه من أرضِ الحبشةِ بدرًا، وأبو هريرةَ إنما كان إسلامُه عامَ خيبر (^٥).
قال أبو عُمر: هو كما قالوا إلَّا أنَّ مَن ذكَر في حديثِ ابن مسعودٍ أنَّ رسولَ اللَّه -ﷺ- قال في حين رُجوعِه من أرضِ الحبشةِ: "إنَّ اللَّهَ أحدَث ألَّا تَكَلَّمُوا
_________________
(١) أخرجه الطحاوي في أحكام القرآن ١/ ٢٢٣ (٤٢٣)، وإسناده ضعيف؛ العمري، وهو عبد اللَّه بن عمر بن حفص كما عند الطحاوي، ضعيف.
(٢) أخرجه عبد الرزاق في المصنَّف ٢/ ٢٩٦ (٣٤٤١)، وابن حبّان في صحيحه ٦/ ٤٠٣ بإثر (٢٦٨٥)، والبيهقي في الكبرى ٢/ ٣٤١ بإثر (٤٠٠٢)، وسيأتي تعليق المصنِّف المطوّل على هذه الرواية في أثناء هذا الشرح.
(٣) من هنا إلى قوله: "وهو قول ابن عمر" سقط من الأصل قفز نظر.
(٤) وهو الحديث الآتي بأسانيد للمصنِّف قريبًا.
(٥) كتب ناسخ الأصل: "بلغت المقابلة بحمد اللَّه وحسن عونه".
[ ١ / ٦١٤ ]
في الصلاةِ". فقد وهِمَ ولم يَحفَظْ، ولم يَقُلْ ذلك غيرُ عاصم بنِ أبي النَّجودِ، وهو عندَهم سيِّئُ الحفظِ، كثيرُ الخطأ في الأحاديثِ، والصحيحُ في حديثِ ابنِ مسعودٍ أنَّه لم يكنْ إلَّا بالمدينةِ، وبالمدينةِ نُهيَ عن الكلام في الصلاةِ، بدليلِ حديثِ زيدِ بنِ أرقمَ الأنصاريِّ؛ أنَّهم كانوا يَتَكَلَّمونَ في الصلاةِ حتى نزَلتْ: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾. فأُمِرُوا بالسكُوتِ في الصلاةِ، ونُهُوا عنِ الكلام فيها.
وقد رُويَ حديثُ ابنِ مسعودٍ بما يُوافقُ هذا ولا يدفعُه، وهو الصحيحُ؛ لأنَّ سورةَ "البقرةِ" مدنيّةٌ، وتحريمُ الكلام في الصلاةِ كان بالمدينة.
وأمَّا روايةُ عاصم في حديثِ ابنِ مسعودٍ، فأخبَرنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا الحميديُّ، قال (^١): حدَّثنا سُفيانُ، قال: حدَّثنا عاصمُ بنُ أبي النَّجودِ، عن أبي وائل، عن عبدِ اللَّه بنِ مسعودٍ، قال: كنا نُسلِّمُ على النبيِّ -ﷺ- في الصلاةِ، قبلَ أن نأتيَ أرضَ
_________________
(١) في مسنده (٩٤). وأخرجه الشافعيُّ في الأم ١/ ١٤٦، وعبد الرزاق في المصنَّف ٢/ ٣٣٥ (٣٥٩٤)، وابن أبي شيبة في المصنَّف (في ٤٨٣)، وأحمد في المسند ٦/ ٤٦ (٣٥٧٥) جميعهم عن سفيان بن عيينة، به. وأخرجه النسائي في المجتبى (١٢٢١)، وفي الكبرى ١/ ٢٩٨ (٥٦٤) و٢/ ٤٥ (١١٤٥)، وأبو يعلى في مسنده ٨/ ٣٨٤ (٤٩٧١)، والطبراني في الكبير ١٠/ ١١٠ (١٠١٢٢)، وابن حبان في صحيحه ٦/ ١٥ (٢٢٤٣)، والبيهقي في الكبرى ٢/ ٣٥٦ (٤٠٦٩) من طرق عن سفيان بن عيينة، به. عاصم بن أبي النَّجُود ثقة يهم قليلًا، وثّقه أحمد ويحيى بن معين وأبو زرعة الرازي كما هو مبيّنٌ في تحرير التقريب (٣٠٥٤). أبو وائل: هو شقيق بن سلمة. ويُروى بإسناد صحيح آخر بهذا السياق، ولكن المرفوع فيه بلفظ: "إنّ في الصلاة لشُغْلًا" أخرجه أحمد في المسند ٦/ ٢٨ (٣٥٦٣)، والبخاري (١١٩٩)، ومسلم (٥٣٨) (٣٤) من طرق عن سليمان بن مهران الأعمش، عن إبراهيم بن يزيد النخعيّ، عن علقمة بن قيس النخعيّ، عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁.
[ ١ / ٦١٥ ]
الحبشةِ فيَرُدُّ علينا، فلمَّا رجَعْنا سلَّمْتُ عليه وهو يُصلِّي، فلم يَرُدَّ عليَّ، فأخَذني ما قَرُبَ وما بَعُدَ، فجلسْتُ حتى قضَى النبيُّ -ﷺ- الصلاةَ فقلتُ: يا رسولَ اللَّه، سَلَّمْتُ عليكَ وأنتَ تُصلِّي فلمْ تَرُدَّ عليَّ؟ فقال: "إنَّ اللَّهَ يُحدِثُ من أمرِهِ ما يشاءُ، وإنَّ مِمَّا أحدَثَ ألَّا تَكَلَّموا في الصلاةِ".
قال سُفيانُ: هذا أجودُ ما وجَدْنا عندَ عاصم في هذا الوجْهِ.
وحدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ سعيدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ مُطَرِّفٍ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عُثمانَ الأعْنَاقيُّ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إسماعيلَ الأيليُّ، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ عُيينةَ، عن عاصم، عن أبي وائل، عن عبدِ اللَّه، قال: كنا نُسَلِّمُ على النبيِّ -ﷺ- قبلَ أن نأتيَ أرضَ الحبشةِ. فذكَر مثلَه سواء.
وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبَغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ القاضِي، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ مرزوقٍ، قال: أخبَرنا شُعبةُ، عن عاصم، عن أبي وائلٍ، عن عبدِ اللَّه، قال: أتيْتُ النبيَّ -ﷺ- وهو يُصلِّي فسلمْتُ عليه، فلم يَرُدَّ عليَّ، فلمَّا قضَى صلاتَه، قال: "إنَّ اللَّهَ يُحدِثُ لنبيِّهِ ما شاءَ، وإنَّ ممَّا أحدَثَ له ألَّا تَكَلَّمُوا في الصلاةِ" (^١).
فلم يَقُلْ شُعبةُ في هذا الحديثِ عن عاصم: إنَّ ذلك كان في حينِ انصرافِ
_________________
(١) أخرجه الشاشيُّ في مسنده ٢/ ٨٥ (٦٠٥)، والطبراني في الكبير ١٠/ ١٠٩ (١٠١٢٠) من طريق عمرو بن مرزوق، به. وأخرجه الطيالسي في مسنده (٢٤٢)، ومن طريقه البيهقي في الكبرى ٢/ ٢٤٨ (٣٤٧٣) عن شعبة بن الحجّاج، به. وأخرجه أحمد في المسند ٧/ ٤٢٤ (٤٤١٧)، والسرّاج في مسنده (٩٤٣)، والشاشيّ في مسنده ٢/ ٨٤ (٦٠٤) من طريق يزيد بن هارون، عن شعبة بن الحجّاج، به. وهو حديث صحيح، ورجال إسناده ثقات غير عاصم: وهو ابن بهدلة فهو ثقة يَهِمُ قليلًا. وينظر التعليق السابق. أبو وائل: هو شقيق بن سلمة الأسديّ.
[ ١ / ٦١٦ ]
ابنِ مسعودٍ من أرضِ الحبشةِ (^١). وقد رُويَ حديثُ ابنِ مسعودٍ من غيرِ طريقِ عاصم، وليسَ فيه المعنَى الذي ذكَره ابنُ عُيينةَ (^٢) وغيرُه عن عاصم، بل فيه ما يدل على أنَّ معناه ومعنَى حديثِ زيدِ بنِ أرقمَ سواء.
_________________
(١) بل وقع التصريح بذلك عند السراج والشاشيُّ، ففيه عندهما قوله: "كنّا نُسلِّم على رسول اللَّه -ﷺ- في الصلاة فيرُدُّ علينا، فلمّا قدمتُ من الحبشة أتيتُ رسول اللَّه -ﷺ- وهو يُصلّي فسلَّمت عليه فلم يُردّ عليّ".
(٢) سلف التعليق على رواية ابن عيينة، عنه، وأن معنى ما ذكره عن عاصم موافق لما وقع عند البخاريِّ وغيره من طريق عاصم من حديث ابن مسعود من جهة أن ذلك كان بعد قدومهم من الحبشة، وبيّنا أن الفرق إنما هو في لفظ المرفوع منه، وأن المعنى واحدٌ. وبه يتبيَّن عدم صحَّة ما ذكره المصنِّف ﵀ هنا. وقد ذكر الحافظ ابن حجر في الفتح ٣/ ٧٤ ما يؤيد ذلك، فقال بعد أن نقل الاتفاق على أن نسخ الكلام في الصلاة وقع في المدينة، وذكر ما يقتضي ذلك من كون الآية وهي قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ مدنية: "فيُشكل ذلك على قول ابن مسعود أن ذلك وقع لمّا رجعوا من عند النجاشيِّ وكان رجوعهم من عنده إلى مكة" وذكر أن رجوعهم من الحبشة حدث مرتين، ثم نقل الخلاف في المراد بقوله: "فلّما رجعنا" هل هو الرجوع الأول وهم في مكة أم الثاني، بل وذكر أن بعضهم جنح إلى ترجيح حديث ابن مسعود كونه حكى لفظ النبيّ -ﷺ- بخلاف زيد بن أرقم فلم يحكه، ثم ذكر ما رجَّحه هو وآخرون من أن مراد ابن مسعود في قوله: "فلّما رجعنا" رجوعه الثاني إلى المدينة، وإنه قدمها والنبيُّ يتجهَّز لبدر، ثم ذكر ما يؤيد ذلك، ثم قال: "فظهر أن اجتماعه بالنبيِّ -ﷺ- بعد رُجوعه كان بالمدينة، وإلى هذا الجمع نَحا الخطّابيُّ، ولم يقف من تعقَّب كلامه على مستنده، ويُقوِّي هذا الجمع رواية كلثوم المتقدِّمة، فإنها ظاهرة في أن كلًّا من ابن مسعود وزيد بن أرقم حكى أن الناسخ قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾. قلنا: رواية كلثوم وهو ابن علقمة الخزاعيّ، أخرجها النسائي بإسناد صحيح (١٢٢٠) وفيها: "إن اللَّه ﷿ أحدث في الصلاة أن لا تكتبوا إلّا بذكر اللَّه وما ينبغي لكم، وأن تقوموا للَّه قانتين"، وبهذا وبما ذكرناه سابقًا يتبين صحّة حديث ابن مسعود من رواية عاصم بن بهدلة وتوافقها مع رواية غيره عن ابن مسعود -﵁-، بل واتّحاد معنى الروايتين مع حديث زيد بن أرقم، وعدم دقّة قول المصنِّف في عاصم من أنه وَهِمَ ولم يحفظ، ورواية كلثوم هي الآتية مباشرة، وقد استدلَّ بها المصنّف من أن المنع من الكلام كان بعد إباحته في الصلاة، ولا يُعارض هذا ما ورد في حديث عاصم لِما ذكرناه، واللَّه تعالى أعلم.
[ ١ / ٦١٧ ]
أخبَرنا عبدُ اللَّه بنُ محمدٍ الجهنيُّ، قال: حدَّثنا حمزةُ بنُ محمدٍ الكنانيُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيبٍ النَّسائيُّ، قال (^١): أخبَرنا محمدُ بنُ عبدِ اللَّه بنِ عمَّارٍ الموصِليُّ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي غَنِيَّةَ والقاسمُ -يعني ابنَ يزيدَ الجَرْمِيَّ- عن سفيانَ، عن الزبيرِ بنِ عديٍّ، عن كُلثوم، عن عبدِ اللَّه بنِ مسعودٍ -وهذا حديثُ القاسم- قال: كنتُ آتي النبيَّ -ﷺ- وهو يُصلِّي، فأُسَلِّمُ عليه، فيَرُدُّ عليَّ، فأتيتُه، فسلمْتُ عليه وهو يُصلِّي فلم يَرُدَّ عليَّ شيئًا، فلمَّا سلَّم أشارَ إلى القوم، فقال: "إنَّ اللَّهَ أحدَثَ في الصلاةِ ألَّا تكَلَّمُوا إلَّا بذكْرِ اللَّه وما ينبغي لكمْ، وأنْ تَقوموا للَّه قانتين".
وأما حديثُ زَيْد بنِ أرقمَ فليسَ فيه بيان أنّه قبل حديث أبي هريرة ولا بَعْدَهُ، والنظرُ يشهدُ أنّه قبله إن شاء اللَّه على ما نبينُه في هذا الباب.
والحديثُ حدَّثناه محمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ سعيدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مُعاويةَ (^٢)، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيبٍ، قال (^٣): حدَّثنا إسماعيلُ بنُ مسعودٍ، قال: حدَّثنا يحيَى بنُ سعيدٍ. وأخبَرنا عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ (^٤)، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (^٥): حدَّثنا محمدُ بنُ عيسَى، قال: حدَّثنا هُشيمٌ،
_________________
(١) في المجتبى (١٢٢٠)، وفي الكبرى ١/ ٢٩٨ (٥٦٣)، وهو حديث صحيح، ورجال إسناده ثقات. ابن أبي غنيّة: هو عبد الملك بن حميد بن أبي غنيّة الخزاعي الكوفي، وسفيان: هو ابن عيينة، وكلثوم: هو ابن علقمة الخزاعي.
(٢) هو ابن عبد الرحمن الأموي، المعروف بابن الأحمر راوي سنن النسائى الكبرى.
(٣) في المجتبى (١٢١٩)، وفي الكبرى ٢/ ٤٥ (١١٤٣).
(٤) هو أبو بكر ابن داسة التمّار راوي سنن أبي داود، ومن طريقه أخرجه البيهقي في معرفة السُّنن والآثار ٣/ ٣١٤ (٤٧٣٥).
(٥) في سننه (٩٤٩). وأخرجه البخاري (٥٤٣٤)، وابن خزيمة في صحيحه ٢/ ٦٢ (١٢٠٠)، والسراج في مسنده (٩٧٦)، وابن حبّان في صحيحه ٦/ ٢١ (١٢٤٦) من طريق يحيى بن سعيد القطّان، به. وهو عند مسلم (٥٣٩)، والترمذي (٤٠٥) و(٢٩٨٦) من طريق هشيم بن بشير الواسطيّ، به.
[ ١ / ٦١٨ ]
قالا جميعًا: أخبَرنا إسماعيلُ بنُ أبي خالدٍ. قال أحمدُ بنُ شُعيبٍ في حديثِه: حدَّثني الحارثُ بنُ شُبَيْلٍ. وقال أبو داودَ في حديثِه: عن الحارثِ بنِ شُبيلٍ، عن أبي عمرٍو الشيبانيِّ، عن زيدِ بنِ أرقمَ، قال: كان أحدُنا يُكلِّمُ الرجلَ إلى جنبِه في الصلاةِ فنزَلتْ: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾، فأُمِرْنَا بالسكُوتِ ونُهِينَا عنِ الكلام. اللَّفظُ لحديثِ أبي داودَ. ففي هذا الحديثِ، وحديثِ ابنِ مسعودٍ، دليلٌ على أنَّ المنعَ من الكلام كان بعدَ إباحتِه في الصلاةِ، وأنَّ الكلامَ فيها منسوخٌ بالنهي عنه والمنع منه.
وأمَّا قولُهم: إنَّ أبا هريرةَ لم يَشهدْ ذلك لأنَّه كان قبلَ بدرٍ، وإسلامُ أبي هريرةَ كان عامَ خيبرَ. فليسَ كما ذكَروا؛ بلَى إنَّ أبا هريرةَ أسلَمَ عامَ خيبرَ، وقدِم المدينةَ في ذلك العام، وصحِب النبيَّ -ﷺ- نحوَ أربعةِ أعوام، ولكنَّه قد شهِد هذه القصةَ وحضَرها، لأنَّها لم تكنْ قبلَ بدرٍ، وحضورُ أبي هريرةَ يومَ ذي اليدَينِ محفوظٌ من روايةِ الحفاظِ الثقَاتِ، وليسَ تقصيرُ مَن قصَّرَ عن ذلك بحُجةٍ على من عَلِمَ ذلك وحفِظَه وذكَره، فهذا مالكُ بنُ أنسٍ قد ذكَر في "موطَّئِه" (^١) عن داودَ بنِ الحُصينِ، عن أبي سُفيانَ، مولى ابنِ أبي أحمدَ، قال: سمِعتُ أبا هريرةَ يقولُ: صلَّى لنا رسولُ اللَّه -ﷺ- العصرَ فسلَّم في رَكْعتينِ، وذكَر الحديثَ.
هكذا حدَّثَ به ابنُ القاسم (^٢)، وابنُ وَهْبٍ (^٣)، وابنُ بُكيرٍ (^٤)، والقَعْنبِيُّ (^٥)،
_________________
(١) ١/ ١٤٨ (٢٤٨). وهو الحديث الأول لداود بن الحصين، وسيأتي مع تمام تخريجه والكلام عليه في موضعه إن شاء اللَّه تعالى.
(٢) في موطّئه (١٥٦)، وفي المدوّنة ١/ ٢١٩.
(٣) في موطّئه (٤٥٥).
(٤) من طريقه أخرجه البيهقي في السنن الصغرى (٨٨٤).
(٥) من طريقه أخرجه أبو عوانة في المستخرج ١/ ٥١٢ (١٩١٧)، والبيهقي في السنن الصغرى (٨٨٤).
[ ١ / ٦١٩ ]
والشافعِيُّ (^١)، وقتيبةُ بنُ سعيدٍ (^٢)، عن مالكٍ، عن داودَ بالإسنادِ المذكورِ، ولم يقلْ يحيَى: "صلَّى لنا" في حديثِ مالكٍ عن داودَ هذا، وإنما قال: صلَّى رسولُ اللَّه -ﷺ-. وسقَط أيضًا عن بعضِهم قولُه: "لنا". وشهودُ أبي هريرةَ لذلك، وقولُه: صلَّى لنا رسولُ اللَّه -ﷺ-. و: صلَّى بنا رسولُ اللَّه. و: بَيْنا نحنُ مع رسولِ اللَّه -ﷺ-. كُلُّ ذلك في قصةِ ذي اليدين، محفوظٌ عندَ أهلِ الإتقان.
أخبَرنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ محمدٍ الصائغُ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ سابقٍ، قال: حدَّثنا شيبانُ، عن يحيَى بنِ أبي كثيرٍ، عن أبي سَلَمةَ، عن أبي هريرةَ، قال: بينَما أنا مع رسولِ اللَّه -ﷺ- في صلاةِ الظهرِ، فسلَّم رسولُ اللَّه من الرَّكْعتينِ، فقامَ رجلٌ من بني سُليم، فقال: يا رسولَ اللَّه، أقَصُرَتِ الصلاةُ أمْ نسِيتَ؟ فقال رسولُ اللَّه: "لم تَقصُرْ ولم أنْسَه". قال: يا رسولَ اللَّه، إنما صلَّيْتَ رَكْعتينِ. فقال رسولُ اللَّه -ﷺ-: "أكما يقولُ ذو اليدين؟ " قالوا: نعم. فصلَّى بهم رَكْعتين أُخريين. قال يحيَى: وحدَّثني ضَمْضَمُ، أنَّه سمِع أبا هريرةَ يقولُ: ثم سجَد رسولُ اللَّه -ﷺ- سجدتين (^٣).
وذكره أحمدُ بنُ شُعيبٍ (^٤)، عن إبراهيمَ بنِ يعقوبَ، عنِ الحسنِ بنِ موسَى، عن شيبانَ، بإسنادِه مثلَه سواءً.
وحدثني محمدُ بنُ عبدِ اللَّه (^٥)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مُعاويةَ، قال: حدَّثنا
_________________
(١) في الأم ١/ ١٤٧.
(٢) أخرجه مسلم (٥٧٣) (٩٩)، والنسائي في المجتبى (١٢٢٦)، وفي الكبرى ٢/ ٤٧ (١١٥٠). وسيأتي بإسناد المصنف في أثناء شرح الحديث الأول لداود بن الحصين.
(٣) أخرجه البيهقي في الكبرى ٢/ ٣٥٧ (٤٠٧٤) من طريق جعفر بن محمد بن شاكر، به. وأخرجه مسلم (٥٧٣) (١٠٠) من طريق شيبان بن عبد الرحمن النحويّ، به.
(٤) في الكبرى ١/ ٣٠٥ (٥٦٧).
(٥) هو ابن عبد المؤمن بن يحيى التُّجيبيّ، وشيخه محمد بن معاوية: هو ابن عبد الرحمن الأموي المعروف بابن الأحمر.
[ ١ / ٦٢٠ ]
الفضلُ بنُ الحُبابِ القاضِي بالبصرةِ، قال: حدَّثنا أبو الوليدِ الطيالسِيُّ، قال: حدَّثني عكرمةُ بنُ عمارٍ، قال: حدَّثني ضَمْضمُ بنُ جَوْسٍ الهِفَّانيُّ، قال: قال أبو هريرةَ: صلَّى بنا رسولُ اللَّه -ﷺ- إحدَى صلاتي العَشِيِّ، وذكَر الحديثَ (^١).
حدَّثني محمدُ بنُ إبراهيم (^٢)، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ مُطرِّفٍ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عثمانَ (^٣)، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا سُفيانُ بنُ عُيينةَ، عن أيوبَ بنِ موسى، قال: قال مَن سمِع أبا هريرةَ يقولُ: صلَّى بنا رسولُ اللَّه -ﷺ- إحدَى صلاتي العَشِيِّ، وذكَر الحديثَ (^٤).
وحدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيبٍ، قال (^٥): أخبَرنا حُميدُ بنُ مَسْعَد، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُريع، قال: حدَّثنا ابنُ عونٍ، عن محمدِ بنِ سيرينَ، قال: قال أبو هريرةَ: صلَّى بنا رسولُ اللَّه -ﷺ- إحدَى صلاتي العَشِيِّ، قال: قال أبو هريرةَ: ولكنِّي نسِيتُ. قال: فصلَّى بنا رَكْعتين ثم سلَّم، فانطلَق إلى خشبةٍ معروضةٍ في المسجدِ، فقال بيدِه عليها كأنَّه
_________________
(١) أخرجه ابن حبّان في صحيحه ٦/ ٤٠٤ (٢٦٨٧) عن أبي خليفة الفضل بن الحباب، به. وأخرجه أبو داود (١٠١٦)، والنسائي (١٣٣٠)، وفي الكبرى ٢/ ٩٢ (١٢٥٤) من طريق عكرمة بن عمّار، به. وهو حديث صحيح، ورجال إسناده ثقات، عكرمة بن عمار: هو العجلي، ثقة إلّا في روايته عن يحيى بن أبي كثير فهي ضعيفة لاضطرابه فيها، وقد أطلق توثيقه أيوب السختياني وأحمد بن حنبل وعلي بن المديني وغيرهم كما هو موضّحٌ في تحرير التقريب (٤٦٧٢).
(٢) هو ابن سعيد القيسي، وشيخه أحمد في مطرِّف: هو الأزدي، المعروف بابن المشاط.
(٣) هو الأعناقي، وشيخه إسماعيل بن إسحاق: هو القاضي.
(٤) حديث صحيح، وهذا إسنادٌ ضعيف لجهالة الراوي بين أيوب بن موسى: وهو ابن عمرو بن سعيد بن العاص المكّي، وبين أبي هريرة -﵁-.
(٥) في المجتبى (١٢٢٤)، وفي الكبرى ١/ ٣٠٣ (٥٧٨) و٢/ ٤٦ (١١٤٨). وأخرجه أحمد في المسند ١٢/ ١٣٠ (٧٢٠١)، والبخاري (٤٨٢)، وأبو داود (١٠١٠) من طريق عبد اللَّه بن عون بن أرطبان العَبْديّ البصري، به.
[ ١ / ٦٢١ ]
غضبانُ، وخرجَتِ السَّرَعَانُ (^١) من أبوابِ المسجدِ، فقالوا: قَصُرتِ الصلاةُ. وفي القوم أبو بكرٍ وعمرُ، فهابَا أن يُكلِّمَاه، وفي القوم رجلٌ في يده طُولٌ، وكان يُسمَّى ذا اليدين، فقال: يا رسولَ اللَّه أنسِيتَ أم قَصُرَتِ الصلاةُ؟ قال: "لمْ أنسَ ولمْ تُقْصَر الصلاةُ". قال: "أكمَا يقولُ ذو اليدين؟ " قالوا: نعم! فجاءَ فصلَّى الذي كان ترَك، ثم سلَّم، ثم كبَّر فسجَد مثلَ سُجودِه، أو أطولَ، ثم رفَع رأسَه وكبَّر، ثم كبَّر فسجَد مثلَ سُجودِه أو أطولَ، ثم رفَع رأسَه فكبَّر.
وأخبَرنا عبدُ اللَّه بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ (^٢)، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (^٣): حدَّثنا محمدُ بنُ عُبيدٍ، قال: حدَّثنا حمّادُ بن زيدٍ، عن أيوبَ السَّختيانيّ، عن محمد بنِ سيرينَ، عن أبي هريرة، قال: صلّى بنا رسُولُ اللَّه -ﷺ- إحدى صلاتي العَشِي؛ الظُّهرِ أو العَصْرِ. قال: فصلَّى بنا رَكْعتَينِ، ثمّ سلّمَ، ثم قامَ إلى خشبةٍ في مُقَدَّم المسجدِ، فوضَع يديْهِ عليها، إحداهمَا على الأخرى، وخرَج سَرَعَانُ الناسِ، وقالوا: أُقْصِرَت الصلاةُ، أُقْصِرَت الصلاةُ، وفي الناسِ أبو بكرٍ وعمرُ، فهابَا أن يُكلِّمَاه، فقامَ رجلٌ، وكان رسولُ اللَّه -ﷺ- يُسميه ذا اليدينِ، فقال: يا رسولَ اللَّه، أنسِيتَ أم قَصُرَتِ الصلاةُ؛ فقال: "لمْ أنسَ ولم تَقْصُرِ الصلاةُ". قال: بل نسِيتَ يا رسولَ اللَّه. فأقبَل رسولُ اللَّه -ﷺ- على القوم، فقال: "أصدَق ذو اليدين؟ " فأومَئوا أن نعم. فرجَع رسولُ اللَّه إلى مَقامِه، فصلَّى الركعتين الباقيتين، ثم سلَّم، ثم كبَّر
_________________
(١) قوله: "وخرجت السَّرَعان" بفتح السين والراء: المُسْرِعون المستعجلون منهم. ينظر: المشارق ٢/ ٢١٣.
(٢) هو أبو بكر ابن داسة التمّار راوي سنن أبي داود، ومن طريقه أخرجه البيهقيُّ في معرفة السُّنن والآثار ٣/ ٢٩٩ (٤٦٣٨).
(٣) في سننه (١٠٠٨). وأخرجه مسلم (٥٧٣) (٩٨)، وأبو داود (١٠١١)، وابن حبّان في صحيحه ٦/ ٤٠٥ (٢٦٨٨) من طريق حمّاد بن زيد، به.
[ ١ / ٦٢٢ ]
فسجَد مثلَ سُجودِه أو أطولَ، ثم رفَع وكبَّر، وسجَد مثلَ سجودِه أو أطولَ، ثم رفَع وكبَّر. قال: فقيل لمحمدٍ: سلَّم في السهوِ؟ قال: لم أحفظْ من أبي هريرةَ، ولكنْ نُبِّئْتُ أنَّ عِمرانَ بنَ حُصينٍ، قال: ثم سلَّم.
قال أبو داودَ (^١): كلُّ مَن روَى هذا الحديثَ، لم يَقُلْ: فأومَئوا، إلَّا حمَّادَ بنَ زيد.
قال أبو عُمر: وهكذا رواه هشامُ بنُ حسانَ، عن محمدِ بنِ سيرينَ، عن أبي هريرةَ، قال: صلَّى بنا رسولُ اللَّه -ﷺ- إحدَى صلاتي العَشِيِّ. ثم ذكَر مثلَ حديثِ حمّادِ بنِ زيدٍ، عن أيوبَ سواءً، ولم يَقُلْ: فأومَئوا؛ أخبرنِيه عبدُ اللَّه بنُ محمدٍ (^٢)، قال: أخبَرنا عبدُ الحميدِ بنُ أحمدَ، قال: حدَّثنا الخضِرُ بنُ داودَ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ الأثرم، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ بكرٍ السَّهْمِيُّ، قال: أخبَرنا هشامُ بنُ حسانَ، فذكره (^٣).
قال أبو عُمر: فحصَل محمدُ بنُ سيرينَ، وأبو سفيانَ مولَى ابنِ أبي أحمدَ، وأبو سلمةَ بنُ عبدِ الرَّحمنِ، وضَمْضَمُ بنُ جَوْسٍ، كلُّهم يروي عن أبي هريرةَ في هذا الحديثِ: صلَّى بنا رسولُ اللَّه.
وكذلكَ روَاه العلاءُ بنُ عبدِ الرَّحمنِ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، وابنُ أبي ذئبٍ، عن المَقْبُريِّ، عن أبي هريرةَ (^٤).
_________________
(١) بإثر الحديث (١٠٠٩).
(٢) هو ابن عبد المؤمن بن يحيى التُّجيبيّ، وشيخه عبد الحميد بن أحمد: هو ابن عيسى الورّاق.
(٣) أخرجه أبو داود (١٠١١)، والترمذي (٣٩٤)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٤٤٤ (٢٥٨٢) من طريق هشام بن حسّان القردوسيّ، به. ورجال إسناده ثقات. قال الترمذي: هذا حديثٌ حسنٌ صحيح.
(٤) ذكره أبو داود بإثر الحديث (١٠١٣). وأخرجه (١٠١٥)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٤٤٥ (٢٥٩١) من طريق محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، به.
[ ١ / ٦٢٣ ]
وقد رُويَ هذا الحديثُ أيضًا عن محمدِ بنِ سيرينَ، عن رجلٍ من الصحابةِ يقالُ له: أبو العُريانِ بمثلِ حديثِ أبي هريرةَ ومعناه؛ ذكَره أبو جعفرٍ العُقيليُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عُبيدِ بنِ أسباطٍ، قال: أخبَرنا أبو نعيم، قال: أخبَرنا أبو خَلْدَة (^١)، قال: سألْتُ محمدَ بنَ سيرينَ فقلتُ: أُصلِّي وما أدري أركعتينِ صليْتُ أم أربعًا؟ فقال: حدَّثني أبو العُريانِ أنَّ رسولَ اللَّه -ﷺ- صلَّى يومًا ودخلَ البيْتَ، وكان في البيْتِ رجلٌ طويلُ اليدين، وكان رسولُ اللَّه -ﷺ- يُسميه ذا اليدَيْنِ، فقال ذو اليَدَيْنِ: يا رسولَ اللَّه، أقَصُرَتِ الصلاةُ أم نسِيتَ؟ قال: "لم تَقْصُرْ ولم أنسَ". قال: بل نسِيتَ الصلاةَ. قال: فتقدَّمَ فصلَّى بهم رَكْعتينِ، ثم سلَّم، ثم كبَّر فسجَد مثلَ سُجودِه أو أطولَ، ثم كبَّر ورفَع رأسَه، ثم كبَّر وسجَد مثلَ سُجودِه أو أطولَ، ثم كبَّر ورفَع رأسَه. ولم يَحْفَظْ لي أحدٌ سلَّم بعدُ أم لا (^٢).
وقد قيلَ: إنَّ أبا العُرْيانِ المذكورَ في هذا الحديثِ هو أبو هريرة (^٣).
وقد روَى قصةَ ذي اليدين عبدُ اللَّه بنُ عمرَ، ومعاويةُ بنُ حُديج، وعِمرانُ بنُ حُصينٍ، وابنُ مَسْعَدَةَ، رجل من الصحابةِ، وكلُّهم لم يَحْفَظْ عنِ النبيِّ ﵇، ولا صَحِبَه إلَّا بالمدينةِ مُتأخرًا.
_________________
(١) هو خالد بن دينار.
(٢) أخرجه الطبراني في الكبير ٢٢/ ٣٧١ (٩٣٠)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة ٥/ ٢٩٧٨ (٦٩٣٤)، وابن الأثير في أسد الغابة ٥/ ٢١١ (٦٠٩١) من طريق أبي نعيم الفضل بن دُكين، به. وذكره الدارقطني في علله ١٠/ ١٣ (١٨١٩) وقال: "وخالفه عبد الصمد بن عبد الوارث، رواه عن أبي خلدة، عن أبي العُرْيان، عن عمر بن الخطاب، ﵁، عن النبيِّ -ﷺ-، ولم يذكر ابن سيرين، وقولُ عبد الصمد أشبَهُ بالصواب".
(٣) وقال في الاستيعاب ٤/ ١٧١٤ (٣٠٨٧): "وقيل: إنه أبو هريرة، وأبو العُريان غلط، لم يقله إلا خالدٌ وحده، وقيل: إنه أبو العُريان الهيثم بن الأسود لا يبعُد أبو العريان أن يكون صاحبًا لسِنِّه، ولرواية كبار التابعين عنه مع رواية عمرو بن حُريث. وهو معدودٌ في الصحابة". وتعقّبه ابن حجر في الإصابة ٧/ ٢٧٢ (١٠٢٤٠) فقال: "وهو خطأ فإن أبا العريان النخعي لا صحبة له، ولا يثبت إدراكه إلّا على بُعد".
[ ١ / ٦٢٤ ]
فأما حديثُ ابنِ عمرَ فذكَره أبو بكر بنُ أبي شيبةَ، قال (^١): حدَّثنا أبو أسامةَ، قال: حدَّثنا عُبيدُ اللَّه، عن نافع، عنِ ابنِ عمرَ، أنَّ رسولَ اللَّه -ﷺ-، صلَّى بالناسِ ركعتينِ، فسَهَا، فسلَّم، فقال له رجلٌ يُقالُ له: ذو اليدين، وذكَر الحديثَ.
وأمَّا حديثُ مُعاويةَ بنِ حُديج، فروَاه الليثُ بنُ سعدٍ، عن يزيدَ بنِ أبي حبيبٍ، أنَّ سُويدَ بنَ قيسٍ أخبَره عن مُعاويةَ بنِ حُديج، أنَّ النبيَّ -ﷺ- صلَّى يومًا، فسلَّم وانصرَف، وقد بَقِيَ عليه من الصلاةِ رَكْعةٌ، فأدرَكه رجل، فقال: نسِيتَ من الصلاةِ رَكْعةً. فرجَع، فدخَل المسجدَ، وأمَر بلالًا، فأقامَ الصلاةَ، فصلَّى بالناسِ رَكْعةً، فأخبرتُ بذلك الناسَ، فقالوا: أتعرِفُ الرجُلَ؟ قلتُ: لا، إلَّا أن أرَاه، فمرَّ بي، فقلْتُ: ها هو هذا. فقالوا: طلحةُ بنُ عُبيدِ اللَّه (^٢).
وأمَّا حديثُ عِمرانَ بنِ حُصينٍ، فروَاه شُعبةُ (^٣)، وعبدُ الوهابِ الثقفِيُّ (^٤)، وابنُ عُلَيّةَ، ويزيدُ بنُ زُريع، وحمادُ بنُ زيدٍ، كلُّهم عن خالدٍ الحذَّاءٍ، عن أبي قِلابةَ، عن أبي المهلبِ، عن عِمْرانَ بنِ حُصينٍ.
_________________
(١) في المصنَّف (٤٥٤٨)، ومن طريقه الطحاوي في أحكام القرآن (٤٣٣). ورجال إسناده ثقات. أبو أسامة: هو حّماد بن أسامة، وعُبيد اللَّه: هو ابن عمر بن الخطاب ﵄.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنَّف (٤٥٤٣)، وأحمد في المسند ٤٥/ ٢٢٧ (٢٧٢٥٤)، وأبو داود (١٠٢٣)، والنسائي في المجتبى (٦٦٤)، وفي الكبرى ٢/ ٢٤٦ (١٦٤٠)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني ٤/ ٤٠٣ (٢٤٥٢)، وابن خزيمة في صحيحه ٢/ ١٢٨ (١٠٥٢)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٤٤٨ (٢٦٠٣)، وهو حديثٌ صحيح، ورجال إسناده ثقات. سويد بن قيس: هو التُّجيبيّ.
(٣) أخرجه الطيالسي في مسنده (٨٨٧)، وأحمد في المسند ٣٣/ ١٧٦ (١٩٩٦٠)، وأبو عوانة في المستخرج ١/ ٥١٤ (١٩٢٤)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٤٤٣ (٢٥٧٥)، والطبراني في الكبير ١٨/ ١٩٤ (٤٦٦)، ورجال إسناده ثقات. أبو قلابة: هو عبد اللَّه بن زيد الجرميّ، وأبو المهلّب: هو عمُّه، واسمه عمرو، أو عبد الرحمن.
(٤) أخرجه الشافعيُّ في الأمّ ١/ ١٤٧، ومسلم (٥٧٤) (١٠٢)، وابن ماجة (١٢١٥)، وابن خزيمة في صحيحه ٢/ ١٣٠ (١٠٥٤).
[ ١ / ٦٢٥ ]
أخبَرنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شيبةَ، قال (^١): حدَّثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن خالدٍ الحذَّاءِ، قال: حدَّثنا أبو قِلابةَ، عن أبي المهلبِ (^٢)، عن عِمرانَ بنِ حُصينٍ. وأخبَرنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ قراءةً منِّي عليه، أنَّ قاسمَ بنَ أصبغَ حدَّثَهم، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا مُسَدَّدٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُريع، قال: حدَّثنا خالدٌ الحذَّاءُ، قال: حدَّثنا أبو قِلابةَ، عن أبي المهلبِ، عن عمرانَ بنِ حُصينٍ -واللَّفظُ لحديثِ مُسددٍ- قال: سلم رسول اللَّه -ﷺ- في ثلاثِ رَكْعاتٍ من العصرِ، ثم دخَل، فقامَ إليه رجل يُقالُ له: الخِرْباقُ، وكان طويلَ اليدينِ، فقال: الصلاةَ يا رسولَ اللَّه -وفي حديثِ ابنِ عُلمةَ: فذكَر له الذي صنَع- فخرَج مُغضَبًا يَجُرُّ إزارَه، فقال: "أصدَقَ هذا؟ " قالوا: نعم. فصلَّى تلكَ الرَّكْعةَ ثم سلَّم، ثم سجَد سجدتينِ، ثم سلَّم.
وأمَّا حديثُ ابنِ مَسْعَد، فروَاه عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا ابنُ جُريج، عن عُثمانَ بنِ أبي سُليمانَ، عن ابنِ مسعدةَ صاحبِ الجيوشِ، أنَّ النبيَّ -ﷺ- صلَّى الظهرَ أو العصرَ فسلَّم في رَكْعتينِ، فقال له ذو اليدينِ: أخُفِّفَتِ الصلاةُ يا رسولَ اللَّه أمْ نسِيتَ؟ فقال النبيُّ ﵇: "ما يقولُ ذو اليدين؟ " قالوا: صدَق يا رسولَ اللَّه.
_________________
(١) في المصنَّف (٤٤٤٩) و(٤٥٤٧) و(٣٧٣١٧)، وعنه مسلم (٥٧٤) (١٠١). وأخرجه أحمد في المسند ٣٣/ ٦١ (١٩٨٢٨)، وابن خزيمة في صحيحه ٢/ ١٣٠ (١٠٥٤) من طريق إسماعيل بن إبراهيم بن عُليّة، به. وأخرجه أبو داود (١٠١٨)، وعنه أبو عوانة في المستخرج ١/ ٥١٤ (١٩٢٢) كلاهما عن مسدَّد بن مسرهد، به. وهو عند النسائي في المجتبى (١٢٣٧)، وفي الكبرى ١/ ٣٠٤ (٥٨٠) و٢/ ٥١ (١١٦١) من طريق يزيد بن زريع، به.
(٢) قفز نظر ناسخ الأصل من هنا إلى قوله بعد أسطر: "عن أبي المهلب" فسقط ما بينهما.
[ ١ / ٦٢٦ ]
فأتمَّ بهم الرَّكْعتين، ثم سجَد سجدَتَي السَّهوِ وهو جالسٌ بعدَما سلَّم (^١).
وابنُ مَسْعَدَةَ هذا اسمُه عبدُ اللَّه، معروفٌ في الصحابةِ؛ قد روَى عنِ النبيِّ ﵇ أنَّه سمِعه يقولُ: "إتِّي قدْ بدَّنْتُ (^٢)، فمَن فاته رُكوعِي أدرَكه في بُطءِ قيامي" (^٣). وروَى عنه حديثَ ذي اليدين، وهو معدودٌ في المكِّيِّين (^٤).
_________________
(١) أخرجه الطبراني في الأوسط ٣/ ٧ (٢٣٠٢)، وابن الأثير في أسد الغابة ٣/ ٢٨٠ (٣١٧٦) من طريق عبد الرزاق الصنعانيّ، به. ورجال إسناده ثقات غير أن عثمان بن أبي سليمان: هو ابن جُبير بن مُطعِم القرشيّ النوفليّ لم يسمع من ابن مسعدة: وهو عبد اللَّه بن مسعدة الفزاريّ، قال الهيثمي في المجمع ٢/ ٧٧: "وأكثر روايته عن التابعين". وقال الحافظ ابن حجر في الإصابة ٤/ ٢٣٠ (٤٩٥٥): "عثمان بن أبي سليمان صاحب الجيوش، قيل له ذلك، لأنه كان يؤمّر على الجيوش في غزو الرُّوم أيام معاوية، وهو من صغار الصحابة" ثم ساق له حديثًا من هذا الطريق وقال: "قلت: فيه انقطاع بين عثمان وابن مسعدة".
(٢) قوله: "قد بدنت" قال الخطابيُّ في معالم السُّنن ١/ ١٧٦: "يُروى على وجهين، أحدهما: بدَّنْت، بتشديد الدال، ومعناه: كبُر السِّن، يقال: بدَّن الرجل تبدينًا: إذا أسنَّ، والآخر: بدُنْت، مضمومة الدال غير مشددة، ومعناه: زيادة الجسم واحتمال اللحم. وقال ابن الجوزيّ في غريب الحديث ١/ ٦١: "ومَنْ خفَّف اللفظة غلِطَ، لأنّ المخفَّفة بمعنى كثرة اللحم، وليس من صفاته -ﷺ-". وإلى هذا ذهب أبو عُبيد القاسم بن سلام من قبله، فقال في غريب الحديث ١/ ١٥٢: "ومما يُحقِّق هذا المعنى الحديث الآخر إنه كان يصلِّي بعض صلاته بالليل جالسًا، وذلك بعدما حطمتْهُ السِّنُّ، وأما قوله: إنّي قد بدُنْت: فليس لهذا معنًى إلّا كثرةُ اللحم، وليست صفتُه، فيما يروى عنه هكذا، إنما يقال في نعته: رجلٌ بين الرَّجلين جسْمه ولحمُه. والأول أشبه بالصواب".
(٣) أخرجه عبد الرزاق في المصنَّف ٢/ ١٥٣ (٢٨٦٩)، وعنه أحمد في المسند ٢٩/ ١٣٣ (١٧٥٩٢)، وإسناده ضعيف لانقطاعه، كما أوضحناه في الحديث السالف قبله. ويروى من وجه آخر صحيح، أخرجه ابن حبان في صحيحه ٥/ ٦٠٩ (٢٢٣١) من طريق محمد بن إسحاق، قال: حدثني عبد اللَّه بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبي الزناد عبد اللَّه بن ذكوان، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، عن أبي هريرة ﵁.
(٤) قال في الاستيعاب ٣/ ٩٨٧ (١٦٥٧): "يُعدُّ في الشاميِّين"، وهو الصحيح، لما ذكرنا سابقًا من كونه كان يؤمّر على الجيوش في غزو الرّوم أيام معاوية.
[ ١ / ٦٢٧ ]
وحسبُكَ في هذا الحديثِ بحديثِ أبي هريرةَ، ثم حديثِ ابنِ عمرَ، وحديثِ عمرانَ بنِ حُصينٍ وغيرِهم، وهو من الأحاديثِ التي لا مَطْعَنَ فيها لأحدٍ وإنما اختلَفوا في تأويلِ شيءٍ منه.
وأمَّا قولُهم: إنَّ ذا اليدين قُتلَ يومَ بدرٍ. فغيرُ صحيح، وإنما المقتولُ يومَ بدرٍ ذُو الشمالين، ولسْنا نُدافِعُهم أنَّ ذا الشمالين مقتولٌ ببدرٍ؛ لأنَّ ابنَ إسحاقَ (^١) وغيرَه من أهلِ السِّيرِ ذكَرُوه فيمَنْ قُتِل يومَ بدرٍ.
وقال حمادُ بنُ سلمةَ، عن عليٍّ بنِ زيدٍ، عن سعيدِ بنِ المُسيِّب، قال: قُتِل يومَ بدرٍ خمسةُ رجالٍ من قريشٍ من المهاجرين؛ عُبيدةُ بنُ الحارثِ، وعامرُ بنُ أبي وقّاصٍ، وذُو الشمالين، وابنُ بَيْضَاءَ، ومِهْجَعٌ مولَى عمرَ بنِ الخطابِ (^٢).
قال أبو عُمر: إنما قال سعيدُ بنُ المُسيِّب: إنَّهم من قريشٍ؛ لأنَّ الحليفَ والمولَى يُعَدُّ من القوم، فمِهجَعٌ مولَى عمرَ، وذُو الشمالين حليفُ بني زُهْرَةَ؛ قال ابنُ إسحاقَ (^٣): ذُو الشمالين هو عُميرُ بنُ عمرِو بنِ غُبْشَانَ بنِ سُليم بنِ مالكِ (^٤) بنِ أفصىَ بنِ حارثةَ بنِ عمرِو بنِ عامرٍ، من خُزاعةَ، حليفٌ لبني زُهْرَةَ.
قال أبو عُمر: فذُو اليدَيْنِ غيرُ ذي الشِّمالين المقتولِ ببدرٍ، بدليلِ ما في حديثِ أبي هريرةَ، ومن ذكَرْنا معه؛ من حُضورِهم تلك الصلاةَ، وأنَّ المتكلمَ بذلك الكلام إلى النبيِّ -ﷺ- رجلٌ من بني سُليم، كذلك قال يحيَى بنُ أبي كثيرٍ، عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ، وقد تقدَّمَ ذكرُنا لذلك.
_________________
(١) في سيرته ص ٣٠٨، وسمّاه: "عبد عمرو بن نضْلة، حليفٌ لهم، من بني غُبْشان".
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنَّف (٣٧٨٥٤).
(٣) في سيرته ص ٣٠٨، ولم يسُق تمام اسمه كما ذكرنا قريبًا، والاسم بتمامه ساقه ابن هشام في السيرة النبوية ١/ ٦٨٠. وعنده "عبد" بدل "عمير".
(٤) في السيرة النبوية ١/ ٦٨٠، والروض الأنف للسُّهيلي ٥/ ٢٥٨، وعيون الأثر سيِّد الناس ١/ ٣١٩: "ملكان"، وهو الصحيح.
[ ١ / ٦٢٨ ]
وقال عِمْرانُ بنُ حُصينٍ: رجلٌ طويلُ اليدين يُقالُ له: الخِرْبَاقُ. وممكنٌ أن يكونَ رجُلانِ أو ثلاثةٌ يُقالُ لكلِّ واحدٍ منهم: ذو اليَدَيْن، وذو الشِّمالينِ. ولكنَّ المقتولَ يومَ بدرٍ غيرُ الذي تكلَّم في حديثِ أبي هريرةَ إلى النبيِّ -ﷺ- حينَ سَها فسلَّم من اثنتين، وهذا قولُ أهلِ الحِذْقِ والفهم من أهلِ الحديثِ والفقْهِ.
أخبَرنا عبدُ اللَّه بنُ محمّدٍ (^١)، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ أحمدَ الورَّاقُ، قال: حدَّثنا الخضرُ بنُ داودَ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ الأثرمُ، قال: سمِعتُ مُسدَّدًا (^٢) يقولُ: الذي قُتِلَ يومَ بدرٍ إنما هو ذُو الشِّمالين بنُ عبدِ عمرٍ وحليفٌ لبني زُهرةَ، وهذا ذو اليَدَيْنِ رجلٌ من العربِ كان يكونُ بالباديةِ، فيَجيءُ فيُصلِّي مع النبيِّ -ﷺ-.
وقال أبو بكرٍ الأثرمُ: حدَّثني سُليمانُ بنُ حربٍ، قال: حدَّثني حمادُ بنُ زيدٍ، قال: ذُكِرَ لأيوبَ البناءُ بعدَ الكلام، فقال: أليسَ قد تكلَّم النبيُّ ﵇ يومَ ذي اليَدَيْنِ؟
قال أبو عُمر: فإن قال قائلٌ: إنَّ حديثَ ذي اليَدَيْنِ مُضطربٌ؛ لأنَّ ابنَ عمرَ وأبا هريرةَ يقولانِ: سلَّم من اثنَتينِ. وعمرانَ بنَ حُصينٍ يقولُ: من ثلاثِ ركعاتٍ. ومعاويةَ بنَ حُديج يقولُ: إنَّ المتكَلِّمَ طلحةُ بنُ عُبيدِ اللَّه؟ قيلَ له: ليس اختلافُهم في موضع السلام من الصلاةِ عندَ أحدٍ من أهلِ العلم بخلافٍ يَقدَحُ في حديثهم؛ لأنَّ المعنَى المرادَ من الحديثِ هو البناءُ بعدَ الكلام، ولا فرقَ عندَ أهلِ العلم بينَ المسلِّمِ من ثلاثٍ أو من اثنتينِ؛ لأنَّ كُلَّ واحدٍ منهما لم يُكمِلْ صلاتَه.
وأمَّا ما ذُكِرَ في حديثِ مُعاويةَ بنِ حُدَيْج من ذكرِ طلحةَ بنِ عُبيدِ اللَّه، فمُمكنٌ أن يكونَ أيضًا طلحةُ كلَّمَه وغيرُه، وليس في أن يُكلِّمَه طلحةُ وغيرُه ما
_________________
(١) هو ابن عبد المؤمن بن يحيى التُّجيبي، المعروف بابن الزيّات.
(٢) هو ابن مسرهد.
[ ١ / ٦٢٩ ]
يَدفعُ أنَّ ذا اليدين كلَّمَه أيضًا، فأدَّى كُلٌّ ما سمِع على حسَبِ ما سمِع، وكلُّهم اتَّفقُوا في أنَّ المعنى المرادَ من الحديثِ هو البناءُ بعدَ الكلام، لمن ظنَّ أنَّه قد أتمَّ.
وأمَّا قولُ الزُّهْريِّ في هذا الحديثِ: إنَّه ذُو الشِّمالين، فلم يُتابَعْ عليه، وحمَله الزُّهريُّ على أنَّه المقتولُ يومَ بدرٍ، وقد اضْطُرِبَ على الزُّهريِّ في حديثِ ذي اليَدَين اضطرابًا أوجَب عندَ أهلِ العلم بالنقلِ تركَه من روايتِه خاصَّةً؛ لأنَّه مرةً يروِيه عن أبي بكر بنِ سُليمانَ بنِ أبي حَثْمَةَ، قال: بلغني أنَّ رسولَ اللَّه -ﷺ- ركَع ركعَتَيْنِ. هكذا حدَّثَ به عنه مالكٌ (^١)، وحدَّثَ به مالكٌ (^٢) أيضًا عنه، عن سعيدِ بنِ المُسيِّب وأبي سلمةَ بمثلِ حديثِه عن أبي بكر بنِ سليمانَ بنِ أبي حَثْمَة.
وروَاه صالحُ بنُ كَيْسَانَ عنه؛ أنَّ أبا بكر بنَ سليمانَ بنِ أبي حثمةَ أخبَره أنَّه بلغَه أنَّ رسولَ اللَّه -ﷺ- صلَّى رَكْعتين ثم سلَّم، وذكَر الحديثَ، وقال فيه: فأتَمَّ ما بَقِيَ من صلاتِه، ولم يَسجُدِ السَّجدتَيْنِ اللَّتينِ تُسجَدان إذا شكَّ الرجلُ في صلاتِه حينَ لَقَّنَه الرجلُ. قال صالحٌ: قال ابنُ شهابٍ: فأخبَرني هذا الخبرَ سعيدُ بنُ المُسيِّب عن أبي هريرةَ. قال: وأخبَرني به أبو سلمةَ بنُ عبدِ الرَّحمنِ، وأبو بكر بنُ عبدِ الرَّحمن، وعبيدُ اللَّه بنُ عبدِ اللَّه (^٣).
وروَاه ابنُ إسحاقَ، عن ابنِ شهابٍ، عن سعيدِ بن المُسيِّب، وعروةَ بنِ الزبيرِ، وأبي بكر بنِ سُليمانَ بنِ أبي حَثْمَةَ، قال: كُلٌّ قد حدَّثني بذلك، قالوا:
_________________
(١) الموطّأ ١/ ١٤٨ (٢٤٩)، وسيأتي حديث ابن شهاب الزُّهري، عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة المرسل في موضعه إن شاء اللَّه تعالى.
(٢) الموطّأ ١/ ١٤٨ (٢٥٠)، وسيأتي في موضعه إن شاء اللَّه تعالى.
(٣) أخرجه بتمامه أبو داود (١٠١٣)، والنسائي في المجتبى (١٢٣١)، وفي الكبرى ١/ ٣٠١ (٥٧١) و٢/ ٤٩ (١١٥٥)، وابن خزيمة في صحيحه ٢/ ١٢٦ (١٠٥١)، والبيهقي في الكبرى ٢/ ٣٥٨ (٤٠٧٦) من طريق صالح بن كيسان، به. ورجال إسناده ثقات. وسيأتي من هذا الوجه في أثناء شرح حديث ابن شهاب الزهري، عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة، به.
[ ١ / ٦٣٠ ]
صلَّى رسولُ اللَّه بالناسِ الظهرَ، فسلَّم من ركعتين، وذكَر الحديثَ، وقال فيه الزُّهريُّ: ولم يُخبرني رجلٌ منهم أنَّ رسولَ اللَّه -ﷺ- سجَد سجدتي السهوِ. فكان ابنُ شهابٍ يقولُ: إذا عرَف الرجلُ ما نَسِي من صلاتِه، فأتمَّها، فليس عليه سجدتا السهوِ، لهذا الحديث.
وقال ابنُ جُريج: حدَّثني ابنُ شهابٍ، عن أبي بكر بنِ سُليمانَ بنِ أبي حَثْمَةَ وأبي سلمةَ بنِ عبدِ الرَّحمنِ، عمن يَقنَعانِ بحديثه، أنَّ النبيَّ ﵇ صلَّى ركعتين في صلاةِ الظهرِ، أو العصرِ، فقال له ذو الشمالين بنُ عبدِ عمرٍو: يا رسولَ اللَّه، أقَصُرَتِ الصلاةُ أمْ نسِيتَ؟ وذكَر الحديث.
وروَاه معمرٌ، عن ابنِ شهابٍ، عن أبي سلمةَ بنِ عبدِ الرَّحمنِ، وأبي بكر بنِ سُليمانَ بنِ أبي حثمةَ، عن أبي هريرة (^١).
وهذا اضطرابٌ عظيمٌ من ابنِ شهابٍ في حديثِ ذي اليَدَينِ (^٢)؛ قال مُسلمُ بنُ الحجَّاج في كتاب "التمييزِ" له: قولُ ابنِ شهابِ: إنَّ رسولَ اللَّه -ﷺ- لم يسجُدْ يومَ ذي اليدين سجدتي السهوِ، خطأٌ وغلطٌ (^٣).
وقد ثبَت عن النبيِّ ﵇ أنَّه سجَد سجْدَتَي السَّهوِ ذلك اليومَ من أحاديثِ الثِّقاتِ؛ ابنِ سيرينَ وغيرِه.
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق في المصنَّف ٢/ ٢٩٦ (٣٤٤١)، وعنه أحمد في المسند ١٣/ ٩٧ (٧٦٦٦)، ومن طريقه -يعني عبد الرزاق- أخرجه النسائي في المجتبى (١٢٣٠)، وفي الكبرى ٢/ ٤٩ (١١٥٤)، وابن خزيمة في صحيحه ٢/ ١٢٦ (١٠٤٦)، وابن حبّان في صحيحه ٦/ ٤٠٢ (٢٦٨٥) جميعهم عن معمر بن راشد، به. ورجال إسناده ثقات.
(٢) على أنّ هذا الاضطراب لم يقَعْ جميعه من الزهري، وإنما وقع من بعض الرواة عنه، ووقع بعضُه منه.
(٣) الذي في المطبوع من كتاب التمييز لمسلم ص ١٨٣ بإثر (٤٥) بلفظ: "وخبرُ ابن شهاب هذا في قصّة ذي اليدين وهمٌ غيرُ محفوظ، لتظاهُرِ الأخبار الصِّحاح عن رسول اللَّه -ﷺ- في هذا".
[ ١ / ٦٣١ ]
قال أبو عُمر: لا أعلمُ أحدًا من أهلِ العلم بالحديثِ المصنِّفينَ فيه عوَّل على حديثِ ابنِ شهابٍ في قصةِ ذي اليَدَينِ؛ لاضطرابِه فيه، وأنَّه لم يُتِمَّ له إسنادًا ولا متْنًا، وإن كان إمامًا عظيمًا في هذا الشأنِ، فالغلطُ لا يَسلمُ منه أحدٌ، والكمالُ ليس لمخلوقٍ، وكلُّ أحدٍ يُؤخذُ من قولِه ويتركُ إلَّا النبيَّ -ﷺ-، فليس قولُ ابنِ شهابٍ أنَّه المقتولُ يومَ بدرٍ بحُجَّةٍ؛ لأنَّه قد تَبَيَّن غلطُه في ذلك.
وذكَر عبدُ الرزاقِ (^١)، عن ابنِ جُريج، قال: أخبرني عبدُ اللَّه بنُ عبيدِ اللَّه بنِ أبي مُليكةَ، أَنَّه سمِع عُبيدَ بنَ عُميرٍ فذكرَ خبرَ ذي اليدَيْنِ، قال: فأدرَكه ذُو اليَدَينِ أخو بني سُليم.
قال أبو عُمر: ذُو الشمالين المقتولُ يومَ بدرٍ خُزاعيٌّ، وذُو اليَدَينِ الذي شهِد سهوَ النبيِّ ﵇ سُلَمِيٌّ، وممَّا يَدُلُّ على أنَّ ذا اليَديْنِ ليس هو ذا الشِّمالين المقتولَ ببدرٍ ما أخبَرناه عبدُ اللَّه بنُ محمَّدٍ (^٢)، قال: أخبَرنا عبدُ الحميدِ بنُ أحمد، قال: حدَّثنا الخضرُ بنُ داودَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ هانئ الأثرمُ. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهيرٍ، قالا: حدَّثنا عليُّ بنُ بَحْرٍ، قال: حدَّثنا معدِيّ بنُ سُليمانَ السعدِيُّ البصرِيُّ، قال: حدَّثني شُعيثُ بنُ مُطَيْرٍ، ومُطَيرٌ حاضرٌ يُصدِّقُه بمقالتِه، قال: يا أبتَاه، أخبرتَني أنَّ ذا اليدين لَقِيَكَ بذي خُشُبٍ (^٣)، فأخبَركَ أنَّ رسولَ اللَّه -ﷺ- صلَّى بهم إحدَى صلاتي العشِيِّ، وهي العصرُ، فصلَّى ركعتين، ثم سلَّم، فقامَ رسولُ اللَّه -ﷺ-، وتبِعه أبو بكرٍ وعمرُ، وخرَج سَرَعَانُ الناسِ، فلَحِقَه ذو اليدينِ، وأبو بكرٍ
_________________
(١) المصنَّف ٢/ ٢٩٧ (٣٤٤٤).
(٢) هو ابن عبد المؤمن بن يحيى التُّجيبيِّ، المعروف بابن الزيّات، وشيخه عبد الحميد بن أحمد: هو البغداديّ الوراق.
(٣) ذو خُشُب: بضم أوّله وثانيه: واد قريب من المدينة المنورة. ينظر: معجم البلدان ٢/ ٣٧٢.
[ ١ / ٦٣٢ ]
وعمرُ مُبتدَّيْه (^١)، فقال: يا رسولَ اللَّه، أقَصرَتِ الصلاةُ أم نسِيتَ؟ فقال: "مَا قَصُرَتِ الصلاةُ وما نسيتُ". ثم أقبَل رسولُ اللَّه -ﷺ- على أبي بكرٍ وعمرَ فقال: "ما يقولُ ذو اليدين؟ " قالا: صدَق يا رسولَ اللَّه. فرجَع رسولُ اللَّه، وثابَ الناسُ، فصلَّى ركعتين، ثم سلَّم، ثم سجَد سجدتي السهو (^٢).
وأخبَرنا أحمدُ بنُ عبدِ اللَّه بنِ محمدِ بنِ عليٍّ، قال: حدَّثني أبي، قال: أخبَرنا أحمدُ بنُ خالدٍ، قال: حدَّثنا أبو الحسنِ أحمدُ بنُ عبدِ اللَّه، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: حدَّثنا مَعْدِيُّ بنُ سُليمانَ، قال: حدَّثنا شُعيثُ بنُ مُطيرٍ، ومُطيرٌ حاضرٌ يُصَدِّقُه بمقالتِه. فذكرَ مثلَ ما تقدَّم سواءً إلى آخرِه (^٣).
_________________
(١) قوله: "مُبْتدَّيْهِ" من التَّبديد: وهو التَّفريق، يقال: بدَّه يَبُدُّه بدًّا: فرَّقه، وتبدَّد الشيء: تفرَّق. والمراد هنا: أنهما أتياه يمشيان معه من جانبيه أو مفرَّقين كلُّ واحد من ناحية. ونُصب هنا على أنه حالٌ. ينظر: الصحاح، وتاج العروس (بدد).
(٢) أخرجه البغويّ في معجم الصحابة ٢/ ٣١٦ (٦٦٥) عن ابن أبي خيثمة أحمد بن زهير، به. وأخرجه ابن مندة في معرفة الصحابة ١/ ٥٦٩، والبيهقي في الكبرى ٢/ ٣٦٦ (٤٠٩٨) من طريق عليّ بن بحر بن بَرِّي البغدادي، به. وينظر ما بعده.
(٣) أخرجه عبد اللَّه بن أحمد في زوائد المسند ٢٧/ ٢٦١ (١٦٧٠٧)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني ٥/ ١١٦ (٢٦٥٥)، والطبراني في الكبير ٤/ ٢٣٣ (٤٢٢٤)، والدارقطني في المؤتلف والمختلف ٣/ ١٣٥٥ من طريق محمد بن المثنّى، به. وإسناده ضعيف. معدي بن سليمان: هو أبو سليمان صاحب الطعام ضعيفٌ، وشعيث بن مطير، تفرّد بالرواية عنه معديّ بن سليمان صاحب الطعام، ولم يوثقه أحدٌ، قال أبو حاتم كما في الجرح والتعديل لابنه ٤/ ٣٨٦: "شعيث ومطير أعرابيّان كانا يكونان في بعض قرى المدينة". قلنا: وأبو مطير: هو ابن سُليم الوادي مجهول الحال كما في التقريب (٦٧١٥)، وقد فرَّق البخاري في تاريخه الكبير ٨/ ٢٠ بينه وبين الراوي عن ذي الزوائد، فأفرد للذي روى عن الأخير ترجمة (٢٠٠٦)، ولمطير الذي روى عن ذي اليدين ترجمة (٢٠٠٥)، وجعلهما أبو حاتم واحدًا، وقال: "روى عن ذي اليدين وذي الزوائد. . . "، وإلى هذا ذهب الحافظان المزّيُّ وابن حجر، ولم يذكرا في الرواة عنه غير اثنين. ينظر: تهذيب الكمال ٢٨/ ٩٠ (٦٠١١).
[ ١ / ٦٣٣ ]
وأخبَرنا أحمدُ بنُ عبدِ اللَّه (^١) أنَّ أباه أخبَره، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ خالدٍ (^٢)، قال: حدَّثنا أبو الحسنِ أحمدُ بنُ عبدِ اللَّه، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بشَّارٍ، قال: حدَّثنا أبو سُليمانَ معدِيُّ بنُ سُليمانَ صاحبُ الطعام، قال: كنا بوادِي القُرَى، فقيلَ: إنَّ هاهُنا شيخًا قديمًا، قد بلَغ بضعًا ومئةَ سنةٍ، فأتينَاه فإذا رجلٌ يُقالُ له: مُطيرٌ. وإذا ابنٌ له يقالُ له: شُعيثٌ، ابنُ ثمانينَ سنةً، فقلْنا لابنِه: قُلْ له يُحدِّثْ بحديثِ ذي اليدَينِ، فثَقُلَ على الشيخ، فقال ابنُه: أليس حدَّثتنا أنَّ ذا اليدَينِ تَلَقَّاكَ بذِي خُشُبٍ، فقال: صلَّى رسولُ اللَّه -ﷺ- إحدَى صلاتي العشيِّ، وهي العصرُ؟ ثم ذكَر معنَى حديثِ عليِّ بنِ بَحْرٍ (^٣).
أخبَرنا أحمدُ بنُ عبدِ اللَّه، قال: أخبَرنا أبي، قال: أخبَرنا أحمدُ بنُ خالدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ اللَّه، قال: سمِعتُ العباسَ بنَ يزيدَ يقولُ: حدَّثني مَعديُّ بنُ سُليمانَ الحنَّاطُ، وكانوا يرون أنَّه من الأبدال.
فهذا الحديث يُبَيِّنُ لكَ أنَّ ذا اليدين عُمِّرَ عُمرًا طويلًا، وأنَّه غيرُ المقتولِ ببدرٍ، وفيما قدَّمْنا من الآثارِ الصحاح كفايةٌ لمنْ عُصِمَ من العصبيَّةِ (^٤).
_________________
(١) هو ابن محمد بن علي بن شريعة اللخميّ، المعروف بابن الباجيّ.
(٢) هو ابن يزيد، الجيّاني القرطبي، يعرف بابن الجبّاب.
(٣) أخرجه البيهقي في الكبرى ٢/ ٣٦٧ (٤٠٩٩) من طريق محمد بن بشار بُندار، به. وسلف الحديث عليه.
(٤) وفي هذا إشارة إلى ما ذهب إليه الطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٤٥١ بإثر الحديث (٢٦٠٨) من حمل كلام أبي هريرة ﵁ في حديث ذي اليدين السالف فى أثناء هذا الشرح: "صلى بنا رسول اللَّه -ﷺ-" على المجاز، وعبّر عن ذلك بقوله: "إنما يريد صلّى بالمسلمين لا على أنه شهد ذلك، ولا حضره" بدليل قول الزهري -كما سلف- أن صاحب القصّة استُشهد ببدر، وهذا يعني أن تكون هذه القصة وقعت قبل معركة بدر، يعني قبل إسلام أبي هريرة. قلنا: لكن الذي عليه الأئمّة من أهل الحديث أن الزُّهري وهم في ذلك، وقد بين الحافظ ابن حجر في =
[ ١ / ٦٣٤ ]
وقد قيلَ: إنَّ ذا اليَدَينِ عُمِّرَ إلى خلافةِ مُعاويةَ، وإنَّه تُوُفِّي بذي خُشُبٍ. فاللَّهُ أعلم.
ولو صحَّ للمخالفين ما ادَّعَوه؛ من نسخ حديثِ أبي هريرةَ بتحريم الكلام في الصلاةِ (^١) لم يكنْ لهم في ذلك حُجَّةٌ؛ لأنَّ النهيَ عن الكلام في الصلاةِ إنما توجَّهَ إلى العامدِ القاصدِ، لا إلى الناسِي؛ لأنَّ النسيانَ مُتجاوزٌ عنه، والناسِي والساهِي ليسَا ممَّن دخَل تحتَ النهي لاستحالةِ ذلك في النظر.
فإنْ قيلَ: فإنكم تُجِيزونَ الكلامَ في الصلاةِ عامدًا إذا كان في شأنِ إصلاحِها. قيلَ لقائلِ ذلك: أجَزْنَاه من بابٍ آخرَ قياسًا على ما نُهيَ عنه من التسبيح في غيرِ موضعِه من الصلاةِ، وإباحتُه للتنبيهِ على ما أغفَله المصلِّي من صلاتِه ليستدرِكَه، واستدلالًا بقصةِ ذي اليدين أيضًا في ذلك (^٢). واللَّهُ أعلم.
وهذا المعنَى قد نزَع به أبو الفرج وغيرُه من أصحابِنا، وفيما قدَّمْنا كفايةٌ إن شاء اللَّه.
وقد تَدْخُلُ على أبي حنيفةَ وأصحابِه مُناقضةٌ في هذا البابِ؛ لقولِهم: إنَّ المشيَ في الصلاةِ لإصلاحِها عامدًا جائزٌ، كالراعِفِ -ومَن يجري مجرَاه عندَهم- للضَّرورر إلى خُروجِه، وغسلِ الدم عنه، ووضوئِه عندَهم، وغيرُ جائزٍ فعلُ مثلِ
_________________
(١) = الفتح ٣/ ٩٧ سبب هذا الوهم، فقال: "وسببه أنه -يعني الزهري- جعل القصّة لذي الشمالين، وذو الشمالين هو الذي قُتل ببدر، وهو خُزاعي، واسمه عمير بن عبد عمرو بن فضلة، وأما ذو اليدين فتأخّر بعد النبيِّ -ﷺ- بمُدّة، لأنه حدّث بهذا الحديث بعد النبيِّ -ﷺ- كما أخرجه الطبراني وغيره، وهو سُلَميّ، واسمُه الخرباق". وقال: "وقد اتفق معظم أهل الحديث من المصنِّفين وغيرهم على أن ذا الشمالين غير ذي اليدين، ونصَّ على ذلك الشافعيُّ ﵀ في اختلاف الحديث". ينظر: اختلاف الحديث ٨/ ٦٥١ - ٦٥٢.
(٢) قفز نظر ناسخ الأصل إلى لفظة "الصلاة" الآتية فسقط ما بينهما.
(٣) ونحو هذا الكلام قاله الشافعيُّ في اختلاف الحديث ٨/ ٦٥٢.
[ ١ / ٦٣٥ ]
ذلك في غير إصلاح الصلاةِ وشأنِها. فكذلك الكلامُ يجوزُ منه لإصلاح الصلاةِ وشأنِها ما لا يجوزُ لغيرِ ذلك؛ إذِ الفِعْلان منهيٌّ عنهما، واللَّهُ أعلم.
وممَّن قال من السَّلفِ بمعنَى حديثِ ذي اليَدَيْنِ، ورأى البناءَ جائزًا لمن تكلَّم في صلاتِه ساهيًا؛ عبدُ اللَّه بنُ الزُّبيرِ، وابنُ عباسٍ، وعُروةُ، وعطاءٌ، والحسنُ، وقتادةُ، والشعبيُّ. ورُوِيَ أيضًا عن الزبيرِ بنِ العوام، وأبي الدرداءِ مثلُ ذلك (^١)، وقال بقول أبي حنيفةَ في هذا البابِ إبراهيمُ النخعِيُّ، وحمَّادُ بنُ أبي سُليمانَ، ورُويَ عن قتادة أيضًا مثلُه، والحجةُ عندَنا في سُنّةِ رسولِ اللَّه -ﷺ-، فهي القاضيةُ فيما اختُلِف فيه، وباللَّه التوفيق.
وفي هذا الحديثِ أيضًا إثباتُ حُجَّةِ مالكٍ وأصحابِه في قولِهم: إذا نَسِيَ الحاكمُ حُكمَه فشهِد عليه شاهدان نفَّذه وأمضَاه، وإنْ لم يذكرْه؛ لأنَّ النبيَّ ﵇ رجَع إلى قولِ ذي اليَدَين ومَن شهِد معه، إلى شيءٍ لم يذكُرْه.
وقال الشافعِيُّ وأبو حنيفةَ: لا يُنفِّذُه حتى يَذكرَ حُكمَه به على وجهِه.
وفيه إثباتُ سجودِ السهوِ على من سَهَا في صلاتِه.
وفيه أنَّ السجودَ يكونُ بعدَ السلام إذا زادَ الإنسانُ في صلاتِه شيئًا سهوًا، وبه استدلَّ أصحابُنا على أنَّ السجودَ بعدَ السلام فيما كان زيادةً من السَّهوِ في الصلاة.
وفيه أنَّ سجدَتَي السَّهْوِ يُسلَّمُ منهما ويكبَّرُ في كُلِّ خفضٍ ورفع فيهما، وهذا موجودٌ في حديثِ أبي هريرةَ، وعِمرانَ بنِ حُصينٍ، في قصةِ ذي اليدَيْنِ من وُجُوِهٍ ثابتةٍ، وسنذكُرُ اختلافَ الفقهاءِ في سُجودِ السَّهوِ وموضعِه من الصلاةِ في بابِ
_________________
(١) ينظر: المصنَّف لعبد الرزاق ٢/ ٣١٢ (٣٤٩٢) و(٣٤٩٤) و٢/ ٣٢٩ (٣٥٦٧). والمصنَّف لابن أبي شيبة (إذا سلّم من الركعتين ثم ذكر أنه لم يُتمّ) ٢/ ٣٦ و٢/ ٣٨، والأوسط لابن المنذر (ذكر اختلاف أهل العلم في الكلام في الصلاة ساهيًّا) ٣/ ٤١٧ - ٤١٨.
[ ١ / ٦٣٦ ]
زيدِ بنِ أسلمَ، عن عطاءِ بنِ يسار (^١). ويأتي منه ذكرٌ في بابِ ابنِ شهابٍ، عن الأعرجِ (^٢)، عن ابنِ بُحَيْنَةَ (^٣) إن شاء اللَّه.
واختلَف المتأخِّرون من الفقهاءِ في رُجوع المسَلِّم ساهيًا في صلاتِه إلى تمام ما بقِيَ عليه منها؛ هل يحتاجُ في ذلك إلى إحرام أم لا؟
فقال بعضُهم: لا بُدَّ أن يُحدِثَ إحرامًا، يُجددُه لرجوعِه إلى تمام صلاتِه، وإنْ لم يَفعلْ لم يُجْزِئْه.
وقال بعضُهم: ليس ذلك عليه، وإنما عليه أن يَنويَ الرجوعَ إلى تمام صلاتِه، فإنْ كبَّرَ لرُجُوعِه فحسَنٌ؛ لأنَّ التكبيرَ شعارُ حركاتَ المصلِّي، وإنْ لم يُكبِّرْ فلا شيءَ عليه؛ لأنَّ أصلَ التكبيرِ في غيرِ الإحرام إنما كان لإمام الجماعةِ، ثم صارَ سُنَّةً، بمواظبةِ رسولِ اللَّه -ﷺ- حتى لقيَ اللَّهَ. وسنذكُرُ هذا المعنَى مُمهدًا في بابِ ابنِ شهابِ، عن أبي سلمةَ (^٤)، وعن عليِّ بنِ حُسينٍ (^٥) إن شاء اللَّه.
وإنما قُلْنا: إنَّه إذا نوَى الرُّجوعَ إلى صلاتِه ليتِمَّها فلا شيءَ عليه، وإنْ لم يُكبِّرْ؛ لأنَّ سلامَه ساهيًا لا يُخرجُه عن صلاتِه، ولا يُفسِدُها عليه عندَ الجميع، وإذا كان في صلاةٍ يبني عليها، فلا معنَى للإحرام هاهُنا؛ لأنَّه غيرُ مُستأنِفٍ لصلاتِه، بل هو مُتِمٌّ لها بانٍ فيها، وإنما يُؤمرُ بتكبيرةِ الإحرام المبتدئُ وحدَه، وباللَّه التوفيق.
_________________
(١) وهو الحديث الثامن والعشرون لزيد بن أسلم، وسيأتي في موضعه إن شاء اللَّه تعالى، وهو في الموطّأ ١/ ١٥٠ (٢٥٢).
(٢) قوله: "عن الأعرج" سقط من الأصل.
(٣) وهو الحديث الثاني لابن شهاب عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، وسيأتي في موضعه إن شاء اللَّه تعالى. وهو في الموطّأ ١/ ١٥٢ (٢٥٦).
(٤) وهو الحديث العشرون لابن شهاب، وسيأتي في موضعه إن شاء اللَّه تعالى، وهو في الموطّأ ١/ ١٥٥ (٢٦٣).
(٥) وهو الحديث الثاني لابن شهاب عن علي بن الحسين، وسيأتي في موضعه إن شاء اللَّه تعالى، وهو في الموطّأ ١/ ١٢٥ (١٩٧).
[ ١ / ٦٣٧ ]