حديث أول لثَوْر بن زَيْد مُسْنَد
مالكٌ (^١)، عنْ ثَوْرِ بن زيدٍ الدِّيلِيِّ، عن أبي الغَيْثِ سالمٍ مَوْلَى ابنِ مُطيعٍ، عن أبي هُريرةَ، أنّه قال: خَرَجْنا مع رسول الله - ﷺ - عام خيبرَ، فلم نَغْنَمْ ذهَبًا ولا وَرِقًا، إلّا الأموالَ، الثِّيابَ والمَتاعَ. قال: فأهْدَى رِفاعةُ بن زيدٍ لرسولِ الله - ﷺ - غُلامًا أسوَدَ يقالُ له: مِدْعَمٌ. فوَجَّهَ رسولُ الله - ﷺ - إلى وادي القُرَى (^٢)، حتى إذا كانوا بوادي القُرَى، بينَما مِدْعمٌ يَحُطُّ رَحْلَ رسولِ الله - ﷺ -، إذْ جاءَه سَهْمٌ عائرٌ (^٣)، فأصابَه فقَتَلَه، فقال الناسُ: هَنيئًا له الجنَّة. فقال رسولُ الله - ﷺ -: "كلَّا، والذي نَفْسي بيدِه، إنّ الشَّمْلةَ التي أخَذَ يومَ خيبرَ من المغانم لم تُصِبْها المَقاسِمُ لتَشْتَعِلُ عليه نارًا". قال: فلمَّا سَمِعَ الناسُ ذلك جاءَ رجُل بشِرَاكٍ أو شِرَاكَينِ إلى رسولِ الله - ﷺ -، فقال رسولُ الله - ﷺ -: "شَرَاكٌ أو شَرَاكَان من نارٍ".
هكذا قال يحيى: خرَجْنا مع رسولِ الله - ﷺ - عامَ خيبرَ. وتابَعَه على ذلك عن مالكٍ قَوْمٌ؛ منهم الشِّافعيُّ (^٤)، وابنُ القاسِمِ (^٥)، والقَعْنَبِيُّ (^٦). وقال جماعةٌ من الرُّواةِ، عن مالكٍ في هذا الحديث: خرَجْنا مع رسولِ الله - ﷺ - عامَ حُنَيْنٍ، واللهُ أعلمُ بالصَّواب.
_________________
(١) الموطأ ١/ ٥٩١ (١٣٢٢).
(٢) وادي القرى: واد بين المدينة والشام من أعمال المدينة، كثير القرى. معجم البلدان ٥/ ٣٤٥.
(٣) سهم عائر: هو الذي لا يُدرى من رماه (النهاية ٣/ ٣٢٨).
(٤) في السنن المأثورة (٦٥٠).
(٥) الموطأ (١٤١) ومن طريقه النسائي في المجتبى ٧/ ٢٤، والكبرى (٤٧٦٨) و(٨٧٦٣).
(٦) أخرجه أبو داود (٢٧١١)، والجوهري (٣٠٥). وعند مسلم فيما ذكر المزي في التحفة (١٢٩١٦) وهو ليس في المطبوع من صحيح مسلم.
[ ٢ / ٧ ]
وقال يحيى: إلّا الأموالَ؛ الثِّيابَ والمَتاعَ. وتابَعَه قومٌ. وقال ابنُ القاسِم: إلّا الأموالَ والثِّيابَ والمَتاعَ. وكذلك قال الشَّافعيُّ، وقال القَعْنَبيُّ: فلم نَغْنَمْ ذَهَبًا ولا وَرِقًا إلّا الثِّيابَ والمَتَاعَ والأموال.
وروَى هذا الحديثَ أبو إسحاقَ الفَزَارِيُّ، عن مالكٍ، قال: حدَّثَني ثَوْرُ بن زيدٍ، قال حدَّثني سالم مولَى ابنِ مُطِيعٍ، أنّه سَمِعَ أبا هريرةَ يقولُ: افَتَتَحْنا خيبرَ، فلم نَغْنَمْ ذَهَبًا ولا فِضةً، إنّما غَنِمْنا الإبلَ والبقَرَ والمَتَاعَ والحَوائِطَ (^١). فجَوَّدَ أبو إسحاقَ، مع جَلالَتِه، إسْنادَ هذا الحديث؛ بسَمَاعِ بعضِهم من بعضٍ، وقَفَى بأنّها خَيْبَرُ لا حُنَيْن، ورَفَعَ الإشْكالَ.
ففي هذا الحديثِ أنّ بعضَ العَرَبِ، وهي دَوْسٌ، لا تُسَمِّي العَيْنَ مالًا، وإنّما الأموالُ عندَهم: الثِّيابُ والمَتَاعُ والعُرُوضُ، وعندَ غيرِهم: المالُ الصَّامِتُ من الذَّهبِ والوَرِق. وذكَرَ ابنُ الأنْبَارِيِّ، عن أحمدَ بن يَحْيَى النَّحويِّ، قال: ما قَصَّر عن بُلُوغِ ما تَجِبُ فيه الزَّكاةُ من الذَّهَبِ والورِقِ والماشيةِ، فلَيْسَ بمالٍ. وأنْشَدَ (^٢):
والله ما بلَغَتْ لي قَطُّ ماشِيَةٌ حَدَّ الزَّكاةِ ولا إبْلٌ ولا مالُ
قال: وأنْشَدَ أحمدُ بن يحيَى أيضًا (^٣) [من الوافر]:
ملأتُ يَدِي مِنَ الدُّنيا مِرارًا فما طَمِعَ العَواذِلُ في اقْتِصادِي
ولا وجَبَتْ عليَّ زكاةُ مالٍ وهل تجبُ الزَّكاةُ على جَوادِ
_________________
(١) أخرجه البخاري (٤٢٣٤)، والبيهقي في السنن الكبرى ٦/ ٣١٦ - ٣١٧ و٩/ ١٣٧.
(٢) البيت في أمالي القالي ٢/ ٣٥٢.
(٣) البيتان في أمالي القالي ٢/ ٣٠٢ غير منسوبين، وفي الأغاني ١٩/ ١١٠، وفوات الوفيات ١/ ٢٢١، والوافي بالوفيات ١٠/ ١٣٩ لبكر بن النطاح.
[ ٢ / ٨ ]
وهذان البَيْتانِ أنْشَدَهما الزُّبيرُ بن بكَّارٍ، عن محمدِ بن عيسى لفُلَيْح (^١) بن إسماعيل (^٢).
قال أبو عُمر: المعروفُ من كلامِ العَرَبِ أنّ كلَّ ما تُمُوِّلَ وتُمُلِّكَ فهو مالٌ، ألَا تَرَى إلى قولِ أبي قَتَادةَ السَّلَمِيِّ: فابْتَعْتُ - يعني بسَلَبِ القَتِيلِ الذي قتَله يومَ حُنينٍ - مَخْرَفًا في بَني سَلِمَةَ، فإنّه لأوَّلُ مالٍ تَأثَّلْتُه في الإسلام (^٣). وقال الله ﷿: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣]. وأجمَعُوا أنَّ العَيْنَ ممَّا تُؤْخَذُ منه الصَّدَقَةُ، وأنّ الثيابَ والمتاعَ لا يُؤْخَذُ منها الصَّدَقَةُ، إلّا في قولِ من رأى زكاةَ العُرُوضِ للمُدير التَّاجر، نَضَّ (^٤) له في عامه شيءٌ من العَيْنِ أو لم يَنِضَّ، وقال - ﷺ -: "يقولُ ابنُ آدَمَ: مَالِي مالِي، وإنّما له من مَالِه ما أكَل فأفْنَى، أو تصَدَّق فأمْضَى، أو لَبِس فأبْلَى" (^٥).
وهذا أبْيَنُ من أن يُحْتاجَ فيه إلى استشهادٍ، فمَنْ حَلَفَ بصدقَةِ مالِه، فذلك على كلِّ نوعٍ من مالِه، سواءٌ كان ممَّا تجبُ فيه الزَّكاةُ أو لم يكُنْ، إلّا أنْ يَنويَ شيئًا بعينِه فيكون على ما نَوَى، ولا معنى لقول مَن قال: إنّ ذلك على أموال الزَّكوات. لأنَّ العِلْمَ مُحيطٌ، واللِّسانَ شاهِدٌ، في أنّ ما تُمُلِّكَ وتُمُوِّلَ يُسَمَّى مالًا.
وسنذكُرُ اختلافَ العلماءِ فيمَنْ حَلَفَ بصدقَةِ مالِه في بابِ عُثمانَ من هذا الكتاب إن شاء الله.
أخبرنا خلفُ بن سعيدٍ (^٦)، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن خالدٍ.
_________________
(١) لم نقف عليهما فيما وصل إلينا من تآليفه.
(٢) في حاشية الأصل: "بلغت المقابلة بحمد الله وحسن عونه".
(٣) الموطأ ١/ ٥٨٥ - ٥٨٦ (١٣١١)، والمَخْرف: البستان.
(٤) نض المال: تحوّل نقدًا بعد أن كان متاعًا (النهاية ٥/ ٧٢).
(٥) أخرجه مسلم (٢٩٥٩) من حديث عبد الرحمن الحرقي، عن أبي هريرة.
(٦) هو المعروف بابن المنفوخ، أثنى عليه ابن عبد البر، وتوفي بعد سنة ٤٠٣ هـ (الصلة، الترجمة ٣٧٠).
[ ٢ / ٩ ]
وأخبرنا عبدُ الله بن محمدِ بن أسدٍ (^١)، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدُ بن أبي الموت.
وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سفيانَ (^٢)، قال: حدَّثنا محمدُ بن عيسى؛ قالوا: حدَّثنا عليُّ بن عبد العزيز، قال: حدَّثنا أبو عُبَيْدٍ (^٣)، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بن مَهْديٍّ، عن سفيانَ (^٤)، عن أبي إسحاقَ (^٥)، عن حارِثةَ بن مُضَرِّبٍ، قال جاءَ ناسٌ من أهل الشَّام إلى عُمرَ، فقالوا: إنَّا أصَبْنَا أموالًا؛ خَيْلًا ورَقيقًا، نُحِبُّ أنْ يكونَ لنا منها زكاةٌ وطُهورٌ (^٦)، وذكَرَ الحديثَ (^٧).
وفيه إباحةُ قَبولِ الهديَّة للخَليفَةِ، إلّا أنّ ذلك لا يجوزُ لغير النبيِّ ﵇، إذا كان منه قَبولُها على جهة الاستبداد بها دونَ رَعيَّتِه.
_________________
(١) هو عبد الله بن أحمد بن عبد الرحمن بن أسد الجهني سكن قرطبة يكنى أبا محمد، وتوفي سنة (٣٩٥ هـ) (الصلة، الترجمة ٥٥٧).
(٢) هو ابن جبرون المعروف بالحبيب من أهل قرطبة يكنى أبا القاسم، وكان من أوثق الناس في القاسم بن أصبغ البياني، وتوفي سنة ٣٩٥ هـ (الصلة، الترجمة ٨١٧).
(٣) هو القاسم بن سلام، وهو في كتابه الأموال (١٣٦٥).
(٤) هو الثوري.
(٥) هو عمرو بن عبد الله السَّبيعي، وسماع سفيان منه قبل تغيره.
(٦) كتبها ناسخ الأصل في الحاشية وصحح عليها.
(٧) إسناده صحيح. أخرجه أحمد ١/ ٢٤٤ (٨٢)، وابن خزيمة (٢٢٩٠)، والدارقطني في السنن (٢/ ١٢٦)، والحاكم في المستدرك (١/ ٤٠٠)، والبيهقي في السنن الكبرى (٤/ ١١٨) من طريق سفيان الثوري عن أبي إسحاق السبيعي، به. ورواه أحمد ١/ ٣٤٢ - ٣٤٣ (٢١٨) من طريق زهير بن معاوية عن أبي إسحاق. ورواه عبد الرزاق في مصنفه (٦٨٨٧) عن معمر عن أبي إسحاق مرسلًا، لم يذكر فيه حارثة بن مضرب.
[ ٢ / ١٠ ]
ورَوَى حَبيبٌ (^١)، عن مالكٍ، عن الزُّهريِّ، عن أنسٍ، قال: كان رسولُ الله - ﷺ - يَقبلُ الهديَّةَ، ويثيبُ عليها. وهذا الحديثُ، وإنْ كان إسنادُه غيرَ صحيح؛ لتفَرُّدِ حَبيبٍ به عن مالكٍ، فإنّ قَبولَ رسول الله - ﷺ - الهدايا أشهَرُ وأعْرَفُ، وأكثرُ من أن تُحْصَى الآثارُ في ذلك، لكنّه كان - ﷺ - مخصوصًا بما أفاءَ الله عليه من غير قتالٍ من أموالِ الكُفَّار، أنْ يكونَ له خاصَّةً دونَ سائرِ الناس، ومَنْ بعدَه من الأئمَّةِ حُكْمُه في ذلك خلافُ حُكْمِه؛ لأنّ ذلك لا يكونُ له خاصةً دونَ المسلمين بإجماعٍ، لأنّه فَيْءٌ، وفي حديث أبي حُمَيْدٍ السَّاعديِّ في قصَّةِ ابنِ اللُّتْبِيَّةِ (^٢) ما يَدُلُّ على أنّ العامِلَ لا يجوزُ له أنْ يَسْتَأْثِرَ بهدِيَّةٍ أُهْدِيَتْ إليه بسَببِ ولايَتِه، لأنّها للمسلمين.
حدَّثنا سعيدُ بن نَصر (^٣)، قال حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضَّاحٍ، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبةَ، قال (^٤): حدَّثنا سفيانُ بن عيينةَ، عن الزُّهريِّ، عن عُروةَ، عن أبي حميدٍ السَّاعديِّ، قال: استعملَ رسولُ الله - ﷺ - رَجُلًا من الأزْدِ يقالُ له: ابنُ اللُّتْبيَّة. فلمّا قَدِم قال: هذا لكم، وهذا أُهْدِيَ إليَّ. فقامَ النبيُّ - ﷺ - على المنبَر، فحَمِد الله وأثْنَى عليه، وقال: "ما بالُ عاملٍ أبعثُه، فيقولُ: هذا لكم، وهذا أُهدِيَ إليَّ، أفلا قعَد في بيت أبيه، أو بيتِ أُمِّه، حتى ينظُرَ أيُهْدَى إليه أم لا؟ والذي نفسُ محمدٍ بيَدِه، لا ينالُ أحدٌ منكم شيئًا
_________________
(١) هو حبيب بن أبي حبيب المصري كاتب مالك، يكنى أبا محمد، متروك، كذّبه أبو داود وجماعة، مات سنة ٢١٨ هـ (تهذيب الكمال ٥/ ٣٦٦).
(٢) ويقال فيه: "ابن الأتبية" كما في الأصل، وكما سيأتي بعد.
(٣) هو: ابن أبي الفتح مولى أمير المؤمنين عبد الرحمن بن محمد يكنى أبا عثمان من أهل قرطبة، روى عن قاسم بن أصبغ، وهو ثقة فيه وفي غيره، وتوفي سنة ٣٩٥ هـ. (الصلة، الترجمة ٤٦٧ ب).
(٤) المصنف (٣٤٢١٩).
[ ٢ / ١١ ]
إلّا جاءَ به يومَ القيامَةِ يَحْمِلُه على عُنُقِه؛ بَعيرٌ له رُغاءٌ، أو بَقرَةٌ لها خُوَارٌ، أو شاةٌ تَيْعَرُ" (^١). ثم رفَعَ يدَيْه حتى رأيْنا عُفْرَتَيْ (^٢) إبْطَيْه، ثم قال: "اللَّهمَّ هل بلَّغْتُ" (^٣).
ورواه هشامُ بن عُروةَ (^٤) وأبو الزِّنادِ (^٥)، عن عروةَ بن الزُّبير، عن أبي حُميدٍ السَّاعديِّ، عن النبيِّ - ﷺ - مثلَه، بمعناه.
روَى وَكيعٌ وغيرُه، عن الأعمش، عن شَقيقٍ، قال: كان رسولُ الله - ﷺ - قد استعملَ مُعاذَ بن جبل على اليمن، فلمَّا استُخلِفَ أبو بكرٍ، بحَثَ عُمرَ على الموسم في تلك السنة، وقَدِم مُعاذٌ من اليَمَنِ برَقيقٍ، فلَقِيَ عمرَ بعرفةَ، فقال له عمرُ: ما هؤلاء؟ قال: هؤلاء لأبي بكر، وهؤلاء لي. فقال له عمر: أرَى أنْ تأتيَ بهم إلى أبي بكرٍ، فتَدْفَعَهم إليه، فإنْ سَلَّمَهم لك، وإلّا فهو أحقُّ بهم. فقال: وما لي أدْفَعُ رَقِيقي إلى أبي بكرٍ؟ لا أُعْطيه هديَّتي. فانصَرَفَ بهم إلى مَنْزله، فلمَّا كانَ من الغَد، جاءَ إلى عُمرَ، فقال: يا ابن الخطَّاب، لقد رأيْتُني الليلةَ أُشْرِفُ على نارٍ قد أُوقِدَتْ، فأكادُ أتقَحَّمُها وأهْوِي فيها، وأنتَ آخِذٌ بحُجْزَتي (^٦)، ولا أُرَاني إلّا مُطِيعَك. قال: فذهَب إلى أبي بكرٍ، فقال: هؤلاءِ لك، وهؤلاءِ أُهْدُوا لي. قال: فإنّا قد سَلَّمْنا لك هَدِيَّتَك. فرجَعَ مُعاذٌ إلى مَنزِله، فصلَّى، فإذا هم خَلْفَه يُصلُّون،
_________________
(١) يعرف العنز تيعر: أي صاحت. (النهاية ٥/ ٢٩٧).
(٢) العفرة: بياض ليس بالناصع. (النهاية ٣/ ٢٦١).
(٣) أخرجه مسلم (١٨٣٢) (٢٦) عن ابن أبي شيبة وغيره. وأخرجه البخاري من طرق عن الزهري عن عروة بن الزبير عن أبي حميد (٩٢٥) و(٥٩٧) و(٦٦٣٦) و(٧١٧٤).
(٤) أخرجه البخاري (١٥٠٠) و(٦٩٧٩) و(٧١٩٧)، ومسلم (١٨٣٢) (٢٨).
(٥) أخرجه مسلم (١٨٣٢) (٢٩).
(٦) الحجزة: موضع شد الإزار.
[ ٢ / ١٢ ]
قال: ما بالُكم؟ قالوا: نُصَلِّي. قال: لِمَنْ؟ قالوا: لله. قال: فاذْهَبُوا، فأنتُم لله. فأعْتَقَهم (^١).
وذكَر يعقوبُ بن شَيْبَةَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن يحيى النَّيسابوريُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّزَّاق، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن الزهريِّ، عن ابنٍ لكَعْبِ بن مالكٍ، قال: بَعَثَ رسولُ الله - ﷺ - معاذًا إلى اليمنِ أميرًا، وكان أوّلَ مَن تَجَرَ في مالِ الله، فمَكَثَ حتى أصابَ مالًا، وقُبِضَ رسولُ الله - ﷺ -، ثم قَدِمَ مُعاذٌ على أبي بَكْرٍ، فقال عمرُ لأبي بكر: أرْسِلْ إلى هذا الرَّجُلِ، فَدَعْ له ما يَعيشُ به، وخُذْ سائرَه منه. فقال أبو بكرٍ: إنّما بعَثَه رسولُ الله - ﷺ - ليَجْبُرَه، ولستُ بآخِذٍ منه شيئًا، إلّا أنْ يُعطِيَني (^٢).
وفي قوله في هذا الحديث: إلّا جاءَ به يومَ القيامةِ يَحْمِلُه على عُنُقِه". دليلٌ على أنَّه غُلُولٌ، حرامٌ، نارٌ؛ قال اللهُ ﷿: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١]. وقال النبيُّ - ﷺ -: "هَدايا الأُمراءِ غُلُولٌ" (^٣).
_________________
(١) إسناده ضعيف، إذ لم يثبت سماع شقيق بن سلمة أبي وائل من معاذ، ذكر ذلك غير واحد من أهل العلم. أخرجه أبو نعيم في الحلية ١/ ٢٣٢ من طريق وكيع به. وأخرجه ابن أبي شيبة (٢٢٣٩٣) عن أبي معاوية محمد بن خازم الضرير، عن الأعمش مختصرًا.
(٢) أخرجه الطبراني في الكبير (٢٠/ حديث ٤٤)، والبيهقي في الدلائل (٢١٤٣)، وفي الكبرى ٦/ ٤٨ من طريق عبد الرزاق عن معمر، به، مرسلًا. وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٥١٧٧) عن معمر، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب عن أبيه، موصولًا. وذكر البيهقي في الكبرى أن عبد الله بن المبارك رواه عن معمر، به، مرسلًا، وهذا يقوي الرواية المرسلة، لا سيما أن الرواية المرسلة عن عبد الرزاق رواها غير واحد من الثقات عن عبد الرزاق منهم: أحمد بن حنبل، ومحمد بن يحيى النيسابوري، وأحمد بن منصور.
(٣) أخرجه أحمد ٣٩/ ١٤ (٢٣٦٠١)، والبيهقي في السنن الكبرى ١٠/ ١٣٨، والبزار (٣٧٢٣) من حديث أبي حميد الساعدي في إسناد فيه إسماعيل بن عياش عن يحيى بن سعيد، وإسماعيل =
[ ٢ / ١٣ ]
ومن ذلك قوله - ﷺ - في حديث ثَوْرِ بن زَيْدٍ هذا: "إنَّ الشَّمْلَة التي أخَذَ يومَ خَيْبَرَ من المغانم، لم تُصِبْها المَقاسِمُ، لتَشْتَعِلُ عليه نارًا". فكُلُّ مَن غلَّ شيئًا في سبيل الله، أو خانَ شيئًا من مالِ الله، جاءَ به يومَ القيامةِ إنْ شاءَ اللهُ.
والغُلُولُ من حقوقِ الآدَمِيِّين، ولا بُدَّ فيه من القِصاصِ بالحَسَناتِ والسيِّئات، ثم صاحِبُه في المشيئةِ، وسنذكُرُ ما للعلماءِ في عقوبَةِ الغَالِّ بعدَ هذا في هذا الباب إنْ شاءَ الله.
وذكَر سُنيدٌ (^١)، عن مُبَشِّرٍ (^٢)، عن صَفْوانَ بن عَمْرٍو، عن حبيبِ بن عُبيدٍ، عن عَوْفِ بن مالكٍ، أنَّ حَبيبَ بنَ مسلمةَ أُتيَ برجلٍ قد غَلَّ، ومعه غُلولُه، فوجَدَ الناسُ من ذلك، وكان أوَّلَ غُلُولٍ رأَوه في غَزْوهم بالشَّام، فقامَ عوفُ بن مالكٍ في الناس، فحَمِد الله وأثْنَى عليه، ثم قال: أيُّها الناسُ، إيَّاكم وما لا كَفَّارةَ له من الذُّنوب، إنَّ الرجلَ ليَزْني ثم يتُوبُ فيتُوبُ اللهُ عليه، وإنَّ الرجلَ ليَسْرِقُ
_________________
(١) = في روايته عن غير أهل بلده متكلّم فيه، وقال البزار: "وهذا الحديث رواه إسماعيل بن عياش واختصره وأخطأ فيه، وإنما هو عن الزهري، عن عروة، عن أبي حميد أنَّ النبي - ﷺ - بعث رجلًا على الصدقة". وكذا أخرجه أبو عوانة في المستخرج (٥٧١٠) بعد إخراجه من طريق إسماعيل من رواية أبي حاتم الرازي عن حرملة عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، قال: وحدثني أبو الأسود عن عروة عن أبي حميد في قصة ابن اللتبية. وأخرجه بأسانيد ضعيفة: عبد الرزاق (١٢٦٦٥)، والطبراني في الأوسط (٤٦٦٩) من طريق جابر، والطبراني في الكبير (١٩/ حديث ١١٤٠)، والأوسط (٧٨٥٢) من طريق أبي هريرة. ورواه ابن أبي شيبة (٢٢٣٩٠) عن عبد الرحمن بن مهدي عن لثعبة عن أبي قزعة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد موقوفًا، وهذا إسناد صحيح رواته ثقات، وأبو قزعة هو سويد بن حجير الباهلي ثقة.
(٢) هو سنيد بن داود المصيصي، ضعيف (تهذيب الكمال ١٢/ ١٦١).
(٣) هو مبشر بن إسماعيل الحلبي، صدوق (تهذيب الكمال ٢٧/ ١٩٠).
[ ٢ / ١٤ ]
ثم يتُوبُ فيتُوب اللهُ عليه، وإنّهما لذَنْبان لا كَفَّارةَ لهما: صاحبُ الغُلُول، وآكِلُ الرِّبَا، قال الله ﵎: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٦١]. فلا كَفَّارةَ لصاحب الغُلُول حتى يأتيَ اللهَ به يومَ القيامة، وآكِلُ الرِّبَا يَبْعَثُه الله يومَ القيامة مُخْتَنِقًا (^١)، يَخْتنقُ (^٢).
قال سُنيدٌ: وحدَّثنا عبدَةُ بن سليمان، عن إسماعيلَ بن مسلم، عن الحسن، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "هَدايا الأُمَراءِ غُلُولٌ" (^٣).
حدَّثنا سعيد، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا محمد، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ (^٤)، قال: حدَّثنا عبدُ الرحيم بن سليمانَ، عن أبي حيَّانَ، عن أبي زُرْعةَ، عن أبي هريرةَ، قال: قامَ رسول الله - ﷺ - فينا خَطيبًا فذكَر الغُلُولَ، فعظَّمَه، وعظَّمَ أمْرَه، ثم قال: "يا أيُّها الناسُ، لا أُلْفِيَنَّ أحدَكم يَجيءُ يومَ القيامةِ على رَقَبَتِه بَعيرٌ له رُغَاءٌ، فيقولُ: يا رسولَ الله، أغِثْني. فأقول (^٥): لا أملِكُ لكَ شيئًا، قد أبْلَغْتُك. لا أُلْفِيَنَّ أحَدَكم يَجيءُ يومَ القيامة على رَقَبَتِه شاةٌ لها ثُغاءٌ، يقول: يا رسولَ الله، أغِثْني. فأقولُ: لا أملِكُ لك شيئًا، قد أبْلَغْتُكَ. لا أُلْفِينَّ أحدَكم [يَجيءُ] (^٦) يومَ القيامةِ
_________________
(١) هكذا في الخسخ، وفي مصادر التخريج: "مجنونًا"، وفي بعضها: "مجنونًا مخنقًا".
(٢) أخرجه أبو إسحاق الفزاري في السير (٤٨٥)، والطبراني في الكبير (١٤٥٣٦)، وفي مسند الشاميين (١٤٦٥) من طريق حبيب بن عبيد، به، وليس في كتابي الطبراني "عن عوف بن مالك".
(٣) إسناده ضعيف، لضعف إسماعيل بن مسلم، وعنعنة الحسن البصري، وقد بينا قبل قليل ضعف طرق هذا الحديث من هذا الوجه، وينظر التلخيص الحبير ٤/ ١٨٩.
(٤) المصنف (٣٤٢١٦)، ومن طريقه أخرجه مسلم (١٨٣١) (٢٤)، باختلاف لفظي. وأخرجه البخاري (٣٠٧٣) عن مسدد، عن يحيى بن سعيد القطان، عن أبي حيان، كذلك.
(٥) في الأصل: "فيقول"، والمثبت من بقية النسخ.
(٦) ما بين الحاصرتين ليست في النسخ، وأثبتناها من صحيح مسلم.
[ ٢ / ١٥ ]
على رَقَبَتِه بقرةٌ لها خُوارٌ، يقولُ: يا رسولَ الله، أغِثْني. فأقولُ: لا أملِكُ لك (^١) شيئا، قد بلَّغْتُك. ولا أُلْفِيَنَّ أحدَكم يَجيءُ يومَ القيامة على رَقَبَتِه رِقاعٌ تَخفِقُ (^٢)، يقول: يا رسولَ الله أغِثْني. فأقولُ: لا أملِكُ لك شيئًا، قد بلَّغْتُك. ولا ألفِيَنَّ أحدَكم يَجيءُ يومَ القيامةِ على رَقَبَتِه صامتٌ (^٣)، يقولُ: يا رسولَ الله، أغِثْني. فأقولُ: لا أملِكُ لكَ شيئًا، قد بلَّغْتُك. ولا أُلْفِيَنَّ أحدَكم يَجيءُ يومَ القيامة (^٤) على رَقَبَتِه نفسٌ لها صِياحٌ، فيقول: يا رسولَ الله، أَغِثْني. فأقولُ: لا أمْلِكُ لك شيئًا، قد بلَّغْتُك".
فهذا ما في الغُلُول، وقد يدخُلُ فيه مَنع الزَّكوات؛ لأنّها من حقوقِ المسلمين أيضًا بالمعنى، والله أعلم.
وأمّا النَّصُّ في هَدايا المشركين، فروَى قتادةُ، عن يزيدَ بن الشِّخِّير، عن عياضِ بن حِمَارٍ (^٥)، أنَّ رسولَ الله - ﷺ - نهَى عن زَبْدِ المُشركين، يعني: هَدايَاهم ورِفْدَهم.
أخبرنا عبدُ الوارث بن سُفيان، قال: حدَّشْا قاسمُ بن أصبَغ (^٦)، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زهيرٍ. وحدَّثنا سعيدُ بن نصير، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ القاضي؛ قالا: أخبرنا عمرُو بن مرزوقٍ، قال: أخبرنا عِمرانُ القَطَّانُ، عن قتادةَ، عن يَزيدَ بن عبد الله بن الشِّخِّير، عن عِياضِ بن حِمَارٍ،
_________________
(١) "لك" سقطت من الأصل.
(٢) رقاع تخفق: أراد ما عليه من الحقوق المكتوبة في الرقاع، وخفوقها حركتها (النهاية ٢/ ٢٥١).
(٣) الصامت: الذهب والفضة خلاف الناطق وهو الحيوان (النهاية ٣/ ٥٢).
(٤) قوله: "يوم القيامة" من ج.
(٥) ينظر تهذيب الكمال ٢٢/ ٥٦٥.
(٦) من هنا إلى قوله: "أصبغ" سقط من الأصل، فكأنه من قفز نظر الناسخ، وهو ثابت في ج.
[ ٢ / ١٦ ]
قال: أهْدَيْتُ لرسول الله - ﷺ - ناقةً - أو قال: هَديّةً - فقال: "أسْلَمْتَ؟ ". قلتُ: لا. قال: "إنِّي نُهِيتُ عن زَبْدِ المشركين" (^١).
أخبرنا أبو عمرَ أحمدُ بن محمدِ بن أحمدَ، قال: حدَّثنا وَهْبُ بن مَسَرَّة، قال: حدَّثنا ابنُ وضَّاح، قال: حدَّثنا يوسفُ بن عَدِيٍّ، قال: أخبر نا ابنُ المبارك، عن يونسَ ومَعْمَرٍ، عن الزُّهريِّ، عن عبد الرحمنِ بن مالكٍ، عن (^٢) عامرِ بن مالكٍ، الذي يُقالُ له: مُلاعِبُ الأسِنَّة، قال: قَدِمْتُ على النبيِّ - ﷺ - بهَدِيَّةٍ، فقال: "إنَّا لَنْ نقْبَلَ هَدِيَّةَ مُشركٍ" (^٣).
واختلفَ العلماءُ في معنى هذينِ الحديثين، فقال منهم قائلون: فيهما النَّسخُ، لما كان عليه رسول الله - ﷺ - من قَبولِ الهَديَّةِ من أهلِ الشِّركِ مِثلَ أُكَيْدر دُومَةَ، وفَرْوةَ بن نُفاثةَ، والمُقَوْقِس، وغيرهم.
وقال آخرون: ليس فيهما ناسِخٌ ولا مَنْسوخٌ، والمعنَى فيهما أنّه كان لا يقبلُ هَدِيَّةَ مَن يَطْمَعُ بالظُّهور عليه وأخذِ بلَدِه، أو دخُولِه في الإسلام، فعن
_________________
(١) أخرجه الطيالسي (١٠٨٣)، وأبو داود (٣٠٥٧)، والترمذي (١٥٧٧)، وابن الجارود (١١١٠)، والطحاوي في شرح المشكل (٤٣٥٤)، والطبراني في الكبري ١٧/ حديث ٩٩٩، والبيهقي في الكبرى ٩/ ٢١٦. وصححه الترمذي وفيه عمران وهو ابن داور القطان ضعيف يعتبر به عند المتابعة كما في تحرير التقريب ٣/ ١١٣ - ١١٤، ويعارضه حديث أنس في الصحيحين: البخاري (٢٦١٥) و(٢٦١٦) و(٣٢٤٨)، ومسلم (٢٤٦٩) أن أكيدر دومة أهدى إلى النبي - ﷺ - جبة سندس (فلم يردها).
(٢) هكذا في النسخ، والصواب: "أنّ عامر بن مالك" أو ما يشبه ذلك كما في الأموال لأبي عبيد (٦٣١)، وفي مصنف عبد الرزاق: "قال معمر عن الزهري: أخبرني ابن كعب بن مالك، قال: جاء ملاعب الأسنة (٩٧٤١)، فهذا مرسل.
(٣) إسناده ضعيف لإرساله، وقال الحافظ ابن حجر في الفتح ٥/ ٢٣١: "وقد وصله بعضهم عن الزهري ولا يصح".
[ ٢ / ١٧ ]
مثلِ هذا نُهِيَ أنْ يقبلَ هديَّتَه ويُهادِنَه ويُقِرَّه على دينِه مع قُدرَته عليه، أو طَمَعِه في هِدايَتِه؛ لأنّ في قَبولِ هديَّتِه حَمْلًا على الكَفِّ عنه، وهو قد أُمِرَ أنْ يُقاتِلَ الكفار حتى يقولوا: لا إلهَ إلّا الله.
وقال آخرون: كان مُخيَّرًا في قبولِ هديَّتِهم وتَرْكِ قَبُولها؛ لأنّه كان من خُلُقِه - ﷺ - أن يُثيبَ على الهديةِ بأحسَنَ منها، فلذلك لم يقبلْ هديَّةَ مُشركٍ لئلَّا يُثيبَه بأفضلَ منها، والله أعلمُ.
أخبرنا عليُّ بن إبراهيم، قال: حدَّثنا الحسنُ بن رَشيقٍ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ أحمدُ بن محمد بن سلَّام البَغْداديُّ، قال: حدَّثنا داودُ بن رُشيدٍ (^١)، قال: حدَّثنا عيسَى بن يونسَ، عن هشام بن عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ، قالت: كان رسولُ الله - ﷺ - يَقبَلُ الهديَّة ويُثيبُ عليها (^٢).
وقد قيل: إنّه إنّما ترك ذلك تَنَزُّهًا، ونَهَى عن زَبْدِ المشركين لما في التَّهادي والزَّبْدِ من التَّحابِّ وتَلْيينِ القلوبِ، واللهُ ﷿ يقول: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢]، والله أعلمُ بما أرادَ رسولُه بقوله ذلك. وقد قَبِلَ - ﷺ - هديَّةَ قومٍ من المشركين، وأجازَ قَبُولَها جماعةٌ من الفقهاءِ على وجُوهٍ، نذكُرُ منها ما حضَرنا ذِكرُه إنْ شاءَ الله.
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سفيانَ قراءةً منِّي عليه، أنَّ قاسِمَ بن أصبغَ حدَّثهم، قال: حدَّثنا عُبيدُ بن عبد الواحدِ، قال: حدَّثنا محَبُوبُ بن موسى. (ح) وقرَأتُ عليه أيضًا أنَّ قاسِمَ بن أصبَغَ حدَّثهم، قال: حدَّثنا ابنُ وضَّاح، قال:
_________________
(١) بعد هذا في م: "قال: حدثنا إبراهيم، قال: حدثنا الحسن بن رشيق، قال: حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن سلام البغدادي، قال: حدثنا داود بن رشيد" وهو تكرار لا معنى له.
(٢) أخرجه البخاري (٢٥٨٥) عن مسدد، عن عيسى بن يونس، به.
[ ٢ / ١٨ ]
حدَّثنا عبدُ الملكِ بن حبيبٍ المِصِّيصيُّ؛ قالا جميعًا: حدَّثنا أبو إسحاقَ الفَزَاريُّ، قال: قلتُ للأوزاعيِّ: أرأيتَ لو أنّ صاحبَ الرُّومِ أهْدَى إلى أمير المؤمنين هديَّةً، أتَرَى بأسًا أنْ يَقْبَلَها؟ قال: لا أرى بذلك بأسًا. قلتُ: فما حالُها إذا قَبِلَها؟ قال: تكونُ بينَ المسلمين. قلتُ: وما وَجْهُ ذلك؛ قال: أليس إنَّما أهْدَاها له لأنَّه والي عَهْدِ المسلمين، لا يكونُ أحقَّ بها منهم، ويُكافِئُه بمثلها من بيت مال المسلمين. قلتُ للأوزاعيِّ: فلو أنَّ صاحِبَ الباب أهْدَى له صاحِبُ العَدُوِّ هديَّةً، أو صاحبُ مَلَطْيَة (^١)، أيقْبَلُها أحَبُّ إليكَ أو يَرُدُّها؟ قال: يَرُدُّها أحَبُّ إليَّ، فإنْ قَبِلَها فهي بينَ المسلمين، ويُكافِئُه بمِثْلِها. قلتُ: فصاحبُ الصَّائفةِ إذا دخَل فأهْدَى له صاحِبُ الرُّومِ هَدِيَّةً؟ قال: تكونُ بينَ ذلك الجَيشِ، فما كان من طعامٍ قَسَمه بينَهم، وما كان سِوَى ذلك جعَله في غنائم المسلمين.
قال أبو عُمر: ليسَ أحدٌ من أئمةِ الفقهاء - زَعَموا - أعلمَ بمسائلِ الجهادِ من الأوزاعيِّ، وقولُه هذا هو قولُنا.
وروَى عيسَى، عن ابن القاسم، في الإمام يكونُ في أرضِ العَدُوِّ (^٢)، فيُهْدي له العَدُوُّ، أتكونُ له خالصةً أمْ للجَيْشِ؟ قال: أُرَاها لجماعةِ الجيش؛ قال: لأنّه إنّما أهْدَاها خوفًا، إلّا أنْ يعلَمَ أنّ ذلك إنّما هو من قِبَلِ قرابَةٍ، أو مُكافَأةٍ، فأُرَاه له خالصًا. قيل له (^٣): فالرَّجلُ من أهلِ الجيش تَأتيه الهديَّةُ؟ قال: هذه له خالصةٌ لا شكَّ فيه، مثلُ أنْ يكونَ له قريبٌ أو صديقٌ فيُهدِيَ له، فهو له خالصٌ.
_________________
(١) معجم البلدان ٥/ ١٩٢.
(٢) في ف ١: "الغزو".
(٣) "له "من ف ١، ج.
[ ٢ / ١٩ ]
وقال الرَّبيعُ عن الشَّافعيِّ في كتاب الزَّكاة (^١): إذا أهْدَى واحدٌ من القومِ للوَالي هديَّةً، فإنْ كانت لشَيءٍ نالَ منه حقًّا أو باطلًا، فحرامٌ على الوَالي أخْذُها؛ لأنّه حرامٌ عليه أن يَستَجعِلَ على الحقِّ، وقد ألزَمه اللهُ ذلك، وحرامٌ عليه أن يأخُذَ لهم باطلًا، والجُعْلُ عليه حرامٌ. قال: وإنْ أهْدَى إليه أحَدٌ من أهل ولايَتِه على غير هذين المَعنَييْن تفضلًا أو تَشكُّرًا لحسنٍ (^٢) كان منه في العامة (^٣)، فلا يقْبَلُها، وإنْ قَبِلَها كانت في الصَّدقات، ولا يسَعُه عندي غيرُه إلّا أن يُكافِئَه من مالِه عليه بقَدْرِ ما يسَعُه به أنْ يَتَموَّلَها. قالْ وإنْ أُهْدِيَتْ هديَّة إلى رجلٍ ليس بذي سُلطانٍ شكْرًا على حسنٍ كان منه، فأحَبُّ إليَّ ألّا يقْبَلَها، ولا تحرُمُ عليه عندي إنْ قَبِلَها وأخَذها، وأحَبُّ إليَّ أنْ يدَعَ قَبُولَها، ولا يأخُذَها على الحسن مُكافأةً. هذا كلُّه هو المشهورُ من قولِ الشَّافعيِّ في كُتُبه الظاهرةِ عندَ أصحابِه.
وقد رُوِيَ عنه أنّ الحاكم إذا أُهديَتْ إليه هديَّةٌ من أجل حُكمِه، فحَكَمَ بالحَقِّ على وجهِه لم تَحْرُمْ عليه.
وأمّا العراقيُّون، فقال أبو يوسف: ما أهْدَى مَلِكُ الرُّوم إلى أميرِ الجيش فهو له خاصَّةً، وكذلك ما يُعطَى الرسول (^٤).
قال أبو عُمر: احتجَّ بعضُ مَن ذهب هذا المذهبَ، وقال: إنَّ الهديَّةَ تكونُ مِلْكًا للمُهْدَى له وإنْ كان واليًا، ولا تكونُ فيئًا؛ احتجَّ بإجماعِهم على أنَّ للإمامِ ألّا يَقْبَلَ هديَّةَ الكُفَّارِ. قالوا: ولو كانت فَيئًا لَما كان له ألّا يَقْبَلَها ويَرُدَّها على الحربيِّين.
_________________
(١) الأم ٢/ ٥٨، ومختصر اختلاف العلماء ٣/ ٤٩٩.
(٢) في الأصل: "بحسن" وما هنا من ف ١ ويعضده ما في الأم.
(٣) في الأم: "المعاملة".
(٤) مختصر اختلاف العلماء ٣/ ٤٩٨.
[ ٢ / ٢٠ ]
قال أبو عُمر: هذا لا حُجَّةَ فيه؛ لأنّ تَخْييرَهم الإمامَ في قَبولِ هديَّةِ الكُفارِ إنما هو من أجلِ أنّه إنْ قَبِلَها كان عليه أنْ يُكافئَ عليها من بيت المال، لا أنها لا (^١) تكونُ فَيْئًا، وإذا كان عليه أنْ يُثِيبَ عليها كان مُخَيَّرًا في قَبُولِها، ومعلومٌ أنّه إنّما أُهدِيَتْ إليه (^٢) بسببِ ولايَتِه، فاسْتَحالَ أنْ تكونَ له دونَ المسلمين، والحُجَّةُ في هذا عندي حديثُ أبي حُميدٍ السَّاعديِّ في قصةِ ابن الأُتَبيَّةِ (^٣).
أخبرنا خلفُ بن سعيدٍ، قال: أخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: أخبرَنا أحمدُ بن خالدٍ، قال: حدَّثنا عُبيدُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن يوسفَ، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّزَّاق وعبدُ الملك بن الصَّبَّاح، عن الثوريِّ، عن أبَانٍ، عن أبي نَضْرَةَ، عن أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ، أنَّ رسولَ الله - ﷺ - قال: "الهَدايَا (^٤) للأُمراءِ غُلُولٌ" (^٥).
وبه، عن عبد الرَّزَّاق (^٦) وعبد الملك، جميعًا عن الثوريِّ، عن عاصمٍ، عن زِرِّ بن حُبَيْشٍ، قال: قال ابنُ مسعودٍ: الرِّشْوَةُ في الدِّين سُحْتٌ. قال سفيانُ: يعني في الحُكْم.
_________________
(١) من ج.
(٢) في ج: "له".
(٣) ويقال فيه: ابن اللتبية، كما تقدم.
(٤) في ج: "الهدية".
(٥) إسناده ضعيف جدًّا، أبان هو ابن أبي عياش، وهو متروك. أخرجه الخليلي في الإرشاد من طريق أبي إسحاق الفزاري عن أبان، به. (١/ ٤٤٤) وأما عبد الرزاق فلم يروه بهذا الإسناد عن أبي سعيد، وإنما رواه عن جابر (١٤٦٦٥) كما تقدم.
(٦) أخرجه عبد الرزاق (١٤٦٦٤)، وسقط منه "الثوري"، وهو في مصنف ابن أبي شيبة (٢٢٥٣٢) عن وكيع، عن سفيان، به.
[ ٢ / ٢١ ]
وبه، عن عبد الرَّزَّاق (^١)، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن الزُّهريِّ، قال: جَمَعَ اليهودُ لابن رَوَاحةَ حينَ خَرَصَ (^٢) عليهم حَلْيًا من حَلْي نسائِهم فأهْدَوه له، فقال: هذه الرِّشْوَةُ سُحْت، وإنّا لا نأْكُلُها.
وذكَرَ وكيعٌ (^٣)، عن مُعاذِ بن العلاء أخي أبي عَمْرو بن العلاء، عن أبيه، عن جدِّه، قال: خطَبَنا عليٌّ بالكُوفةِ وبيدِه قارُورةٌ وعليه سراويلُ ونَعْلان، فقال: ما أصَبْتُ منذُ دخَلْتُها غيرَ هذه القارورةِ، أهْدَاها لي دِهْقانٌ.
وعن أبي البَخْتَريِّ، عن عليِّ بن ربيعة، أنّ عليًّا استعملَ رجُلًا، فلمّا جاءَ قال: يا أميرَ المؤمنين، إنّه أُهْدِيَ لي في عَمَلي أشياءُ، وقد أَتَيْتُ بها، فإنْ كان حَلالًا أخَذْتُه، وإلّا جئتُك به. فجاءَه به، فقَبَضَه عليٌّ، ﵁، وقال: إنِّي أحسَبُه كان غُلُولًا (^٤).
وأمّا هديَّةُ غير الكُفَّارِ إلى مَن لم تكُنْ له ولايةٌ، فمأخوذٌ من قول رسولِ الله - ﷺ -: "أجِيبُوا الدَّاعيَ ولا تَرُدُّوا الهديَّة" (^٥). وقال - ﷺ -: "ما أتاكَ مِن غيرِ مسألةٍ،
_________________
(١) عبد الرزاق (٧٢٠٢) بأطول مما هنا.
(٢) الخرص: التقدير.
(٣) أخرجه عبد الرزاق عنه (١٤٦٧٣) وليس فيه "عن جده". وأخرجه ابن أبي شيبة عن وكيع وفيه: "عن جده" (٢٥٣٦٨).
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة عن وكيع، عن سعيد بن عبيد الطائي، عن علي بن ربيعة، بمعناه، وهو عنده أوضح حيث جاء فيه قول علي ﵁: "لو حبستها كان غُلُولًا" (٢٢٣٩٦).
(٥) حديث صحيح. أخرجه ابن أبي شيبة (٢٢٤١٨) والبزار (١٦٩٧) عن عمر بن عُبيد الطنافسي، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود بزيادة: "ولا تضربوا المسلمين"، ومن طريقه أبو يعلى (٥٤١٢)، وابن حبان (٥٦٠٣)، وقد تقدم في ١/ ٥٥٥. =
[ ٢ / ٢٢ ]
فكُلْه وتَمَوَّلْه" (^١). وهذا إذا لم تكُنِ الهديَّةُ على شرطِ أداءِ حقٍّ قد وجَبَ عليه، كالشَّهادةِ ونحوِها، فإنْ كانت كذلك فهي سُحْتٌ ورِشْوَةٌ، وشَرٌّ من ذلك الأخذُ على الباطل، وبالله التوفيق.
قرأتُ على أحمدَ بن قاسم بن عبد الرحمن، أنّ محمدَ بن معاويةَ حدَّثهم، قال: حدَّثنا أحمدُ بن الحَسَن بن عبد الجبار الصُّوفيُّ، قال: حدَّثنا الهيثمُ بن خارِجَة، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن عياشٍ، عن عَمْرِو بن مُهاجِرٍ، قال: اشْتَهَى عمرُ بن عبد العزيز تُفَّاحًا، فقال: لو كان عندَنا شَيءٌ من تُفَّاح؛ فإنَّه طيبُ الرِّيح، طيِّبُ الطَّعْم. فقامَ رجلٌ من أهل بيتِه فأهْدَى إليه تُفَّاحًا، فلمّا جاءَ به الرسولُ، قال عُمرُ بن عبد العزيز: ما أطيبَ ريحَه وطَعْمَه، يا غلامُ، ارْجِعْه، وأقرئْ فلانًا السَّلامَ، وقل له: إنَّ هديَّتَك قد وقَعَتْ عندَنا بحيثُ تَحِبُّ (^٢). قال عمرُو بن مهاجر: فقلتُ: يا أميرَ المؤمنينَ، ابنُ عَمِّك ورجلٌ من أهل بيتك، وقد بلَغك أن رسولَ الله - ﷺ - كان يأكلُ الهديَّةَ ولا جملُ الصدقةَ. فقال: إن الهديَّة كانت للنبيِّ - ﷺ - هديَّةً، وهي لنا اليومَ رِشْوةٌ (^٣).
_________________
(١) = وأخرجه أحمد (٣٨٣٨)، والبخاري في الأدب (١٥٧)، والبزار (١٦٩٨)، والطبراني في الكبير (٩/ حديث ١٠٢٩٢)، والطحاوي في مشكل الآثار (٣٠٣١)، والبيهقي في الشعب (٤١٧٤) كلهم من طريق إسرائيل عن الأعمش، به. وأخرجه أبو نعيم في الحلية ٧/ ١٢٨ من طريق يحيى بن الضريس عن سفيان عن الأعمش، به.
(٢) أخرجه البخاري (١٤٧٣) و(٧١٦٣) و(٧١٦٤)، ومسلم (١٠٤٥) (١١٠) من حديث عمر بن الخطاب ﵁.
(٣) في ج: "تجب".
(٤) أخرجه أحمد في الزهد (٢٩٤)، وأبو نعيم في الحلية ٥/ ٢٩٤، وأخرجه البخاري في صحيحه معلقًا عن عمر بن عبد العزيز، ووصله الحافظ ابن حجر في تغليق التعليق ٣/ ٣٨٥ - ٣٨٦، وهو مرسل، عمرو بن مهاجر تابعي ثقة.
[ ٢ / ٢٣ ]
قال أبو عُمر: كان عُمرُ ﵁ في حين هذا الخبرِ خليفةً، وقد تقدَّم القولُ فيما للخلفاءِ والأمراءِ وسائر الولاة من الحُكْم في الهديَّة، ويَحْتَملُ أنْ يكونَ ذلك الرجلُ من أهل بيته قد عَلِمَ في كسبِه شيئًا أوجبَ التَّنزُّهَ عن هديَّتِه.
وأما قولُه في الحديث: "شراكٌ أو شِرَاكان من نارٍ". وقولُه في حديث عَمْرِو بن شعيب: "أَدُّوا الخَيْطَ والمِخْيَط" (^١). فيدُلُّ على أنّ القليلَ والكثيرَ لا يحلُّ لأحدٍ أخذُه في الغزو قبلَ المقاسم، إلّا ما أجمعُوا عليه من أكل الطعام في أرض العدوِّ، ومن الاحتطابِ والاصطياد، وهذا أولَى ما قيل به في هذا الباب، وما خالَفه مما جاءَ عن بعض أصحابنا وغيرهم فليس بشيء؛ لأنّ عمومَ قول الله ﷿: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] يُوجِبُ أنْ يكونَ الجميعُ غنيمةً، خمسُها لمَن سمَّى اللهُ، وأربعةُ أخماسِها لمَن شَهِدَ القتالَ من البالغين الأحرار الذكور، فلا يحِلُّ لأحدٍ منها شيءٌ إلّا سهمُه الذي يقعُ له في المقاسم بعد إخراجِ الخمس المذكور، إلّا أنّ الطعامَ خرج بدليل إخراج رسول الله - ﷺ - له عن جملةِ ذلك؛ فمن ذلك حديثُ عبد الله بن مُغفَّلٍ في الجرابِ بالشحم (^٢)، وحديثُ عُتبةَ بن
_________________
(١) قطعة من حديث حسن أخرجه أحمد (٦٧٢٩) وابن الجارود في المنتقى (١٠٨٠)، من طريق محمد بن إسحاق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وقد صرح ابن إسحاق بالتحديث في رواية ابن الجارود. وأخرجه ابن زنجوية في الأموال (١١٣٨) و(١٢٣٤) من طريق ابن عجلان وعمرو بن دينار عن عمرو بن شعيب، به. وأخرجه البيهقي في الكبرى من طريق عمرو بن دينار عن عمرو بن شعيب (١٣٥٥٥). والحديث مروي من حديث عبادة بن الصامت عند أحمد (٢٢٧٥١) و(٢٢٧٦٦) و(٢٢٨٢٨) و(٢٢٨٤٧)، وابن ماجة (٢٨٥٠)، والحاكم في المستدرك (٤٣٧٠)؛ ومن حديث العرباض بن سارية أخرجه أحمد (١٧١٩٤)، والطبراني في الأوسط (٢٤٢٣)، والبزار (٤١٩٧)، والبيهقي في السنن والآثار (٤٠٩٩).
(٢) أخرجه البخاري (٣١٥٣) و(٤٢١٤) و(٥٥٠٨)، ومسلم (١٧٧٢) (٧٢).
[ ٢ / ٢٤ ]
غزوانَ في السفينةِ المملوءةِ بالجَوزِ (^١)، وحديثُ ابن أبي أوفَى: كنا مع رسول الله - ﷺ - بخيبرَ، يأتي أحدُنا إلى الطعامِ من الغنيمةِ فيأخُذُ منه حاجَته (^٢). وأجمعَ العلماءُ على أنّ أكلَ الطعام في دارِ الحربِ مباحٌ، وكذلك العلفُ ما داموا في دارِ الحرب، فدلَّ على أنّه لم يدخُلْ في مرادِ الله من الآية التي تلَوْنَا، وما عدا الطعامَ فهو داخل تحتَ عموم قوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنفال: ٤١]. إلّا أن للأرض حكمًا سنذكُرُه في غير هذا الموضع من كتابِنا هذا إن شاءَ الله.
وقد رُوِي عن الزُّهريِّ أنَّه قال: لا يؤخذُ الطعامُ في أرضِ العدوِّ إلّا بإذنِ الإمام. وهذا لا أصلَ له؛ لأنّ الآثارَ المرفوعةَ تخالفُه، ولم يقلْ به فيما علمتُ غيرُه. ومن الآثار في ذلك ما ذكَره البخاريّ، قال (^٣): حدَّثنا مُسَدَّدٌ، قال: حدَّثنا حَمّادُ بن زيدٍ، عن أيوبَ، عن نافع، عن ابن عمرَ، قال: كنا نُصِيبُ في مغازِينا العَسَلَ والعنبَ فنأكُلُه ولا نرفعُه.
قال أبو عُمر: ما يُخرَجُ به من الطعام إلى دارِ الإسلام وكان له قيمةٌ فهو غنيمةٌ، وكذلك كُلُّ قليلٍ وكثيرٍ غيرَ الطعام، فهو غنيمةٌ؛ لأنهم لم يُجمِعوا على
_________________
(١) أخرجه الطبراني في الكبير (١٧/ حديث ٢٧٧).
(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد (١٩١٢٤) عن هشيم بن بشير عن أبي إسحاق الشيباني، عن محمد بن أبي مجالد، قال: بعثني أهل المسجد إلى ابن أبي أوفى أسأله، فذكره. وكذا أخرجه ابن الجارود في المنتقى (١٠٧٢)، والبيهقي في الكبرى ٦/ ٩٠. وأخرجه سعيد بن منصور (٢٧٤٠)، وأبو داود (٢٧٠٦) من طريق أبي معاوية عن أبي إسحاق الشيباني به. وكذا أخرجه الحاكم (٢٦٠٠) إلا أنه قرن في روايته بين أبي إسحاق وأشعث بن سَوَّار. وأخرجه عبد الرزاق (٩٣٠٤) عن الثوري، عن أشعث بن سوار عن رجل عن ابن أبي أوفى، قوله: "لم يخمس الطعام يوم خيبر".
(٣) البخاري (٣١٥٤).
[ ٢ / ٢٥ ]
شيءٍ منه. وروَى ثوبانُ، عن النبيِّ - ﷺ -، أنّه قال: "مَن فارقَ الروحُ منه الجسدَ وهو بريءٌ من ثلاثٍ دخلَ الجنةَ: الكِبرُ والغُلولُ، والدَّينُ".
حدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبةَ، قال: حدَّثنا عفانُ، قال: حدَّثنا أبانٌ العطارُ وهمَّامٌ (^١)، عن قتادةَ، عن سالم بن أبي الجَعْد، عن مَعْدانَ بن أبي طلحةَ، عن ثوبانَ، عن النبيِّ - ﷺ - أنّه قال: "مَن فارقَ منه الروحُ الجسدَ وهو بريءٌ من ثلاثٍ دخلَ الجنةَ: الكِبرِ والغُلولِ، والدَّينِ" (^٢).
وروَى رُويفعُ بن ثابتٍ، عن النبيِّ - ﷺ - أنّه قال: "من كان يؤمنُ بالله واليومِ الآخرِ فلا يأخذْ دابَّةً من المَغنمِ فيركبَها حتى إذا أنقضَها ردَّها في المغانم، ومن كان يؤمنُ بالله واليوم الآخرِ فلا يلبَسْ ثوبًا من المَغنمِ حتى إذا أخلقَه ردَّه في المغانم" (^٣).
وهذا غايةٌ في التحذيرِ والمنع، وأما قولُه - ﷺ -: "والذي نَفْسي بيدِه، إنّ الشَّمْلَةَ التي أخَذَها يومَ خَيْبَرَ من المَغانم، لم تُصِبْها المَقاسمُ، لَتشْتَعِلُ عليه نارًا".
_________________
(١) هو ابن يحيى العوذي.
(٢) إسناده صحيح. أخرجه أحمد ٣٧/ ٥٣ (٢٢٣٦٩) و٣٧/ ١٠٩ (٢٢٤٣٤)، وأخرجه عن همام وحده ٣٧/ ٧٤ (٢٢٣٩٠). وأخرجه من طريق سعيد عن قتادة: أحمد ٣٧/ ١٠٤ (٢٢٤٢٧) والدارمي (٢٦٤٧)، وابن ماجة (٢٤١٢)، والترمذي (١٥٧٢)، والنسائي في الكبرى (٨٧١١)، وابن حبان (١٩٨)، والحاكم في المستدرك (٢٢١٧) ومن طريقه البيهقي في الكبرى ٥/ ٣٥٥. وأخرجه أحمد ٣٧/ ١٠٤ (٢٢٤٢٨) من طريق شعبة عن قتادة، به. وأخرجه الترمذي (١٥٧٣) من طريق أبي عوانة عن قتادة، به.
(٣) أخرجه سعيد بن منصور (٢٧٢٢)، وابن سعد ٢/ ١١٥، وابن أبي شيبة (٣٣٢٣٢) و(٣٨٥٣٩)، وأحمد ٢٨/ ١٩٩ (١٦٩٩٠) و٢٨/ ٢٠٧ (١٦٩٩٧)، والدارمي (٢٤٨٨)، وأبو داود (٢٧١٠)، والترمذي (١١٣١) وقال: حسن، وابن حبان (٤٨٥٠)، من طرق: عن حنش الصنعاني مولى تجيب، عن رويفع بن ثابت، وفي الحديث قصة لم يذكرها المؤلف.
[ ٢ / ٢٦ ]
ثم قال للذي جاءَ بالشِّراك أو الشراكين: "شِراك أو شِرَاكان من نارٍ". ففي قوله هذا كلِّه دليلٌ على تعظيمِ الغُلُولِ، وتعظيمِ الذَّنب فيه، وأظنُّ حقوقَ الآدميِّين كلَّها كذلك في التعظيم، وإن لم يُقطَعْ على أنّه يأتي به حاملًا له كما يأتي بالغُلُول، والله أعلمُ. وقد ترَكَ رسولُ الله - ﷺ - الصلاةَ على الرجلِ الذي غلَّ الخَرَزاتِ، وهي لا تساوي درهمين، عقوبةً له، وسيأتي هذا الحديث في باب يحيى بن سعيدٍ إن شاءَ الله.
وأما الشَّمْلةُ فكساءٌ مُخْمَلٌ (^١)، وقال الخليلُ (^٢): اشتملَ بالثوبِ أدارَه على جسدِه. قال: والاسمُ الشَّملَةُ. قال: والشَّملةُ كساءٌ ذو خَمْلٍ. وقال الأخفشُ: الشَّملةُ الإزارُ من الصوف.
وفي هذا الحديث أيضًا دليلٌ على أنَّ الغالَّ لا يجبُ عليه حرقُ متاعِه، لأنّ
رسولَ الله - ﷺ - لم يُحَرِّقْ رَحْلَ الذي أخذَ الشَّمْلةَ ولا متاعَه، ولا أحرقَ متاعَ صاحبِ الخَرَزاتِ، ولو كان حَرْقُ متاعِه واجبًا، لفعَله - ﷺ - حينَئذٍ، ولو فعَله لنُقِلَ ذلك في الحديث. وقد رُوِيَ عن النبيِّ - ﷺ - أنّه قال: "مَنْ غَلَّ فأحرِقُوا متاعَه، واضرِبُوه". رواه أسدُ بن موسَى وغيرُه، عن الدَّرَاوَرْديِّ، عن صالح بن محمدِ بن زائدةَ، عن سالم، عن ابن عمرَ (^٣). وقال بعضُ رواةِ هذا الحديثِ فيه: "فاضرِبُوا عُنقَه، وأحرِقُوا متاعَه" (^٤). وهو حديث يدورُ على صالحِ بن محمد بن زائدةَ، وهو ضعيفٌ لا يُحتَجُّ به.
وقد اختلف العلماءُ في عقوبةِ الغالِّ، فذهَب مالكٌ، والشَّافعيُّ، وأبو حنيفةَ، وأصحابُهم، واللَّيثُ بن سعدٍ، إلى أنَّ الغالَّ يُعاقَبُ بالتَّعزير، ولا يُحرَقُ متاعُه.
_________________
(١) الخَمْلُ: هُدْبُ القطيفة ونحوها مما يُنسجُ ويَفضُلُ له فضولٌ (التاج: خمل).
(٢) العين ٦/ ٢٦٦.
(٣) أخرجه أبو داود (٢٧١٣)، والطحاوي في مشكل الآثار (٤٢٤١).
(٤) أخرجه الطحاوي في مشكل الآثار (٤٢٤٠).
[ ٢ / ٢٧ ]
وقال الشَّافعيُّ وداودُ بن عليٍّ: إن كان عالمًا بالنَّهي عُوقِبَ، وهو قولُ اللَّيث.
قال الشَّافعي: وإنّما يُعاقَبُ الرَّجلُ في بدَنِه لا في مالِه (^١).
قال أبو عُمر: اختلافُ العلماءِ في العقوبةِ في المالِ دونَ البدَنِ، أو البدنِ دونَ المالِ، قد ذكَرْنَاه في غير هذا المكان. وقال الأوزاعيُّ: يُحرَقُ متاعُ الغالِّ كلُّه إلّا سلاحَه، وثيابَه التي عليه، وسَرْجَه، ولا تُنْتَزَعُ منه دابَّتُه، ويُحْرَقُ سائرُ متاعِه كلِّه، إلّا الشيءَ الذي غَلَّ، فإنه لا يُحرَقُ ويُعاقَبُ مع ذلك (^٢). وقولُ أحمدَ وإسحاقَ كقولِ الأوزاعيِّ في هذا الباب كلِّه. ورُوِيَ عن الحسن البصريِّ أنّه قال: يُحرَقُ رحْلُه كلُّه، إلّا أن يكونَ حيوانًا أو مُصحفًا (^٣). وممن قال: يُحرَقُ رحلُ الغالِّ ومتاعُه: مكحولٌ وسعيدُ بن عبد العزيز. وحجَّةُ من ذهَب إلى هذا القولِ حديثُ صالح المذكورُ، وهو عندَنا حديثٌ لا يجبُ به انتهاكُ حرمةٍ، ولا إنفاذُ حكمٍ، مع ما يُعارِضُه من الآثارِ التي هي أقوَى منه.
فأمّا روايةُ من روَى: "فاضرِبُوا عنقَه، وأحرِقُوا متاعَه". فإنّه يُعارِضُه قولُه - ﷺ -: "لا يَحِلُّ دمُ امرئ مسلم إلّا بإحدَى ثلاثٍ" الحديث (^٤)، وهو ينفِي القتلَ في الغُلول. وروَى ابنُ جُريج، عن أبي الزُّبير، عن جابرٍ، أنَّ النبيَّ - ﷺ - قال: "ليس على الخائنِ، ولا على المُنتَهِبِ، ولا على المُخْتَلِس قطعٌ" (^٥). وهذا أيضًا يُعارضُ
_________________
(١) ذكر قول الشافعي هذا: البيهقي في معرفة السنن والآثار (١٣/ ٢٦٩).
(٢) السير لأبي إسحاق الفزاري، ص ٩٥.
(٣) أخرجه عبد الرزاق (٩٥٠٨)، وسعيد بن منصور (٢٧٣٠)، وابن أبي شيبة (٢٩٢٨٠)، و(٣٤٢٢٦).
(٤) أخرجه البخاري (٦٨٧٨)، ومسلم (١٦٧٦)، من حديث: عبد الله بن مسعود، ﵁.
(٥) إسناده صحيح، وقد صرح ابن جريج بسماعه، من أبي الزبير كما عند عبد الرزاق والدارمي. أخرجه عبد الرزاق (١٨٨٤٤) و(١٨٨٥٨) و(١٨٨٦٠)، وابن أبي شيبة (٢٩٢٥٣) و(٢٩٢٦١)، وأحمد ٢٣/ ٣٠٣ (١٥٠٧٠)، والدارمي (٢٣٥٦)، وأبو داود (٤٣٩١) و(٤٣٩٢) =
[ ٢ / ٢٨ ]
حديثَ صالح بن محمدِ بن زائدةَ، وهو أقوَى من جهةِ الإسناد، والغالُّ خائنٌ في اللغة والشريعة.
وقال الطحاويُّ: لو صَحَّ حديثُ صالحٍ المذكورُ احتمَلَ أنْ يكونَ كان حينَ كانت العقوباتُ في الأموال، كما قال في مانع الزكاة: "إنّا آخذُوها وشَطْرَ ماله عَزْمَةً من عَزَماتِ الله" (^١). وكما روَى أبو هريرةَ، في ضالَّةِ الإبلِ المكتومة: "فيها غرامَتُها ومثلُها معها" (^٢). وكما روَى عبدُ الله بن عَمْرو بن العاص في الثَّمَرِ المُعَلَّق: "غَرامَةُ مِثلَيه، وجَلَداتٌ نَكالٌ" (^٣). وهذا كلُّه منسوخٌ.
قال أبو عُمر: الذي ذهَب إليه مالكٌ، والشافعيُّ، وأبو حنيفةَ، ومن تابَعَهم في هذه المسألة، أولَى من جهةِ النَّظرِ، وصحيحِ الأثرِ، واللهُ أعلمُ. وأجمعَ
_________________
(١) = و(٤٣٩٣)، وابن ماجة (٢٥٩١)، والنسائي في المجتبى ٨/ ٨٨ - ٨٩ وفي الكبرى (٧٤٦٣) و(٧٤٦٤) و(٧٤٦٥) و(٧٤٦٦)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٣/ ١٧١، وفي شرح مشكل الآثار (١٣١٤)، وابن حبان (٤٤٥٦) و(٤٤٥٧)، والدارقطني في سننه ٣/ ١٨٧، وغيرهم.
(٢) حديث حسن. أخرجه عبد الرزاق (٦٨٢٤)، وأبو عبيد في الأموال (٩٨٧)، وأحمد ٢٣/ ٢٢٠ (٢٠٠١٦) و(٢٠٠٤١)، والدارمي (١٦٧٧)، وأبو داود (١٥٧٥)، والنسائي في المجتبى ٥/ ١٥ و٢٥، وفي الكبرى (٢٢٢٤) و(٢٢٢٩)، وابن خزيمة (٢٢٦٦)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٢/ ٩ و٣/ ٢٩٧، والطبراني في الكبير ١٩/ حديث ٩٨٤ و٩٨٥ و٩٨٦ و٩٨٧ و٩٨٨، من طريق: بهز بن حكيم عن أبيه عن جده.
(٣) حديث صحيح. أخرجه عبد الرزاق (١٨٥٩٩)، وأبو داود (١٧١٨)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٣/ ١٤٦، والبيهقي في الكبرى ٦/ ١٩١.
(٤) حديث حسن. أخرجه النسائي في المجتبى ٨/ ٨٥، وفي الكبرى (٧٤٤٧)، وابن الجارود في المنتقى (٨٢٧)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٣/ ١٤٦، والحاكم ٤/ ٤٢٣، والبيهقي في الكبرى ٤/ ١٥٢ و٨/ ٢٧٨. وأخرجه أبو داود (١٧١٠) و(٤٣٩٠)، وابن ما جه (٢٥٩٦)، من غير زيادة: "وجلداتٌ نكال".
[ ٢ / ٢٩ ]
العُلماءُ على أنّ على الغالِّ أن يرُدَّ ما غَلَّ إلى صاحبِ المقاسمِ إنْ وَجَدَ السبيلَ إلى ذلك، وأنه إذا فعَل ذلك، فهي توبةٌ له، وخروجٌ عن ذنبِه.
واختلفُوا فيما يَفعلُ بما غلَّ إذا افترَقَ أهلُ العَسْكَر، ولم يصِلْ إليهم؛ فقال جماعةٌ من أهلِ العلم: يدفعُ إلى الإمام خُمُسَهُ، ويتصدَّقُ بالباقي؛ هذا مذهبُ الزهريِّ، ومالكٍ، والأوزاعيِّ، واللَّيث، والثَّوريِّ. ورُوِيَ ذلك عن عُبادةَ بن الصَّامتِ، ومعاويةَ بن أبي سفيانَ، والحسَنِ البصريّ، وهو يُشبِهُ مذهب ابن مسعودٍ، وابن عباسٍ، لأنّهما كانا يَرَيان أن يُتصدَّقَ بالمالِ الذي لا يُعْرَفُ صاحِبُه (^١).
وذكَر بعضُ الناس عن الشَّافعيِّ أنّه كان لا يَرَى الصدقةَ بالمالِ الذي لا يُعرَفُ صاحِبُه، وقال: كيف يتصدَّقُ بمالِ غيرِه! وهذا عندي معناه فيما يُمكنُ وجودُ صاحبِه، والوصولُ إليه، أو إلى وَرَثَتِه، وأما إنْ لم يُمكن شَيْءٌ من ذلك، فإن الشَّافعيَّ ﵀ لا يَكْرَهُ الصدقةَ به حينَئذٍ إنْ شاءَ اللهُ.
ذكَر سُنيدٌ (^٢): حدَّثنا أبو فَضالةَ (^٣)، عن أزهرَ بن عبد الله، قال: غَزَا مالكُ بن عبد الله الخَثْعَميُّ أرضَ الروم، فغَلَّ رجلٌ مئة دينارٍ، فأتى بها معاويةَ بن أبي سفيانَ، فأَبَى أنْ يقْبَلَها، وقال: قد نفَرَ الجيشُ وتفرَّقَ. فخرَجَ فلَقِيَ عُبادةَ بنَ الصامت، فذكَر ذلك له، فقال: ارجِعْ إليه، فقُل له: خُذْ خُمُسَها أنت. ثم تصدَّقْ أنت بالبقيَّةِ، فإنّ اللهَ عالمٌ بهم جميعًا. فأتَى معاويةَ، فأخبرَه، فقال: لأن كنتُ أنا أفتيتُك بهذا، كان أحبَّ إليَّ من كذا وكذا (^٤).
وقد أجمَعُوا في اللُّقَطَةِ على جوازِ الصدقةِ بها بعدَ التعريفِ وانْقطاع صاحبِها، وجعلُوه إذا جاءَ مُخيَّرًا بينَ الأجرِ والضَّمانِ، وكذلك الغصُوبُ، وبالله التوفيقُ.
_________________
(١) ينظر المغني لابن قدامة ١٣/ ١٧١ - ١٧٢، وتفسير القرطبي ٤/ ٢٦١.
(٢) سنيد بن داود المصيصي، وهو ضعيف.
(٣) هو الفرج بن فضالة بن النعمان التنوخي، وهو ضعيف أيضًا (تهذيب الكمال ٢٣/ ١٥٦).
(٤) إسنادها ضعيف لضعف سنيد وشيخه أبي فضالة.
[ ٢ / ٣٠ ]