حديثٌ ثانيَ عشَرَ لإسحاقَ، عن رافع بنِ إسحاق
مالِكٌ (^١)، عن إسْحاقَ بن عبدِ اللَّه بنِ أبي طَلْحَةَ، عن رافِع بنِ إسْحاقَ، مَوْلًى لآلِ الشِّفاءِ، وكان يُقالُ له: مَوْلَى أبي طَلْحَةَ، أنَّه سَمِعَ أبا أيُّوبَ الأنْصَارِيَّ صاحِبَ رسولِ اللَّه -ﷺ- وهو بمِصْرَ يقولُ: واللَّه ما أدْرِي كيفَ أصْنَعُ بهذه الكرابِيسِ، وقد قالَ رسولُ اللَّه -ﷺ-: "إذا ذَهَبَ أحَدُكم الغائطَ (^٢) أو البولَ، فلا يسْتَقْبِل القبلةَ، ولا يَسْتَدْبِرْها بفَرْجِه".
هكذا قال مالِكٌ في هذا الحديثِ: "مَوْلًى لآلِ الشِّفاء"، وقال في الحديثِ الذي قبلَه: مَوْلَى الشِّفَاء (^٣)، فيما روَاه يحيَى بنُ يحيَى عنه، وقد قال عن مالِكٍ في الموْضِعَين جميعًا طائفَةٌ مِن الرُّوَاة: "مَوْلَى الشِّفاء". وقال آخَرُون عنه في الموْضِعَين جميعًا: "موْلَى آلِ الشِّفَاء". وقالَ قومٌ كما قالَ يحيَى، وهذا إنَّما جاءَ مِن مالِك.
والشِّفَاءُ: اسْمُ امرأةٍ مِنَ الصَّحابَةِ مِن قُرَيْشٍ، وهي الشِّفَاءُ بنتُ عبدِ اللَّه بنِ عَبْدِ شَمْسِ بنِ خالِد، مِن بَنِي عَدِيِّ بنِ كَعْب، وهي أمُّ سُلَيْمانَ بنِ أبي حَثمَة، وقد ذكَرْنَاها في كِتابِنا في "الصَّحابةِ" (^٤)، وكان حمَّادُ بنُ سَلَمَةَ يقول: عن إسْحاقَ بنِ عبدِ اللَّه بنِ أبي طَلْحَة، عن رافِع بنِ إسْحاقَ مَوْلَى أبي أيُّوب (^٥). وكان مالِكٌ يقول:
_________________
(١) الموطأ ١/ ٢٦٨ (٥١٩).
(٢) في ق، ف ١: "إلى الغائط"، وما أثبتناه من الأصل، وهو الذي في مطبوعتنا من الموطأ، وجاء في بعض نسخ الموطأ: لغائط أو بولٍ.
(٣) الموطأ ٢/ ٥٥٥ (٢٧٧١)، وهو الحديث الحادي عشر لإسحاق بن عبد اللَّه بن أبي طلحة، وقد سلف في موضعه.
(٤) الاستيعاب ٤/ ١٨٦٨ (٣٣٩٨).
(٥) وكذا ذكر البخاري في تاريخه الكبير ٣/ ٣٠٥ (١٠٣٦) في ترجمة رافع، قال: "رافع بن إسحاق مولى أبي أيوب الأنصاري، قاله حمّاد بن سلمة، عن إسحاق بن عبد اللَّه، وقال مالك، =
[ ١ / ٥٤٤ ]
وكان يُقالُ له: مَوْلَى أبي طَلْحَة. وهو مِن تابِعِي أهْلِ المدينة، ثِقَةٌ فيما نقَلَ وحَمَلَ، وحَدِيثُه هذا حَدِيثٌ مُتَّصِلٌ صحيح.
وفيه مِنَ الفِقْهِ: أنَّ على مَن سَمِعَ الخطابَ، أنْ يستعمِلَه على عمومِه، إذا لم يَبْلُغْه شيءٌ يخُصُّه، لأنَّ أبا أيُّوبَ سمِعَ النَّهْيَ مِن رسولِ اللَّه -ﷺ- عنِ اسْتِقْبالِ القِبْلَةِ واسْتِدْبارها بالبَوْل والغائطِ مُطْلَقًا غيرَ مُقَيَّدٍ بشَرْطٍ ففَهمَ منه العُموم، فكان يَنْحَرِفُ في مَقاعِدِ البُيوتِ، ويَسْتَغْفِرُ اللَّهَ أيضًا، ولم يَبْلُغْه الرُّخْصةُ التي روَاها ابنُ عمرَ (^١) وغيرُه، عن النبيِّ -ﷺ- في البُيوت.
أخبَرنا أبو محمدٍ عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ عبدِ المُؤْمِن، قال: أخبَرنا محمدُ بنُ يحيَى بنِ عمرَ الطَّائي، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ حَرْبٍ الطَّائي، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ عُيينة، عنِ الزُّهريِّ، عن عَطَاءِ بنِ يَزِيدَ اللَّيْثِي، عن أبي أيُّوبَ، يَبْلُغُ بهِ النبيَّ -ﷺ-، قال: "لا تَسْتَقْبِلُوا القِبْلَةَ بِغَائِطٍ وبَوْلٍ، ولا تَسْتَدْبِرُوها". قال أبو أيُّوبَ: فقَدِمْنَا الشَّامَ، فوَجَدْنا مَراحِيضَ قد بُنِيَتْ قِبَلَ القبلَةِ، فنَنْحَرِفُ عنها، ونَسْتَغْفِرُ اللَّه (^٢). وهكذا يجبُ على كُلِّ مَن بلَغَه شئٌ أنْ يَسْتَعْمِلَه على عُمُومِه، حتى يَثْبُتَ عندَه ما يَخُصُّه أو يَنسَخُهُ.
أخبَرنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصْبَغَ، قال: حدَّثنا
_________________
(١) = عن إسحاق: هو مولى الشفاء، وكان يقول: مولى أبي طلحة الأنصاري، سمع أبا أيوب الأنصاري وأبا سعيد الخدري. يُعَدُّ في أهل المدينة". والحديث عند أحمد في المسند ٣٨/ ٥٣٩ (٢٣٥٥٩)، والطبراني في الكبير ٤/ ١٤١ (٣٩٣٢) من طريق حمّاد بن سلمة، به. ولم يذكر فيه: "مولى أبي أيوب".
(٢) سيأتي حديثه مع تخريجه في أثناء هذا الشرح.
(٣) أخرجه أحمد في المسند ٣٨/ ٥٥٢ (٢٣٥٧٩)، والبخاري (٣٩٤)، ومسلم (٢٦٤)، وأبو داود (٩)، والترمذي (٨)، والنسائي (٢١)، وفي الكبرى ١/ ٨١ (٢٠).
[ ١ / ٥٤٥ ]
أحمدُ بنُ زهَيْر، قال (^١): حدَّثنا عفَّانُ. وأخبَرنا عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ يحيَى، قال: أخبَرنا محمدُ بنُ بكرِ بنِ داسَةَ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (^٢): حدَّثنا مُوسَى بنُ إسماعِيل، قالا جميعًا: أخبَرنا وُهَيْبُ بنُ خالدٍ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ يحيَى، عن أبي زيد، عن مَعْقِلِ بنِ أبي مَعْقِلٍ الأسَدِيِّ، قال: نَهَى رسولُ اللَّه -ﷺ- أنْ تُسْتَقْبَلَ القِبلَتان ببَوْلٍ أو بغَائِطٍ.
وروَاه سُلَيْمانُ بنُ بِلال، عن عَمْرِو بنِ يحيَى، في سْنادِه مثْلَه، ذكره أبو بكر بنُ أبي شَيْبَةَ (^٣)، عن خالدِ بنِ مَخْلَدٍ، عن سُلَيْمانَ.
وكان مجاهدٌ، وإبراهيمُ النَّخَعِيُّ، ومحمدُ بنُ سيرِينَ يَكْرَهُون أنْ تُستَدبَرَ إحدَى القِبْلَتَينِ، أو تُستقبَل بغَائِطٍ أو بَوْلٍ؛ الكعْبَةَ وبَيْتَ المقدِس (^٤).
وفي حديثِ يحيَى بنِ سعيد، عن محمدِ بن يحيَى بنِ حَبَّان، عن عمِّه واسِع بنِ حَبَّان، عن عبدِ اللَّه بنِ عُمر، أنَّه كان يقول: إنَّ ناسًا يقولُون: إذا قَعَدْتَ لحاجَتِكَ، فلا تَسْتَقْبِلِ القِبْلَةَ، ولا بَيْتَ المقدسِ. وقد اخْتُلِفَ في مَتْنِ هذا الحَدِيثِ على يحيَى بنِ سعيد.
أخبَرنا عبدُ الوارِثِ بنُ سُفْيان، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصْبَغ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حماد، قال: حدَّثنا مسدَّدٌ. وحدَّثنا سعيدُ بنُ نَصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ
_________________
(١) في تاريخه الكبير، السفر الثاني ١/ ٥٤٨ (٢٢٤٩). وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنَّف (١٦٢٠)، وأحمد في المسند ٢٩/ ٣٨٤ (١٧٨٤٠) عن عفان بن مسلم الصفّار، به.
(٢) في سننه (١٠)، ومن طريقه البيهقي في الكبرى ١/ ٩١ (٤٤٣). وأخرجه البخاري في تاريخه الكبير ٧/ ٣٩١ - ٣٩٢ (١٧٠٦) عن موسى بن إسماعيل التبوذكيّ، به. وإسناده ضعيف لجهالة أبي زيد مولى بني ثعلبة، يقال: اسمه الوليد، كما في التقريب (٨١٠٩). وما سلف قبله يُغني عنه.
(٣) في المصنَّف (١٦١٣).
(٤) ينظر: المصنَّف لابن أبي شيبة (١٦١٤) و(١٦١٥) و(١٦١٦).
[ ١ / ٥٤٦ ]
أَصْبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شَيْبَة (^١)، قالا جميعًا: حدَّثنا حَفْصُ بنُ غِيَاث، عن يحيَى بنِ سعيد، عن محمدِ بنِ يحيَى بنِ حَبَّان، عن عمِّه واسِع بنِ حَبَّانَ، عنِ ابنِ عُمر، قال: رأيْتُ النبيَّ -ﷺ- قاعِدًا على لَبِنَتَين يَقْضِي حَاجَتَه مُتَوَجِّهًا نَحْوَ القبْلَةِ. وزادَ عبدُ الوارِثِ في حَدِيثِه: أو بَيْتِ المقدس.
ورواه مالِكٌ (^٢)، عن يحيَى بنِ سعيد، عن محمدِ بنِ يحيَى بنِ حَبَّان، عن عَمِّه، عن ابنِ عمر، قال فيه: لقد ارْتَقَيْتُ على ظَهْر بَيْتٍ لنا، فرَأيْتُ رسولَ اللَّه -ﷺ- على لَبِنَتَين، مُسْتَقْبِلَ بَيْتِ المقدسِ لحاجتِه.
وهكذا روَاه عبدُ الوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ (^٣) وسُلَيْمانُ بنُ بِلالٍ (^٤)، عن يحيَى بنِ سعيد، بلَفْظِ حَدِيثِ مالِكٍ ومَعْنَاه.
وأخبَرنا عبدُ الوارِث (^٥)، قال: حدَّثنا قاسمٌ (^٦)، قال: حدَّثَنا محمدُ بنُ إسماعِيلَ التَّرْمِذِيُّ، قال: حدَّثنا أبو صالح عبدُ اللَّه بنُ صالح، قال: حدَّثني اللَّيْثُ، قال: حدَّثني محمدُ بنُ العَجْلان، عن محمدِ بنِ يحيَى بنِ حَبَّان، عن واسِع بنِ حَبَّان، عن عبدِ اللَّه بنِ عمرَ، أنَّه قال: يتحَدَّثُ النَّاسُ عن رسولِ اللَّه -ﷺ- في الغَائِطِ بحَدِيثٍ،
_________________
(١) في المصنَّف (١٦٢١).
(٢) الموطأ ١/ ٢٦٩ (٥٢١). وهو الحديث الثالث والثلاثون ليحيى بن سعيد الأنصاري، وسيأتي مع تمام تخريجه والكلام عليه في موضعه إن شاء اللَّه تعالى.
(٣) أخرجه ابن خزيمة في صحيحه ١/ ٣٤ (٥٩)، وإسناده حسن، عبد اللَّه بن صالح الجهني، أبو صالح المصري، ومحمد بن عجلان: وهو المدني صدوقان حسنا الحديث، وباقي رجال إسناده ثقات.
(٤) أخرجه مسلم (٢٦٦) (٦١).
(٥) هو عبد الوارث بن سفيان بن جبرون القرطبي، وشيخه قاسم: هو ابن أصبغ البيانيّ.
(٦) قوله: "قال: حدثنا قاسم" سقط من م.
[ ١ / ٥٤٧ ]
وقد اطَّلَعْتُ يومًا على ظَهْرِ بَيْتٍ ورسولُ اللَّه -ﷺ- يَقْضِي حاجَتَه، مُحَجِّرٌ عليه بلَبِنٍ، فرَأيْتُه مُسْتَقْبِلَ القبلَةِ (^١).
وقرَأْتُ على أحمدَ بنِ قاسِم بنِ عبدِ الرَّحمَن، فأقَرَّ به، أنَّ قاسِمَ بنَ أصْبَغَ حدَّثَهم، قال: حدَّثنا الحارِثُ بنُ أبي أُسَامَةَ، قال؛ حدَّثنا أبو عبيدٍ القاسِمُ بنُ سَلَّام، قال (^٢): حدَّثَنا هُشَيْمٌ، عن يحيَى بنِ سعيدٍ، يَعْنِي الأنْصارِيَّ. قال أبو عُبَيْدٍ: وحدَّثني يحيَى بنُ سعيدٍ القطَّانُ، عن عُبَيْدِ اللَّه بنِ عمرَ، كلاهما عن محمدِ بنِ يحيَى بنِ حبَّان، عن عمِّه، عن ابنِ عمرَ، قال: ظَهَرْتُ على إجَّارٍ لحفصةَ -وقال بعضُهم: سَطْح- فرأيْتُ رسولَ اللَّه -ﷺ- جالسًا على حَاجَتِه، مُسْتَقْبلَ بَيْتِ المقدس، مُسْتَدْبرَ الكَعْبَةِ (^٣).
قال أبو عُمر: هذه الرِّوايَةُ فيها مُوافَقَةٌ لِمَا قاله مالِكٌ، مِن اسْتِقْبالِ بَيْتِ المَقْدِس، وهذا إنْ شاءَ اللَّهُ أثْبَتُ الرِّواياتِ في حَدِيثِ ابنِ عمرَ، وقد تابَعَ مالِكًا على ما قالَه مِن ذلك الثَّقَفِيُّ، وسُلَيْمانُ بنُ بِلَالٍ، وقد ذكَرْنا ذلك في بابِ يحيَى بنِ سعيد (^٤)، والحمدُ للَّه.
_________________
(١) أخرجه ابن خزيمة في صحيحه ١/ ٣٤ (٥٩)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٤/ ٢٣٤ (٦٥٩٤) من طريق محمد بن عجلان المدنيّ، به.
(٢) في غريب الحديث له ١/ ٢٧٦، ومن طريقه البغويُّ في شرح السُّنة ١/ ٣٦١ (١٧٧). وأخرجه ابن خزيمة ١/ ٣٤ (٥٩)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٤/ ٢٣٤ (٦٥٩٢)، والدارقطني في سننه ١/ ٩٨ (١٧٢) من طريق هشيم بن بشير الواسطيّ، به. وأخرجه أحمد في المسند ٩/ ٤٢ (٤٩٩١)، والبخاري (١٤٩) من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري، به.
(٣) الإجّار، بالكسر والتشديد: السطح الذي ليس حواليه سُترة، أو ما يردُّ الساقط عنه. والجمع أجاجير. ينظر غريب الحديث لأبي عبيد ١/ ٢٧٦، والنهاية في غريب الحديث لابن الأثير ١/ ٢٦.
(٤) سيأتي في أثناء شرح الحديث الثالث والثلاثين له في موضعه إن شاء اللَّه تعالى.
[ ١ / ٥٤٨ ]
وقد قال المَرْوَزيُّ: روايةُ يحيَى القطَّانِ عن عُبَيْدِ اللَّه بنِ عمرَ في هذا الحديثِ تَشْهَدُ لِمَا قالَه مالِكٌ، والثَّقَفِيُّ، وسُلَيمانُ بنُ بِلال، في ذِكْرِ بَيْتِ المقدِسِ خاصَّة.
قال أبو عُمرة لمَّا روَى ابنُ عمرَ أنَّه رأى رسولَ اللَّه -ﷺ- قاعِدًا لحاجَتِه، مستقبِلَ بيتِ المقدِسِ، مستدبِرَ الكعبةِ، أو مستقبِلَ القبلةِ، على حسَبِ ما مفَى مِن الرِّوايةِ في ذلك، واسْتَحالَ أنْ يأْتِيَ ما نَهَى عنه -ﷺ-، عَلِمْنا أنَّ الحالَ التي اسْتَقْبَلَ فيها القبلَةَ بالبَوْلِ واسْتَدْبَرَها غيرُ الحالِ التي نَهَى عنها، فأنْزَلْنا النَّهْيَ عن ذلك في الصَّحاري، والرُّخْصَةَ في البُيوتِ؛ لأنَّ حَدِيثَ ابنِ عمرَ في البُيوتِ، ولم يَصحَّ لنا أنْ يُجْعَلَ أحَدُ الخبَرَين ناسِخًا للآخَرِ؛ لأنَّ الناسخَ يحتاجُ إلى تأْرِيخ، أو دَلِيلٍ لا مُعَارِضَ له، ولا سَبِيلَ إلى نَسْخ قُرْآنٍ بقُرْآنٍ، أو سُنَّةٍ بسُنَّةٍ، ما وُجِدَ إلى استِعْمالِ الآيَتَينِ أو السُّنتَين سَبِيل.
وروَى مَرْوَانُ الأصْفَرُ، قال: رأيْتُ ابنَ عمرَ أناخَ راحلتَه مستقبِلَ القبلةِ، ثم جلَسَ يَبُولُ إليها، فقُلْتُ: يا أبا عبدِ الرَّحْمَنِ، أليس قد نُهِيَ عن هذا؟ قال: إنَّما نُهِيَ عن ذلك في الفَضَاء، فإذا كان بَيْنَكَ وبينَ القبلةِ شيءٌ يَسْتُرُكَ فلا بَأْس؛ ذكَرَه أبو داودَ (^١)، عن محمدِ بنِ يحيَى بنِ فارِسٍ، عن صَفْوانَ بنِ عيسى، عنِ الحسنِ بنِ ذَكْوانَ، عن مَرْوانَ الأصْفَرِ، عن ابنِ عمر.
_________________
(١) في سننه (١١). وأخرجه ابن الجارود في المنتقى (٣٢)، وابن خزيمة في صحيحه ١/ ٣٥ (٦٠)، والدارقطني في سننه ١/ ٩٢ (١٦١) من طريق محمد بن يحيى بن فارس الذهليّ، به. وأخرجه الحاكم في المستدرك ١/ ١٥٤، والبيهقي في الكبرى ١/ ٩٢ (٤٤٧) من طريق صفوان بن عيسى الزهري، به. =
[ ١ / ٥٤٩ ]
وقد فَسَّرَه الشعبيُّ كما ذكَرْنا نحْوًا مِن تفسيرِ ابنِ عمر.
ذكرَ وكِيعٌ وعُبَيْدُ اللَّه بنُ مُوسَى، عن عيسى بنِ أبي عيسى الحَنّاط، وهو عيسى بنُ ميسَرة، عن الشعبيِّ، أنَّه قال له: قال أبو هريرةَ؛ لا تستقبلُوا القِبلَةَ ولا تستدبرُوها. وقال ابنُ عمرَ: حانَتْ مِنِّي التِفَاتَةٌ، فرأيْتُ النبيَّ -ﷺ- في كَنِيفِه مستقبِلَ القِبْلَةِ. فقال الشعبيُّ: صدَقَ أبو هريرةَ، وصدَقَ ابنُ عمرَ؛ قولُ أبي هريرةَ في البرِّيَّة، وقولُ ابنِ عمرَ في الكُنُفِ. قال الشَّعْبِيُّ: أمَّا كُنُفُكُم هذه فلا قِبْلَةَ فيها. هذا لفظُ حديثِ وكيع (^١).
وحدَّثنا خلَفُ بنُ أحمدَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ مُطَرِّف، قال: حدَّثنا أيُّوبُ بنُ سلَيْمانَ ومحمدُ بنُ عمرَ بنِ لُبابَةَ، قالا: حدَّثنا عبدُ الرَّحمَنِ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثني عُبَيْدُ اللَّه بنُ مُوسَى، عن عيسى الحَنّاط، عن نافِعٍ، عنِ ابنِ عُمر، قال: رَأيْتُ رسولَ اللَّه -ﷺ- في كَنِيفِه مستقبِلَ القبلةِ. قال: وأخبَرنا عيسى الحَنّاط، عن أبيه، عن أبي هريرَةَ، قال: قال رسولُ اللَّه -ﷺ-: "لا تَسْتَقْبِلُوا القبلةَ ولا تَسْتَدْبِرُوها". قال عيسَى: فذَكَرْتُ ذلك للشَّعبيِّ، فقال: صدَقَ أبو هريرةَ وصدَقَ ابنُ عمرَ؛ أمَّا قولُ أبي هريرةَ، فذلك في الصَّحْراءِ، لا يستقبِلُها ولا يستدبِرُها،
_________________
(١) = وإسناده ضعيف، فإنَّ الحسن بن ذكوان: وهو أبو سلمة البصري، ضعيف، ضعّفه ابن معين وأبو حاتم الرازي والنسائي وأحمد بن حنبل وغيرهم، وحسّن القول فيه يحيى بن سعيد القطّان، وأخرج له البخاريُّ حديثًا واحدًا من رواية يحيى القطان عنه في الرقاق (٦٥٦٦)، وينظر بقيّة كلام الأئمة فيه: تحرير التقريب (١٢٤٠)، ومعنى الحديث صحيح كما سلف في الأحاديث التي قبله.
(٢) وهو ابن الجرّاح الرؤاسيِّ، وعنه أخرجه إسحاق بن راهوية في مسنده (١٠٩٧)، وإسناده ضعيفٌ جدًّا، عيسى الحَنّاط: وهو عيسى بن أبي عيسى الغفاري، ويقال فيه: الخيّاطُ أيضًا، فهو متروك.
[ ١ / ٥٥٠ ]
وأمَّا قولُ ابنِ عُمر، فالكنِيفُ بَيْت صُنِعَ للتَّبَرُّزِ ليس فيه قِبْلَةٌ، اسْتَقْبِلْ حيثُ شِئْتَ (^١).
قال أبو عُمر: هذا قولُ مالكٍ وأصحابِه، والشَّافِعيِّ وأصْحابِه (^٢)، وهو قولُ ابنِ المباركِ، وإسحاقَ بنِ راهُويَةَ.
وكان الثَّوْرِيُّ والكُوفِيُّون (^٣) يذهبون إلى ألَّا يجوزَ استقبالُ القبلةِ بالبَوْلِ والغائطِ؛ لا في الصَّحارِي ولا في البيوت.
وبه قال أحمدُ بنُ حنبلٍ وأبو ثَوْرٍ (^٤)، واحْتَجُّوا بحَدِيثِ أبي أَيُّوبَ وسائرِ الأحاديثِ الواردةِ في النَّهْي عن استقبالِ القبلةِ واستدبارِها بالغائطِ والبَوْلِ، وهي كثيرةٌ، روَاها جماعَةٌ مِن الصَّحابَةِ؛ منهم أبو هريرةَ (^٥)، وعبدُ اللَّه بنُ مسعودٍ (^٦)،
_________________
(١) أخرجه ابن ماجة (٣٢٣)، والبزار في مسنده ١٢/ ٢٠٨ (٥٨٩٣) من طريق عبيد اللَّه بن موسى بن أبي المختار بن باذام العبسيّ الكوفي، به. وإسناده كسابقه.
(٢) ينظر: الأمّ للشافعيِّ ١/ ١٧٦، والأوسط لابن المنذر ١/ ٤٤٣، وحلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء لأبي بكر الشاشيّ القفّال ١/ ١٥٩.
(٣) نقله عنهم ابن المنذر في الأوسط ١/ ٤٤١.
(٤) قال أبو داود في مسائل الإمام أحمد روايته ص ٥: "قلت لأبي عبد اللَّه أحمد بن محمد بن حنبل: استقبال القبلة بالغائط والبول؟ قال: ينحرف". وكذا نقل عنه وعن إسحاق بن راهوية إسحاق بن منصور الكوسج في مسائل الإمام أحمد وإسحاق بن راهوية ٢/ ٤٦٠ (١٤٨). وينظر: حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء لأبي بكر الشاشيّ ١/ ١٥٩ - ١٦٠.
(٥) أخرجه الشافعيُّ في الأم ١/ ٣٦، والحميدي في مسنده (٩٨٨)، وأحمد في المسند ١٢/ ٣٢٦ (٧٣٦٨)، ومسلم (٢٦٥)، وأبو داود (٨)، وابن ماجة (٣١٢) من حديث أبي صالح ذكوان السمّان، عنه ﵁ أن النبيَّ -ﷺ- قال: "إنما أنا لكم مثل الوالد، إذا أتيتُم الغائط، فلا تستقبلوا القِبْلةَ ولا تستدبروها".
(٦) لم نقف على روايةٍ لابن مسعود ﵁ في هذا الباب فيما بين أيدينا من المصادر.
[ ١ / ٥٥١ ]
وسَهْلُ بنُ حُنَيْفٍ (^١)، وعبدُ اللَّه بنُ الحارِثِ بنِ جَزْءٍ الزُّبَيْدِيُّ (^٢)، وسلمان (^٣).
ورَدَّ أحمدُ بنُ حَنْبَلٍ حديثَ جابِرٍ وحديثَ عائشَةَ الوارِدَيْنِ عن النبيِّ -ﷺ- بالرُّخْصةِ في هذا البابِ، وضَعَّفَ حَدِيثَ جابِرٍ، وتكَلَّمَ في حديثِ عائشةَ
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق في المصنّف ٨/ ٤٦٦ (١٥٩٢٠)، وأحمد في المسند ٢٥/ ٣٦٠ (١٥٩٨٤)، والدارمي في سننه (٦٦٤)، والفاكهي في أخبار مكة ٣/ ٤٨ (١٨٠٢)، والحارث بن أبي أسامة كما في بغية الباحث (٦٦)، والحاكم في المستدرك ٣/ ٤١٢ من طريق عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، عن عبد الكريم بن أبي المخارق، عن الوليد بن مالك بن عبد القيس. عن محمد بن قيس مولى سهل بن حُنيف، عنه ﵁، وفيه قوله -ﷺ-: "وإذا تخلَّيتُم فلا تستقبلوا القِبْلةَ ولا تستدبروها". وهذا إسنادٌ ضعيف، لضعف عبد الكريم بن أبي الخارق، ولجهالة الوليد بن مالك بن عبد القيس: وهو ابن عباد بن حنين لم يرو عنه غير عبد الكريم بن أبي المخارق كما في التاريخ الكبير للبخاري ٨/ ١٥٢ (٢٥٣١)، والجرح والتعديل لابن أبي حاتم ٩/ ١٧ (٧٤)، ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا، وذكره ابن حبان وحده في الثقات ٧/ ٢٥٢، وشيخه محمد بن قيس سهل بن حُنيف مجهول أيضًا لم يرو عنه غير الوليد بن مالك بن عبد القيس، ينظر: التاريخ الكبير للبخاري ١/ ٢١١ (٦٦٤)، والجرح والتعديل لابن أبي حاتم ٨/ ٦٢، ولكن نقل هذا الأخير عن أبيه قوله: "روى عنه الوليد بن مالك من بني عبد القيس وعبد الكريم بن أبي المخارق" والصحيح أن عبد الكريم بن أبي المخارق روى عنه بواسطة الوليد المذكور. وينظر: تعجيل المنفعة ٢/ ٢٠٤ (٩٦٩).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنّف (١٦١٩) و(٣٦٩١٧)، وأحمد في المسند ٢٩/ ٢٤٢ (١٧٧٠٠)، وابن ماجة (٣١٧)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني ٤/ ٤٣٢ (٢٤٨٥)، وفي الأوائل (٣٩)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٤/ ٢٣٢ (٦٥٧٩)، والبغوي في معجم الصحابة ٤/ ١٦١ (١٦٧٤)، وابن شاهين في ناسخ الحديث ومنسوخه (٧٨)، والطبراني في الأوسط ٦/ ٣١٣ (٦٥٠٠)، وأبو نعيم في حلية الأولياء ٧/ ٣٢٦ من طرق عن الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عنه ﵁، قال: أنا أوّل من سمع من النبيِّ -ﷺ- يقول: "لا يبُول أحدُكم مُسْتَقبلَ القِبْلة"، وهو حديث صحيح، ورجال إسناده ثقات.
(٣) أخرجه أحمد في المسند ٣٩/ ١٠٧، ١٠٨ (٢٣٧٠٣)، ومسلم (٢٦٢)، وابن ماجة (٣١٦) من حديث عبد الرحمن بن يزيد النخعيِّ، عنه ﵁، وفيه قوله ﵁: "لقد نهانا -ﷺ- أن نستقبل القِبْلةَ لغائطٍ أو بوْلٍ. . .".
[ ١ / ٥٥٢ ]
بأنَّه انْفَرَدَ به خالدُ بنُ أبي الصَّلْتِ، عن عِرَاكِ بنِ مالِكٍ، عن عائشةَ، وقال في حديثِ ابنِ عمرَ: إنَّما فيه نَسْخُ اسْتِقْبالِ بيتِ المقدسِ واستدبارِه بالغائطِ والبَوْلِ. قال: هذا الذي لا أشُكُّ فيه، وأشُكُّ في الكَعْبَةِ.
وذكَرَ الأثْرَمُ، عن أحمدَ بنِ حَنْبَلٍ ﵀، أنَّه قال: مَن ذَهَبَ إلى حديثِ عائشَةَ -يعْني حديثَ خالدِ بنِ أبي الصَّلْتِ- فإنَّ مَخْرَجَه حسَنٌ، ولكنَّه يُعْجِبُنِي أنْ يتَوَقَّى القِبْلَةَ، وأمَّا بيتُ المقدِس، فليس في نَفْسي منه شيءٌ، أنَّه لا بَأْسَ به (^١).
وقال آخَرُون: جائزٌ استقبالُ القِبْلَةِ وبَيْتِ المقدسِ على كُلِّ حالٍ، واستدبارُهما بالبَوْلِ والغائِطِ في الصَّحارِي وفي البُيوت. وذكَرُوا حديثَ جابِرٍ، أنَّ رسولَ اللَّه -ﷺ- نَهَى عن استقبالِ القِبْلَةِ واستدبارِها بالبَوْلِ والغَائِطِ، قال: ثم رأيْتُه بَعْدَ ذلكَ يستقبِلُ القبلةَ ببَوْلِه قَبْلَ مَوْتِه بعام.
رواه محمدُ بنُ إسْحاقَ، عن أبانَ بنِ صالح، عن مجاهدٍ، عن جابر (^٢).
_________________
(١) إلّا أن الأثرم نفسه ذكر عن أحمد إنكاره لحديث عائشة هذا، فقد أخرج ابن أبي حاتم في المراسيل ص ١٦٢ (٦٠٦) بإسناده إلى أحمد بن محمد بن هانئ (يعني الأثرم) قوله: "سمعت أبا عبد اللَّه، وذكر حديث خالد بن الصلت، عن عراك بن مالك، عن عائشة ﵂، عن النبيِّ -ﷺ- قال: حوِّلوا مقعدي إلى القِبْلة. فقال: مرسلٌ، فقلت له: عراك بن مالك قال: سمعت عائشة ﵂، فأنكره وقال: عراك بن مالكٍ من أين سمع عائشة، ما له ولعائشة؟! إنما يروي عن عروة. هذا خطأٌ، قال لي من روى هذا. قلت: حمّاد بن سلمة، عن خالدٍ الحذّاء؟ فقال: رواه غير واحد عن خالد الحذّاء، ليس فيه سمعت، وقال غير واحد عن حمّاد بن سلمة ليس فيه سمعتُ". وينظر تهذيب التهذيب ٧/ ١٧٣، ١٧٤. وحديث عراكٍ سيأتي بإسناد المصنف مع تخريجه قريبًا.
(٢) أخرجه أحمد في المسند ٢٣/ ١٥٧ (١٤٨٧٢)، وأبو داود (١٣)، وابن ماجة (٣٢٥)، والترمذي (٩)، وابن الجارود في المنتقى (٣١)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٤/ ٢٣٤ (٦٥٩٧)، وابن خزيمة في صحيحه (٥٨)، وابن حبّان في صحيحه ٤٥/ ٢٦٨ (١٤٢٠)، والدارقطني في سننه ١/ ٩٣ (١٦٢)، والحاكم في المستدرك ١/ ١٥٤، والبيهقي في الكبرى ١/ ٩٢ (٤٤٩). ورجال إسناده ثقات. وقد صرّح فيه ابن إسحاق بالتحديث كما في المصادر، فانتفت شُبهة تدليسه، على أنَّ الإمام الترمذي اقتصر على تحسينه، فقال: حسن غريب.
[ ١ / ٥٥٣ ]
قالوا: وهذا يُبَيِّنُ أنَّ النَّهْيَ عن ذلك مَنْسُوخ. وذكروا ما روَاه خالدُ بنُ أبي الصلْت، عن عِرَاكِ بنِ مالِكٍ، عن عائِشَةَ.
حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصْبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شَيْبَةَ، قال: حدَّثنا وكِيعٌ، عن حمَّادِ بنِ سَلَمَةَ، عن خالدٍ الحذَّاء، عن خالدِ بنِ أبي الصَّلْتِ، عن عِرَاكِ بنِ مالِكٍ، عن عائشةَ، قالت: ذُكِرَ عندَ النَّبِيِّ -ﷺ- قَوْمٌ يَكْرَهُون أنْ يَسْتَقْبِلُوا بِفُرُوجِهِم القبلةَ. قالت: فقال رسولُ اللَّه -ﷺ-: "فَعَلُوها! اسْتَقْبلُوا بمَقْعَدِي القبلَةَ" (^١).
قالوا: فلمَّا تعارَضَتِ الآثارُ في هذا البابِ لم يَجِبِ العَملُ بشيءٍ منها؛ لتَهاتُرِها كالبَيِّنَتَينِ المُتَعارِضَتَينِ.
قالوا: والأصْلُ أنْ لا حَظْرَ إلَّا ما يَرِدُ به الخَبَرُ عنِ اللَّه أو عن رسولِه، مِمَّا لا مُعارِضَ له، رُوِيَ هذا المَعْنَى، عن ربيعةَ بن أبي عبدِ الرَّحمَن، حكَاه أبو صالح،
_________________
(١) في المصنَّف ١/ ١٥١ (١٦٢٣)، وعنه ابن ماجة (٣٢٤). وأخرجه أحمد في المسند ٤١/ ٥١٠ (٢٥٦٠٣) عن وكيع بن الجراح، به. وأخرجه الطيالسي في مسنده (١٦٤٥)، وإسحاق بن راهوية (١٠٩٥)، وأحمد في المسند ٢٤/ ٣٢٩ (٢٥٥١١)، والبخاري في التاريخ الكبير ٣/ ١٥٦ (٥٣٥) من طريق حمّاد بن سلمة، به. وإسناده ضعيف، خالد بن أبي الصلت ضعيفٌ كما هو مبيّنٌ في تحرير التقريب (٦٠٤٣) ولم يسمع من عائشة كما ذكرنا قريبًا عن أحمد بن حنبل، واستنكاره لهذا الحديث، والصحيح في هذا عن عائشة من قولها، كما ذكر البخاري في تاريخه، وفيما نقل عنه الترمذي في العلل الكبير ١/ ٢٤ (٦)، وقد سأله عن هذا الحديث فقال: "هذا حديث فيه اضطراب، والصحيح عن عائشة من قولها". وقال أبو حاتم في العلل لابنه ١/ ٤٧٢ (٥٠) بعد أن سأله عن هذا الحديث: "فلم أزل أقفو أثر هذا الحديث، حتى كتبتُ بمصرَ عن إسحاق بن بكر بن مضر، أو غيره، عن بكر بن مُضَر، عن جعفر بن ربيعة، عن عراك بن مالك، عن عروة، عن عائشة، موقوفًا، وهذا أشبَهُ".
[ ١ / ٥٥٤ ]
عنِ اللَّيْثِ، عن ربِيعَةَ. وقال به قَوْمٌ؛ منهم داودُ وأصحابُه، وهو قولُ عُرْوَةَ بنِ الزبير (^١).
واحْتَجَّ بعضُ مَن ذَهَبَ هذا المَذْهَبَ بما ذكَرْنا مِن حديثِ جابرٍ، وحديثِ عائشةَ، وزَعَمُوا أنَّ النَّسْخَ فيهما واضِحٌ، لِمَا كانَ عليه الأمْرُ مِن كَراهِيَةِ ذلك، وقالوا: ليس خالِدُ بنُ أبي الصَّلْتِ بمَجْهُول؛ لأنَّه روَى عنه خالِدٌ الحذَّاءُ والمباركُ بنُ فَضَالَةَ، ووَاصِلٌ مَوْلى أبي عُيَيْنَةَ، وكان عامِلًا لعُمَرَ بنِ عبدِ العَزِيزِ، فكيفَ يُقالُ فيه: مَجْهُولٌ (^٢)؟!
وذكرُوا حديثَ شُعْبةَ، عن عبدِ الرَّحْمَنِ بنِ القاسِم، عن نافِع، عن ابنِ عمرَ، أنَّه كان يَسْتَقْبِلُ القِبلةَ بالغائِطِ والبَوْل (^٣). وحديثَ بكرِ بنِ مُضَرَ، عن جَعْفَرِ بنِ ربيعةَ (^٤)، عن عِرَاكِ بن مالِكٍ، عن عائِشَةَ، أنَّها كانتْ تُنْكِرُ قَولَهم: إذا خَرَجَ أحدُكم إلى الخلاء فلا يَسْتَقْبِلِ القبلةَ (^٥).
قال أبو عُمر: ليس الإنْكارُ بحُجَّةٍ، وقد ثبَتَ عن النبيِّ -ﷺ- ما وصَفْناه، وأمَّا ما رُويَ عن ابنِ عمرَ فمَحْمَلُه عندَنا على أنَّ ذلك في البُيوتِ، وقد بانَ ذلكَ برِوايةِ مَرْوانَ الأصْفَرِ وغيرِه عن ابنِ عمر.
والصَّحِيحُ عندَنا، الذي نذهَبُ إليه، ما قالَه مالكٌ وأصْحابُه، والشَّافعيُّ؛
_________________
(١) ينظر: الأوسط لابن المنذر ١/ ٤٤٣، والاعتبار في الناسخ والمنسوخ ص ٣٦، والمحلّى لابن حزم ١/ ١٩٩، ونصب الراية للزيلعي ٢/ ١٠٨ - ١٠٩.
(٢) يشير إلى ابن حزم، وقوله فيه: "وأما حديث عائشة فهو ساقطٌ؛ لأنه من رواية خالدٍ الحذّاء، وهو ثقة، عن خالد بن أبي الصلت وهو مجهولٌ لا يُدرى مَنْ هو". المحلّى ١/ ١٩٦.
(٣) ذكره ابن حزم في المحلي ١/ ١٩٤، قال: وروينا ذلك عن ابن عمر من طريق شعبة؛ فذكره.
(٤) في الأصل، م: "عن ربيعة"، وهو تحريف ظاهر، وينظر: تهذيب الكمال ٥/ ٢٩.
(٥) أخرجه البخاري في التاريخ الكبير ٣/ ١٥٦ (٥٣٥)، وابن أبي حاتم في العلل ١/ ٤٧٢ (٥٠). وسلف التعليق عليه قريبًا.
[ ١ / ٥٥٥ ]
لأنَّ في ذلك اسْتِعْمالَ السُّننِ على وُجُوهِها المُمْكِنَةِ فيها، دُونَ رَدِّ شيءٍ ثابتٍ منها، وليس حَديثُ جابِرٍ بصحيح عنه فيُعَرَّجَ عليه؛ لأنَّ أبانَ بنَ صالح الذي يَرْويه ضَعِيفٌ (^١)، وقد رواه ابنُ لَهِيعَةَ، عن أبي الزُّبَيْرِ، عن جابِرٍ، عن أبي (^٢) قَتادَةَ، عن النبيِّ ﵇ (^٣)، على خِلافِ روايةِ أبانَ بنِ صالح، عن مجاهدٍ، عن جابرٍ، وهو حدِيث لا يُحْتَجُّ بمثلِه.
وحديثُ عائِشَةَ قد دَفَعَه قَوْمٌ، ولو صَحَّ لم يكنْ فيه خِلافٌ لِمَا ذهَبْنا إليه؛ لأنَّ المَقْعَدَ لا يكُونُ إلَّا في البُيوتِ، وليس بذلك بَأْسٌ عندَنا في كُنُفِ البُيوتِ،
_________________
(١) كذا قال ﵀، ولم يُتابع في هذا إلا ما قاله ابن حزم في المحلى ١/ ١٩٨: "وأبان بن صالح ليس بالمشهور"، وهو قوله مردودٌ فإن أبان بن صالح: وهو ابن عمير بن عبيد القرشيّ، مولاهم، وثّقه الأئمّة، فقد نقل ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ٢/ ٢٩٧ (١٠٩١) قول أبي زرعة الرازي فيه: "مكّي ثقة" وعن أبيه: "ثقة"، ومثل ذلك عن يحيى بن معين. وذكره ابن حبّان في الثقات، ووثقهُ ابن خزيمة، وأبو عبد اللَّه الحاكم، وأخرج له الأوّلان حديثه في صحيحيهما، وأخرج الثاني حديثه في المستدرك كما هو موضح في تهذيب الكمال والتعليق عليه ٢/ ١١ - ١٢ (١٣٧). وقال ابن حجر في التقريب (١٣٧): "وثّقه الأئمّة، ووهِمَ ابن حزم فجهّله، وابن عبد البرّ فضعّفه". وقال في تهذيب التهذيب ١/ ٩٥: "وهذه غفلةٌ منهما وخطأٌ تواردا عليه، فلم يُضعِّف أبان هذا أحدٌ قبلهما، ويكفي فيه قول ابن معين ومنْ تقدّم معه".
(٢) "أبي" سقطت من الأصل، وأثبتناها من ق، ف ١.
(٣) أخرجه أحمد في المسند ٣٧/ ٢٥٢ (٢٢٣٥٦٠)، والترمذي (١٠)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٤/ ٢٣٤ (٦٥٩٦)، وإسناده ضعيفٌ لأجل ابن لهيعة، وهو عبد اللَّه المصري، وقد تفرّد به من هذا الوجه، وقد صحّ من حديث جابر السالف ذكره، قال الترمذي: "وحديث جابر، عن النبيِّ -ﷺ- أصحُّ من حديث ابن لهيعة". وقال الدارقطني في العلل ٦/ ١٦٦ (١٠٤٧): "كذلك يرويه ابن لهيعة، عن أبي الزبير -محمد بن مسلم بن تدرس- عن جابر، عن أبي قتادة، وليس بمحفوظٍ، والحديث مشهورٌ عن جابر بن عبد اللَّه، عن النبي -ﷺ-، يرويه محمد بن إسحاق، عن أبان بن صالح، عن مجاهد، عن جابر".
[ ١ / ٥٥٦ ]
وإنَّما وقَعَ نَهْيُه واللَّهُ أعلمُ على الصَّحارِي والفَيافي والفَضاءِ، دُونَ كُنُفِ البُيوتِ، وخرَج عليه حَدِيثُه -ﷺ-؛ لأنَّه كان مُتَبَرَّزَ القَوْم، ألا ترَى إلى ما في حَدِيثِ الإفْكِ مِن قَوْلِ عائِشَةَ رَحِمَها اللَّهُ: وكانتْ بُيوتُنا لا مَراحِيضَ لها، وإنَّما أمْرُنَا أمْرُ العَرَبِ الأُوَل. يعْنِي: البُعْدَ في البَرَازِ (^١).
وقال بعضُ أصْحابِنا: إنَّ النَّهْيَ إنَّما وقَعَ على الصَّحارِي؛ لأنَّ الملائِكَةَ تُصَلِّي في الصَّحارِي، وليس المَراحِيضُ كذلك.
وأمَّا قولُه في الحديثِ: كيفَ أصْنَعُ بهذه الكرابيسِ؟ فهي المَراحِيضُ، واحِدُها كِرْباسٌ، مثلُ سِرْبالٍ وسَرابِيلَ. وقد قِيلَ: إنَّ الكَرَابيسَ مَراحِيضُ الغُرَفِ، وأمَّا مَراحِيضُ البُيوتِ فإنَّها يُقالُ لها: الكُنُفُ.
وفي قَوْلِه -ﷺ- في هذا الحديثِ: "فلا يَسْتَقْبِلِ القبلةَ، ولا يَسْتَدْبِرْها بفرجِه". دليلٌ على أنَّ القُبُلَ يُسَمَّى فَرْجًا، وأنَّ الدُّبُرَ أيضًا يُسَمَّى فَرْجًا.
وقد اخْتَلفَ الفقهاءُ في وُضُوءِ مَن مَسَّ ذكَرَه أو دُبُرَه، على ما سنَذْكُرُه في مَوْضِعِه مِن كتابِنا هذا (^٢) إنْ شاءَ اللَّه.
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند ٤٢/ ٤٠٤ - ٤١٢ (٢٥٦٦٣)، والبخاري (٢٨٧٩) و(٤٠٢٥) و(٤٧٥٠) و(٤٦٩٠)، ومسلم (٢٧٧٠) من حديث سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وعلقمة بن وقاص وعبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود، عنها ﵄.
(٢) في أثناء شرح الحديث الرابع لعبد اللَّه بن أبي بكر، عن عروة بن الزبير، وهو في الموطأ ١/ ٨٥ (١٠٠)، وسيأتي في موضعه إن شاء اللَّه تعالى.
[ ١ / ٥٥٧ ]