حديثٌ ثانٍ لإسحاقَ عن أنسٍ، مُسنَدٌ
مالكٌ (^١)، عن إسحاقَ بنِ عبدِ اللَّه بنِ أبي طَلحَة، عن أنسِ بنِ مالك، أنّه قال: رأيتُ رسولَ اللَّه -ﷺ- وحانتْ صلاةُ العصر، فالتَمَس الناسُ وَضُوءًا فلم يَجدُوه، فأُتِيَ رسولُ اللَّه -ﷺ- بوَضُوءٍ في إناء، فوضَع رسولُ اللَّه -ﷺ- في ذلك الإناءِ يَدَه، ثم أمَر الناسَ يَتَوضَّؤُونَ منه. قال أنسٌ: فرأيتُ الماءَ يَنبُعُ من تحتِ أصابعِه، فتوضَّأ الناسُ حتى تَوضَّؤُوا من عندِ آخرِهم.
في (^٢) هذا الحديث تَسميةُ الشيءِ باسم ما قَرُب منه، وذلك أنّه سمَّى الماءَ وُضوءًا؛ لأنّه يقومُ به الوُضُوءُ، ألا ترَى إلى قوله: فأُتِيَ رسولُ اللَّه -ﷺ- بوَضُوءٍ في إناء، والوُضُوءُ بضمِّ الواو: فعلُ المُتوَضِّئ، ومصدَرُ فِعْلِه، وبفتحها: الماء (^٣).
وفيه إباحةُ الوُضوءِ من إناءٍ واحدٍ للجماعةِ يَغْتَرِفون منه في حينٍ واحد.
_________________
(١) الموطّأ ١/ ٧١ (٦٨). وأخرجه أحمد في المسند ١٩/ ٣٥٢ (١٢٣٤٨)، والبخاري (١٦٩)، ومسلم (٢٢٧٩) من طرق عن مالك، به.
(٢) هذه الفقرة لم ترد في ق.
(٣) في الأصل وم: "والوضوء بفتح الواو. . . وبضمها الماء، وما أثبتناه من ف ١. فالمحفوظ أن ضمَّ الواو في فعل المتوضئ، وفتحها: الماء، قال ابن الأثير في (وضأ) من النهاية (٥/ ١٩٥): "والوضوء بالضم: التوضُّؤ، والفعلُ نفسُه"، وقال القاضي عياض في المشارق ٢/ ٢٨٩: "الوضوء إذا كان المراد الماءَ المستعمل في ذلك فبالفتح، وإذا أردتَ الفِعْلَ فبالضمِّ، وقال الخليل: الفتح في الوجهين، ولم يعرف الضمَّ" ونقل عن ابن الأنباري قوله: "والوجهُ الأوّلُ؛ يعني التفريق هو المعروف والذي عليه أهل اللغة. قال: والضمُّ مصدر التوضّي، يقال: وَضُؤَ يُوضأ وُضوءًا ووضاءةً. واشتقاق الوضوء من الوَضاءة. وهي النظافة والحُسْن، لأنه يُحسِّن الإنسان ويُنظِّفه".
[ ١ / ٤٢٧ ]
وفيه أنّه لا بأسَ بفَضْلِ وَضوءِ الرَّجلِ المسلم يُتوَضَّأُ به، وهذا كلُّه في فضْل طَهورِ الرِّجالِ إجماعٌ من العلماء، والحمدُ للَّه.
وفيه العَلَمُ العظيمُ من أعلام نُبُوَّتِه -ﷺ-؛ وهو نَبْعُ الماءِ من بينِ أصابعِه، وكم له من هذه صَلَواتُ اللَّه وسلامُه ورضوانُه عليه.
حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ محمدٍ الصّائغُ، قال: حدَّثنا عفّانُ، قال: حدَّثنا حمّادُ بنُ سلَمة، قال: حدَّثنا ثابتٌ، عن أنس، قال: حضَرتِ الصلاةُ فقامَ جيرانُ المسجدِ يتَوضَّؤونَ، وبَقيَ ما بينَ السبعين إلى الثماثين، وكانت منازلُهم بعيدة، فدَعا النبيُّ ﵇ بمِخْضَبِ (^١) فيه ماءٌ؛ ما هو بمَلآنَ، فوضَع أصابعَه فيه، وجعَل يَصُبُّ عليهم ويقول: "تَوَضَّؤوا". حتى تَوَضَّؤوا كلُّهُم، وبقيَ في المِخْضَب نحوٌ (^٢) مما كان فيه، وهم نَحْو من السَّبْعين إلى الثَّمانين (^٣).
ورواه معمرٌ، فزاد فيه ذِكرَ التَّسْمِيَة؛ حدَّثنا (^٤) عبدُ الرَّحمن بن مروان (^٥)، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ عليٍّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ زَبّان، قال: حدَّثنا سَلَمةُ بنُ شَبِيب، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّزّاق، قال (^٦): أخبرنا معمرٌ، عن ثابتٍ وقتادة،
_________________
(١) المِخْضَب: الإناء الذي يغسل فيه الثياب ويُسمّى الإجّانة. تهذيب اللغة ٧/ ٥٥.
(٢) "نحو" سقطت من م.
(٣) أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى ١/ ١٧٨، وأحمد في المسند ٢٠/ ١٨٨ (١٢٧٩٤) و٢١/ ٢١٦ (١٣٥٩٥) كلاهما عن عفّان بن مسلم الصفّار، به، وقرن معه أحمد في الموضع الأول مؤمَّل بن إسماعيل. وأخرجه بنحوه البخاري (٢٠٠)، ومسلم (٢٢٧٩) (٤) من طريق ثابت البناني، به.
(٤) القائل هو المؤلف.
(٥) هو ابن عبد الرحمن الأنصاري المعروف بالقنازعي، أبو المطرِّف القرطبي، وشيخه الحسن بن عليّ: هو ابن داود، أبو علي المُطرِّز.
(٦) في المصنَّف ١١/ ٢٧٦ (٢٠٥٣٥)، وعنه أحمد في المسند ٢٠/ ١٢٠ (١٢٦٩٤).=
[ ١ / ٤٢٨ ]
عن أنس، قال: نظَر بعضُ أصحابِ رسولِ اللَّه -ﷺ- وَضوءًا فلم يَجِدُوا، فقال النبيُّ -ﷺ-: "هاهُنا ماءٌ". قال: فرأيتُ النبيَّ -ﷺ- وضَع يدَه في الإناءِ الذي فيه الماءُ، ثم قال: "تَوضَّؤُوا باسم اللَّه". قال: فرأيتُ الماءَ يَفورُ من بينِ أصابعِه، والقومُ يتَوضَّؤونَ حتى تَوضَّؤُوا من آخِرهم. قال ثابتٌ: قلتُ لأنس: كم تُراهم كانوا؟ قال: نَحْوًا من سبعين.
وقد روَى ابنُ مسعودٍ هذا المعنَى بأتمَّ من هذا وأحسنَ؛ حدَّثنا سعيدُ بنُ نَصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شيبة، قال (^١): حدَّثنا عُبيدُ اللَّه بنُ موسى، قال: أخبرنا إسرائيلُ، عن منصور، عن إبراهيم، عن عَلْقَمة، عن عبدِ اللَّه، قال: كنّا -أصحابَ محمد- نَعُدُّ الآياتِ بركة، وأنتم تَعُدُّونها تخويفًا؛ إنّا بَيْنا نحن مع رسولِ اللَّه -ﷺ- وليس معنا ماءٌ، فقال لنا رسولُ اللَّه -ﷺ-: "اطْلُبوا مَن معه فضْلُ ماء". فأُتِيَ بماءٍ، فصَبَّه في إناء، ثم وضَع كَفَّه فيه، فجعَل الماءُ يخرُجُ من بينِ أصابعِه، ثم قال: "حَيَّ على
_________________
(١) = وأخرجه النسائي في المجتبى (٧٨)، وفي الكبرى ١/ ١٠٤ (٨٤)، وأبو يعلى في مسنده ٥/ ٣٧٩ (٣٠٣٦)، وابن خزيمة في صحيحه ١/ ٧٤ (١٤٤)، وابن حبان في صحيحه ١٤/ ٤٨٢ (٦٥٤٤) من طرق عن عبد الرزاق الصنعاني، به. ورجال إسناده ثقات. محمد بن زبّان: هو ابن حبيب الحضرميّ الصري، وسلمة بن شبيب: هو أبو عبد الرحمن النيسابوريّ، ومعمرٌ: هو ابن راشد، وثابتٌ: هو البناني، وقتادة: هو ابن دعامة السَّدوسيّ.
(٢) في المصنَّف (٣٢٣٨٠). وأخرجه الدارميّ في سننه (٢٩)، والفريابيّ في دلائل النبوَّة (٣١)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار ٩/ ٥ (٣٣٨٠)، والشاشيّ في مسنده (٣٤٦)، واللالكائيّ في كرامات الأولياء (٨٥) من طرق عن عبيد اللَّه بن موسى بن أبي المختار العبسي، به. ورجال إسناده ثقات. إسرائيل: هو ابن يونس بن أبي إسحاق السَّبيعي، ومنصورٌ: هو ابن المعتمر، وإبراهيم: هو ابن يزيد النَّخعي، وعلقمة: هو ابن قيس النَّخعيّ.
[ ١ / ٤٢٩ ]
الطَّهُورِ المُباركِ، والبركةُ من اللَّه". قال: فشَرِبْنا. وقال عبدُ اللَّه: وكنّا نَسمَعُ تَسبيحَ الطَّعام ونحن نأكلُ.
وروَى جابرٌ في ذلك مثلَ روايةِ أنس في أكثرَ من هذا العَدَد، وفي غيرِ المسجد، وذلك مرةً أخرى عامَ الحديبية:
أخبرنا محمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ سعيد (^١)، قال: أخبرنا محمدُ بنُ أحمدَ بن يحيى، قال: أخبرنا محمدُ بنُ أيوبَ الرَّقِّيُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عمرٍو البَزّار، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جعفرٍ وأبو داود (^٢)، قالا: حدَّثنا شُعبةُ، عن عمرِو بنِ مُرَّة، عن سالم بنِ أبي الجَعْد، قال: قلتُ لجابرِ بنِ عبدِ اللَّه: كم كنتم يومَ الشَّجرة؟ قال: فذكَر عطَشًا، فأُتيَ رسولُ اللَّه -ﷺ- بتَوْرٍ (^٣) فيه ماءٌ، فوضَع أصابعَه فيه، وجعَل الماءُ يَنبُعُ من بينِ أصابعِه كأنّها العيونُ، فشرِبنا وسُقِينا وكَفانا. قال: قلتُ لجابر: كم كنتم يومئذ؟. قال: ألفٌ وخمسُ مئة، ولو كنّا مئةَ ألفٍ لكَفانا.
_________________
(١) قوله: "بن سعيد" لم يرد في ف ١.
(٢) هو الطيالسي، في مسنده (١٨٣٥)، وعنه ابن سعد في الطبقات الكبرى ٢/ ٩٨. ومن طريق الطيالسي أخرجه الفريابي في دلائل النبوة (٣٦)، وأبو عوانة في المستخرج ٤/ ٤٢٨ (٧١٩٧)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار ٧/ ٩ بإثر (٢٥٨٥)، والبيهقي في دلائل النبوّة ٤/ ١١٥. وأخرجه أحمد في المسند ٢٢/ ٨٧ (١٤١٨١)، ومسلم (١٨٥٦) (٧٢) من طريق محمد بن جعفر غُندر، به. ورجال إسناد المصنِّف ثقات. محمد بن أيوب الرَّقَي: هو محمد بن أيوب بن حبيب الرقي المعروف بالصموت، وهو ثقة، وليس هو محمد بن أيوب الرقيّ الذي ضعّفه أبو حاتم كما في الجرح والتعديل لابنه ٧/ ١٩٧، فالأخير منهما يروي عن ميمون بن مهران كما ذكر ابن أبي حاتم، وسمّاه المزِّيُّ في ترحمة ميمون بن مهران الجزري، فذكر فيمن روى عنه: "محمد بن أيوب بن سعد الرّقِّي". تهذيب الكمال ٢٩/ ٢٠٢١١ فهما اثنان.
(٣) التَّوْر: إناءٌ يُشرب فيه. الصحاح (تور).
[ ١ / ٤٣٠ ]
وقال جريرٌ، عن الأعْمَش، عن سالم بنِ أبي الجَعْد، عن جابر، قال: قلتُ: كم كنتم يومئذ؟ قال: ألفٌ وأربعُ مئة (^١).
قال أبو عُمر: الذي أُوتِيَ النبيُّ -ﷺ- من هذه الآيةِ المُعجزةِ أوضَحُ في آياتِ الأنبياءِ وأعلامِهم ممّا أُعطيَ موسى ﵇ إذْ ضرَب بعَصاه الحَجَرَ فانفجَرتْ منه اثنتا عشْرةَ عينًا؛ وذلك أنَّ من الحجارةِ ما يُشاهَدُ انفجارُ الماءِ منها، ولم يُشاهَدْ قطُّ أحدٌ من الآدَميِّينَ يَخرُجُ من بينِ أصابعِه الماءُ غيرَ نبيِّنا -ﷺ-.
وقد نزَع بنحوِ ما قلتُ المُزَنيُّ وغيرُه، ومن ذلك حديثُ أنسٍ وغيرِه في الطَّعام الذي أكَل من القَصْعَةِ الواحدةِ ثمانون رجلًا وبَقِيَتْ بهيئاتِها (^٢). وحديثُ النُّعمانِ بنِ مُقَرِّن إذْ زُوِّدُوا من التَّمرِ وهم أربعُ مئةِ راكب، قال: ثم نظَرتُ فإذا به كأنّه لم يُفقَدْ منه شيءٌ (^٣). والأحاديثُ في أعْلام نبوَّتِه أكثرُ من أن تُحصَى، وقد جمع قومٌ كثيرٌ كثيرًا منها، والحمدُ للَّه.
ومن أحسنِها -وكلُّها حسنٌ- ما حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال:
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥٦٣٩)، ومسلم (١٨٥٦) (٧٤).
(٢) أخرجه مالكٌ في الموطأ ٢/ ٥١٥ - ٥١٦ (٢٦٨٤) عن إسحاق بن عبد اللَّه بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك ﵁، وهو الحديث التاسع لإسحاق بن عبد اللَّه بن أبي طلحة، وسيأتي مع تخريجه والكلام عليه في موضعه إن شاء اللَّه تعالى.
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في مسنده ٢/ ٣٣٧ (٨٣٦)، وأحمد في المسند ٣٩/ ١٥٥ (٢٣٧٤٦)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني ٢/ ٣١٤ (١٠٧٦)، والبيهقي في دلائل النبوَّة ٥/ ٣٦٦ من طرق عن حصين بن عبد الرحمن السُّلمي، عن سالم بن أبي الجعد، عن النعمان بن مقرِّن المُزنيّ ﵁. ورجال إسناده ثقات، ولكنه منقطع، فإن سالم بن أبي الجعد لم يدرك النعمان بن مقرِّن فيما ذكر الحافظ ابن حجر في الإصابة ٦/ ٤٥٣ (٨٧٦٥). وقد ساق له هذا الحديث، ثم قال: "ورجاله ثقات، لكنه منقطع، فإن النعمان استُشهد في خلافة عمر، فلم يدركه سالمٌ".
[ ١ / ٤٣١ ]
حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح (^١)، قال: حدَّثنا موسى بنُ معاوية، قال: حدَّثنا وكيعٌ (^٢)، عن الأعمش، عن المِنْهالِ بنِ عمرو، عن يَعْلَى بن مُرَّةَ الثَّقفيّ، عن أبيه، قال: خرَجتُ مع النبيِّ -ﷺ- في سَفَر، حتى أتَيْنا منزلًا، فقال النبيُّ ﵇: "يا مُرَّةُ، ائتِ تلك الأشاءَتَين فقل لهما: إنَّ رسولَ اللَّه يأمُرُكما أن تَجتَمِعا". ففعلتُ، فأتَتْ كلُّ واحدةٍ منهما إلى صاحبتِها، قال: فخرَج فاسْتتَر بهما، فقضَى حاجَتَه ثم قال: "ارجِعْ إليهما، فقلْ لهما يَرْجِعا إلى مكانِهما". ففعلتُ، ففعَلتا.
ورُوِيَ عن يَعلَى من وُجوه (^٣).
وحدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ جعفرِ بنِ الوَرْد، قال: حدَّثنا يوسفُ بنُ يزيد (^٤)، قال: حدَّثنا أسدُ بنُ موسى، قال: حدَّثنا حاتمُ بنُ
_________________
(١) هو محمد بن وضاح بن بزيع، مولى عبد الرحمن بن معاوية بن هشام الأموي.
(٢) قوله: "الأشاءَتَيْن" الأشاء: صغار النَّخل، واحدتها: أشاءة. ينظر: المشارق للقاضي عياض ١/ ٥١.
(٣) أخرجه هناد في الزُّهد ٢/ ٦٢٢، وأحمد في المسند ٢٩/ ١٠٥ (١٧٥٦٤)، وابن ماجة (٣٣٩)، وأبو القاسم البغويّ في معجم الصحابة ٥/ ٣٤٨ (٢١٧٠)، وأبو نعيم في دلائل النبوَّة (٢٩٢)، والبيهقي في دلائل النبوّة ٦/ ٢١ - ٢٢ من طريق وكيع بن الجرّاح، به. وإسناده ضعيف، لانقطاعه، فإن المنهال بن عمرو لم يسمع يعلى بن مرّة كما في تهذيب الكمال ٢٨/ ٥٦٩، وتحفة التحصيل ص ٣١٨. ثم إنه قد رواه وكيع في الزهد (٥٠٨)، وعنه ابن سعد في الطبقات الكبرى ١/ ١٧٠، وهنّاد في الزهد ٢/ ٦٢١، ومن طريقه -يعني هناد- البيهقي في دلائل النبوّة ٦/ ٢٢، بهذا الإسناد إلى يعلى بن مرة ولم يقل فيه عندهم: "عن أبيه" قال البيهقي بإثره: "هذا أصحُّ، والأول وهمٌ؛ قاله البخاريُّ؛ يعني روايته عن أبيه وهمٌ، إنما هو عن يعلى نفسه، وهِمَ فيه وكيعٌ مرّةً، ورواه على الصحّة مرّةً" ثم استدرك البيهقيُّ على البخاريُّ فقال: "وقد وافَقَه فيما زعمَ البخاريُّ أنه وهمٌ يونسُ بن بُكير، فيحتمل أن يكون الوهم من الأعمش، واللَّه أعلم".
(٤) هو ابن كامل بن حكيم القرشي، أبو يزيد القراطيسيّ.
[ ١ / ٤٣٢ ]
إسماعيل، قال: حدَّثنا أبو حَزْرةَ يعقوبُ بنُ مجاهد، عن عُبادةَ بنِ الوليدِ بنِ عُبادةَ بنِ الصّامت، عن جابرِ بنِ عبدِ اللَّه، قال: سِرْنا مع رسولِ اللَّه -ﷺ- في مَسيرٍ له حتى نزَلْنا وادِيًا أفْيَحَ (^١)، فانطَلقَ رسولُ اللَّه -ﷺ- يَقضي حاجَتَه، واتَّبعْتُه، فلم يَرَ شيئًا يَستترُ به، فنظَر فإذا في شاطئ الوادي شَجَرَتان، فانطلَقَ إلى إحداهما، فأخَذ بغُصْنٍ من أغصانِها فقال: "انقادِي عليَّ بإذنِ اللَّه". فانقادَتْ معه كالبَعيرِ المَخْشُوشِ (^٢) الذي يُصانِعُ قائدَه (^٣)، ثم أتى الشَّجرةَ الأخرى، فأخذَ بغُصْنٍ من أغصانِها فقال: "انْقادي عَلَيَّ بإذنِ اللَّه". فانقادَتْ معه كذلك، حتى إذا كان في المَنْصَفِ (^٤) ممّا بينهما لأمَ بينَهما (^٥)، فقال: "التَئِما عَلَيَّ بإذنِ اللَّه". قال: فالْتأمَتا. قال جابر: فخرَجْتُ أُسْرِعُ مَخافةَ أن يُحِسَّ رسولُ اللَّه -ﷺ- بقُربي، فتَبعَّدْتُ، قال: فجَلَسْتُ أُحَدِّثُ نفسي، ثم حانَتْ منِّي لَفْتَةٌ، فإذا أنا برسولِ اللَّه -ﷺ- مُقبِلًا، وإذا الشَّجرتان قد افتَرقَتا، فقامَتْ كلُّ واحدةٍ منهما على ساق، فرأيتُ رسولَ اللَّه -ﷺ- وقَف وِقْفَة، فقال برأسِه هكذا عن يمينِه، ثم قال برأسِه هكذا عن يسارِه، ثم أقبَل (^٦).
_________________
(١) الأفْيَح: المتَّسِع. ينظر: المشارق ٢/ ١٦٥.
(٢) المَخْشُوش: هو الذي جعل في أنفه خِشاش، وهو عُودٌ يُربط عليه حبْل يُذلّل به ليُقاد. المشارف ١/ ٢٤٧.
(٣) أي: يُداريه. النهاية في غريب الحديث ٣/ ٥٦.
(٤) المراد بالمَنْصَف هنا: نصف الطريق. ينظر: الصحاح (نصف)، والنهاية لابن الأثير ٥/ ٦٦.
(٥) أي جمع بينهما ووافَقَ. فقال: لأَمَ ولاءَمَ بين الشيئين بمعنًى. النهاية في غريب الحديث ٤/ ٢٢٠.
(٦) أخرجه مسلم (٣٠١٢)، وابن حبّان في صحيحه ١٤/ ٤٥٥ - ٤٥٨ (٦٥٢٤)، والبيهقي في الكبرى ١/ ٩٤ (٤٥٧)، وفي دلائل النبوَّة ٧/ ٦ - ١٠ من طرق عن حاتم بن إسماعيل المدنيّ، به. وهو عند أبي نعيم في دلائل النبوَّة ١/ ٣٩٢ (٢٩٦) من طريق يعقوب بن مجاهد القاضي، به.
[ ١ / ٤٣٣ ]
حدَّثنا سعيدُ بنُ نصْر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شيبةَ، قال (^١): حدَّثنا عبيدُ اللَّه بنُ موسى، قال: أخبرَنا إسماعيلُ بن عبد الملك، عن أبي الزُّبير، عن جابر، قال: خرجتُ معَ رسولِ اللَّه -ﷺ- في سَفَر، وكان رسولُ اللَّه -ﷺ- لا يأتي البَرازَ حتى يَبعُدَ فلا يُرى، فنزَلْنا بفَلاةٍ من الأرض، ليس فيها شَجَرٌ، ولا عَلَمٌ، فقال: "يا جابرُ، اجعَلْ في إداوَتِكَ ماءً، ثم انطَلِقْ بنا"، قال: فانطلَقْنا حتّى لا نُرى، فإذا هو بشَجَرتَيْن بينَهُما أربعُ أذرُع، فقال: "يا جابرُ، انطَلِقْ إلى هذه الشَّجرةِ، فقُلْ لها: يقولُ لكِ رسولُ اللَّه: الْحَقِي بصاحِبَتِكِ، حتى أجلسَ خلْفَكُما"، قال: ففعلْتُ فرَجعتُ إليها، فجلس رسولُ اللَّه -ﷺ- خلْفَهُما، ثم رجَعَتا إلى مكانِهِما، فرَكِبْنا معَ رسولِ اللَّه -ﷺ-، ورسولُ اللَّه بينَنا، كأنّما على رؤوسِنا الطّيرُ تُظِلُّنا، فعَرضَتْ لنا امرأةٌ، معها صبيٌّ لها، فقالت: يا رسولَ اللَّه، إنّ ابني هذا يأخُذُه الشيطانُ كلَّ يوم مِرارًا، فوقَفَ لها، ثم تناوَلَ الصبيَّ، فجَعلَه بينَهُ وبينَ مَقْدِم الرَّحْل، ثم قال: "اخْسَأْ عدُوَّ اللَّه، أنا رسولُ اللَّه، اخْسَأْ عدُوَّ اللَّه، أنا رسولُ اللَّه"، ثلاثًا، ثم دفعَهُ إليها، فلمّا قضَيْنا سفَرَنا، مرَرْنا بذلك المكان، فعرَضَتْ لنا المرأةُ معها صَبِيُّها ومعها كَبْشانِ تسَوقُهما، فقالت: يا رسولَ اللَّه، اقبَلْ منِّي هذَيْن، فوَالذي بعثكَ بالحقِّ،
_________________
(١) في المصنَّف (٣٢٤١٣)، وعنه مختصرًا ابن ماجة (٣٣٥). ومن طريقه أبو نعيم في دلائل النبوَّة (٢٨١). وأخرجه عبد بن حميد في المنتخب (١٠٥١)، والدارميّ في سننه (١٧) عن عبيد اللَّه بن موسى بن أبي المختار العبسيّ، به. وإسناده ضعيف، إسماعيل بن عبد الملك: هو ابن أبي الصُّفيراء، ضعيفٌ يُعتبر بحديثه، ضعّفه أبو داود، ومحمد بن عمار، والعُقيليّ، وغيرهم كما هو موضّحٌ في تحرير التقريب (٤٦٥)، وأبو الزُّبير: وهو محمد بن مسلم بن تَدْرس الأسدي مدلِّس وقد عنعن، وباقي رجال الإسناد ثقات.
[ ١ / ٤٣٤ ]
ما عاد إليه بعْدُ، فقال رسولُ اللَّه -ﷺ-: "خُذوا منها أحدَهُما، ورُدُّوا عليها الآخَرَ"، ثم سِرْنا ورسولَ اللَّه -ﷺ- كأنّما على رؤوسِنا الطيرُ تُظِلُّنا، فإذا جَمَلٌ نادٌّ (^١)، حتى إذا كان بينَ السِّماطَين (^٢) خَرَّ ساجِدًا، فحبَس رسولُ اللَّه -ﷺ- على الناس وقال: "مَن صاحبُ هذا الجَمَل؟ " فإذا فِتيَةٌ من الأنصارِ قالوا: هو لنا يا رسولَ اللَّه. قال: "فما شأنُه؟ " فقالوا: استَتَيْنا عليه (^٣) منذُ عشرين سنة، وكانت به شُحَيْمَةٌ فأرَدْنا أن نَنْحَرَه فنَقْسِمَه بينَ غِلمانِنا، فانْفَلتَ مِنّا. فقال: "أتَبِيعُونَنِيه؟ " قالوا: لا، بل هو لك يا رسولَ اللَّه. قال: "أمّا لا، فأحسِنُوا إليه حتّى يَأتيَه أجَلُه".
قال المسلمون عندَ ذلك: نحن أحقُّ يا رسولَ اللَّه بالسُّجودِ لكَ من البهائم. قال: "لا ينبغي لشيءٍ أن يَسجُدَ لشيء، ولو كان ذلك كان النِّساءُ يَسجُدْنَ لأزواجِهِنَّ".
وروَى ابنُ وَهْب، قال: أخبَرني عمرُو بنُ الحارث، عن سعيدِ بنِ أبي هلال، عن عُتبةَ بنِ أبي عُتْبَة، عن نافع بنِ جُبَيرِ بنِ مُطْعِم، عن عبدِ اللَّه بنِ عبّاس، أنه قيل لعُمرَ بنِ الخطّاب في شأنِ العُمرة، فقال عُمر: خرَجْنا مع رسولِ اللَّه -ﷺ- إلى تبوكَ في قيْظٍ شديد، فنزلْنا منزلًا أصابَنا فيه عطشٌ، حتّى ظننّا أنّ رِقابَنا ستَنْقَطِعُ، حتى إنْ كان الرّجُلُ ليَذهَبُ فيَلتَمِسُ الماءَ فلا يرجعُ حتى يظُنَّ أنّ رقَبتَه ستَنقطعُ، حتى إن الرّجُلَ لَينْحَرُ بعيرَهُ فيَعْصِرُ فرْثَهُ فيَشرَبُه، ويجعلُ ما بقِيَ على كبدِه، فقال أبو بكر الصِّدِّيق: يا رسولَ اللَّه، إنّ اللَّهَ قد عوَّدكَ في الدُّعاءِ خيرًا فادْعُ لنا،
_________________
(١) يعني: شاردٌ. الصحاح (ندد).
(٢) قوله: "بين السِّماطين" السِّماطان: مثنى السِّماط: وهو الجانب، قال الجوهريُّ: "والسِّماطان من النَّخل والناس: الجانبان". الصحاح (سمط).
(٣) قوله: "اسْتَنَيْنا عليه" يعني سَقَيْنا عليه. يقال: سَنَتِ الناقةُ تسْتُو سَناوَةً وسَنايةً: إذا سَقَتِ الأرض، وهي السانية. الصحاح (سنأ)، ومقاييس اللغة ٣/ ١٠٣.
[ ١ / ٤٣٥ ]
قال: "تحب ذلك؟ "، قال: "نعم"، فرفَعَ يدَيْهِ فلم يَرْجعْهُما حتى قالت السماءُ (^١)، فاظلَّت، ثم أسكَبَتْ، فمَلؤُوا ما معهم، ثم ذهَبْنا به ننظُرُ، فلم نجِدْها جازَتِ العسكر (^٢).
وفي هذا المعنى أحاديثُ كثيرةٌ ذكرْنا منها في باب شريكِ بن أبي نَمِرٍ في الاسْتِسقاء ما فيه شفاء، والحمدُ للَّه (^٣).
_________________
(١) قوله: "قالت السماءُ" يعني أمطرت مطرًا يُسمع صوتُه، ويجوز أن يكون صوت الرعد الذي في سحاب هذا المطر. اللسان ٦/ ٢٢٠ مادة (معس). وقال القاري في شرح الشفا ١/ ٦٠٤: "أي: أمطرت، فإنّ القول يُستعمل في جملة من الفعل، وقيل: مالت، ورُويَ: قامت. بالميم، أي: اعتدلت بالسحاب".
(٢) أخرجه البزار في مسنده ١/ ٣٣١ (٢١٤)، والفريابي في دلائل النبوّة (٤٢)، وابن جرير الطبري في تفسيره ١٤/ ٥٤١، وابن خزيمة في صحيحه ١/ ٥٢ (١٠١)، وابن حبّان في صحيحه ٤/ ٢٢٣ (١٣٨٣)، والحاكم في المستدرك ١/ ١٥٩، وأبو نعيم في دلائل النبوَّة (٤٥٢)، والبيهقي في الكبرى ٩/ ٣٥٧ (٢٥١٣١)، وفي دلائل النبوَّة ٥/ ٢٣١. ورجال إسناده ثقات. ابن وهب: هو عبد اللَّه بن وهب المصري، وعمرو بن الحارث: هو ابن يعقوب الأنصاري المصري، وسعيد بن أبي هلال، هو الليثي، أبو العلاء المصري، ثقة، وثّقه جمعٌ كما هو موضّحٌ في تحرير التقريب (٢٤١٠)، وعتبة بن أبي عتبة: اسمه عُتبة بن مسلم المدنيّ. وينظر علل الدارقطني (١٢٧)، وكتابنا: المسند المصنف المعلل ٢٢/ ٤٤١ - ٤٤٢ (١٠١٦٩).
(٣) كتب ناسخ الأصل في الحاشية: "بلغت المقابلة بحمد اللَّه وحسن عونه".
[ ١ / ٤٣٦ ]