حديثٌ رابعٌ لإسحاقَ عن أنسٍ، مُسنَدٌ
مالكٌ (^١)، عن إسحاقَ بن عبد اللَّه بنِ أبي طلحة، عن أنسِ بنِ مالك، قال (^٢): كنتُ أسقي أبا عُبيدةَ بنَ الجرّاح وأبا طلحةَ الأنصاريَّ وأُبيَّ بنَ كعبٍ شرابًا من فَضِيخٍ وتَمْرٍ، قال: فجاءَهُم آتٍ فقال: إنَّ الخَمْرَ قد حُرِّمتْ، فقال أبو طلحة: يا أنسُ، قُمْ إلى هذه الجِرارِ فاكْسِرْها، قال: فقُمْتُ إلى مِهْراسٍ (^٣) لنا فضَرَبْتُها بأسْفَلِه حتّى تكَسَّرتْ.
هذا الحديثُ وما كان مثلَه يدخُلُ في المسنَدِ عندَ الجميع.
فأمّا قولُه فيه: "شرابًا من فَضِيخ" فقد اختُلِف في الفَضِيخ؛ فقال أكثرُ أهلِ العلم: الفَضِيخُ: نَبِيذُ البُسْر.
وقال أبو عُبيد (^٤): الفَضِيخُ ما افْتُضِخ من البُسْرِ من غيرِ أن تَمَسَّه النارُ. قال: وفيه رُوِيَ عن ابنِ عمر: ليس بالفضيخ، ولكنَّه الفَضُوخُ (^٥). قال أبو عُبيد: فإن كان مع البُسْرِ تمرٌ فهو الخَلِيطَان، وكذلك إن كانَ زَبِيبًا (^٦) فهو مثلُه.
_________________
(١) الموطّأ ٢/ ٤١٥ (٢٤٥٥).
(٢) في المطبوع: "أنه قال".
(٣) المِهْراس: هو الحَجَرُ الذي يُهْرَسُ به الشيء، أي: يُدَقُّ. المشارق ٢/ ٢٦٨.
(٤) في غريب الحديث، له ٢/ ١٧٧.
(٥) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنَّف (٢٤٤٩٩)، وأحمد في الأشربة (١٤٠) عن محمد بن فضيل، وقرَنَ معه ابنُ أبي شيبة: عبدَ اللَّه بنَ إدريس الأوْديّ، عن يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد بن جبر، عن عبد اللَّه بن عمر ﵄، به. وإسناده ضعيف، لأجل يزيد بن أبي زياد: وهو الهاشمي مولاهم الكوفي فهو ضعيف. ويروى عنه من طرق أخرى ضعيفة، ينظر: الأشربة (١٢٣) و(١٣٨) و(٢٠٠).
(٦) في غريب الحديث ٢/ ١٧٧: "زبيبًا وتمرًا".
[ ١ / ٤٦١ ]
قال أبو عُمر: في هذا الحديثِ دليلٌ واضحٌ على أنَّ نَبيذَ التمرِ إذا أسْكَرَ خمر، وهو نَصٌّ لا يجوزُ الاعتراضُ عليه؛ لأنَّ الصحابةَ ﵏ هم أهلُ اللسان، وقد عَقَلُوا أنَّ شرابَهم ذلك (^١) خمرٌ، بل لم يكنْ لهم شَرابٌ ذلك الوقتَ بالمدينةِ غيرُه.
أخبرني أحمدُ بنُ عبدِ اللَّه الباجيُّ، أنَّ أباه أخبَره، قال: أخبرنا محمدُ بنُ فُطَيْس، قال: أخبرنا يحيى بنُ إبراهيم، قال: أخبرنا عيسى بنُ دينار، عن ابنِ القاسم، عن مالك، قال: نزَل تحريمُ الخمرِ وما بالمدينةِ خمرٌ من عنب (^٢).
وروَى شُعبةُ، عن مُحارِبِ بن دِثار، عن جابر، قال: حُرِّمَتِ الخمرُ يومَ حُرِّمَتْ، وما كان شَرابُ الناسِ إلّا البُسْرَ والتمر (^٣).
_________________
(١) سقط اسم الإشارة من الأصل.
(٢) رجال إسناده إلى مالك ثقات؛ محمد بن فطيس: هو ابن واصل الغافقي، وشيخه يحيى بن إبراهيم: هو ابن مُزَين القرطبي، وشيخه عيسى بن دينار: هو ابن واقد الغافقي، وشيخه ابن القاسم: هو عبد الرحمن.
(٣) حديث شعبة عن محارب بن دثار، عن جابر الموقوف هذا أخرجه النسائي في المجتبى ٨/ ٢٨٨، وفي الكبرى (٥٠٣٥) و(٦٧٦٣). وأخرجه عبد الرزاق في المصنَّف (١٦٩٦٩) عن الثوري عن محارب بن دثار، به. وأخرجه ابن أبي شيبة (٢٤٤٩٨) عن عبد الرحيم بن سليمان، عن محارب، به. ووقع عند أحمد في الأشربة: التمر والزبيب، أو التمر والبسر. وخالفهم الأعمش فرواه عن محارب بن دثار، عن جابر مرفوعًا بلفظ: "الزبيب والتمر هو الخمر"، أخرجه النسائي ٨/ ٢٨٨، وفي الكبرى (٥٠٣٦). وأخرجه أحمد في "الأشربة" ومن طريقه ابن عدي في الكامل ٦/ ٨٢ في ترجمة كامل بن العلاء عن الحسن بن عمرو عن محارب بن دثار موقوفًا بلفظ: "تمر وزبيب"، ولا يصح المرفوع، ولا هذا الموقوف بلفظ التمر والزبيب. والمعروف أن عامة خمر أهل المدينة قبل تحريم الخمر: من التمر والبُسر، لكثرته عندهم، وفي البخاري (٥٥٨٠) من حديث أنس ﵁ أنه قال: "حُرِّمت علينا الخمر حين حُرّمت وما نجدُ خمر الأعناب إلّا قليلًا، وعامة خمرنا: البُسر والتمر".
[ ١ / ٤٦٢ ]
وقال الحَكَميُّ (^١):
لنا خَمْرٌ وليست خَمْرَ كَرْمٍ ولكِنْ مِن نتاجِ البَاسِقاتِ
كِرامٌ في السماءِ ذهَبْنَ طُولًا وفاتَ ثِمارُها أيْدِي الجُناةِ
وقد اختلَف أهلُ اللغةِ في اشتقاقِ اسم الخمرِ على ألفاظٍ قريبةِ المعاني، مُتداخِلة، كلُّها موجودةُ المعنى في الخمر.
فقال بعضهم: إنّما سُمِّيَتِ الخمرُ خمرًا؛ لأنّها تَخْمُرُ العقلَ، أي: تُغَطِّيه وتَستُرُه، وكلُّ شيءٍ غَطَّى شيئًا، فقد خَمَرَه، ومنه (^٢) حديثُ أبي حُميدٍ الساعديِّ أنه جاء بقَدَح من لَبَن، فقال له رسولُ اللَّه -ﷺ-: "ألَا خَمَّرتَه؟ ولو أن تَعرِضَ عليه عُودًا" (^٣). ومن ذلك: خِمارُ المرأة، سُمِّيَ خِمارًا لأنّه يُغَطِّي رأسَها، ومن ذلك الشجرُ المُلْتَفُّ، يُقال له: الخَمَرُ؛ لأئه يُغَطِّي ما تحتَه ويُخَمِّرُه.
وقال آخرون منهم: إنّما سُمِّيَتِ الخمرُ خمْرًا؛ لأنّها تُرِكَتْ حتى أدْرَكَتْ، كما يقال: خَمَرَ الرَّأيُ واختمَرَ؛ أي: تُرِك حتى تَبيَّن فيه الوجهُ، ويقال: قد اختَمر العَجِينُ؛ أي: بلَغَ إدْراكَه.
وقال بعضُهم: إنّما سُمِّيَتِ الخمرُ خمرًا؛ لأنّها اشْتُقَّتْ من المُخامَرَةِ التي هي المُخالَطَة؛ لأنّها تُخالِطُ العقل، وهذا مأخوذ من قولِهم: دَخَلْتُ في خِمارِ الناس؛ أي: اخْتَلَطْتُ بهم. وهذا الوَجْهُ يَقرُبُ من المعنى الأوّل. والثلاثةُ الأوجهِ
_________________
(١) هو الحسن بن هانئ المعروف بأبي نُوَاس، الشاعر المشهور، والبيتان في ديوانه ص ٢٥٢ بلفظ: لنا خَمْرٌ وليس بخَمْر نَخْلٍ ولكِنْ مِن نتاجِ البَاسِقاتِ كِرامٌ في السماءِ زَهَيْنَ طُولًا ففاتَ ثِمارُها أيْدِي الجُناةِ
(٢) من هنا وإلى نهاية الحديث لم يرد في الأصل.
(٣) أخرجه أحمد في المسند ٣٩/ ٢١ (٢٣٦٠٨) و(٢٠١٠) من حديث جابر بن عبد اللَّه ﵄، عن أبي حميد الساعديِّ ﵁، به.
[ ١ / ٤٦٣ ]
كلُّها موجودةٌ في الخمر (^١)؛ لأنّها تُركَتْ حتى أدْرَكَتِ الغَلَيانَ وحَدَّ الإسْكار، وهي مُخالِطَةٌ للعقل، وربّما غلَبَتْ عليه وغَطَّتْه. وقد رَوينا عن عمرَ بنِ الخَطّابِ أنّه قال: الخَمْرُ ما خَمَّرْتَه.
حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح (^٢)، قال: حدَّثنا يوسفُ بنُ عديٍّ، قال: حدَّثنا أبو الأحْوَص، عن أبي إسحاق، عن أبي بُرْدَة، عن عمرَ، قال: الخمرُ من خمسة؛ من التمر، والزبيب، والعَسَل، والحِنْطَة، والشعير. والخمرُ ما خَمَّرْتَه.
وقد أجمَع علماءُ المسلمين في كلِّ عصرٍ وبكلِّ مصر، فيما بلَغَنا وصَحَّ عندَنا، أنَّ عَصيرَ العِنَبِ إذا رَمَى بالزَّبَد، وهدَأ، وأسْكَرَ الكثيرُ منه أو القليل، أنّه خمرٌ، وأنّه ما دام على حالِه تلك حرامٌ، كالميتة، والدم، ولحم الخنزير، رِجْسٌ نَجِسٌ كالبول، إلّا ما رُوِيَ عن ربيعةَ في نُقَطٍ من الخمر، شيءٌ لم أرَ لذِكْرِه وجهًا؛ لأنّه خِلافُ إجماعِهم. وقد جاء عنه في مثل رُؤوسِ الإبَرِ من نُقَطِ البولِ نحوُ ذلك.
والذي عليه عامّةُ العلماءِ في خمرِ العِنَبِ ما ذكَرْتُ لك عنهم، من تحريم قليلِها وكثيرِها، وأنّها عندَهم رِجْسٌ كسائرِ النجاسات (^٣)، إلّا أنَّ تَحرِيمَها عندَهم لعلَّةِ الشدَّةِ والإسْكار، وليس كذلك تَحريمُ الميتةِ وما جَرَى مَجْراها مما حُرِّمَ
_________________
(١) ينظر في هذه الأوجه الثلاثة معزُوَّة للقائلين بها: تهذيب اللغة للأزهري ٧/ ١٥٩ - ١٦٣، والصحاح ولسان العرب وتاج العروس مادة (خمر).
(٢) هو محمد بن وضّاح بن بزيع.
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنَّف (٢٤٢٢٠) عن أبي الأحوص سلّام بن سُليم الحنفيّ، به. وأخرجه عبد الرزاق في المصنَّف ٩/ ٢٣٤ (١٧٠٥١)، وأبي الجعد في مسنده (٢٥٣١)، وأحمد في الأشربة (٢٤) و(١٥٦) و(١٥٧) من طرق عن أبي إسحاق عمرو بن عبد اللَّه السَّبيعيّ، به. وإسناده منقطع، أبو بردة بن أبي موسى الأشعري لم يسمع عن عمر ﵁.
[ ١ / ٤٦٤ ]
لذاتِه وعينِه، ولهذا ما اختَلف العلماءُ في تحليلِ الخمرِ وفي طيبِها عندَ زوالِ العِلَّةِ المذكورةِ عنها، وسنذكُرُ اختِلافَهم في تحليلِ الخمرِ في آخرِ هذا البابِ إن شاءَ اللَّه.
وكخمرِ العِنَبِ عندَهم نَقِيعُ الزَّبيبِ إذا غَلَا وأسْكَر، قَليلُه وكثيرُه في التحريم سواءٌ؛ لأنّه عندَهم ميِّتٌ أُحْيي (^١).
واختلَف العلماءُ في سائرِ الأنبِذَةِ المُسْكِرَة، فقال العراقيُّون: إنّما الحرامُ منها السُّكْرُ، وهو فعلُ الشارِب، وأمّا النبيذُ في نفسِه، فليس بحرام ولا نَجِس؛ لأنَّ الخمرَ العِنَبُ لا غيرُه، بدليل قولِ اللَّه ﷿: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٣٦]؛ يعني عنبًا (^٢).
قال أبو عُمر: ليس في هذا دليلٌ على أنَّ الخمرَ ما عُصِرَ من العنبِ لا غيرُ؛ لِما قدَّمْنا ذِكْرَه من أنَّ الخمرَ المعروفةَ عندَ العربِ ما خمَر العقلَ وخامَرَه، وذلك اسمٌ جامعٌ للمُسْكِرِ من عصيرِ العنبِ وغيرِه.
وقال أهلُ المدينة، وسائرُ أهلِ الحجاز، وعامّةُ أهلِ الحديثِ وأئمَّتُهم (^٣): إنَّ كلَّ مُسْكِرٍ خمرٌ، حُكْمُه حُكْمُ خمرِ العنبِ في التحريم والحَدِّ على مَن شَرِب شيئًا من ذلك كلِّه، كما هو عندَ الجميع منهم على شارِبِ خمرِ العَنِب. ومن الحُجَّةِ لهم أنَّ القرآنَ قد وَرَد بتحريم الخمرِ مُطلَقًا، ولم يَخُصَّ خمرَ العنبِ من غيرِها، فكلُّ ما وقَعَ عليه اسمُ خمرٍ من الأشرِبَةِ فهو داخِلٌ في التحريم بظاهرِ الخطاب، والدليلُ على ذلك أنَّ الخمرَ نزَلَ تحريمُها بالمدينة، وليس بها شيءٌ من خمرِ العنب.
_________________
(١) ينظر: الإجماع لابن المنذر ص ٦٧، وبداية المجتهد لابن رشد ٢/ ٢٣.
(٢) ينظر ما نقله الطحاوي عن أبي حنيفة وأصحابه: مختصر اختلاف العلماء ٤/ ٣٧١ - ٣٧٢، وتحفة الفقهاء لعلاء الدين السمرقندي ٣/ ٣٢٥.
(٣) ينظر: الأم للشافعيّ ٦/ ١٩٤، ومسائل أحمد رواية أبي داود ص ٣٤٦ (باب الأشربة، المسائل (١٦٥٣ - ٤٦٥٩)، والتهذيب في اختصار المدوّنة للقيرواني ٤/ ٤٩٩ (٤١١٧)، والأوسط لابن المنذر ١٣/ ٢١، ومختصر اختلاف العلماء للطحاوي ٤/ ٣٦٥ - ٣٦٦ و٤/ ٣٧١ - ٣٧٢.
[ ١ / ٤٦٥ ]
قال أبو عُمر: لا خلافَ بينَ علماءِ المسلمين أنَّ سورةَ "المائدة" نزَلت بتحريم الخمر، وهي مدنيّةٌ، من آخرِ ما نزَل بالمدينة، وذلك قولُ اللَّه ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ ثم قال: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩٠ - ٩١]. فنَهَى عنها، وأمرَ باجتنابِها، كما قال: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج: ٣٠]. ثم زجَر وأوعَد مَن لم يَنتَهِ أشَدَّ الوعيدِ في كتابِه، وعلى لسانِ رسولِه -ﷺ-، وسمّاها رِجْسًا، وقرَنها بالميتةِ والدم ولحم الخنزير، بقوله: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥] والرِّجْسُ: النجاسةُ.
وقال في الخمر: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ فقرَنها بلحم الخنزير.
وورَد التحريمُ في الميتةِ والدم والخنزيرِ خبرًا، وفي الخمرِ نهيًا وزجرًا، وهو أقْوَى التحريم وأوْكَدُه عندَ العلماء، وفي إجماع أهلِ الصلاةِ على هذا التّأويل ما يُغني عن الإكثارِ فيه، وقد مضَى في بابِ إسماعيلَ بنِ أبي حكيم ذِكْرُ معنى التحريم في اللغة، وأنّه المنعُ (^١)، وكلُّ ما مُنِعْتَ منه فقد حُرِّمَ عليك؛ دليلُ ذلك قولُ اللَّه ﷿: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ [القصص: ١٢]؛ أي: مَنعْناه من رَضاع غيرِ أُمِّه. وقال اللَّهُ ﷿: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٩]. وقال تباركَ اسمُه: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ﴾ الآيةَ [الأعراف: ٣٣]. فحَصَلَ بهاتَيْن الآيتَيْنِ تَحريمُ الخمرِ نصًّا.
_________________
(١) في أثناء شرح الحديث الأول له، عن عبيدة بن سفيان الحضرميّ، عن أبي هريرة ﵁، وقد سلف في موضعه.
[ ١ / ٤٦٦ ]
قرأتُ على سعيدِ بنِ نصر (^١)، فأقَرَّ به، أنَّ قاسمَ بنَ أصبغَ حدثهم، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ القاضي، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ اللَّه بنِ يونس، قال: حدَّثنا أبو شهاب، عن الحسنِ بنِ عمرو، عن طَلحةَ بن مُصَرِّف، عن ابنِ عباس (^٢)، قال: لما نزَل تحريمُ الخمرِ مشَى أصحابُ النبيِّ -ﷺ- بعضُهم إلى بعض وقالوا: حُرِّمت الخمرُ، وجُعِلَتْ عِدْلًا للشِّرْك (^٣).
قال أبو عُمر: يعني، واللَّهُ أعلم، أنّه قَرَنها وعدَلها بالذَّبْح للأنصاب، وذلك شِرْكٌ.
وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أبو مسلم إبراهيمُ بنُ عبدِ اللَّه الكَشِّي (^٤)، قال: حدَّثنا أبو عاصم، عن عبدِ الحميدِ بنِ
_________________
(١) هو ابن عمر، أبو عثمان.
(٢) هكذا في النسخ، وهو منقطع، والمحفوظ: "طلحة بن مصرف، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس" كما في مصادر التخريج.
(٣) أخرجه الطبراني في الكبير ١٢/ ٣٧ (١٢٣٩٩)، والضياء المقدسيّ في الأحاديث المختارة ١٠/ ١٩١ (١٩٢) من طريق أحمد بن عبد اللَّه بن يونس التميميّ، به. وأخرجه الحاكم في المستدرك ٤/ ١٤٤، وابن فورك في جزء فيه أحاديث أبي الشيخ (١٣١) من طريق أبي شهاب، به. وزادوا جميعهم في الإسناد: "سعيد بن جُبير" بين طلحة بن مصرِّف وابن عباس. ورجال إسناده ثقات. أبو شهاب: هو عبد ربِّه بن نافع الكنانيّ الحنّاط، ثقة، أطلق توثيقه يحيى بن معين، ويعقوب بن شيبة السَّدوسي، وابن سعد، ويعقوب سفيان وغيرهم كما هو موضّحٌ في تحرير التقريب (٣٧٩٠)، والحسن بن عمرو: هو الفُقَيميّ.
(٤) هكذا في النسخ وغَيّرها بعض من نشر الكتاب إلى "الكجي" ظنًا منه أنها تحريف، فما أصاب، فالرجل كجيٌّ كَشِّيٌّ، فأما الكجيُّ فهي نسبة إلى المهنة والكج: الجص، وأما الكشي فهي نسبة إلى أحد أجداده فهو أبو مسلم إبراهيم بن عبد اللَّه بن مسلم بن ماعز بن كش البصري، قال الإمام أبو سعد السمعاني في "الكجي" من الأنساب بعد أن ذكر النسبتين: "قال أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي: سمعت أبا القاسم الشيرازي يقول: إنما لقب بالكجي لأنه كان يبني دارًا بالبصرة، فكان يقول: هاتوا الكج، وأكثر من ذكره، فلقب بالكجي، والكج بالفارسية: الجص. قلت: وظني أنَّ الكشي منسوب إلى جده الأعلى كش، واللَّه أعلم، فإني رأيت نسبه حسبما سقته أولًا في كتاب أبي الفضل الفلكي لألقاب المحدثين".
[ ١ / ٤٦٧ ]
جَعفَر، عن يزيدَ بنِ أبي حَبيب، عن عمرِو بنِ الوليد، عن عبدِ اللَّه بنِ عمرِو بنِ العاص، قال: قال رسولُ اللَّه -ﷺ-: "مَن كذَب عليَّ متعمِّدًا فلْيتبوَّأْ مقعدَه من النار، وإنَّ اللَّهَ ورسولَه حَرَّما الخمرَ، والميسرَ، والكُوبةَ، والغُبَيْراء" (^١).
حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حمّاد، قال: حدَّثنا مُسَدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى، عن شعبة، قال: حدَّثني سَلَمةُ بنُ كُهَيْل، قال: سمِعتُ أبا الحَكَم، قال: سألتُ ابنَ عباسٍ عن نبيذِ الجَرِّ، فقال: نهَى رسولُ اللَّه -ﷺ- عن نَبيذِ الجَرِّ والدُّبّاء. وقال ابنُ عباس: من سَرَّه أن يُحرِّمَ ما حَرَّم اللَّه، فلْيُحَرِّم النبيذَ (^٢).
_________________
(١) أخرجه الطبراني في الكبير ١٤/ ٢٢ (١٤٦٠٤) و١٤/ ٩٥ (١٤٧١١)، والبيهقي في الكبرى ١٠/ ٢٢١ (٢١٥٢١) من طريق أبي مسلم إبراهيم بن عبد اللَّه بن مسلم الكَجِّيّ، به. وأخرجه أحمد في المسند ١١/ ١٦١ (٦٥٩١) عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد، به. وهو عند أبي داود (٣٦٨٥)، والمزي في تهذيب الكمال ٣١/ ٤٥ - ٤٦ من طريق يزيد بن أبي حبيب، به. وهذا إسنادٌ ضعيفٌ، عمرو بن الوليد، هو ابن عبدة، لم يرو عنه غير يزيد بن أبي حبيب كما في التاريخ الكبير للبخاري ٦/ ٣٧٨ (٢٦٩٤)، والجرح والتعديل ٦/ ٢٦٦ (١٤٧١)، وقد اختُلف في اسمه، فقيل: الوليد بن عبدة، وقيل: ابنه عمرو بن الوليد بن عبدة، ووقع في رواية أبي داود: الوليد بن عبدة". قال عنه أبو حاتم وقد ترجم له ابنه في موضع آخر ٩/ ١١) ٤٩): "مجهول" وفيه "عبيدة" بدل "عبدة"، وتبعه الذهبي في ميزان الاعتدال ٤/ ٣٤١ وقال: "والخبر معلول في الكوية والغُبيراء". ويغني عنه حديث ابن عباس ﵁، أخرجه أحمد في المسند ٤/ ٣٨١ (٢٦٢٥)، وأبو داود (٤٥٦٠) من طريق علي بن الحسن بن شقيق، عن أبي حمزة السُّكّري محمد بن ميمون المروزي، عن يزيد بن أبي سعيد النحوي، عن عكرمة مولى ابن عباس، عنه ﵄، بمعناه. حديث صحيح، ورجال إسناده ثقات. وآخر عند أحمد في المسند ٤/ ٢٧٩ (٢٤٧٦)، وأبي داود (٣٦٩٦) بإسناد صحيح من حديث قيس بن حبتر عن ابن عباس ﵄. وقوله: "الكُوبة" يعني النَّرْد في كلام أهل اليمن، وقيل: الطَّبْل، و"الغُبيراء" هي السُّكُرْكَة: وهو شراب يُعمل من الذُّرة، والسُّكُرْكة بالحبشيّة، وهو شرابهم. قاله أبو عبيد في غريب الحديث له ٤/ ٢٧٨.
(٢) أخرجه أحمد في المسند ١/ ٣١٦ (١٨٥)، ومن طريقه ابن الجوزي في التحقيق في مسائل الخلاف ٢/ ٣٧٣ (١٩٩٣) كلاهما من طريق يحيى بن سعيد القطّان، به. =
[ ١ / ٤٦٨ ]
وذكَر يحيى بنُ سَلّام، عن شَرِيك (^١)، عن سِمَاكِ بنِ حرب، عن عكرمة، قال: ما أُحِلَّتِ الغنيمةُ لأحَدٍ قبلَكم، ولا حُرِّمت الخمرُ على قوم قبلَكم.
ولما اختلفَ العلماءُ فيما تقدَّم ذِكْرُنا له من مُسكِرِ الأنبذَة، وجَب الرُّجوعُ عندَ تنازُعِهم في ذلك إلى ما ورَدَ به الكتاب، أو قام دليلُه منه، أوَ ثبتَتْ به سُنَّةٌ عن النبيِّ -ﷺ-، وقد ذكَرْنا ما يُوجِبُه إطْلاقُ اسم الخمر، وما يَعرِفُه أهلُ اللسانِ من اشتقاقِها.
وأمّا السُّنة، فالآثارُ الثابتةُ كلُّها في هذا الباب تَقْضي على صحَّةِ قولِ أهلِ الحجاز. وقد روَى أهلُ العراقِ فيما ذهَبوا إليه آثارًا لا يَصِحُّ شيءٌ منها عندَ أهلِ العلم بالحديث، وقد أكثرَ الناسُ في تعليلِ تلك الأحاديث، وفي الاستظهارِ بتكريرِ الآثارِ في تَحريم المُسْكِر، ونحن نذكُرُ منها في هذا الباب ما يُغْنِي ويَكفِي عن التطويل. وقد مفَى في هذا الباب عن عمرَ ﵁ أنَّ الخمرَ من خمسةِ أشياء، وحسبُكَ به عالمًا باللسانِ والشرع.
وروَى يحيى بنُ أبي كثير، عن أبي كثيرٍ الغُبَريِّ السُّحَيميِّ، واسمُه يزيدُ بنُ عبدِ الرَّحمن، عن أبي هريرة، أنَّ رسولَ اللَّه -ﷺ- قال: "الخمرُ من هاتينِ الشَّجرتَين؛ النَّخلةِ والعِنَبة". وفي هذا ما يُبيِّنُ لك أنَّ الخمرَ من غيرِ العِنَب، رواه عن يحيى جماعةٌ من أصحابِه (^٢).
_________________
(١) = وأخرجه الطيالسي في مسنده (٢٨٦٧)، والنسائي في الكبرى ٦/ ٢٩١ (٦٨١١) من طريق شعبة بن الحجاج، به. وهو حديث صحيح، ورجال إسناده ثقات. مسدّد: هو ابن مسرهد، وأبو الحكم: هو عمران بن الحارث السُّلَميّ.
(٢) هو شريك بن عبد اللَّه النخعي، وشيخه سماك بن حرب روايته عن عكرمة مولى ابن عباس خاصةً مضطربة.
(٣) أخرجه عبد الرزاق في المصنَّف ٩/ ٢٣٤ (١٧٠٥٣)، وعنه أحمد في المسند ١٣/ ١٧٥ (٧٧٥٣) كلاهما عن معمر بن راشد، عن يحيى بن أبي كثير الطائيّ، به. وأخرجه مسلم (١٩٨٥) (١٣) من طريق الحجّاج بن أبي عثمان الصواف، وأبو داود (٣٦٧٨) من طريق يحيى بن سعيد القطان، والنسائي في المجتبى (٥٥٧٣)، وفي الكبرى ٥/ ٧٢ (٥٠٦٤) من طريق حجاج بن أبي عثمان الصواف، كلاهما حجّاج الصواف ويحيى القطان، عن يحيى بن أبي كثير الطائيّ، به.
[ ١ / ٤٦٩ ]
وقد جاء عن النبيِّ -ﷺ- وعن عمرَ بنِ الخطابِ أيضًا في تأويلِ الخمرِ حديثانِ مُبيِّنانِ موضعَ الصوابِ فيما اختُلِفَ فيه، هما جميعًا عندَ الشعبيِّ؛ أحدُهما عن النُّعمانِ بنِ بَشير، عن النبيِّ -ﷺ-، والآخرُ عن ابنِ عمر، عن عمرَ قوله:
أخبرنا عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمن، قال: أخبَرنا محمدُ بنُ بكر (^١)، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (^٢): حدَّثنا الحسنُ بنُ عليٍّ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ آدم، قال: حدَّثنا إسرائيلُ، عن إبراهيمَ بنِ مُهاجِر، عن الشَّعبيِّ، عن النُّعمانِ بنِ بَشِير، قال: قال رسولُ اللَّه -ﷺ-: "إنَّ من العِنَبِ خَمرًا، وإنَّ من العسلِ خمرًا، وإنَّ من البُرِّ خمرًا، وإنَّ من الشَّعيرِ خمرًا، وإنَّ من التّمرِ خمرًا".
_________________
(١) هو أبو بكر ابن داسة التمّار.
(٢) في سننه (٣٦٧٦). وأخرجه الترمذي (١٨٧٣) عن الحسن بن عليٍّ الحُلْوانيّ، به. وأخرجه الدارقطني في سننه ٥/ ٤٥٦ (٤٦٤٨)، والبيهقيُّ في الكبرى ٨/ ٢٨٩ (١٧٨١١) من طريق يحيى بن آدم، به. وهو عند أحمد في المسند ٣٠/ ٢٩٣ (١٨٣٥٠)، والترمذي (١٨٧٢) و(١٨٧٣)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٤/ ٢١٣ (٦٤٢٥) من طرق عن إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السَّبيعيّ، به. وهو حديثٌ ضعيف إذ المحفوظ أنه من قول عمر بن الخطاب ﵁ موقوفًا كما سيأتي، وهذا إسنادٌ اختُلف فيه على عامر بن شراحيل الشعبيّ، فرواه إبراهيم بن مهاجر هنا: وهو البَجَليُّ الكوفي، وهو ضعيفٌ كما في تحرير التقريب (٢٥٤) - وتابعه جماعة من الضُّعفاء، منهم أبو حريز عبد اللَّه بن الحسين كما في الحديث الآتي بعده، ومنهم السَّريّ بن إسماعيل -وهو متروكٌ- عند أحمد في المسند ٣٠/ ٣٥٧ (١٨٤٠٧)، وأبي داود (٣٦٧٧) وغيرهما، فرووه عن عامر بن شراحيل الشعبيِّ، عن النعمان بن بشير ﵁ مرفوعًا، وخالفهم أبو حيّان يحيى بن سعيد التيمي الآتية روايته بإثر الحديث الآتي، وتابعه عبد اللَّه بن أبي السَّفر، وروايته عند البخاري (٥٥٨٩)، فروياه، عن الشعبي، عن ابن عمر، عن عمر بن الخطاب ﵄ موقوفًا، وهو الصحيح، وقد نبَّه الترمذيُّ في جامعه (١٨٧٢) و(١٨٧٣)، والدارقطني في سننه ٥/ ٤٥٦ (٤٦٤٩) على ذلك.
[ ١ / ٤٧٠ ]
قال أبو داود: وحدَّثنا مالكُ بنُ عبدِ الواحدِ المِسْمَعيُّ، قال: حدَّثنا مُعْتَمرٌ، قال: قَرأتُ على الفُضَيْل، عن أبي حَرِيز (^١)، أنَّ عامِرًا أخبَره، أنَّ النعمانَ بنَ بَشِير، قال: سمِعتُ رسولَ اللَّه -ﷺ- يقول: "إنَّ الخمرَ مِن العصِير، والزبيب، والتمر، والحِنْطَة، والشَّعير، والذُّرَة، وإنِّي أنْهاكم عن كلِّ مُسْكِر" (^٢).
حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بنُ مروان (^٣)، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عَمْرِو بنُ سليمانَ البغداديُّ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمدٍ البَغَويُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ حنبل، قال (^٤): حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا أبو حيّانَ التَّيْميُّ، قال: حدَّثنا الشعبيُّ، عن ابنِ عمرَ، قال: سمِعتُ عمرَ يَخطُبُ على مِنبرِ المدينة، قال: يا أيُّها الناسُ، ألا إنّه قد نزَلَ تحريمُ الخَمرِ يومَ نزَل، وهي من خمسة؛ من العنب، والتمر، والعسل، والحِنْطَة، والشَّعير. والخمرُ: ما خامَرَ العقل.
_________________
(١) في م: "جرير"، مصحف، وهو أبو حريز عبد اللَّه بن الحسين الأزدي البصري (تهذيب الكمال ١٤/ ٤٢٠).
(٢) أخرجه البيهقيُّ في الكبرى ٨/ ٢٨٩ (١٧٨١٢) من طريق محمد بن بكر أبي بكر ابن داسة التمّار، به. وهو عند أبي داود في سننه (٣٦٧٧). وسلف الكلام عليه في الذي قبله.
(٣) هو القنازعي، أبو المطرِّف القرطبي.
(٤) في الأشربة (١٨٥). وأخرجه سعيد بن منصور في التفسير (٥٩٣)، وابن أبي شيبة في المصنَّف (٢٤٢٢٤) عن إسماعيل بن إبراهيم بن عُليّة، به. وأخرجه النسائي في المجتبى (٥٥٧٨)، وفي الكبرى ٥/ ٧٣ (٥٠٦٧) و٦/ ٢٧٤ (٦٧٥٢)، وعنه النحاس في الناسخ والمنسوخ ص ١٦٣ كلاهما عن يعقوب بن إبراهيم الدورقي، عن إسماعيل بن إبراهيم بن عُليّة، به. وهو عند البخاري (٥٥٨١)، ومسلم (٢٠٣٢)، والترمذي (١٨٧٤) من طريق أبي حيّان يحيى بن سعيد التَّيميّ، به. وهذا يُغني عن الحديثين السالفين قبله.
[ ١ / ٤٧١ ]
وهذا أبيَنُ ما يكونُ في معنى الخمر، يخطُبُ به عمرُ بالمدينةِ على المنبَرِ بمحضَرِ جماعةِ الصحابة، وهم أهلُ اللسان، ولم يَفهَموا من الخمرِ إلّا المعنَى الذي ذكَرْنا، وباللَّه توفيقُنا.
وحدَّثنا عبدُ الرَّحمن بنُ مروان، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عَمْرٍو، قال: حدَّثنا البَغَويُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ حنبل (^١) وجدِّي أحمدُ بنُ منيع، قالا: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ إدريس، قال: سمِعتُ المختارَ بنَ فُلْفُل، قال: قال أنسٌ: الخمرُ من العنب، والتمر، والعسل، والحنطة، والشعير، والذُّرَة، فما خَمَّرْتَ من ذلك فهو الخمر.
أخبرنا عبدُ اللَّه بن محمدِ بنِ يوسف، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يحيى بنِ عبدِ العزيز، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ خالد (^٢)، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ العزيز، قال: حدَّثنا حَجّاجٌ، قال: حدَّثنا حَمّادُ بنُ سلَمة، عن عليِّ بن زيد، عن صفوانَ بنِ مُحْرِز، قال: سمِعتُ أبا موسى الأشعريَّ يخطُبُ فقال: خمرُ المدينةِ من البُسْرِ والتمر، وخمرُ أهلِ فارسَ من العنب، وخمرُ أهلِ اليَمَن البِتْعُ؛ وهو من العَسَل، وخمرُ الحَبَشِ السُّكُرْكَةُ؛ من الذُّرَة (^٣).
_________________
(١) في المسند ١٩/ ١٤٩ (١٢٠٩٩)، وفي الأشربة (١٩٠) و(١٩١)، وفي الورع رواية المروزي (٥١٤). وأخرجه ابن أبي الدُّنيا في ذمِّ المُسْكِر (٢٣)، وأبو يعلى في مسنده ٧/ ٥٠ (٣٩٦٦) من طريق عبد اللَّه بن إدريس الأوْديّ، به. ورجال إسناده ثقات. المختار بن فُلْفل: هو مولى عمرو بن حريث، ثقة، فقد أطلق توثيقه الأئمّة: أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وأبو حاتم الرازيّ وغيرهم كما هو موضّحٌ في تحرير التقريب (٦٥٢٤).
(٢) هو ابن يزيد، أبو عمر الجيّاني القرطبي، يُعرف بابن الجبّاب، وشيخه عليّ بن عبد العزيز: هو البغويّ.
(٣) أخرجه أحمد في الأشربة (٢٢٥)، والبيهقي في الكبرى ٨/ ٢٩٥ (١٧٨٤٨) من طريق حمّاد بن سلمة، به. وإسناده ضعيف، لأجل عليّ بن زيد: وهو ابن جُدْعان، فهو ضعيفٌ، وسيأتي بإسناد المصنِّف من غير هذا الوجه عن حمّاد بن سلمة في آخر شرح الحديث الموفي أربعين لمرسل زيد بن أسلم إن شاء اللَّه تعالى.
[ ١ / ٤٧٢ ]
وثَبتَ عن النبيِّ ﵇ أنّه قال: "كلُّ مُسْكِرٍ خمرٌ، وكلُّ خمرٍ حَرام". وقوله: "كلُّ شَرابٍ أسْكَرَ فهو حَرامٌ، وما أسْكَرَ كثيرُه فقَليلُه حَرام" (^١). وأصَحُّ شيءٍ في ذلك وأثبَتُه، وأشَدُّه استِقامَةً في الإسناد، حديثُ مالكٍ (^٢) وغيرِه، عن ابن شِهاب، عن أبي سلمة، عن عائشة، أنَّ رسولَ اللَّه -ﷺ- سُئِل عن البِتعْ، فقال: "كُلُّ شرابٍ أسكَرَ فهو حرامٌ". والبِتع: شَرابُ العَسَل، لا خِلافَ في ذلك، فدَلَّ على أنَّ الخمرَ المُحَرَّمةَ قد تكونُ من غيرِ العِنَب، وحديثُ ابنِ عمرَ عن النبيِّ -ﷺ- في ذلك صحيحٌ ثابت:
حدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ سعيد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةَ الأُمويُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعَيبٍ النَّسَويُّ، قال (^٣): حدَّثنا سُوَيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ المبارَك، عن حمادِ بنِ زيد، عن أيوبَ، عن نافِع، عن ابنِ عمرَ، عن النبيِّ -ﷺ-، قال: "كلُّ مسكِرٍ خمرٌ، وكلُّ خمرٍ حرامٌ".
أخبرنا عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمن، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ التّمّار، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (^٤): حدَّثنا سليمانُ بنُ داودَ ومحمدُ بنُ عيسى في آخَرِين،
_________________
(١) سيأتي والذي قبله في أثناء هذا الشرح قريبًا.
(٢) الموطّأ ٢/ ٤١٢ (٢٤٥١)، وهو الحديث الرابع والعشرين لابن شهاب الزُّهري، وسيأتي مع تخريجه والكلام عليه في موضعه إن شاء اللَّه تعالى.
(٣) في الكبرى ٥/ ٧٤ (٥٠٧٢)، وهو في المجتبى (٥٥٨٢)، وفي المطبوع منهما بلفظ: "كل مُسكِرٍ حرام، وكل مُسكِرٍ خمرٌ". وأخرجه أبو عوانة في المستخرج ٥/ ١٠٤ - ١٠٥ (٧٩٦٤) من طريق عبد اللَّه بن المبارك، به. ورجال إسناده ثقات. أيوب: هو ابن أبي تميمة السختياني، ونافع: هو مولى عبد اللَّه بن عمر ﵄.
(٤) في سننه (٣٦٧٩). وأخرجه مسلم (٢٠٠٣) (٧٣) عن أبي الربيع العَتَكيّ سليمان بن داود مقرونًا بأبي كامل فُضيل بن حسين الجَحْدَريّ، به. محمد بن عيسى: هو ابن نجيح البغدادي، أبو جعفر ابن الطباع، وأيوب: هو ابن أبي تميمة السَّختيانيّ، ونافع: هو مولى عبد اللَّه بن عمر ﵄.
[ ١ / ٤٧٣ ]
قالوا: حدَّثنا حَمّادُ بنُ زيد، عن أيوبَ، عن نافع، عن ابنِ عمرَ، قال: قال رسولُ اللَّه -ﷺ-: "كلُّ مسكرٍ خمرٌ، وكلُّ مسكرٍ حرامٌ، ومَن مات وهو يَشْرَبُ الخمرَ في الدنيا، لم يشرَبْها في الآخرة".
حدَّثنا عبدُ الرَّحمن بنُ مروان (^١)، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عمرِو بنِ سليمانَ البغداديُّ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمدٍ البَغَويُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ حنبل، قال (^٢): حدَّثنا رَوْحُ بنُ عُبادة، قال: حدَّثنا ابنُ جريج، قال: أخبرني موسى بنُ عقبة، عن نافع، عن ابنِ عمر، قال: قال رسولُ اللَّه -ﷺ-: "كلُّ مُسكِرٍ خمرٌ، وكلُّ خمرٍ حرامٌ".
حدَّثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الرَّحمن القُرَشيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ القاسم بنِ شعبان، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعَيب، قال (^٣): حدَّثنا الحُسينُ بنُ منصور، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ حنبل، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بنِ مَهديٍّ، قال: حدَّثنا حَمّادُ بنُ زيد، عن أيوبَ، عن نافِع، عن ابنِ عمرَ، قال: قال رسولُ اللَّه -ﷺ-: "كلُّ مُسْكِرٍ حرامٌ، وكلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ". قال الحُسينُ بنُ منصور: قال أحمدُ بنُ حنبل: هذا حديثٌ صحيحٌ.
_________________
(١) هو أبو المطرِّف القُنازعيّ القُرطبيّ.
(٢) في المسند ٨/ ٤٤٥ (٤٨٣٠). وأخرجه مسلم (٢٠٠٣) (٧٤) من طريق روْح بن عُبادة، به. ابن جُريج: هو عبد الملك بن عبد العزيز.
(٣) في المجتبى (٥٥٨٣)، وفى الكبرى ٥/ ٧٤ (٥٠٧٣). وأخرجه أحمد في المسند ١٠/ ٢٤ (٥٧٣١)، ومسلم (٢٠٠٣) (٧٣)، وأبو داود (٣٦٧٩)، والترمذي (١٨٦١)، وابن حبان (٥٣٦٨) و(٥٣٧٥). وقد نقل النسائي عن أحمد بن حنبل قوله: "وهذا حديث صحيحٌ".
[ ١ / ٤٧٤ ]
قال أبو عُمر: هكذا روَى هذا الحديثَ أبو حازم بنُ دينار (^١)، ولَيثٌ (^٢)، وأبو مَعْشَر (^٣)، وإبراهيمُ الصّائِغُ (^٤)، والأجْلَحُ (^٥)، وعبدُ الواحدِ بنُ قَيْس (^٦)، وأبو الزِّناد (^٧)، ومحمدُ بنُ عَجْلان (^٨)، وعبيدُ اللَّه بنُ عمرَ العُمَريُّ (^٩)، كلُّهم عن نافِع، عن ابنِ عمرَ، عن النبيِّ -ﷺ- مرفوعًا، كما رواه أيوبُ السَّخْتيانيُّ وموسى بنُ عُقْبة (^١٠).
_________________
(١) أخرجه ابن عديّ في الكامل في ضعفاء الرجال ٣/ ٢١٢. وهو عند ابن ماجة (٣٣٩٢)، وابن أبي حاتم في العلل ٤/ ٤٦٣ (١٥٦٧) دون ذكر نافع، قال أبو حاتم: "وهذا عندي أصحُّ بلا نافع".
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٤٢٠٨) والدارقطني في السُّنن ٥/ ٤٤٧ (٤٦٢٤). ليث: هو ابن أبي سليم، وهو ضعيف لكن هذا من صحيح حديثه.
(٣) أخرجه أحمد في الأشربة (٧٥)، وأبو يعلى في مسنده ١٠/ ١٨٩ (٥٨١٦)، والبيهقي في الكبرى ٨/ ٢٩٦، أبو معشر: هو نجيح بن عبد الرحمن السِّندي، وهو ضعيف، ولكن هذا من صحيح حديثه.
(٤) أخرجه الدارقطني في السُّنن ٥/ ٤٤٧ (٤٦٢١)، وإبراهيم بن ميمون الصائغ صدوق حسن الحديث.
(٥) أخرجه الدارقطني في السنن ٥/ ٤٤٧ (٤٦٢٢)، وأبو نعيم في تاريخ أصبهان ١/ ٢١٢، والأجلح: هو ابن عبد اللَّه بن حُجيّة الكندي، وهو ضعيف يُعتبر بحديثه كما في تحرير التقريب (٢٨٥)، وقد قرناه مع إبراهيم بن ميمون الصائغ.
(٦) أخرجه الطبراني في الصغير ١/ ٣٢٩ (٥٤٦) و٢/ ٢/ ١٣٩ (٩٢٢)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق ٤٣/ ١٧٢. وعبد الواحد بن قيس، نقل الذهبي في المغني ٢/ ٤١١ (٣٨٧٦) عن يحيى القطان قوله فيه: "شبه لا شيء".
(٧) أخرجه ابن أبي الدُّنيا في ذمّ المسكر (١٨)، وابن عديّ في الكامل في ضعفاء الرجال ٦/ ٢٤٩، أبو الزِّناد: هو عبد اللَّه بن ذكوان.
(٨) أخرجه أحمد في المسند ١٠/ ٣٤٧ (٦٢١٨) و١٠/ ٣٤٨ (٦٢١٩)، والبزار في مسنده ١٢/ ٥٨ (٥٤٨٢)، والنسائي في المجتبى (٥٥٨٦)، وفي الكبرى ٦/ ٢٨٢ (٦٧٨١)، وابن حبّان في صحيحه ١٢/ ١٩١ (٥٣٦٨) و١٢/ ٩٦ (٥٣٧٥)، والدارقطني في السنن ٥/ ٤٤٧ (٤٦٢٣). محمد بن عجلان المدني صدوق حسن الحديث في غير أحاديث أبي هريرة ﵁.
(٩) أخرجه مسلم (٢٠٥٣) (٧٥)، وابن حبان (٥٣٥٤).
(١٠) رواية أيوب السَّختياني سلف تخريجها قريبًا، ورواية موسى بن عقبة عند أحمد في المسند ١٠/ ٣٢١ (٦١٧٩)، ومسلم (٢٠٠٣) (٧٤).
[ ١ / ٤٧٥ ]
وكان عُبيدُ اللَّه بنُ عمرَ ربّما وَقَفه، وربما رَفَعَهُ وكان يقولُ أحيانًا: لا أعْلَمُه إلّا عن النبيِّ -ﷺ- (^١).
ورواه مالكٌ، عن نافع، عن ابن عمرَ موقوفًا (^٢).
والحديثُ ثابتٌ مرفوعٌ، لا يَضُرُّع تَقْصيرُ مَن قصَّرَ في رَفْعِه؛ لرفع الحُفّاظِ الأثباتِ له، ولاجتماع الجماعة من رواةِ نافع على رَفْعِه، منهم أيوبُ، وموسى، وسائرُ مَن ذكَرْنا.
وممّا يدُلُّ على صِحَّة رَفْعِه روايةُ محمدِ بنِ عَمْرٍو له، عن أبي سَلَمَة، عن ابنِ عُمَر، عن النبيِّ -ﷺ- مرفوعًا (^٣)، وكذلك رواه زيدُ بنُ أسلم (^٤)، وعبدُ اللَّه بنُ دينار (^٥)، عن ابنِ عمرَ مرفوعًا، وكذلك رواه جماعةٌ عن سالم، عن ابنِ عمرَ مرفوعًا. فكيف يَحِلُّ لأحَدٍ أن يتأوَّلَ في الأنبِذَةِ المسكِرَةِ أنَّها حَلالٌ، والنبيُّ ﵇
_________________
(١) رواية عبيد اللَّه بن عمر العُمريّ التي فيها قوله: "لا أعلمه إلّا مرفوعًا" عند أحمد في المسند ٨/ ٢٦٩ (٤٦٤٥)، ومسلم (٢٠٠٣) (٧٥). وروايته المرفوعة بدون شك عند الطرسوسي في مسند عبد اللَّه بن عمر (٤٢)، وأبي عوانة في المستخرج ٥/ ١٠٤ (٧٩٥٩) و(٧٩٦٠)، وابن حبّان في صحيحه ١٢/ ١٧٧ (٥٣٥٤)، والطبراني في الصغير ١/ ١٠٣ (١٤٣)، والدارقطني في سننه ٥/ ٤٤٨ (٤٦٢٦)، والبيهقي في شعب الإيمان ٥/ ٧ (٥٥٧٨).
(٢) الموطّأ برواية أبي مصعب الزُّهري (١٨٤٤)، وهو الحديث الموفي ستِّين لنافع، وهو من زيادات أبي مصعب على رواية يحيى الليثي، وسيأتي مع تخريجه والكلام عليه في موضعه إن شاء اللَّه تعالى.
(٣) أخرجه أحمد في المسند ٨/ ٢٦٨ (٤٦٤٤)، والترمذي (١٨٦٤)، وابن ماجة (٣٣٩٠)، والنسائي في المجتبى (٥٥٨٨) و(٥٧٠١)، وفي الكبرى ٥/ ٧٦ (٥٠٧٨) و٥/ ١١٣ (٥١٩١)، وقد اقتصر الترمذي على تحسينه، ورجال إسناده ثقات غير محمد بن عمرو: وهو ابن علقمة بن وقّاص الليثي فهو صدوقٌ حسنُ الحديث كما في تحرير التقريب (٦١٨٨).
(٤) أخرجه ابن أبي الدُّنيا في ذمّ المُسكر (١٨)، وابن عديّ في الكامل ١/ ٣٩٧ و٦/ ٣٩٢.
(٥) أخرجه ابن عدي في الكامل ٥/ ٢٢٩.
[ ١ / ٤٧٦ ]
قد بيَّن أنَّ كلَّ مُسكِرٍ خمرٌ، وكلَّ خمرٍ حرامٌ؟ نعوذُ باللَّه من الخِذلان، ومن سُلوكِ سبيلِ الضلال.
وأخبرنا عبدُ اللَّه بن محمد (^١)، قال: أخبرنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا سليمانُ بنُ الأشعث، قال (^٢): حدَّثنا قُتيبةُ بنُ سعيد، قال: حدَّثنا إسماعيلُ، يعني ابنَ جعفر، عن داودَ بنِ بكرِ بنِ (^٣) أبي الفُرات، عن محمدِ بنِ المنكَدِر، عن جابر، قال: قال رسولُ اللَّه -ﷺ-: "ما أسْكَرَ كثيرُه فقَليلُه حرامٌ".
وأخبرنا عبدُ اللَّه بن محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر (^٤)، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (^٥): حدَّثنا محمدُ بنُ رافِع النَّيْسابوريُّ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ عمرَ
_________________
(١) هو ابن عبد المؤمن بن يحيى التُّجيبي، المعروف بابن الزَّيّات، وشيخه محمد بن بكر: هو أبو بكر ابن داسة التمّار، وهما المذكوران في أول إسناد الحديث الآتي بعده.
(٢) في سننه (٣٦٨١). وأخرجه الترمذي (١٨٦٥) عن قتيبة بن سعيد، به. وأخرجه أحمد في المسند ٢٣/ ٥١ (١٤٧٠٣)، وفي الأشربة (١٤٨)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٤/ ٢١٧ (٦٤٥٤)، والبغويُّ في شرح السُّنة ١١/ ٣٥٠ - ٣٥١ (٣٠١٠) من طريق إسماعيل بن جعفر بن أبي كثير الأنصاري الزُّرقيّ، به. وهو عند ابن ماجة (٣٣٩٣)، وابن الجارود في المنتقى (٨٦٠)، والبيهقي في الكبرى ٨/ ٢٩٦ (١٧٨٥١) من طريق داود بن بكر بن أبي الفرات، به. واقتصر الترمذي على تحسينه أيضًا، ورجال إسناده ثقات غير داود بن بكر بن أبي الفرات فهو صدوقٌ حسنُ الحديث.
(٣) في ف ١: "عن"، خطأ.
(٤) هو أبو بكر بن داسة التمّار، ومن طريقه أخرجه البيهقيُّ في الكبرى ٨/ ٢٨٨ (١٧٨٠٧).
(٥) في سننه (٣٦٨٠) وهو حديثٌ ضعيفٌ بالسياق المذكور عنده، وهذا إسنادٌ ضعيفٌ أيضًا، إبراهيم بن عمر (وقع في الأصل: عمرو، خطأ) الصنعانيّ لم يروِ عنه غير محمد بن رافع النيسابوري ونوح بن حبيب. ولم يوثّقه أحدٌ ولا ذكره ابن حبّان في الثقات، وقد بيَّض له الذهبي في الكاشف ١/ ٢٢٠ (١٨١)، فهو في عداد مجهولي الحال، وقال عنه ابن حجر في =
[ ١ / ٤٧٧ ]
الصَّنْعانيُّ، قال: سمِعتُ النعمانَ، يعني ابنَ المُنذر (^١) الصَّنْعانيَّ، يقول: عن طاووس، عن ابنِ عباس، عن النبيِّ -ﷺ- قال: "كلُّ مُخَمَّرٍ خمرٌ، وكلُّ مسكرٍ حرامٌ". وذكَر تمامَ الحديث.
وهذه كلُّها نُصوصٌ في موضِع الخلافِ لمَن أراد اللَّهُ في المُسْكِرِ أن يَهدِيَه ويشرَحَ صَدْرَه. والآثارُ في تحريم ما أسْكَرَ كثيرُه كثيرةٌ جدًّا يطُولُ الكتابُ بذكْرِها، وقد ذكَرها جماعةٌ من العلماء؛ منهم ابنُ المباركِ وغيرُه، وقال أحمدُ بنُ شُعَيب في "كتابه": إنَّ أوَّلَ مَن أحَلَّ المُسْكِرَ من الأنبذةِ إبراهيمُ النَّخَعيُّ. وهذه زَلَّةٌ من عالم، وقد حُذِّرْنا من زَلَّةِ العالم، ولا حُجَّةَ في قولِ أحدٍ مع السُّنة.
وقد زَعَمَت طائفةٌ أنَّ أبا جعفرٍ الطحاويَّ، وكان إمامَ أهلِ زمانِه، ذهَب إلى إباحةِ الشُّربِ من المُسْكِرِ ما لم يُسْكِرْ (^٢)، وهذا لو صَحَّ عنه، لم يُحتَجَّ به
_________________
(١) = التقريب (٢٢٣): "مستور"، وليس هو بابن كيسان الثقة، فكلاهما من صنعاء اليمن، وقد توهَّم ابن القطّان الفاسيّ في بيان الوهم والإيهام ٥/ ٤١١ فصحَّح السند على مقتضى أنه ابن كيسان الثقة، فقال: "وليس هذا الحديث عندي بضعيف، بل هو صحيح" فوقع هو في الوهم لا عبد الحقّ الإشبيليّ! وينظر: العلل لابن أبي حاتم ٤/ ٤٨٦ (١٥٨٧) حيث ساقه بتمامه، ونقل عن أبي زرعة الرازي قوله: "هذا حديثٌ منكرٌ"، قلنا: وهذا المعنى الذي اقتصر المصنِّف على ذكره من هذا الحديث الضعيف، فإن ما سلف بأسانيد أجود منه يُغني عنه.
(٢) هكذا في النسخ، وما أظنه إلا وهمًا، فالمحفوظ، أنه النعمان بن أبي شيبة، واسم أبي شيبة عبيد، كما في تهذيب الكمال ٢٩/ ٤٥٠. ووقع في العلل لابن أبي حاتم: "النعمان بن الزبير" (٤/ ٤٨٦).
(٣) يشير بذلك إلى ما شَنَع عليه ابن حزم الظاهري في كتابه المحلّى ٦/ ٤٨٠ - ٥٠٥، فقد أسهَبَ في الردِّ على ما تأوَّله من كلام الطحاوي في هذا الباب الآتي على ذكره المصنِّف قريبًا.
[ ١ / ٤٧٨ ]
على مَن ذكَرْنا قولَهم من الأئمة المتَّبعينَ في تحريم المسكِرِ ما ثبتَ من السُّنة، وأنا أذكُرُ ما حَكاه الطحاويُّ لِيَبِينَ لك أنَّ الأمرَ ليس كما ظَنُّوا:
قال أبو جعفر في كتابه الكبير في "الاختلاف" (^١): اتَّفقَتِ الأمةُ أنَّ عَصيرَ العِنَب إذا اشْتَدَّ وغلَى، وقذَفَ بالزَّبَدِ، فهو خَمْرٌ، ومُسْتَحِلُّه كافِرٌ، واختَلَفوا في نَقيع التمر إذا غلَى وأسْكَرَ.
قال: فهذا يدُلُّ على أنَّ حديثَ يحيى بنِ أبي كثير، عن أبي كثير، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﵇، أنّه قال: "الخمرُ من هاتينِ الشجرتَيْن؛ النخلةِ والعِنبة" (^٢). غيرُ مَعمُولٍ به عندَهم؛ لأنّهم لو قَبِلوا الحديثَ لأكفَروا مُسْتَحِلَّ نقيع التمر، فثَبَت أنّه لم يدخُلْ في الخمرِ المحَرَّمةِ غيرُ عصيرِ العِنَب الذي قد اشتَدَّ وبلَغ أنْ يُسْكِرَ.
قال: ثم لا تَخْلُو الخمرُ من أن يكونَ التحريمُ مُعلَّقًا بها فقط، غيرَ مَقِيسٍ عليها غيرُها أو يجبُ القياسُ عليها، فوجَدْناهم جميعًا قد قاسُوا عليها نقيعَ التمرِ إذا غلَى وأسْكَرَ كثيرُه، وكذلك نَقيعُ الزَّبيب.
قال: فوَجَبَ قياسًا على ذلك أن يُحرَّمَ كلُّ ما أسكَرَ من الأشْرِبة.
قال (^٣): وقد رُوِيَ عن النبيِّ -ﷺ- أنّه قال: "كلُّ مُسْكِرٍ حَرامٌ"، واستُغْنِيَ عن ذِكْرِ سندِه؛ لقَبولِ الجميع له، وإنّما الخلافُ بينَهم في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: أراد به ما يقَعُ السُّكْرُ عندَه، كما لا يُسَمَّى قاتِلًا إلّا مع وُجودِ القتل. وقال آخرون: أراد به جِنْسَ ما يُسْكِرُ.
_________________
(١) مختصر اختلاف العلماء له ٤/ ٣٧٤.
(٢) سلف تخريجه.
(٣) مختصر اختلاف العلماء ٤/ ٣٧٤ - ٣٧٥.
[ ١ / ٤٧٩ ]
قال: وقد روَى أبو عَوْنٍ الثَّقفيُّ، عن عبدِ اللَّه بنِ شَدّاد، عن ابنِ عبّاس، قال: حُرِّمَتِ الخمرُ بعينِها؛ القليلُ منها والكثيرُ، والسُّكْرُ من كلِّ شَراب (^١). قال: ففي هذا الحديثِ أنَّ غيرَ الخمر (^٢) لم يُحَرَّمْ عَيْنُه كما حُرِّمتِ الخمرُ بعينِها. هذا آخِرُ قولِه، وفيما مضَى كفاية، والحمدُ للَّه.
أخبرنا عبدُ الرَّحمنِ بنُ مروان (^٣)، قال: أخبرنا أحمدُ بنُ عَمْرِو بنِ سُليمان، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمدٍ البَغَويُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ حنبل، قال (^٤): حدَّثنا يحيى بن سعيدٍ ومحمدُ بنُ أبي عَدِيٍّ، جميعًا عن حُميد، عن أنس، قال: كنتُ في بيتِ أبي طلحةَ وعندَه أُبيُّ بنُ كعب، وأبو عُبيدةَ بنُ الجراح، وسُهَيْلُ ابنُ بَيْضاء،
_________________
(١) أخرجه أبو حنيفة في مسنده/ رواية الحصكفي (٣٤)، وأبو يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري في الآثار، وابن أبي شيبة في المصنّف (٢٤٥٤٢)، والنسائي في المجتبى (٥٦٨٣ - ٥٦٨٦)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار ١٢/ ٥٠٥، وفي شرح معاني الآثار ٤/ ٢١٤ (٦٤٣٢)، والنحاس في الناسخ والمنسوخ ص ١٧٩، والطبراني في الكبير ١٠/ ٣٣٨ - ٣٣٩ (١٠٨٣٩ - ١٠٨٤١)، والبيهقي في الكبرى ٨/ ٢٩٧ (١٧٨٦٥) و١٠/ ٢١٣ (٢١٤٧٥) من طرق فيها اختلافٌ بيَّنه النسائيُّ، وقال الحافظ ابن حجر في الفتح ١/ ٤٣: "هو حديثٌ أخرجه النسائيُّ ورجاله ثقات إلّا أنه اختُلف في وصْلِه وانقطاعه، وفي رفْعِه ووقْفِه، وعلى تقدير صحَّته فقد رجّح الإمام أحمد وغيرُه أن الرِّواية فيه بلفظ "والمُسْكِر" بضمِّ الميم وسُكون السِّين، لا السُّكْر بضمٍّ ثم سكون، أو بفتحتين، وعلى تقدير ثبوتها فهو حديثٌ فرْدٌ، ولفظُه مُحتمَل، فكيف يُعارضُ عُمومَ تلك الأحاديث مع صحَّتها وكثرتها".
(٢) في الطحاوي: "المخمَّر".
(٣) هو أبو المطرِّف القنازعيّ القُرطبيّ.
(٤) في المسند ٢٠/ ٢٣٤ (١٢٨٦٩)، وفي الأشربة (١٣٦) و(١٥٤). وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنَّف (٢٤٥٠٥)، وأبو عوانة في المستخرج ٥/ ٩٣ (٧٩١٣)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٤/ ٢١٣ (٦٤٢٩)، وابن حبّان في صحيحه ١٢/ ١٨٤ (٥٣٦١) و١٢/ ١٨٥ (٥٣٦٣)، والدارقطني في السُّنن ٥/ ٢٧٣ (٤٣٠٥) من طرق عن حُميد بن أبي حُميد الطويل، به. وإسناده صحيح. يحيى بن سعيد شيخ أحمد: هو القطّان.
[ ١ / ٤٨٠ ]
وأنا أسْقِيهم شَرابًا، حتى إذا أخَذ فيهم، إذا رجلٌ من المسلمين يُنادي: ألا إنَّ الخمرَ قد حُرِّمت. فواللَّه ما انتَظَروا حتى يَعْلَمُوا أو يسألوا عن ذلك. قال: فقالوا: يا أنسُ، أَكْفِئْ ما في إنائِك. قال: فكَفَأْتُه. قال: فما عادُوا فيها حتى لَقُوا اللَّه، وشَرابُهم يومئذٍ خَليطُ البُسْرِ والتَّمر.
قال أبو عُمر: هذا يُبيِّنُ لك أنَّ الفَضِيخَ المذكورَ في حديثِ إسحاق (^١)، عن أنس، أنّه خَليطُ البُسْرِ والتمر، وهذا على نحوِ ما فسَّرَه أهلُ اللغة، واللَّهُ أعلم.
وقد روَى هذا الحديثَ عن أنسٍ جماعةٌ يطولُ ذكرُهم، منهم: سليمانُ التَّيميُّ (^٢)، وقتادةُ (^٣)، وعبدُ العزيز بنُ صُهَيْب (^٤)، والمختارُ بنُ فُلْفُل (^٥)، وثابت البُنانيُّ (^٦)، وأبو التَّيّاح (^٧)، وأبو بكر بنُ أنس (^٨)، وخالدُ بنُ الفِزْر (^٩)، لم يَذكُرْ واحدٌ
_________________
(١) يعني: ابنَ عبد اللَّه بن أبي طلحة، وهو حديث هذا الباب.
(٢) أخرجه الحميدي في مسنده (١٢١٠)، وأحمد في المسند ٢٠/ ٢٤٤ (١٢٨٨٨)، وفي الأشربة (١٨) و(١٨٠)، والبخاري (٥٥٨٣) و(٥٦٢٢)، ومسلم (١٩٨٠) (٦).
(٣) أخرجه أحمد في المسند ٨/ ٢١ (٣٢٧٥)، وفي الأشربة (١٨١) و(١٨٢)، والبخاري (٥٦٠٠)، ومسلم (١٩٨٠) (٧)، والنسائي في المجتبى (٥٥٤٢)، وفي الكبرى ٥/ ٦٢ (٥٠٣٣).
(٤) أخرجه أحمد في الأشربة (١٥٦)، والبخاري (٤٦١٧)، ومسلم (١٩٨٠) (٤).
(٥) أخرجه أحمد في الأشربة (١٩٠)، وأبو يعلى في مسنده ٧/ ٤٢ (٣٩٥٤).
(٦) أخرجه أحمد في المسند ٢١/ ٧٨ (١٣٣٧٦)، والبخاري (٣٥٦١)، ومسلم (١٩٨٠) (٣)، وأبو داود (٣٦٧٣).
(٧) وهو حُميد بن يزيد الضُّبَعِيُّ، وروايته عند أحمد في الأشربة (١٧).
(٨) وهو ابن أنس بن مالك ﵄، وروايته عند أحمد في المسند ٢٠/ ٢٨٩ (١٢٩٧٣)، وفي الأشربة (١٨) و(١٨٠)، والبخاري (٥٥٨٣) و(٥٦٢٢)، ومسلم (١٩٨٠) (٥)، والنسائي في المجتبى (٥٥٤١)، وفي الكبرى ٥/ ٦٢ (٥٠٣٢) و٦/ ٢٧٧ (٦٧٦٤).
(٩) أخرجه أحمد في المسند ٢٠/ ٣٦ (١٢٥٧٥)، والبزار في مسنده ١٤/ ٩٩ (٧٥٨٦)، وأبو يعلى في مسنده ٧/ ١٠٣ (٤٠٤٧)، والبيهقي في الكبرى ٨/ ٣٠٧ (١٧٩١٣). وخالد بن الفِزْر، تفرّد بالرواية عنه الحسن بن صالح بن حيّ، فهو ضعيف أو مجهول كما هو موضّحٌ في تحرير التقريب (١٦٦٥).
[ ١ / ٤٨١ ]
منهم كَسْرَ الجِرار، إلّا إسحاقَ بنَ عبدِ اللَّه بنِ أبي طلحةَ وحدَه، وإنّما في حديثهم أنّه أكفَأها، ولا بأسَ بالاستِمْتاع بظُرُوفِ الخمرِ بعدَ تَطْهِيرِها وغسلِها بالماءِ وتَنْظيفِها، إلّا أنَّ الزِّقاقَ التي قد بالَغَتْها الخمرُ وداخَلَتْها، إنْ عُرِف أنَّ الغَسْلَ لا يَبلُغُ منها مَبْلَغَ التَّطْهِيرِ لها، لم يُنتَفَعْ بشيءٍ منها.
وفي هذا الحديثِ أيضًا قَبولُ خبرِ الواحدِ؛ لأنَّهم قَبِلوا خبرَ المُخبِر لهم، وهو رجلٌ من المسلمين، ولا شكَّ أنَّهم قد عَرَفوه، ولذلك قَبِلُوا خبرَه، وعَمِلُوا به، وأراقُوا شرابَهم، وقد كان مِلْكًا لهم قبلَ التحريم.
وفيه أنَّ المحَرَّمَ لا يَحِلُّ مِلْكُه، وأنَّ الخمرَ لا يستقِرُّ عليها مِلكُ مسلم بحال.
وفيه أنَّها كانت مباحةً مَعفُوًّا عنها حتى نزلَ تَحرِيمُها، قال سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ ﵀: كان الناسُ على أمرِ جاهِليَّتِهم حتى يُؤمَروا أو يُنْهَوا (^١).
وقد كانتِ الشَّدَّةُ والإسكارُ موجودَينِ في الخمرِ قبلَ تَحرِيمِها، ولم يكنْ ذلك بمُوجِبٍ لتَحرِيمِها؛ لأنَّ العِلَّة في التحريم ما يَقرَعُ السمعَ من الكتابِ والسُّنة، وإنّما كانتِ الشِّدَّةُ وَصْفًا من أوصافِ الخمر، فلمّا ورَد الشرعُ بتحريم المُسْكِر، صار الإسكارُ والشِّدَّةُ فيها عَلَمًا للتحريم، بدَليلِ الاعتبارِ في ذلك. وهذا مَوضِعٌ تَنازعَ فيه مَن نَفَى القِياسَ ومَن أثْبتَه، والكلامُ فيه يطُولُ.
_________________
(١) أخرجه سعيد بن منصور في التفسير (٥٥٤)، ومن طريقه ابن المنذر في تفسيره ٢/ ٥٥٤ (١٣٢٦) كلاهما عن حمّاد بن زيد، عن أيوب السختياني، عنه، به. وأخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره ٧/ ٥٣٦ - ٥٣٧، وابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٥٩ (٤٧٥٧) من طريقي حماد بن زيد وإسماعيل ابن عُليّة، عن أيوب السختياني، به. وإسناده إلى سعيد بن جُبير صحيح.
[ ١ / ٤٨٢ ]
وفي هذا الحديثِ أيضًا: ما كان القومُ عليه من البِدارِ إلى الطاعة، والانتهاءِ عمّا نُهوا عنه.
وفيه حُجَّةٌ لمَن قال: إنَّ الخمرَ لا تُخَلَّلُ؛ لأنّه لو جاز تَخليلُها والانتِفاعُ بها، لكان في إراقَتِها إضاعَةُ المال، وقد نُهيَ عن إضاعَةِ المال (^١)، ولا يقولُ أحَدٌ فيمَن أراقَ خمرًا لمسلم: إنّه أتْلَف له مالًا. وقد أراقَ عثمانُ بنُ أبي العاص خمرًا ليتيم، وأُرِيقَتْ بينَ يَدَيْ رسولِ اللَّه -ﷺ- (^٢). ومن حديثِ أنس، أنَّ أبا طَلْحَةَ سألَ النبيَّ -ﷺ- عن أيتام وَرِثوا خمرًا، يَجعَلُه خَلًّا؟ فكَرِهه (^٣).
وروَى مجالدُ بنُ سعيد، عن أبي الودَّاكِ جبرِ بنِ نَوف، عن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ، قال: كان عندي خمر لأيتام، فلمّا نزَل تحريمُ الخمرِ أمرَنا رسولُ اللَّه -ﷺ- أن نُهَريقَها (^٤).
وروَى سفيانُ الثوريُّ، عن السُّدِّيِّ، عن أبي هُبَيرَة (^٥)، واسمُه يحيى بنُ عَبّاد،
_________________
(١) كما سيأتي تفصيل ذلك في الحديث العاشر لسهيل بن أبي صالح، عن أبيه ذكوان السمّان المرسل، وهو في الموطّأ ٢/ ٥٨٩ (٢٨٣٣).
(٢) المرويُّ في هذا عن عثمان بن أبي العاص أنه دفع مالًا لمولًى له أو لرجلٍ يعمل له به، فخرج فاشترى به خمرًا، ثم قدم فأربح مالًا كثيرًا، فأمره أن يَصبَّه في دجلة". أخرجه أبو عبيد في الأموال (٢٨٣)، وعنه ابن زنجوية في الأموال (٤٣٣) كلاهما عن هشيم بن بشير الواسطي، عن منصور بن المعتمر، عن الحسن البصري، عن عثمان بن أبي العاص، فذكره. وهو عند الطحاوي في شرح مشكل الآثار ٨/ ٣٩٢ بإثر (٣٤٤١). وسيأتي بهذا السياق في أثناء شرح الحديث الخامس عشر لزيد بن أسلم.
(٣) ينظر ما بعده.
(٤) أخرجه أحمد في المسند ١٧/ ٣٠٠ (١١٢٠٥)، والترمذي (١٢٦٣)، وأبو يعلى في مسنده ٢/ ٤٦٠ (١٢٧٧)، وابن الجارود في المنتقى (٨٥٣)، وإسناده ضعيف لضعف مجالد بن سعيد.
(٥) في ف ١: "هنيدة"، وهو تحريف، وينظر: تهذيب الكمال ٣١/ ٣٠٩.
[ ١ / ٤٨٣ ]
عن أنسِ بنِ مالك، قال: جاء رجلٌ إلى النبيِّ -ﷺ- في حَجْرِه يتيمٌ، وكان عندَه خمرٌ له حينَ حرِّمَتِ الخمرُ، فقال: يا رسولَ اللَّه، نَصْنَعُها خَلًّا؟ قال: "لا" (^١).
وسنَذكُرُ آثارَ هذا البابِ بأسانيدِها في بابِ زيدِ بنِ أسْلَمَ، عن ابنِ وَعْلةَ مِن هذا الكتاب (^٢).
فبهذا احْتَجَّ مَن كَرِه تَخْليلَ الخمرِ ولم يُبحْ أكْلَها إذا تخلَّلَتْ. وقالوا: لو جاز تَخْليلُها لم يأمُرْ رسولُ اللَّه ﵇ بإراقَتِها، وقد استُؤذِنَ في تَخْليلِها فقال: "لا"، ونَهى عن ذلك؛ ذهَبَ إلى هذا طائفةٌ من العلماءِ من أهلِ الحديثِ والرَّأي (^٣)، وإليه مالَ سُحْنُونُ بنُ سعيد (^٤).
وقال آخرون: لا بأسَ بتَخليلِ الخمر، ولا بأسَ بأكلِ ما تخلَّلَ منها بمُعالجةِ آدَميٍّ وبغيرِ معالَجَتِه على كلِّ حال. وهو قولُ الثوريِّ، والأوزاعيِّ، والليثِ بنِ سعد، والكوفيِّين (^٥). ومن حُجَّةِ هؤلاء إجماعُ العلماءِ على أنَّ العصيرَ من العِنَبِ قبلَ أن يُسْكِرَ حلالٌ، فإذا صار مُسْكِرًا حَرُم؛ لعِلَّةِ ما حدَث فيه من الشِّدَّةِ والإسكار، فإذا زال ذلك عادَتِ الإباحَةُ، وزال التحريمُ، وسواءٌ تَخَلَّلَتْ من ذاتِها، أو تخَلَّلَتْ بمعالجةِ آدَميٍّ، لا فرقَ بينَ شيءٍ من ذلك إذا ذهَبَ منها حالُ الإسْكار.
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنَّف (٢٤٥٧٥)، وأحمد في المسند ١٩/ ٢٢٦ (١٢١٨٩)، وأبو داود (٣٦٧٥). ورجال إسناده ثقات، غير السُّدِّي: وهو إسماعيل بن عبد الرحمن، فهو صدوق حسنُ الحديث كما هو موضّحٌ في تحرير التقريب (٤٦٣). وسيأتي بإسناد المصنِّف من هذا الوجه في أثناء شرح الحديث الخامس عشر لزيد بن أسلم في موضعه إن شاء اللَّه تعالى.
(٢) في الموضع المشار إليه قبل التعليق السابق.
(٣) ينظر تفصيل الأقوال الواردة في تخليل الخمر: مختصر اختلاف العلماء للطحاوي ٤/ ٣٥٩ - ٣٦٣.
(٤) ينظر: البيان والمحصيل لأبي الوليد ابن رشد ١٨/ ٦١٩ - ٦٢٠.
(٥) نقله عنهم الطحاوي في مختصر اختلاف العلماء ٤/ ٣٦٠.
[ ١ / ٤٨٤ ]
وأجاز أبو حنيفةَ وأصحابُه مع تَخْلِيلِها أن يُصنَعَ من الخمرِ المُرَبَّى (^١) وغيرُه، وبأيِّ وَجْهٍ أُفْسِدَتْ وزالَتْ علَّةُ السُّكْرِ منها طابَتْ عندَهم، وطَهُرَتْ (^٢). وأمّا غيرُهم ممَّن ذكَرْنا عنهم إجازةَ تَخْلِيلِ الخمر، فإنَّهم لا يُجيزون منها غيرَ الخلِّ على أصْلِها.
ولم يَختلِفْ قولُ مالكٍ وأصحابِه أنَّ الخمرَ إذا تخلَّلَتْ بذاتِها، أنَّ أكْلَ ذلكَ الخَلِّ حَلالٌ. واختَلَف قولُه في تَخْلِيلِها؛ فكَرِهه مرَّة، وأجازَه أُخْرَى، والأشْهَرُ عنه كَراهِيةُ ذلك. وتَحْصيلُ مَذْهَبِه أنّه لا يَنْبَغي لمسلم أنْ يُمْسِكَ خَمْرًا ولا مُسْكِرًا ليَتَخَلَّلَ، ولا يَنبَغي لأحَدٍ أنْ يُخَلِّلَها، فإنْ فَعَل أكَلَها، وكُرِهَ له فِعْلُ ذلك (^٣).
وقد رُوِيَ عن عمرَ بنِ الخَطّاب، وقَبِيصَةَ، وابنِ شِهاب، ورَبِيعَة (^٤)، كراهِيَةُ تَخْلِيلِ الخمرِ، وإجازَةُ أكْلِها إذا تخَلَّلَتْ بذاتِها. وهو أحَدُ قولي الشافعيّ، وهو تَحْصِيلُ مَذْهَبِه عندَ أكثرِ أصحابِه، وعلى هذا أكثرُ العلماء؛ لأنّه يَجتَمِعُ على هذا القولِ مَذْهَبُ مَن أجاز تَخْلِيلَها بكُلِّ وَجْه، ومَذْهَبُ مَن أباحَها إذا تخَلَّلَتْ من ذاتِها (^٥).
_________________
(١) هكذا في النسخ، وهو الذي في المبسوط للسرخسي ٢٤/ ٢٤، ومختصر اختلاف العلماء ٤/ ٣٥٩ - ٣٦٢.
(٢) نقله عن أبي حنيفة وأصحابه الطحاوي في مختصر اختلاف العلماء ٤/ ٣٥٩. وينظر: كتاب الحجّة على أهل المدينة لمحمد بن الحسن الشيباني ٣/ ١٠ - ١٤.
(٣) وقول مالك في ذلك كما في المدوّنة ٤/ ٥٢٥: "الخمر إذا ملكها المسلمُ فلْيُهْرِقْها، فإنِ اجتَرأ عليها فخلّلها حتى صارت خلًّا فليأكُلْها، وبئسَ ما صنع".
(٤) ينظر: مختصر اختلاف العلماء للطحاوي ٤/ ٣٦١ - ٣٦٢، كما سيأتي تخريج أثر عمر قريبًا.
(٥) ينظر: حلية العلماء لأبي بكر القفّال الشاشي الشافعي ١/ ٢٤٥، والمجموع شرح المهذب للنووي ٢/ ٥٧٨ - ٥٧٤.
[ ١ / ٤٨٥ ]
وقد رُوِيَ عن ابنِ عمرَ جوازُ تَخْليلِ الخمرِ من وجهٍ فيه لِينٌ، والصحيحُ عنه إجازَةُ أكْلِها إذا صارَتْ خلًّا.
ذكَر ابنُ أبي شيبة (^١)، عن وَكِيع، عن عبدِ اللَّه بنِ نافع، عن أبيه، عن ابنِ عمر، أنّه كان لا يَرى بأسًا أن يأكُلَ مما كان خمرًا فصار خَلًّا.
قال (^٢): وأخبَرنا حُميدُ بنُ عبدِ الرَّحمن (^٣)، عن أبيه، عن مُسَرْبِلٍ العَبْديِّ، عن أُمِّه، قالت: سألتُ عائشةَ عن خَلِّ الخمر، قالت: لا بأسَ به، هو إدامٌ.
ورُوِيَ عن عليٍّ ﵁ أنّه كان يَصْطَبغُ في خَلِّ خمر (^٤). وهذا يَحتملُ أن يكونَ أراد خَلَّ عِنَب.
_________________
(١) المصنَّف (٢٤٥٧٠)، وإسناده ضعيفٌ لأجل عبد اللَّه بن نافع: وهو القرشيّ العدويّ، مولى عبد اللَّه بن عمر فهو ضعيفٌ.
(٢) المصنَّف (٢٤٥٦٩)، وإسناده ضعيف لجهالة مسربل العبدي وأُمّه. وذكره البيهقي في الكبرى ٦/ ٣٨، وقال: وإسناده مجهول. وينظر: التاريخ الكبير للبخاري ٨/ ٦٤ (٢١٦٩).
(٣) في النسخ: "عبد الرحمن بن مهدي"، وهو غلط محض، فهو حميد بن عبد الرحمن بن حميد بن عبد الرحمن الرؤاسي أبو عوف الكوفي، كما جاء في المورد الذي ينقل منه المؤلف وهو مصنف ابن أبي شيبة، ولا ندري إن كان الخطأ من المؤلف أم من النساخ أو الأصول التي نقلوا منها نظرًا لرداءة النسخ، لذلك أثبتنا الصواب، فعبد الرحمن بن مهدي لا يروي عن أبيه، وحميد بن عبد الرحمن يروي عن أبيه عبد الرحمن بن حميد، وروايته عنه في صحيح مسلم وغيره، كما في تهذيب الكمال ٧/ ٣٧٦.
(٤) أخرجه عبد الرزاق في المصنَّف ٩/ ٢٥٢ (١٧١٠٧)، وابن سعد في الطبقات الكبرى ٨/ ٤٨٥، وأبو عبيد في الأموال (٢٩١)، وابن أبي شيبة في المصنَّف (٢٤٥٦٧) من طرق، عن سليمان التَّيمي، عن امرأةٍ يقال لها أمّ خداش أنها رأت عليًّا، فذكروه. وإسناده ضعيف لجهالة أم خداش. تفرَّد بالرواية عنها سليمان التيميّ، ولم يذكرها في الثقات سوى ابن حبّان ٥/ ٥٩٣ (٦٤٦١) وقد روى لها هذا الأثر الواحد. ووقع في مصنّفي عبد الرزاق وابن أبي شيبة "حراش" بدل "خداش" وهو خطأ.
[ ١ / ٤٨٦ ]
وذكَر ابنُ أبي شيبة، قال (^١): حدَّثنا أزْهَرُ، عن ابنِ عون، عن محمدِ بنِ سِيرينَ، أنّه كان يَكْرَهُ أن يقول: خَلُّ خمر. وكان يقول: خَلُّ عِنَب. وكان يَصْطَبغُ فيه.
وقال رسولُ اللَّه -ﷺ-: "نِعْمَ الإدامُ الخَلُّ" (^٢). وهذا على عُمُومِه.
قال أبو عُمر: وأعْدَلُ شيءٍ في هذا البابِ ما رُوِيَ عن عمرَ رضيَ عنه فيه:
أخبرنا عبدُ الوارث (^٣)، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا سُحْنُونٌ، قال: أخبرنا ابنُ وَهْب، قال: أخبرني ابنُ أبي ذِئْب، عن ابنِ شهاب، عن القاسم بنِ محمد، عن أسلمَ مولَى عمرَ بنِ الخطاب، عن عمرَ بنِ الخطاب، أنّه قال: لا يُؤكَلُ خَلٌّ من خمرٍ أُفْسِدَتْ، حتى يَبْدَأ اللَّهُ إفسادَها، فعندَ ذلك يَطِيبُ الخَلُّ. قال: ولا بأسَ على امرئ أن يَبتاعَ خَلًّا وَجَدَه مع أهلِ الكتاب، ما لم يَعلمْ أنهم تَعَمَّدوا إفسادَها بعدَما عادَتْ خمرًا (^٤).
_________________
(١) المصنَّف (٢٤٥٧١). ورجال إسناده ثقات. أزهر: هو ابن سعد السمّان، وابن عون: هو عبد اللَّه بن عون بن أرطبان البصري.
(٢) أخرجه أحمد في المسند ٢٢/ ١٣٢ (١٤٢٢٥)، ومسلم (٢٠٥٢)، وأبو داود (٣٨٢١)، والنسائي في المجتبى (٣٧٩)، وفي الكبرى ٦/ ٢٣٨ (٦٦٥٥) من حديث أبي سفيان بن طلحة بن نافع، عن جابر بن عبد اللَّه ﵄. وأخرجه مسلم (٢٠٥١)، والترمذي (١٨٤٠)، وابن ماجة (٣٣٦١) من حديث عروة بن الزُّبير عن عائشة ﵂، وسيأتي في أثناء شرح الحديث الخامس عشر لزيد بن أسلم إن شاء اللَّه تعالى.
(٣) هو عبد الوارث بن سفيان بن جبرون، وشيخه قاسم: هو ابن أصبغ البيانيّ. وشيخه ابن وضاح: هو محمد بن وضاح بن بزيع، وشيخه سحنون: هو ابن سعيد بن حبيب التنوخي، وسحنون لقبُه.
(٤) أخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار ٨/ ٣٩٤، والبيهقي في الكبرى ٦/ ٣٧ (١١٥٣٢) من طريق عبد اللَّه بن وهب المصريّ، به. =
[ ١ / ٤٨٧ ]
قال ابنُ وَهْب: وأخبرني يونُسُ، عن ابنِ شِهاب، أنّه كان يقول: لا خيرَ في خَلٍّ من خمرٍ أُفْسِدَتْ، حتى يكونَ اللَّهُ يُفْسِدُها، عندَ ذلك يَطيبُ الخَلُّ (^١).
_________________
(١) = وأخرجه عبد الرزاق في المصنَّف ٩/ ٢٥٢ (١٧١١١) و(١٧١١٢)، وابن أبي شيبة في المصنَّف (٢٤٥٧٧) من طريق محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، به. وقد شكّك أبو حاتم في نسبة هذا الكلام لعمر بن الخطاب، فقد قال فيما نقله عنه ابنه في العلل ٤/ ٤٦٠ - ٤٦١ (١٥٦٦) وقد سأله عن هذا الأثر، فقال: "يُشبه أن يكون عامّة هذا الكلام من كلام الزُّهريّ، لأنه قد رُويَ بهذا الإسناد عن عمر كلام في الطِّلاء. ورُويَ عن الزُّهريّ قوله هذا الكلام، فاستدْلَلْنا أنّ هذا الكلام ليس هو من كلام عمر، وأنه كلامُ الزُّهري، وقد كان الزُّهريّ يُحدِّث بالحديث، ثم يقول على إثره كلامًا، فكان أقوامٌ لا يضبطون، فجعلوا كلامه في الحديث، وأمّا الحُفّاظ وأصحابُ الكتب فكانوا يُميِّزون كلامَ الزُّهريّ من الحديث" وكذا نقل عن أبي زرعة الرازي قوله فيه: "الذي عندي أن هذا كلَّه من كلام الزُّهري" وذكر نحو ما قاله أبو حاتم في بيان علَّة هذا الحديث. قلنا: وكلامُ عمر بن الخطاب ﵁ في الطِّلاء، أخرجه عبد الرزاق في المصنَّف ٩/ ٢٥٣ (١٧١١٦)، والنسائي في الكبرى ٦/ ٢٩٦ (٦٨٣٠) كلاهما من طريق معمر بن راشد، عن محمد بن شهاب الزهري، بالإسناد نفسه إلى أسلم مولى عمر، قال: "قدمنا مع عمر الجابية، فأُتيَ بطِلاءٍ مثل عقيد الرُّبِّ إنما يُخاض بالمخاوض خوضًا فقال: إنّ في هذا الشراب ما انتهى إليه". ثم إنه مما يدلُّ على صحَّة ما ذهب إليه أن الحاكم أخرج هذا الأثر في علوم الحديث ص ٦٣ - ٦٤ من طريق عبد اللَّه بن وهب عن يونس بن يزيد الأيلي، عن ابن شهاب الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن أباه قال: "سمعت عثمان بن عفان يقول: اجتنبوا الخمرَ، فإنها أمُّ الخبائث" وذكر الحديث بطوله، ثم قال: قال ابن شهاب: "في هذا الحديث بيان أن لا خيرَ في خلٍّ من خمر أُفسِدَت. . . " إلى آخر ما ذُكر على أنه من قول عمر. ويُنظر ما بعده.
(٢) أخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار ٨/ ٣٩٥ بإثر (٣٤٤١)، وقال: "فبانَ بهذا الحديث أنّ ما أُضيفَ في حديث ابن أبي ذئب، يعني إلى عمر ﵁ إنما هو قاله الذي قاله في الشراب الذي أُتيَ به في هذا الشراب ما انتهى إليه خاصّةً، وأن ما فيه سوى ذلك إنما هو من كلام ابن شهاب لا من كلام مَنْ سواهُ".
[ ١ / ٤٨٨ ]
قال ابنُ وَضّاح: ورأيتُ سُحْنُونًا يذهَبُ إلى أنَّ الخمرَ إذا خُلِّلَتْ لم يُؤكَلْ خَلُّها، تُعُمِّدَ ذلك أو لم يُتعَمَّدْ.
قال أبو عُمر: ليس في النهي عن تَخْليلِها والأمرِ بإراقتِها ما يَمنعُ من أكْلِها إذا تخَلَّلَتْ من ذاتِها؛ لأنّه يَحتَمِلُ أن يكونَ ذلك كان عندَ نُزولِ تَحريمِها، لئلّا يُستَدامَ حَبْسُها، لقُرْبِ العَهْدِ بشُرْبِها، إرادَةَ قَطْع العادَة، ولم يُسْألْ عن خمرٍ تَخَلَّلَتْ فنَهَى عنها.
وقال محمدُ بنُ عبدِ اللَّه بنِ عبدِ الحكم: كان مالكُ بنُ أنس يقول بقولِ عمرَ بنِ الخطاب: لا يُؤكَلُ خَلٌّ من خمرٍ أُفسِدَتْ، حتى يكونَ اللَّهُ هو الذي بَدَأ إفسادَها. قال محمدٌ: وبه أقولُ. قال: ثم رَجع مالِكٌ، فقال: إنْ فَعَل ذلك جاز أكْلُها، على تَكَرُّهٍ منه. قال: وقولُ عمرَ أحَبُّ إليَّ (^١).
قال أبو عُمر: قد ذكَرْنا قولَ مَن زَعَم أنَّ العِلَّةَ في تحريمِها الشدَّةُ، فإذا زالَتْ حَلَّتْ، ولكلِّ قولٍ وَجْهٌ يطُولُ شَرْحُه والاحتِجاجُ له، وقد زِدْنا هذه المسألةَ بَسْطًا وبَيانًا، وذكَرْنا الآثارَ في ذلك (^٢)، في بابِ زيدِ بنِ أسْلَم (^٣)، عن ابنِ وَعْلَة، والحمدُ للَّه (^٤).
_________________
(١) سلف تخريج ما نُقل عن مالك في هذا، ثم إنه تبيَّن بما سبق أن ما نُسِبَ إلى عمر ﵁ إنما هو من قول ابن شهاب الزُّهريُّ على ما وضّحه الأئمّة المعتبرين بهذا الشأن.
(٢) قوله: "وذكرنا الآثار في ذلك" لم يرد في الأصل وهو ثابت في ق، ف ١.
(٣) في شرح الحديث الخامس عشر له، وسيأتي في موضعه إن شاء اللَّه تعالى. وهو في الموطّأ ٢/ ٤١٤ (٢٤٥٤).
(٤) كتب ناسخ الأصل: "بلغت المقابلة بحمد اللَّه وحسن عونه".
[ ١ / ٤٨٩ ]