حديثٌ سادسٌ لإسحاقَ عن أَنَسٍ، مُسنَدٌ
مالكٌ (^١)، عن إسحاقَ بنِ عبدِ اللَّه بنِ أبي طلحة، أنَّه سمِع أَنسَ بنَ مالكٍ يقول: إن خيّاطًا دعا رسولَ اللَّه -ﷺ- لطعام صنَعه. قال أنسٌ: فذهَبتُ مع رسولِ اللَّه -ﷺ- إلى ذلك الطعام، فقرَّب إليه خُبزًا من شعير، ومَرَقًا فيه دُبّاء. قال أنسٌ: فرأيتُ رسولَ اللَّه -ﷺ- يَتَتَبَّع (^٢) الدُّبّاءَ من حولِ القَصْعَة، فلم أزَلْ أُحِبُّ الدُّبّاءَ بعدَ ذلك اليوم.
هكذا هذا الحديثُ في "الموطأ" عندَ جميع رُواتِه فيما علِمتُ (^٣)، بهذا الإسناد، وزادَ بعضُهم فيه ذِكرَ القَديد، وسنذكُرُه في هذا الباب إن شاء اللَّه.
أدخَل مالكٌ ﵀ هذا الحديثَ في بابِ الوليمةِ للعُرْس، ويُشبِهُ (^٤) أنْ يكونَ وصَل إليه من ذلك عِلمٌ وقد رُوِيَ عنه نحوُ هذا، وليس في ظاهرِ الحديثِ ما يدُلُّ على أنَّها وليمةُ عُرس.
وإجابةُ الدَّعوةِ عندي واجبةٌ إذا كان طعامُ الدَّاعي مُباحًا أكْلُه، ولم يكنْ هناك شيءٌ من المعاصي وجوبَ سُنّةٍ؛ لا ينبغي لأحدٍ تركُها في وليمةِ العُرسِ وغيرِها، وإتيانُ طعام وليمةِ العُرسِ عندي أوكَدُ؛ لقولِ أبي هريرة: ومَن لم يأتِ الدَّعوةَ
_________________
(١) الموطّأ ٢/ ٥٥ (١٥٧٤).
(٢) أشار ناسخ ق أنه في نسخة "يتبّع"، وكتب فوقها: "معًا".
(٣) رواه في موطّئه عن مالك: أبو مصعب الزُّهريُّ (١٦٩٠)، ومحمد بن الحسن الشيباني (٨٨٨)، وإسماعيل بن أبي أويس عند البخاري ٧/ ١٠٢ (٥٤٣٩)، وعبد بن مسلمة القعنبي عند البخاري ٧/ ١٠١ (٥٤٣٦)، وعبد اللَّه بن وهب عند الجوهري (٢٨٠)، وعبد اللَّه بن يوسف التنيسي عند البخاري ٣/ ٧٩، وقتيبة بن سعيد عند البخاري ٧/ ٨٩ (٥٣٧٩) ومسلم (٢٠٤١).
(٤) في ف ١: "وسنته"، وهو تحريف.
[ ١ / ٥٠٢ ]
فقد عصَى اللَّهَ ورسولَه (^١). على أنَّه يَحتملُ، واللَّهُ أعلم: مَن لم يرَ إتيانَ الدَّعوةِ فقد عصَى اللَّهَ ورسولَه. وهذا أحسنُ وجهٍ حُمِل عليه هذا الحديثُ إن شاء اللَّه.
وقد اختَلَف العلماءُ فيما تجبُ الإجابةُ إليه من الدَّعوات؛ فذهَب مالكٌ والثَّوريُّ إلى أنَّ إجابةَ الوليمةِ واجبٌ دونَ غيرِها، وخالَفهم في ذلك غيرُهم، وسنذكُرُ اختلافَهم في ذلك في بابِ ابنِ شهاب (^٢)، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عندَ قولِه: "شرُّ الطَّعام طعامُ الوليمةِ؛ يُدعَى لها الأغنياءُ، ويُتركُ المساكينُ، ومن لم يأتِ الدَّعوةَ فقد عصَى اللَّهَ ورسولَه"، إن شاء اللَّه.
والصَّحيحُ عندَنا ما ذكَرنا، أنَّ إجابةَ الدَّعوةِ سُنَّةٌ مؤكَّدةٌ مندوبٌ إليها؛ لقولِ رسولِ اللَّه -ﷺ-: "لو أُهدِيَ إليَّ كُراعٌ لقَبِلتُ، ولو دُعِيتُ إلى ذراع لأجَبتُ"؛ رواه شُعبة، عن قتادة، عن أنس، عن النبيِّ -ﷺ- (^٣).
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند ١٢/ ٢٢٣ (٧٢٧٩)، والبخاري (٥١٧٧)، ومسلم (١٤٣٢)، وأبو داود (٣٧٤٢)، والنسائي في الكبرى ٦/ ٢٠٩ (٦٥٧٨) من حديث عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، عنه ﵁. قال الحافظ ابن حجر في الفتح ٩/ ٢٤٤: "وأول هذا الحديث موقوفٌ، ولكن آخره يقتضي رفعَهُ؛ ذكر ذلك ابن بطّال".
(٢) في أثناء شرح الحديث الأول له، وهو في الموطّأ ٢/ ٥٥ (١٥٧٣)، وسيأتي في موضعه إن شاء اللَّه تعالى.
(٣) المحفوظ في هذا الحديث من طريق شعبة بن الحجّاج، أنه رواه عن سليمان بن مهران الأعمش، عن أبي حازم سلمان الأشجعي، عن أبي هريرة ﵁، أخرجه أحمد في المسند ١٦/ ١٥٩ (١٠٢١٢)، والبخاري (٢٥٦٨) و(٣٥٦٣)، والنسائي في الكبرى ٦/ ٢٠٨ (٦٥٧٤). أما من حديث أنس فقد رواه شعبة، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أنس، أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى ١/ ٣٧١، والطبراني في الكبير ١/ ٢٦٠ (٧٥٧). ولم نقف عليه من الوجه المذكور من طريق شعبة. =
[ ١ / ٥٠٣ ]
وقال رسولُ اللَّه -ﷺ-: "أجِيبوا الدَّعوةَ إذا دُعِيتم"؛ رواه أيوبُ السَّختيانيُّ، وموسى بنُ عُقبة، عن نافع، عن ابنِ عمر، عن النبيِّ -ﷺ- (^١).
وروَى عُبيدُ اللَّه بنُ عمر (^٢)، ومالكُ بنُ أنس (^٣)، عن نافع، عن ابنِ عمر، قال: قال رسولُ اللَّه -ﷺ-: "إذا دُعِيَ أحدُكم إلى وليمة فليأتِها". زادَ عُبيدُ اللَّه في حديثِه: "فإن كان مُفطِرًا فلْيَطعَمْ، وإن كان صائمًا فليَدْعُ". قال: وكان ابنُ عمرَ إذا دُعِيَ أجابَ؛ فإن كان صائمًا برَّك، وإن كان مُفطرًا أكَل.
فإن قيل: ليس في حديثِ أيوبَ وموسى بنِ عُقبةَ حُجَّةٌ؛ لأنَّ لفظَ حديثِهما مُجمَل، وقد فُسِّر بحديثِ مالكٍ وعبيدِ اللَّه، فكأنَّه قال: أجِيبوا الدَّعوةَ إلى الوليمةِ إذا دُعيتُم. قيل له: قد رواه معمرٌ، عن أيوبَ، عن نافع، عن ابنِ عمر، فقال فيه: "عُرسًا كان أو غيرَه".
_________________
(١) = وحديث أنس ﵁، من غير طريق شعبة أخرجه أحمد في المسند ٢٠/ ٤١٠ (١٣١٧٧)، والترمذي (١٣٣٨)، وابن حبّان في صحيحه ١٢/ ١٠٣ (٥٢٩٢) من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عنه. وكذلك رواه سعيد بن بشير، عن قتادة، عن أنس، أخرجه البيهقي في الكبرى ٦/ ١٦٩ (١٢٢٩٦).
(٢) سيأتي من الوجهين المذكورين عن نافع مولى عبد اللَّه بن عمر، بإسناد المصنِّف.
(٣) أخرجه أحمد في المسند ٩/ ١٥ (٤٩٤٩)، ومسلم (١٤٢٩) (٩٧) و(٩٨)، وأبو داود (٣٧٣٧) مختصرًا. وأخرجه بتمامه أبو عوانة في المستخرج ٣/ ٥٩ (٤١٨٤) و٣/ ٦٤ (٤٢٠٩)، والبيهقي في الكبرى ٧/ ٢٦٣ (١٤٩٢٦). وسيأتي بإسناد المصنِّف من هذا الوجه في أثناء شرح الحديث الموفي عشرين لنافع، عن عبد اللَّه بن عمر ﵄ في موضعه إن شاء اللَّه تعالى.
(٤) في الموطّأ ٢/ ٥٥ (١٥٧٢)، ومن طريقه أحمد في المسند ٨/ ٣٣٣ (٤٧١٢)، والبخاري (٥١٧٣)، ومسلم (١٤٢٩)، وهو الحديث الموفي عشرين لنافع، وسيأتي مع تمام تخريجه والكلام عليه في موضعه إن شاء اللَّه تعالى.
[ ١ / ٥٠٤ ]
ذكَره عبدُ الرَّزّاق (^١)، قال: أخبرنا معمرٌ، عن أيوبَ، عن نافع، عن ابنِ عمر، عن النبيِّ -ﷺ- قال: "إذا دعا أحدُكم أخاه فليُجِبْه، عُرسًا كان أو غيرَه".
وذكَره أبو داود (^٢)، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ عليٍّ، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّزّاقِ بإسنادِه مثلَه، وقال: "عُرْسًا كان أو دعوةً".
قال أبو داود (^٣): وكذلك رواه الزُّبيديُّ (^٤)، عن نافع، مثلَ حديثِ معمر، عن أيوبَ، ومعناه سواءً. وهذا قاطعٌ لموضع الخلاف.
وروَى الأعمشُ، عن شَقيق، عن عبدِ اللَّه بنِ مسعود، قال: قال رسولُ اللَّه -ﷺ-: "أجيبوا الدَّاعي، ولا ترُدُّوا الهَديّةَ، ولا تَضْرِبوا (^٥) المسلمين" (^٦).
وقد ذهَب أهلُ الظَّاهرِ إلى إيجابِ إتيانِ كلِّ دعوةٍ وُجوبَ فرضٍ بظاهرِ هذه الأحاديث (^٧)، وحمَلها سائرُ أهلِ العلم على النَّدبِ للتّآلُفِ والتَّحابّ.
وقد احتجَّ بعضُ مَن لا يرَى إتيانَ الدَّعوةِ إذا لم تكنْ عُرسًا، بقولِ عُثمانَ بنِ أبي العاص: ما كُنّا نُدْعَى إلى الختانِ ولا نأتِيه (^٨). وهذا لا حُجَّةَ فيه.
_________________
(١) في المصنَّف ١٠/ ٤٤٨ (١٩٦٦٦)، وعنه أحمد في المسند ١٠/ ٤١١ (٦٣٣٧). وهو عند مسلم (١٤٢٩) (١٠٠) من طريق عبد الرزاق الصنعانيّ، به. أيوب: هو السَّختياني.
(٢) في سننه (٣٧٣٨)، وعنده بلفظ: "نحوه" كما عند مسلم بدل "دعوة".
(٣) في سننه (٣٧٣٩).
(٤) هو محمد بن الوليد بن عامر الزبيدي.
(٥) في الأصل: "تضروا"، خطأ، والمثبت من بقية النسخ ومصادر التخريج.
(٦) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنَّف (٢٢٤١٨)، وأحمد في المسند ٦/ ٣٨٩ (٣٨٣٨)، والبخاري في الأدب المفرد (١٥٧)، والبزار في مسنده ٥/ ١١٥ (١٦٩٧) و(١٦٩٨)، وأبو يعلى في مسنده ٩/ ٢٨٤ (٥٤١٢)، وابن حبّان في صحيحه ١٢/ ٤١٨ (٥٦٥٣). ورجال إسناده ثقات. الأعمش: هو سليمان بن مهران، وشقيق: هو شقيق بن سلمة الأسدي، أبو وائل.
(٧) ينظر: المحلّى لابن حزم ٩/ ٤٥١.
(٨) أخرجه أحمد في المسند ٢٩/ ٤٣٦ (١٧٩٠٨)، والرُّوياني في مسنده (١٥١٨)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار ٨/ ٣٠ (٣٠٣٣)، وأبو القاسم البغوي في معجم الصحابة ٤/ ٣٥٠ (١٧٩٩)، =
[ ١ / ٥٠٥ ]
وقال بعضُهم: إنّما يجبُ إتيانُ طعام القادم من سَفَر، وطعام الختان، وطعام الوليمة. والحجَّةُ قائمةٌ بما قدَّمنا من الآثارِ الصِّحاح التي نقَلها الأئمةُ مُتَّصلةً إلى النبيِّ -ﷺ-، وهي على عُمومِها لا تَخُصُّ دعوةً من دعوة.
أخبَرني خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ محمدِ بنِ الفضلِ البغداديُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ العباس (^١)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أحمدَ بنِ أبي (^٢) المثنَّى، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ عون، قال: حدَّثنا سليمانُ الشَّيبانيُّ أبو إسحاق، عن أشعثَ بنِ أبي الشعثاء، عن معاويةَ بنِ سُويدِ بنِ مقرِّن، عن البراءِ بنِ عازب، قال: أمَرنا رسولُ اللَّه -ﷺ- بسبع، ونهانا عن سبع، أمَرنا بعيادةِ المريض، واتِّباع الجنائز، وإفشاءِ السلام، وإجابةِ الدَّاعي، وتَشمِيتِ العاطِس، ونَصرِ المظلوم، وإبرارِ القَسَم، ونهانا عن الشُّرْب في الفضَّة؛ فإنّه مَن شرِب فيها في الدُّنيا لم يشرَبْ فيها في الآخرة، وعن التختُّم بالذَّهب، وعن رُكوبِ المياثر (^٣)، وعن لِباسِ القَسِّيِّ (^٤)، والحرير، والدِّيباج، والإستَبْرَق (^٥).
_________________
(١) = والطبراني في الكبير ٩/ ٥٧ (٨٣٨١) من طرق عن محمد بن إسحاق بن يسار، عن طلحة بن عُبيد اللَّه بن كريز، عن عثمان بن أبي العاص، وإسناده ضعيف، محمد بن إسحاق بن يسار مدلّس وقد عنعن، وسماع الحسن البصري من عثمان بن أبي العاص مختلف فيه، قال المِزِّي في تهذيب الكمال ١٩/ ٤٠٩: "وقيل: لم يسمع منه"، وجزم بذلك ابن حجر في تهذيب التهذيب ٢/ ٢٦٤.
(٢) هو ابن الفضل بن يونس الموصليّ.
(٣) "أبي" سقط من ف ١.
(٤) المياثر: جمع ميثرة، كانت من مياثر المعجم، من حرير أو ديباج. ينظر: كشف المشكل من حديث الصحيحين ١/ ٢١٣.
(٥) القَسِّيِّ: ثياب من كَتّان مخلوطٌ بحرير، نُسِبتْ إلى قريةٍ على شاطئ البحر من تِنِّيس يقال لها القَسُّ بفتح القاف، وبعض أهل الحديث يكسرها. النهاية في غريب الحديث ٤/ ٥٩.
(٦) أخرجه أبو عوانة في المستخرج ١/ ٤٠٦ (١٤٩٧)، والبيهقي ٦/ ٩٤ (١١٨٤٢) من طريق جعفر بن عون المخزوميّ، به. وأخرجه أحمد في المسند ٣٠/ ٤٩٧ (٨٥٣٢)، والبخاري (٦٢٣٥)، ومسلم (٢٠٦٦) من طريق سليمان الشيبانيّ، به.
[ ١ / ٥٠٦ ]
قال البراءُ: أمَرنا رسولُ اللَّه -ﷺ- بسَبع. فذكَر منها إجابةَ الدَّاعي، وذكَر معها أشياءَ؛ منها ما هو فرضٌ على الكِفاية، ومنها ما هو واجبٌ وُجوبَ سُنّة، فكذلك إجابةُ الدَّعوة، واللَّهَ نسألُه العِصمة.
حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدٍ البِرْتيُّ، قال: حدَّثنا أبو معمر (^١)، قال: حدَّثنا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا أيوبُ، عن ابنِ سيرين، عن أبي هريرة، عن النبيِّ -ﷺ- (^٢) قال: "إذا دُعِيَ أحدُكم إلى طعام فليُجِبْ؛ فإن كان مُفطِرًا فليأكُلْ، وإن كان صائمًا فليُصَلِّ". يقول: فلْيَدْعُ (^٣).
قال أبو عُمر: قد جاءَ في هذا الحديثِ مع صِحَّةِ إسنادِه: "إلى طعام". لم يَخُصَّ طعامًا من طعام.
وحدَّثنا أحمدُ بنُ محمد (^٤)، قال: حدَّثنا وَهْبُ بنُ مسرَّة، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح (^٥)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللَّه بنُ نمير، قال: حدَّثنا أبو عاصم، عن ابنِ جريج، عن أبي الزُّبير، عن جابرِ بنِ عبدِ اللَّه، قال: قال رسولُ اللَّه -ﷺ-:
_________________
(١) هو عبد اللَّه بن عمرو بن أبي الحجّاج المنقري المقعد، وشيخه عبد الوارث: هو ابن سعيد بن ذكوان التميمي العنبري التنوري البصري.
(٢) قوله: "عن النبيّ" لم يرد في الأصل.
(٣) أخرجه أحمد في المسند ١٦/ ٢٢٩ (١٠٣٤٩)، والترمذي (٧٨٥)، والبزار في مسنده ١٧/ ٢٠٢ (٩٨٤٤)، وابن الأعرابيّ في معجمه (١٣٩٥)، والخطيب البغدادي في تاريخه ٧/ ٦٠٧ - ٦٠٨ من طريق أيوب السختيانيّ، به، وقال الترمذي: حسن صحيح.
(٤) هو ابن أحمد بن سعيد، أبو عمر الحبّاب، المعروف بابن الجسور الأمويّ، وشيخه وهب بن مسرّة: هو ابن مفرِّج، أبو الحزم التَّميميّ.
(٥) هو محمد بن وضّاح بن بزيع.
[ ١ / ٥٠٧ ]
"إذا دُعِيَ أحدُكم فليُجِبْ؛ فإن شاء أكَل، وإن شاء ترَك" (^١). وهذا أيضًا على عمومِه.
وحدَّثنا عبدُ الوارث (^٢)، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حماد، قال: حدَّثنا مسدَّدٌ، قال: حدَّثنا حمادٌ، عن أيوب، عن نافع، عن ابنِ عمرَ، قال: قال رسولُ اللَّه -ﷺ-: "أجِيبوا الدَّعوةَ إذا دُعِيتم" (^٣).
وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاق (^٤)، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ حمزة، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ محمد، عن موسى بنِ عُقبة، عن نافع، عن ابنِ عمر، أنَّ رسولَ اللَّه -ﷺ- قال: "أجِيبوا الدَّعوةَ إذا دُعِيتم لها" (^٥).
وهذا أيضًا على عُمومِه سُنَّةٌ مسنونةٌ، وباللَّه التوفيق.
_________________
(١) أخرجه مسلم (١٤٣٥) عن محمد بن عبد اللَّه بن نُمير الهمْدانيّ، به. وأخرجه ابن ماجة (١٧٥١)، وأبو عوانة في المستخرج ٣/ ٦٠ (٤١٩٠)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار ٨/ ٢٨ (٣٥٣٠)، وابن حبّان في صحيحه ١٢/ ١١٥ (٥٣٥٣) من طرق عن أبي عاصم الضحاك بن مخلد، به. ابن جريج: هو عبد الملك بن عبد العزيز، وقد قرنه أبو عوانة بسفيان الثوري، وأبو الزُّبير: هو محمد بن مسلم بن تدرس.
(٢) هو عبد الوارث بن سفيان بن جبرون القرطبي، وقاسم: هو ابن أصبغ البيانيّ.
(٣) أخرجه أبو عوانة في المستخرج ٣/ ٦١ (٤١٩٠) من طريق مسدَّد بن مسرهد، به. وأخرجه أحمد في المسند ٩/ ٢٦٨ (٥٣٦٧)، ومسلم (١٤٢٩) (٩٩) من طريق حمّاد بن زيد، به.
(٤) هو القاضي، وشيخه إبراهيم بن حمزة: هو الزُّبيريّ المدنيُّ، وهو صدوق حسن الحديث.
(٥) أخرجه الدارمي في سننه (٢٠٨٢) من طريق عبد العزيز بن محمد الدراوَرْديّ، به. وأخرجه البخاري (٥١٧٩)، ومسلم (١٤٢٩) (١٠٣) من طريق موسى بن عقبة الأسدي، به.
[ ١ / ٥٠٨ ]
قال أبو عمر (^١): زادَ القَعنبيُّ (^٢) وابنُ بُكير (^٣) في حديثِ مالكٍ هذا، عن
إسحاق، عن أنس، ذِكرَ القَديد، فقالا: لطعام (^٤) فيه دُبّاءٌ وقديدٌ. وتابَعهما على ذلك قومٌ؛ منهم أبو نُعيم، إلّا أنّه اختصَر ألفاظًا من هذا الحديث.
أخبرنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهير، قال (^٥): حدَّثنا أبو نعيم الفضلُ بنُ دكين، قال: حدَّثنا مالكُ بنُ أنس، عن إسحاقَ بنِ عبدِ اللَّه بنِ أبي طلحة، عن أنسِ بنِ مالك، قال: رأيتُ النبيَّ -ﷺ- أُتِي بمَرَقٍ فيه دُبّاءٌ وقديدٌ، فرأيتُه يَتَّبَّعُ الدُّبّاءَ يأكُلُه.
وفي هذا الحديث أيضًا إباحةُ إجَالةِ اليَدِ في الصَّحْفة، وهذا عندَ أهلِ العلم على وجهين:
أحدُهما: أنَّ ذلك لا يحسُنُ ولا يجمُلُ إلّا بالرَّئيسِ ورَبِّ البيتِ.
والآخر: أنَّ المَرَقَ والإدامَ وسائرَ الطَّعام إذا كان فيه نوعانِ أو أنواعٌ فلا بأسَ أن تَجُولَ اليدُ فيه؛ للتَّخيُّرِ مما وُضِع في المائدةِ والصَّحْفَةِ من صُنوفِ الطّعام، لأنّه لذلك قدِمَ، ليأكُلَ كلَّ ما أراد. وهذا كلُّه مأخوذٌ من هذا الحديث.
_________________
(١) هذه الفقرة والتي تليها لم تردا في ق.
(٢) وهو عبد اللَّه بن مسلمة، وعنه أخرجه البخاري (٥٤٣٦)، وأبو داود (٣٧٨٢).
(٣) ومثل ذلك زاد: أبو مصعب الزُّهري في موطئه (١٦٩٠)، وعبد اللَّه بن يوسف التنِّيسيّ عند البخاري (٢٠٩٢)، وقتيبة بن سعيد عند مسلم (٢٠٤١)، والنسائيّ في الكبرى ٦/ ٢٣٠ (٦٦٢٨)، وعبد اللَّه بن وهب عند أبي عوانة في المستخرج ٥/ ١٨٤ (٨٣٢١)، وغيرهم.
(٤) في الأصل: "بطعام"، والمثبت من ف ١.
(٥) في تاريخه الكبير ٢/ ٩٨٠ (٤٢٢١). وأخرجه الدارمي في سننه (٢٠٥٠)، والبخاري (٥٤٣٧) عن أبي نعيم الفضل بن دُكين، به.
[ ١ / ٥٠٩ ]
أَلَا ترَى أنَّ رسولَ اللَّه -ﷺ- جالَت يدُه في الصَّحفَةِ يتَّبَّعُ الدُّبّاء؟ فكذلك الرُّؤساء، ولمّا كان في الصَّحفَةِ نوعان، وهما اللَّحمُ والدُّبّاء، حَسُن بالآكلِ أن تَجُولَ يدُه فيما اشتهَى من ذلك، بدليلِ هذا الحديث، ولا يجوزُ ذلك على غيرِ هذين الوجهين؛ لقولِ رسولِ اللَّه -ﷺ- لعمرَ بنِ أبي سلَمة: "سمِّ اللَّهَ، وكُلْ بيمينِكَ، وكُلْ مما يلِيكَ" (^١). وإنّما أمَره أن يأكُلَ مما يليه؛ لأنَّ الطَّعامَ كان كلُّه نوعًا واحدًا، واللَّهُ أعلم. كذلك فسَّره أهلُ العلم.
وفيه أيضًا ما كان القومُ عليه من شَظَفِ العيشِ في أكلِ الشَّعيرِ وما أشبَهَه، وما كانوا عليه من المُواساةِ وإطعام الطعام مع ما كانوا فيه من هذه الحال، وقد رُوِيَ أنَّهم كانوا يُكثِّرون طعامَهم بالدُّبّاء.
ذكر الحميديُّ (^٢)، عن سفيانَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ أبي خالد، عن حكيم بنِ جابرٍ الأحْمَسيِّ، عن أبيه، قال: دخَلتُ على النبيِّ -ﷺ-، فرأيتُ عندَه الدُّبّاءَ فقلتُ: ما هذا؟ فقال: "نُكَثِّرُ به طعامَنا".
ومن صريح الإيمانِ حُبُّ ما كان رسولُ اللَّه -ﷺ- يُحبُّه، واتِّباعُ ما كان رسولُ اللَّه -ﷺ- يَفعَلُه، -ﷺ-؛ أَلَا ترَى إلى قولِ أنس: فلم أزَلْ أُحبُّ الدُّبّاءَ بعدَ ذلك اليوم.
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند ٢٦/ ٢٥٢ (١٦٣٣٢)، والبخاري (٥٣٧٦)، ومسلم (٢٠٢٢)، وابن ماجة (٣٢٦٧)، والنسائيّ في الكبرى ٦/ ٢٦٣ (٦٧٢٦) من حديث وهب بن كيسان، عن عمر بن أبي سلمة، به.
(٢) في مسنده (٨٦٠)، ومن طريقه ابن قانع في معجم الصحابة ١/ ١٣٧، والطبراني في الكبير ٢/ ٢٥٨ (٢٠٨١)، بلفظ: "نُكثِّر به طعام أهلنا". وأخرجه أحمد في المسند ٣١/ ٤٤٧ (١٩١٠٠) عن سفيان بن عيينة، به. وأخرجه الترمذي في الشمائل (١٦٣)، وابن ماجة (٣٣٠٤)، والنسائي في الكبرى ٦/ ٢٣١ (٦٦٣١) من طريق إسماعيل بن أبي خالد الأحمسي، به. إسناده صحيح.
[ ١ / ٥١٠ ]
حدَّثنا خلفُ بنُ قاسم بنِ سهل، قال: حدَّثنا أبو الطاهرِ محمدُ بنُ عبدِ اللَّه القاضي بمصرَ، قال: حدَّثنا موسى بن هارونَ بنِ عبدِ اللَّه الحمّالُ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبّاد، قال: حدَّثنا سفيانُ -يعني ابنَ عُيينة- عن مالك، عن إسحاقَ بنِ عبدِ اللَّه بنِ أبي طلحة، عن أنس، قال: رأيتُ رسولَ اللَّه -ﷺ- يتَّبَّعُ الدُّبّاءَ في القَصْعَة، فلا أزالُ أُحبُّه (^١).
ورواهُ جماعةٌ من أصحابِ ابنِ عُيينة، عنه، عن مالكٍ، بإسناده هذا (^٢).
_________________
(١) أخرجه الحميديُّ في مسنده (١٢١٣)، وأحمد في المسند ١٩/ ٤٩٣ (١٢٥١٣) عن سفيان بن عيينة، به. وأخرجه الترمذي (١٨٥٠)، وأبو عوانة في المستخرج ٥/ ١٨٤ (٨٣٢٢)، وأبو الشيخ الأصبهاني في أخلاق النبيِّ -ﷺ- (٦٦٧). وهو في الموطّأ ٢/ ٥٥ (١٥٧٤) وهو حديث هذا الباب، وسلف تمام تخريجه من طريق مالك.
(٢) ومنهم: محمد بن ميمون المكّي عند الترمذي (١٨٥٠)، وعليّ بن المدينيّ عند أبي عوانة ٥/ ١٨٤ (٨٣٢٣)، وإسماعيل بن يزيد القطّان عند أبي الشيخ في أخلاق النبيِّ -ﷺ- (٦٦٧).
[ ١ / ٥١١ ]